|
حسين السكاف
في وقت الأصيل وحين يختبئ نصف قرص الشمس في الأرض، يسكن الطير
والبشر على تلك الأرض وكأن الشمس قد أوعزت لهم بذلك، عندها
يظهر الصوت الذي يبدأ أنيناً ثم يعلو غناءً شجياً مخترقاً
سكوناً أرضياً ساحراً، إنه صوت أبو سرحان، المزارع الذي اتخذ
منذ ولادة الحياة على تلك البقعة من الأرض جذع النخلة المقطوع
مقعداً له ( يقولون إن فارساً مجهولاً قد أتى عند وقت الأصيل
وترجل عن جواده ثم استل سيفه وضرب جذع النخلة التي كانت تشكو
من مرض خطير كان يهدد نخيل المنطقة كلها. ضرب الفارس جذع
النخلة المصابة بسيفه فوصل السيف إلى منتصف الجذع وسكن فيه،
عندها عجز الفارس من سحب سيفه مما حدا به إلى نزع رسنَ جواده،
وراح يتسلق الجذع لمسافة طولين على امتداد قامته ليربط الحبل
حوله، ثم عاد إلى الأرض وأخذ يسحب الحبل ويرخيه فتميل النخلة
بإتجاهه ثم ترتد ليسحبها ثانية، وفي كل مرة يزداد انحناء
النخلة باتجاه الفارس ويزداد أنينها حتى هوت على الأرض، عندها
أخذ شكل الجذع المكسور الثابت بالأرض شكل المنبر أو الكرسي
العالي أو العرش كما أطلقوا عليه الناس ( عرش أبي سرحان ) ومنذ
ذلك الحين الذي لم يُعرف تاريخه أصبح جذع النخلة عرشاً غنائياً
إلى مطرب الشمس أبي سرحان. كان يجلس عليه متجهاً صوب القرص
الأحمر، مطلقاً أناته وكلماته الشعرية التي لا أحد يعرف
ناظمها، كان صوته ساحراً، فالسماء تصطفي أشخاصاً لتهبهم
نعيمها، وكان أبو سرحان واحداً من هؤلاء، حيث وهبته نعمة الصوت
الجميل، كان يغني الحياة بأكملها، كان يغني حبيبته التي غابت
ولم يجد لها أثراً. والشمس عند الأصيل هي الصورة التي رسمها
أبو سرحان لتحتوي حبيبته وأناته في آن واحد، حيث ذهبت مخيلته
إلى أن يمنح النصف الذي يدخل الأرض أولاً إلى حبيبته فيكون
النصف الآخر له. يبدأ بالأنين وترتيل كلمات مبهمة لا يعرفها
سواه حالما يلامس قرص الشمس خط الأفق العابق برائحة العنبر،
وحين يختفي نصف القرص الدامي يعلو صوته بالغناء.
أصبح أبو سرحان بطلاً أسطورياً لقصص الجدات والأمهات حين يسكن
الليل ويبدأ الأطفال مندفعين بغريزتهم التي تطالبهم النوم،
ليطلبوا منهن سرد الأحاديث والقصص، ومن القصص التي تناولت أبا
سرحان من تقول رداً على سؤال أحد الصغار، إن الله قد بعث بأبي
سرحان ووهبه ذلك الصوت الشجي الجميل كي يوحي إلى الطيور والبشر
وسائر الحيوانات أن وقت السكينة قد حان، فيستكين كلٌ في داره
وعشه وزريبته.
هذه القصة التي كانت تحكيها له جدته " زكية " ظلت عالقة في
ذاكرة علاء سنوات طوال وقد حاول جاهداً أن يطبعها في مخيلة
أطفاله الأربعة وقد نجح في ذلك كما يعتقد.
بقيت صورة ذلك الفارس المجهول تعتمر مخيلته على الدوام، فالسحر
الذي فيها واللغز الكبير في كيفية معرفته بمرض النخلة، وإنقاذ
النخيل المتبقي من الإصابة، أثارت فيه العديد من الأسئلة التي
أصبح يجد لها أجوبة مع مرور السنين، أصبح علاء عاشقاً للنخلة،
وكان كثيراً ما يردد مع نفسه وأصدقائه وأبنائه وحتى من يلتقيهم
في مناسبات قصيرة، بأن النخلة هي سيدة الشجر، عظيمة الهيئة
رقيقة القلب، وعلى الرغم من عظمتها
وشموخها وصمودها بوجه الرياح والعواصف فهي بسيطة الكسر، وحين
يسألونه
عن بساطة كسرها مندهشين، يأخذ بشرح طريقة ذلك الفارس المجهول.
في طريقه للقاء أصدقائه في مقهى " حمود الشبيب "، بعد أن هدأت
أصوات الإنفجارات وضجيج الطائرات، وتوقف سيل النعوش القادمة من
الجنوب منذ ثلاثة أشهر، شاهد مذعوراً جزءاً من تلك القصة
الساحرة. لقد شاهد صبياً في الثانية عشرة من عمره وهو يجذب جذع
نخلة بحبل كالحبل الذي سكن ذاكرته في قصة جدته عن ذلك المطرب "
مطرب الشمس " وبالطريقة نفسها. كان ذلك الصبي " عمار ابن شحاذة
" الذي يعرفه جيداً منذ ولادته في ذلك العام المشؤوم الذي كان
بداية لحمامات الدم. وقف مذهولاً لمشاهدة ذلك المشهد. ترى هل
عمار هو ذلك الفارس؟، ودون أن يفكر بالجواب على تساؤله ذاك راح
يتابع حركات عمار وهو يجتهد في عمله، حتى هوت نخلة عظيمة، نخلة
عمرها عمر كلكامش أو نبوخذ نصر أو السياب إلى الأرض الرطبة،
صرخ به " يا عمار ماذا تفعل؟ " قال: " أمي بحاجة إلى حطب
لإشعال موقدها ". هنا عاد علاء إلى الحقيقة، إلى واقع الحصار
وشحة المحروقات، واقع الجوع والموت، واقع المسرحية التي أطعمت
الكلاب السائبة لحماً بشرياً. عندها قال بصوت مسموع بعد ما عاد
إلى رشده:
" كل الصور الجميلة قد شُوهت حتى تلك التي كانت تدفئ مخيلتي.
|