العدد 13 -------------- تشرين ثاني 2004     

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

(المركز والهامش  )

 

   

 

- قراءة في المشهد العراقي الآن-ثقافيا واجتماعيا وسياسيا.

وديع شامخ

 

ان المناهج النقدية الحديثة التي عنيت بدراسة المفهوم غير التقليدي للمتلقي و التي مارست اشتغالها على النص الأدبي وغيره من النصوص ، بوصفه رسالة يقف ورائها منتج ( باث) ومتلق يعاين هذه الرسالة ضمن فضاء اتصال معين ، قد دعت إلى توسيع رقعة العلاقة بين النص وهذا المتلقي الجديد عن طريق خلخلة الدور التقليدي الذي كان يمارسه إزاء الرسالة( النص)، فالقارئ في العلاقة الجديدة يفتح  قدرا غير محدد من احتمالات التأويل وإعادة إنتاج المعنى  كما يذهب بول ريكور الى ( القارئ بوصفه مستعيدا لمعنى النص ومالكا له ) ، وبهذا تذهب الحرية التي وفرتها العلاقة بين الرسالة والمرسل إليه إلى قراءة النص قراءة تفكيكية. أي ان القارئ المنتج يهمل معنى الكاتب الأول للنص ا لذي كان الهدف الرئيسي للقراءة في التلقي التقليدي ان القارئ هنا (الآن) ينتج هوامشه الخاصة ، يقيم مع النص علاقة حوارية ، يبحث عن اللامعنى المهمش والمقصي ، يذهب بحيلة الكاتب الأول إلى مراجعة شاملة ، يضيف او يحذف . لكن هذه الحرية لا تعني في المقابل إهدارا لدم المنتج الأول أو إهدار لدم الرؤيا على حد تعبير القاص محمد خضير-، بل هي إجازة للقول على القول ، أو البحث عن معنى المعنى .كما يذهب الجرجاني .

ولم تكن هذه الحرية للقارئ الجديد إلا إعادة لدور الكاتب الأول بوصفه مراقبا من عدد غير محدد من القراء وهذا يؤدي إلى تخصيب النص الأول والابتعاد به عن الأحادية ، كما ان هذا الثراء التي توفره القراءة الجديدة سيكون الفارز للنصوص المهيمنة بسطوة (خارج نصية ) غالبا ما تكون أيديولوجية تتعامل مع النصوص ومنتجها بوصفهما سلعة مؤممة لصالح من يقف وراء تسويقها لأغراضها الخاصة.أي ان المتلقي الجديد يمثل دور العقل الفاعل الذي تعطل وهمش بفعل سيادة النمط الواحد المكرر الببغاوي والتابع للمعنى الذي يصدره  المنتج الاول -

من هذا الفهم الجديد للعلاقة بين النص ، الرسالة، وبين المتلقي سوف تخرج التوصيفات الجاهزة من قبوها ، تكون أمام رسالتها الإنسانية والجمالية .- سوف يكون المنتج الأول أمام خيارات القراءة والوعي بها رفضا أم قبولا ، وفقا  الى مستوى القارئ او مستويات القراءة - . كموضوعة لا تطلب تسيسها كموضة سائدة إلى حين انتهاء صلاحيتها ، فالنص الحقيقي ( الحقيقة بوصفها خيارا وليس مسلمة مقدسة) سيكون بمنأى عن التسويق المبرمج ، سيكون نصا يجاور المحنة ويحاور الممتحنين .يكون أي نص (هو اجتهاد لفاعلية عقلية لا تمثل نسقا مغلقا لحقيقة نهائية ولا سيما في النصوص الفكرية والتي تعالج المفاصل الحيوية للإنسان في المجال الاقتصادي والاجتماعي والديني والنفسي ،وفلسفي ،،، . الخ.) بحسب المفكر العربي علي حرب.

ولو آخذنا هذه المقدمة النظرية لتعميمها على حوادث اجتماعية وسياسية وأيديولوجية ،  على الواقع العراقي الذي  يحتاج إلى مراجعة شاملة لمفهوم المركز والهامش لوجدنا ان العلاقة الجديدة بين المركز المزاح ( سقوط تمثال صدام حسين وحتى القبض عليه) والفسحة الانتقالية التي أتاحت للمهمش الأول المركز المحايث- (القوى والأحزاب السياسية العراقية المعارضة) . ان يعلن سعيه لاستعادة سطوة المركز للمهمش الثاني( العراقي بكل توصيفاته ) والذي لم يتعلم بعد تذوق مكانة المركز . وبما ان المجتمع العراقي لا يخلو من أمراض صناعة المركز ومن العقلية التبريرة لفرض الأمر الواقع والتعامل معه بمازوشية مقرفة ، أو التماهي مع السادية السياسية بوصفها ( كاريزما) يجدها في النموذج البطل ، المخلص .وسوف ابدأ بمناقشة الهامش والمركز بمستويين أزعم انهما يستحوذان على المشهد العراقي الآن

.

أولا:

 

(الأدب العراقي بين الداخل والخارج )

لم يشهد أدب شعب وثقافته إلى هذا الذبح المجاني مثلما عاناه ويعانيه المشهد الثقافي العراقي الآن . وإذا كان من الجائز ان يمر الأدب بأدوار استحالة السلطة معايشة قسرية لكن من غير الجائز ان يكون الأديب والشاعر والمثقف عموما مباركا أبديا لمخاض وولادة النظام السياسي واشتراطاته ووصاياه على إنتاج نمط من الأدب المدجن لذا  فالأدب العراقي إبداعا وتنظيرا في المرحلة السابقة- يخضع الآن إلى مراجعة نقدية شاملة لا تحتاج إلى توصيف سلطوي لاسيما وان المبدع /. هو المثقف غير المدجن وان كان في الداخل أو في الخارج ،

-داخل من وخارج من -؟

كان الفيلسوف الالماني- نيتشه -يذهب إلى إقصاء كل مخاوف الإنسان إزاء مصيره الميتافيزقي لاعادة الاعتبار إلى مصير الإنسان بوصفه صانعا لمركزه ،

هل يحّل لنا كأدباء ان نناقش موضوعة الهامش والمركز متخطين مفهوم الفاعل الأوحد لانتاج المركز والهامش  ومتخطين سطوة الوهم الشائع .بمعنى آخر هل يمتلك  المثقف ارادة السوبرمان  طالما ان اشتغاله يبقى عصيا على التدجين السياسي ، هل المبدع يعيد  الاعتبار للمبدع الخالق ، للرائي ، الشكاك ، الناقد العليم .؟؟

وبقدر تعلق الأمر بالإبداع العراقي ومحنته في الصراع الأبوي بين الداخل والخارج سوف يسقط الأدباء أنفسهم في خانة العماء السياسي ، وسوف يجدون أنفسهم مقسومين بين ارث السلطة ونصها المقدس .عند المركز السابق والخطاب السياسي الآن.

فليس من طريق مقدس للوصول إلى الحقيقية . الحقيقة المفترضة في خطاب النخبة .لقد فشلت النخبة بتعريف الحقيقة للعامة لأنها أصلا لا تدرك المعنى لان واجبها السابق كان مقترنا من ارتباطها الشرطي مع الحقيقة ، وفق مفهوم( بافلوف ).للطاعة .في إنتاج المقدس وفقا للأجراس واللعاب والإدمان على تكراريتها في طريقة منظمة ترفع خطاب المركز إلى المقدس والناطقين بحوله إلى مرحلة التكرار الأعمى .

 

لذا فان أدب الداخل أدب الخارج هو ضرب من الولائم العارية ،وكأن الأديب الخارج هو النبي القادم ، وأفاعي أدباء الداخل قد أبدلت جلودها و أصبحت مثالا للحكمة.

بين براغماتية الداخل ودوغمائية الخارج  السياسية.يقف المبدع بلا  لسان التنين ، ولا جبة الحلاج.!!

ليس من أدب يخضع لمسوغات كهذه إلا الأدب العاري من سيرته نصا وموقفا ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‌‌‍‍.

فمن كان أديبا عاريا بشروط الطفولة للإشارة الى ثياب الإمبراطور ؟

ومن كان عاقلا لنزوة الحرير والنساج ؟

من كان سبابة لنسف الموكب ؟

من كان نولا للحكاية ‍‍‍‍‍‍ّ‍‍‍‍‌‍؟

فالطرح الآن على فرز الأدب العراقي إلى داخل وخارج لا يخلو من التسليم بثنائيات أيديولوجية سوقها النظام السابق وأجهزة إعلامه ، والذين  أرادوا تجيير الأدب والأدباء الذين بقوا في الداخل لاسباب مختلفة ولكنهم اعني الأدباء الذين ظلوا خارج المؤسسة الرسمية واشتراطاتها- أنتجوا أدبا رائعا على مستوى الشعر والقصة والرواية والنقد مرورا بالمسرح والتشكيل ..الخ.وعانوا من مقصات الرقيب الثقافي والسجن والتعذيب وصولا الى الموت من قبل أجهزة النظام البوليسية التي استلمت خطورة هؤلاء من تقارير زملائهم في وزارة الثقافة العراقية ، ان هؤلاء وزملائهم في الخارج الذين لم يرضخوا لسلطة المعارضة بخطابها السياسي والمماثل لخطاب النظام الحاكم- هما ضحية هذا الخلط المفهومي للنظر إلى الأدب والإبداع عموما . فالسلطة آنذاك كانت تحاول بكل أساليبها ان تجير الأدب العراقي في الداخل لإضفاء شرعيتها على المنجز الإبداعي العراقي وجعله ندا للأدب العراقي المنتج في الخارج ، وبالطبع فان هذه النظرة التجزيئية المقصودة للإبداع العراقي واقترانها بشرط غريب الداخل او الخارج- الذي يماثل في نظري الصراع بين المركز والهامش -. يجب ان لا تنطلي على المبدع الحقيقي وتصبح أحد العقبات التاريخية ، ان لم نقل إبداعية ، لمعاينة المنجز العراقي الإبداعي .ان مطب الداخل والخارج هو لعبة خارج إبداعية- فلو تطلعنا إلى الأدب العراقي المنتج في الخارج على طول تأريخ الأدب العراقي سنجد ان من أهم وانضج التجارب هي التي ولدت في الخارج خارج الفهم الرسمي للمركز- كما هو الأمر على الأدب المنتج في الداخل يوم كان التقييم الأدبي لا يخضع لمثل هذه المزايدات السياسية العقيمة. ولو تفحصنا تاريخ آداب العالم سنجد ان الأدب والإبداع عموما لا وطن له- فدانتي- أنجز عمله الملحمي الكبير الكوميديا الإلهية- وهو خارج بلده منفيا من قبل ساسة فلورنسيا ، والأمثلة كثيرة على هذا النمط .

فالإبداع غير مشروط بزمن أو محيط جغرافي محددين ، لاسيما وان ثورة الاتصالات الحديثة قد اختزلت الحدود مكانية وزمانية . ان وجود الكائن المبدع في الداخل او الخارج هو خيار شخصي قبل كل شيء واما المزايدة على وجود هذا هنا وآخر هناك هو ضرب من الأداء الفارغ والبعيد عن مفهوم الأبدع . لان النظام القمعي السابق قد جعل من الجميع ضحايا وليس أبطالا .فلا الداخل كان تحت رحمة الإرهاب العاري حسب التوسير-0وهو مفهوم يتعلق بممارس الإرهاب على المثقف بصورة خاصة على نتاجه الإبداعي وليس على موقفه السياسي .ولا الخارج كان خارجا من اجل عيون الأدب وحده برغم بعض الاستثناءات ( وهؤلاء) قد سبق لبعضهم التعايش مع النظام السابق ومكرماته السخية! وازعم ان مثل هذا التصنيف للأدب العراقي هو تضبيب للرؤيا وخلط الأوراق لجعل الخطاب الثقافي بكل تجلياته تابعا للخطاب السياسي أينما حلّ نظام حكم او معارضة- واعتقد ان المبدع لا ينجر الى هذه الدوغما التي لا تريد للمبدع ان  يكون في خانة مجيرة لهذا التيار او ذاك .لقد قلنا في المقدمة ان العلاقة بين المرسل والمتلقي قد أصبحت خارج هيمنة المركز المنتج الأول في النص ولكن هذا الخروج من سطوة المنتج قد وفر للنصوص الإبداعية ومنتجيها تجاوز مفهوم المركز والهامش وفق نظرية أدب الداخل والخارج- واستطاعوا بنصوصهم ان يربكوا هذه المعادلة ولم يجيروا لصالح أحد . ومما يؤسف له ان بعض المحسوبين على الإبداع العراقي في الداخل او الخارج ( او المستفيدين من هذا التقسيم من الأدباء ) يسعون إلى جعل الشرعية الأدبية تنحصر في هذا الإطار الضيق .

ولقد كانت أولى هذه الكوارث ما حصل من تغيير المناصب او المسؤوليات  في الاتحادات الفرعية وفي بغداد . وعودة الاخوة في بغداد إلى ممارسة ذات الأسلوب المركزي مع اتحادات المحافظات

(وهذا ما أشار إليه الأديب حاتم العقيلي رئيس اتحاد أدباء البصرة في جريدة الأخبار البصرية) إذ يقول المحرر لصفحة ثقافة في العدد الصادر في الأربعاء والمصادف 24 أيلول للعام 2003 (وفي ضوء ما طرحه الأستاذ العقيلي نستشف بأن القيمين في بغداد اليوم ما زالوا أسرى المفاهيم البيروقراطية السابقة والمتمحورة حول تعزيز آليات هيمنة محافظة بغداد المركز- على المحافظات الأخرى الفروع . فالبغدادي -- طبقا لتلك المفاهيم التقليدية هو العراقي ، والمحافظاتي مجرد شروكي أو تابع أبدي يدور حول مركز العاصمة ، المعتاشة منذ نشأتها على كدح الشروكية الثقافي والجمالي ).  والطريف في الأمر ان كلا الطرفين كان مهمشا فعلا سابقا !!

والطريف الآخر في الأمر ان تصدر دعوات من أدباء قضوا القسم الوفير من حياتهم خارج العراق ورجعوا للوطن يدعون- إلى قطيعة صحية ونابذة  مع أدباء المنافي البراقة وهذا ما جاء  في نفس العدد من الجريدة (ومن جهة أخرى نعتقد أن على أتحاد البصرة . العمل على تأسيس نوع من القطيعة الصحية النابذة لوصاية مثقفي المنافي البراقة الذين سيعودون ، بعد التأكد التام من تبريد سخونة الواقع العراقي الراهن ، وفي جيوبهم أوراق تزكيهم قادة ثقافيين) . وبهذا نتوصل الى افتراض معقول، ان الذين تصدروا المشهد الإعلامي للثقافة العراقية في العهد السابق المركز- قد تركوا لخلفهم إصابات فايروسية ، لا يشفى منها إلا الذين تحصنوا من عبء المركز والهامش معا ، هؤلاء الأدباء في الداخل والخارج الذين فضحوا اللعبة ، وتما هوا مع نصوصهم الإبداعية ومشاريعهم الجمالية والإنسانية وجعلوها البديل الإبداعي للثنائيات المقحمة عليه( المركز والهامش) بوصفهما مواقع إدارية وتنظيمة لا تمت الى الإنتاج الفكري والإبداعي بصلة لاسيما ان المحرر نفسه يعترف بأن ( كدح الشروكية هو الأساس الحقيقي للثقافة العراقية ) وأن ( من كان مهمشا ومطموسا وساكنا بوعي تحسبي ،ومن رفض بريق المنافي ومازوخيات الحنين ، عن بعد من أختيار البقاء داخل أنشوطة الوطن السجن هو المثقف المنوط به مهمة تأسيس الثقافة العراقية غير الرسمية ، ) . أن هذه النظرة  التجزيئية سوف تفضحها الطبيعة التوصيفية للفرق بين المبدع والسياسي في النظر للهامش والمركز .ومن المفيد  ان نشير الى فوز الشاعر العراقي حسب الشيخ جعفر بجائزة سلطان عويس   وهو يعيش في المنفى غير البراق الذي أشتكى يوما من عوزه من اقتناء عدة جرائد يروم قراءتها وقال: أن المدن جيوب . والقاص العراقي محمد خضير- المدمن على البقاء في البصرة تاركا أمر المركز والهامش  وسائحا في تخوم يوتوبياتا الإبداع والفائز   بجائزة سلطان عويس أيضا  دليلا على إسقاط نظرية المركز والهامش  والداخل والخارج؟لاسيما وأن المبدعين لا ينتما الى العاصمة (بغداد) كمركز !!! ولعل اجمل تعليق لمحمد خضير على فوزه بالجائزة لجريدة الزمان ما معناه- قد يكون غيرا لفائز بهذه الجائزة من يستحقها فعلا -.وهذا يؤكد وعي المنتج بالمشاركة مع  الآخر ( ولا أظنه هذه المرة خجلا بصريا ).لأنه يعي مسؤوليته الإبداعية ، والتي تعني أنصاف المنتج الآخر وليس مصادرته وفق المفهوم السياسي .  هنا نستطيع ان نحدد في الأدب من المركز ومن الهامش ؟.و بالرجوع إلى السيرة الجوانية للنصوص مع المتلقي الجديد الذي لم يتوانى مع الحرية المشروعة لقبول النص خارج مجاله كرسالة جمالية وإنسانية . وتتكرر الأمثلة في الأدب العراقي المنتج في الداخل والخارج لابطال مفهوم المركز كنواة لانتاج الأدب و الهامشي كمعنى مقصي ويبحث عن مركز .ولا يمكن للمبدع ان يناقش المركز والهامش إلا عبر مفهوم سياسي واخر لا يقل خطرا وهو مفهوم الهوية الوطنية والنضال من اجلها وهو مفهوم ملتبس !.وكذلك التأسيس لمفهوم الأدب بشرط جغرافي ينقل الإبداع من مفهومه الإنساني الى مناظرات سفسطائية . أن النقاش حول الهامش والمركز يتطلب من

المثقف والمبدع وهما المركز والهامش معا . والازدواجية لا تعني هنا التورط بمفهومها العام ، بل تعني السخرية والوعي بهما معا أن كان المركز يعني تهميش مصادر قوته .

 

 

ثانيا:

 

الديمقراطية والأكثرية؟ والانتخابات.!

 في الظروف التي يمر بها العراق الآن ونعني تحديدا المرحلة الانتقالية- ، يتطلب من الجميع 0(المتلقين) الالتفات إلى خطورة هذه الفترة واستيعاب ما هو المطلوب إنجازه في حقبة قلقة أعقبت تاريخا طويلا من التعسف في استخدام وتطبيق مفاهيم كبرى في حياة الشعوب كالحرية التي تعني الشرط الشخصي لحياة الكائن البشري بغض النظر عن شرط الأكثرية بكسب الثقة على حكمها ، والديمقراطية بوصفها حكما للأكثرية في مرحلة استقرار سياسي ناجز يكون الدستور فيه ليس قانونا فقط وإنما هو التعبير الأمثل عن سياق حضاري شامل ينظم العلاقة بين المواطنين خارج أهواء من يفوز في الانتخابات لمرحلة زمنية ما. وبما إننا في صدد الحديث عن الخيارات المتاحة للشعب العراقي في تحديد مستقبله على كافة الصعد ، ونحن في مرحلة انتقالية يشاطرنا الأخر ( المحتل المحرر- الحليف ) في الرأي والقرار ، ان لم يكن هو الفاعل الأول في إدارة القرار .علينا ان نعاين تجربة الأخر وتحديدا النموذج الأمريكي في هذه التجربة  والتي حصدتها تجربة الولايات المتحدة الأمريكية بعد استقلالها من الاستعمار  البريطاني وحتى الالتباس الذي حصل في نتائج الرئاسة الأمريكية عام 2000 وهي النتيجة التي أوصلت جورج بوش الابن للحكم بمعادلة قلقة لكنها لم تسيء أبدا إلى المصالح والحريات المكفولة للجميع ، بمعنى ان الانتخابات ويقين الأغلبية من الفوز بها لا تصلح لموضوعة التشريع الاستراتيجي للمجتمع ونعني الدستور- .فالالتباس الحاصل الآن في الأفق العراقي  ليس على مشروعية الانتخابات ، بوصفها حقا للقاريءالجديد ، أملته ظروف التغيير في العراق ولكن الاختلاف على توقيت مثل هذه الانتخابات على مجلس حكم او برلمان سيكون له اليد الطولي في سن القوانين في مناحي الحياة المختلفة والتي ستكون الدستور الدائم للعراق أو إحدى أهم دعائمه في التصويت القادم على مسودات الدستور وهنا سيكثر التأويل

 . وبما ان الأكثرية لا يمكن ان تكون مصدرا للتشريع للقوانين الدائمة ولا سيما في وضع انتقالي ، استثنائي كالذي يمر به العراق الآن .ولان سلطة الأكثرية لا تأتي من قبيل كفاءتها بل من همينتها على الالتزام بخطاب أحادي كان مقصيا مهمشا بفعل ذات الأحادية وشروط حيازتها للحق في العهد البائد . فان (غياب القوانين المتفق عليها لممارسة حق الاختلاف  يسعى كل خطاب لان يتحول الى سلطة يجب على الخطاب ان يمارس سلطته بأدواته من حيث هو خطاب ، أي باليات الإقناع والحفز المعرفي ، وليس الاتكاء على سلطة مستمدة من خارج بنية الخطاب ) كما يذهب المفكر العربي نصر حامد أبو زيد .

أي أننا كعراقيين يجب _او يفترض _ ان لا ننساق الى ظروف استثنائية وبكل قسوتها الى تعويم يؤدي الى مصادرة  حاضرنا والمستقبل .

ان العراق الذي كان ضحية للديكتاتورية بكل مسوغاتها الوطنية

والدولية (أرجو ان لا يعجب أحد العراقيين من مساهمتنا في صناعة الديكتاتور) ومسوغاتها الدولية .فنحن إذن لا نستبدل أصناما بأخرى ، وإذا حفلت المرحلة الانتقالية وما قبلها   بتنازلات من اجل الخلاص من التكفير . وحتى لا نجبر ثانية على العيش في زمن ( التقية) علينا ان نراجع أنفسنا ومنهجنا في التفكير _وهذه مهمة الجماعات _ الفكرية والحزبية والمراجع الدينية والأحزاب الدينية والعلمانية والإلحادية . فان  (حكومة من الشعب، يختارها الشعب، من أجل الشعب، يجب ألا تزول من على وجه هذه الأرض) هذا ما جاء في خطاب أبراهام لينكولن عام 1863." وقد أشار بعبارة "حكومة من الشعب، يختارها الشعب، من أجل الشعب )للدلالة على ان الديمقراطية ممارسة عسيرة ، بل لعلّها الأكثر تعقيداً وصعوبة من كل أشكال الحكم الأخرى. إنها حافلة بالتوترات والتناقضات، وتتطلب من القيمين عليها بذل كل جهد وعناية في سبيل نجاحها.

كان يمكن للعراق بعد سقوط نظام صدام ان يحصد ثمار تجربته لولا الحسابات غير الدقيقة لكل الأطراف التي وافقت على الحل ( البنتاغوني) ونعني بالذات عقيدة رامسفيلد التي وجدت لها تجاوبا من الرئيس الأمريكي "( وكان هو مهووسا بالقضاء على حكم صدام لمسائل ابعد من سقوطه في الطرق الأخرى ومنها الدخول في حرب مباشرة) أو فيما يتعلق بالظروف الداخلية للعراق بأوراقها المختلطة أصلا .لكن هذه الحسابات غير الدقيقة قد أفرزت هي الأخرى واقعا مجتمعيا حائرا في الدخول الى جنته المفترضة ونار الآخرين .وهذا لايتأتى إلا من "  أن العناصر الأساسية للحكم الديمقراطي، الذي وصفه على أفضل نحو، تنطبق على كل بلد يطمح لأن يكون مُجتمعاً ديمقراطياً.))

إن  الديمقراطية لنظام تعمد على أهمية وضرورة ان يكون  المواطنين  معنيين بعملية صنع القوانين وأن يشعروا بأنهم هم أصحاب هذه القوانين. هل نحن من الأهلية لإصدار دستور وفقا لمبدأ الأكثرية او صياغة مسودات مضمونة التصديق عليها أو على أكثرها  ؟؟

كما يجب هنا  الانتباه الى المستوى الشعبي والالتفات على ما يجري من عملية التدوال السلعي للأصوات . فالصوت الانتخابي في المرحلة الانتقالية يعادل سبورة من الاخطاءعلى ذاكرة طفل !!إذا استخدم بشكل براغماتي من قبل القوى السياسية التي يقف وراء ه،  ينبغي أن يتم صنع القوانين ضمن أُطر معينة؛ فلا بد أن تكون هناك أساليب موافق عليها لوضع القوانين كتوفر الأرضية القانونية للإشراف على انتخابات لجنة صياغة الدستور ، ان الانجرار وراء البراغماتيا السياسية مصحوبا بعماء (دوغماتية) سيقودنا إلى العودة إلى مفهوم القطيع  والعصا . لان الأكثرية لا تصلح أحيانا للتفويض على حرية الفرد ، الديمقراطية نظام والحرية شرطا إنسانيا ، ومابين النظام والإنسان ثمة فاصل يسعى النظام الى إلغاء الفردية وفق احترام الفردانية _ الذات _ أي ان انصهار الذوات عبر دستور جمعي يحتاج الى النظر الى الذات كمركز والإنسان الى فاعل .فكل التظاهرات باسم الإنسان هي نوع من المصادرة ، نوع من الاستلاب الطبقي ، فكيف بالأكثرية وهي تلغي النسبية لاكثرية اخرى ، متوالية من سلطة الأكثرية الوهم ، وهناك بعض المجالات، كحقوق الأفراد تحديداً، ينبغي أن تكون في منأى عن أهواء حكم الأكثرية ،

 فالقوانين في الولايات المتحدة تشير الى انه(، تم تعديل الدستور 27 مرة فقط منذ العام  1787ولحد الآن . وقد جعل واضعو الدستور عملية تعديله صعبة، إنما غير مستحيلة،) فكم نحتاج نحن كعراقيين لتعديل دستورنا بوصفه صياغة للاغلبيه التي تعتقد إنها مهمشة لوحدها .وعليها الاستحواذ على المركز في كل زمان ومكان ! الأكثرية الحالمة بالحكم لا تفترض لنفسها الوجود المقترن بالطبيعة الديمقراطية كنظام خدمي استبدالي فالديمقراطية ليست تصميما    للعمل بكفاءة، بل ليكون عُرضة للمحاسبة. قد لا يكون للحكم الديمقراطي قدرة العمل بسرعة عمل الحكم الدكتاتوري وخصوصا بعد انهياره بالزمن القياسي ، لكنه ما أن يلتزم سبيلاً للعمل يمكنه الاعتماد على مصادر عميقة من الدعم الشعبي. من أبرز مميزات الحكم الدستوري أن هذا الإطار الأساسي لا يجوز تعديله بسهولة وفقاً لرغبات الأكثرية. فمثل هذا الأمر يتطلّب رضا المحكومين المعبّر عنه بصورة جلّية وواضحة.

 

وهكذا يساء استخدام مفهوم الهامش والمركز في استعادة السيادة في النموذجين الذين درسناهما على المستوى الأدبي والمستوى الاجتماعي/السياسي .واخطر ما في الأمر ان يستعاد البعد الديني السياسي بوصفه النص الجامع / المانع لمعالجة الظواهر المتحولة في حياة المجمتع . ومبعث الخشية من هذه التيارات كونها تحتكم الى مرجعيان مقدسة كنصوص أو كقائمين على تأويلها في المجال المجتمعي .ولابد لنا في الخاتمة ان نشير الى الرواسب اليقينية والتي تجعل من كل تطور هو تابع لخضوعه بالتكرار  ، لا بوصفه تكرارا لرصد  ظاهرة علمية ومعالجتها. بل بوصفه تكرارا لنمط التلقي لرسالة (الباث) العليم الذي لا ينتظر من الكائن (المرسل إليه) إلا التصديق والمباركة !!! . وفي كل ما يقال عن المركز والهامش ولعبة التسليم لبعضمها بحكم عوامل تطور العلوم والمعارف وآلية التفكير والتكفير معا !  نستطيع ان نتفق مع المفكر العربي علي حرب بقوله: (فالذي لاشك فيه  ، عندي ، ان امرؤا عاقلا يمارس مروءته ويشغل عقله ، موظفا ثقافته وخبرته ، في ضوء المستجدات من الأحداث والأفكار لهو اكثر صدقا من الذي يجزم بان لا صلاح في الحياة إلا بالعودة الى نص معين او معتقد خاص او مذهب مخصوص او مرجع بعينه ) .كما يشير في كتابه ( أسئلة الحقيقة ورهانات الفكر )

 

 

 

 

 
 

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )