العدد 13 -------------- تشرين ثاني 2004     

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

 ردةُ فعل !؟ أم تسويف ؟

   

 

في المنعطفات الحادة التي تمر بها الشعوب قد تحدث أمور غريبة لكنها ولكونها ردود أفعالٍ لأفعال غريبة فأنها قد تبدو طبيعية وإن كانت مخالفة للقاعدة العلمية فقيمتها أكبر بكثير من قيمة أفعالها وهي لا تعاكس أفعالها في الاتجاه لأنها قد تأخذ اتجاهات مختلفة ، ومن هنا تأتي غرابتها التي قد تدرك بعد مرور زمن ليس بقصير . سأضرب مثلاً على ذلك وهو ما حدث بعد ثورة الرابع عشر من تموز من سحلٍ ومجازر لم ينظر إليها وقتها كممارسات وحشية أو على الأقل لم يتجرأ أحد على وصفها بذلك إلا بعد مرور أكثر من عشرين عاماً وقد بالغ من كتب عن ذلك وعزي الأمر إلى قسوةٍ موغلة في التأريخ العراقي وهذا ليس صحيحاً إطلاقا فالشعب الدنماركي ذو الطبيعة المسالمة والذي لم يقاوم الاحتلال النازي بطلقةٍ واحدة قد ارتكب مجازر بعد التحرير بحق اللاجئين الألمان الموجودين على الأرض الدنماركية . اعتقد أن السبب يكمن في الطبيعة الغوغائية عند الشعوب وردود أفعالها التي تتسم غالباً بالانفعالية .

لا يختلف اثنان على أن سقوط النظام العراقي واحتلال العراق حدث لم يكن طبيعياً ، ولأن النظام العراقي كان من الأنظمة النادرة في طغيانها ووحشيتها وعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود فلابد أن تكون ردة الفعل عند الجماهير كبيرة ولأن النظام كان يستند على قاعدة واسعة من مؤيدين لسياسته لأسباب كثيرة معروفة ( هذه حقيقة مع الأسف ولا مجال للمكابرة ) فلذلك لابد من البحث عن إجابة على سؤال يدور في ذهن كل عراقي عما حدث وأسبابه .

هل يستطيع العقل العراقي أن يجد الأسباب ؟ ويعترف بها ؟ ويعلنها ؟

مر ما يقارب السنتين على سقوط النظام ولكن لم نجد أحداً أشار إلى سبب واحد حقيقي جعل من زمرة صغيرة ( الذين قاموا بانقلاب 17 تموز زمرة صغيرة جداً من حثالة المجتمع العراقي حتى هم أنفسهم كانوا يخافون من الكشف عن هوياتهم للشعب العراقي ) تتسيد على بلد معروف بتاريخه وعصيان شعبه . فيا تُرى كيف استطاعت هذه الزمرة وخلال فترة قصيرة أن تروض الشعب وتقوده إلى حروبٍ أزهقت الملايين من أرواح شبابه ؟

نظرة فاحصة إلى ما ينشره العراقيون اليوم في الصحف والمواقع من كاتب مبتدئ وحتى مثقف ضالع بحرفته تكشف بسهولة أن ما يكتب الآن ليس إلا مراوغة وتسويفاً للأسباب الحقيقية لتتحول المقالة إلى هروب من جوهرها مطلِقة سهاماً طائشة في كل الاتجاهات مستثنية الهدف الحقيقي .

من بين هذه الاتجاهات التي تستهدفها هذه السهام هو إلقاء اللوم على الغير وتحميلهم مسؤولية عما حدث ( لو كان هناك ما يوحي بأن هناك من يدخر أهزعه ـ الأهزع : السهم الأخير في الكنانة ـ ليوجهه لذاته لانتظرنا واستبشرنا خيراً ) .

مقالات كثيرة تظهر يومياً تشتم العرب وتحملهم مسؤولية بطش النظام العراقي واستمراره في الحكم . ولأني هنا معنيّ بالجانب الثقافي فقط فسأطرح سؤالاً وليجيبني أصحاب هذه الدعوات،  والسؤال هو :هل أن عبارة مثل ( قمر بغداد الليموني ) التي أطلقها الشاعر محمود درويش هي التي دعمت نظام صدام ؟

بالمناسبة إن محمود درويش أطلق عبارته هذي ووصف وزير الثقافة آنذاك لطيف نصيف جاسم بـ ( وزير الشعراء ) عند حضوره مهرجان المربد لعام 1989 وقد حضر المهرجان في العام نفسه أدباء عراقيون من المنفى ومن بينهم سركون بولص وصلاح فائق ( وهما كما معروف ليسا عروبيين ) وكذلك الشاعر ( الكردي ) سليم بركات .

نشر أحد الأدباء العراقيين مقالاً يصف فيه الشاعر محمود درويش بالإرهابي ويقرنه بالمجرم ( الزرقاوي ) ، وهو ليس الوحيد بل عدة مقالات ظهرت، تُحمّل محمود درويش مسؤولية كل الحروب التي شنّها العراقي ابن العراقي صدام حسين ، حتى أن العدوى العراقية هذي أصابت شاعراً سورياً فنشر مقالة في إحدى الصحف العراقية يدعي فيها بأن محمود درويش يخاطب صدام حسين في ديوانه الأخير ( لا تعتذرْ عما فعلت ) ، ولا أدري كيف توصل هذا الشاعر إلى هذا التأويل والديوان بعيد جداً عن ذلك ، سوى قصيدة واحدة يخاطب فيها محمود الشاعر بدر شاكر السياب . 

أليس من المعيب أن يسفّ مثقف إلى مستوى الغوغاء فيطعن رموز ثقافتنا العربية التي نحن جزء منها ويفتح المجال لمن هبّ ودب أن ينهش بلحم شاعرنا الكبير سعدي يوسف متهماً إياه بأوصاف تافهة كالقومجية والطائفية والإرهاب ؟

ماذا تعني هذه الهجمة الشرسة على سعدي يوسف في الوقت الذي لم يذكر أحد حميد سعيد وسامي مهدي وعبد الرزاق عبد الواحد بسوء ؟ ناهيك عن العشرات من مداحي النظام الساقط الذين عادوا يتصدرون الصفحات الثقافية وكأن شيئاً لم يكن .

قد نتفق أو نختلف مع ما ينشره الآن سعدي وهذا شأن يتم نقاشه بهدوء واحترام لا بالطعن والتجريح الشخصي وتوجيه اتهامات لا أساس لها تفندها نظرة سريعة على تأريخه الإبداعي الممتد على مدى نصف قرن. 

أخيراً أذكّر كل العراقيين أنه ليس من بين الأدباء العرب مَن وصف صدام حسين كما وصف شاعرنا الأكبر حاكماً آخر بـ :

( وتسلمُ أمةٌ فخرتْ      بأنكَ خيرُ من تلِدُ )

 

 

                               حميد العقابي

 

 

 
 

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )