العدد 13 -------------- تشرين ثاني 2004     

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

خـــرق..

 

   

                                        

   *  ستار نوري العبودي                                   

   al_aboody1954@yahoo.com

                                                                                                               

  داهمها شعور غريب باللا عودة  ، وهي تهم نحو  شباك نافذة تاشيرة الخروج في محطة الحدود الاخيرة ، وحين رسم الضابط المختص توقيعه مع شارة توثق خروجها في جواز السفر ، تزايد قلقها ، وعدت ذلك ايذانا باستئاصال جذورها الممتدة عمقا في الارض التي تفتحت فيها كبرعم زهرة مذ لامستها الريح والشمس والمطر.. في تلك اللحظات الفاصلة تبدلت عندها الاوزان على غير عادة،  وبات احساسها معلقا بكل شيء .. كل شيء  من لفحات الهواء اللاهب لوجهها الذي تشبع سمرة إلى ذرات الرمل التي تدحرجت تحت قدميها في صمت جنائزي امطرها وابل احلام من امس ابت ان تتكرر  الا في رأسها..

     لم يخطر ببالها، وهي تتقدم نحوه خطوة بخطوة في بداية رحلة معه ، انها ستستغرق حياتها بالكامل ،او انها تقود انقلابا طال الكثيرين من حولها وجعلهم يتشككون في جدوى قيم تربوا عليها ..او اخرين اشعلوا نارا من حولها ، الا حين دخلت شرنقة جديدة من نسيج احلام ناعمة جعلتها تعوم في بحر من الحب والقلق المتجذر غورا يوما بعد اخر ، حتى وجدت نفسها عاجزة عن العوم في بحر تلاطمت امواجه بعد ان داهمها اعصار  فاق قدرتها فاغرق سفينتها ولم يكن طوق النجاة الذي لجأت اليه من المنعة بحيث يجعلها مطمئنة للوصول إلى المرفأ الذي تريد ، فامست من حيث لا تدري ضحية معاناة اودت بها إلى ما لا تتمناه ..          

    تعرفت اليه منذ ما يزيد على عقد من الزمن وبضع سنين ، في يو م صيفي لاهب الحرارة كيومهـا هذا وهي تهم جازعة إلى عالم مجهول .. كان حيدر في غاية البساطة والرقة برغم ماسمعت عنه من افكار متضاربة وجدل طويل بين معجب ونافر ، بين مؤمن بافكاره ومشكك فيها ..اما هي فقد شعرت بثقل وسحر شخصيته منذ التقته اول مرة عند الملتقى الثقافي للشباب . وهو وان لم يظهر لها اهتماما لافتا ، الا انه ترك اثــــرا

 

 

                                           1ـ

عميقا في نفسها بعد ان ظنت لوقت طويل ، ان الكثير من شباب جيلها لا يستحق الاهتمام اللازم ، بسبب من سذاجة عقولهم وسطحية افكارهم ، لكن حيدر ظهر كنمط اخر اثار الكثير من فضولها وظلت تنتظر اللحظة التي ستجمعها اليه ثانية بكثير من اللهفة .. 

      لكم اسعدها النصيب الوافر من الاهتمام الذي اصابته بين اسرتها و معلماتها بل وحتى لدى الكثير من زميلاتها، بعد ان حققت نتائج عالية في الامتحانات العامة ، يقول الكثيرون عنها ، انها كانت نتائج مذهلة ، لم يسبق ان حصل عليها الا قلة من قبلها وفي حالات نادرة الحدوث وحين استمرت نتائجها المتميزة في السنوات اللاحقة باستثناء السنة الاخيرة ، تلك النتائج نقلتها إلى منطقة الضوء .. ومع كل ما تحقق لهامن نتائج مبهرة او اضواء من الخارج ، فان غربتها الطاحنة هزت  كيانها ..بعنف من الداخل ، حيث بات جرحها يزداد تورما ، كلما توثقت علاقتها بحيدر ذلك الذي امسى قدرا ينازعها بقية احلامها الاخرى والتي كان لابد من التخلي عنها شيئا فشيئا ، بعد ان قلب موازين حياتها على مدى سنين متواصلة..       

    فقدت همسه الكثير من صبرها وحيلتها ، بعد ان اصبحت موضع ازدراء اهلها والكثير من اقاربها وغدت مجرد بنت طائشة وانانية لا بل وحتى مستهترة في نظر البعض منهم ،لانها خرجت عن سنة ابائها واجدادها،حين ربطت مصيرها عاطفيا مع شاب من دين اخر..بدأت رحلتها الشاقة ،عندما دخلت اولى مواجهاتها مع شقيقتها التي تكبرها سنا ،وهي تكيل لها تهمة العار، بعد ان وجدتها مصرة على استمرار علاقتها بحيدر  ، وهي تقول لها بعصبية :

   ــ إلى متى ستبقى علاقتك بهذا المجنون الذي يسمونه ( حيدر ) ؟؟

   * هذا شأن خاص و لايعنيك ابدا .. اجابت همسة يشيء من عدم الاكتراث

   ــ كيف لا يعنيني وانت تلطخين سمعتنا بالعار ؟! قالت اختها مستفسرة بذات النبرة من العصبية ..

    * قلت لك ان ذلك شأن خاص ولا يعني احدا سواي . قالت همسة ذلك بثقة.. ثم اضافت قائلة:

 * لماذا تطلقين لفظة عار على علاقة نظيفة بشاب مثقف ، لمجرد انه من دين اخر ..أليس الناس جميعا من خلق اله واحد كما تقول كل الديانات ؟؟!.

     ورغم ان شقيقتها اغلقت النقاش عند هذا الحد الا ان الموضوع لم يتوقف مع بقية افراد الاسرة الواحد تلو الاخر حتى ظهرت اخر نتائجها المخيبة للامال ، فحدث ما هو غير متوقع ،حين خرج الاب عن صمت تجاوز المالوف ، وظهر بغير صورته المعتادة كمثقف كبير ، امن بقدرات الانسان اينما كان وكيفما كان ، فكشف عن وجه اخر لا يختلف كثيرا عمن كان هو يصنفهم ، من قبل بالمتخلفين والرجعين . و بدا لها انه الاخر عاش ازدواجية بين المنطق والواقع ، فقاد ثورة من الغضب الشديد ، كان هو اولى ضحاياها ،حين سقط صريعا لازمة قلبية لم تمهله وقت طوبل ..فجاء ذلك الحدث ثقلا جديدا لحملها الذي تجاوز حدود طاقتها بعد ان حاربها

 

                                            2ـ

الجميع  متذرعين بصورة موته، ولعل ذلك جعلها تنؤ باحساس تراوح بين الشعور بالذنب والخيبات المتلاحقة ..

     تهاوت احلامها كجبل جليد اثرى بفراء ابيض جميل في بحر بارد طاردته شمس محرقة ، فترنح مضطرا ،ليغدو من جديد مجرد قطرات ماء في بحر .. هذا ما شعرت به همسة بعد ان قررت السير مع التيار في مشيئة رسمتها الايام بوعي كاذب واختارها الغير لها ، فاستسلمت لمخطط امها العجوز ، القائم على قبولها الارتباط برجل من اقاربها ، لم تلتقيه من قبل ، اتخذ من بلاد اخرى منفى له اختارها منذ سنين ..

    عند المكان المخصص للقاء به ، وجدته منتظرا بشيء من الغبطة ، ولولا تحيته وترحيبه الحار لها و لوالدتها التي رافقتها تلك الرحلة ، ربما كان من الصعب التعرف اليه بسهولة ، فصورته الصامتة التي حملتها معها بدت لها  وكأنها شيء مختلف تماما عن الشخص الذي وقف امامها بدمه ولحمه ، وهو  وان اظهر تألفا سريعا معها، منذ  اللحظة  الاولى للقاء  به وكأنه يعرفنها منذ زمن طويل ، الا انها ظلت تتعامل معه بكثير من التحفظ .. وحين بلغت واياه المكان المعد لمراسم الزواج بعد يوم واحد من وصولها لمدينة بيروت ، ودت لو تطول لقاءاتها معه كي تعرف المزيد عن شخصيته التي بدت اكثر قبولا لها قبل اللقاء به، لكن ذلك لم يكن محبذا لدى والدتها التي اصرت على اتمام المراسم باسرع ما يمكن  كي تعود هي إلى بيتها في اقصر  وقت .كما ان خطيبها اظهر ذات الرغبة ، لذلك فقد تم كل شيء كما اعد له سلفا..         

   بعد يومين من الدخول ، طلب اليها زوجها التهىء إلى وليمة لدى احب واقرب اصدقائه  الذين شاركوه العيش قبل الزواج في شقة واحدة ، منذ ان قدم إلى بيروت طالبا حتى حصولة على شهادة الدكتوراه ورغم تعينه في احدى الجامعات اللبنانية ، الا انه ظل يقاسمه العيش سويا ، عندها ابتسمت  لتقول بشيء  من الطرافة :

   ــ وهل سيشاركنا العيش مجددا ؟ رد  قائلا  :

   * لا لقد طلقنا بعضنا منذ لحظة وصولك ،او تنازل عني لك كما يقول هو..

   ــ ولكن اين هو الان فأنا لم اتعرف اليه منذ وصلت إلى هنا ..

   * صحيح ..فقد وجد نفسه مضطرا ان يكون خارج بيروت ، لحضور مؤتمر علمي مهم  ولم تفلح مساعيه في الاعتذار ..ولهذا طرح فكرة الوليمة كشكل من اشكال الاحتفاء  بزواجنا ..وصلا إلى صالة فندق فخم عند مرتفع في احدى ضواحي المدينة وما ان اجتازا سلالمه الاولى .. حتى صعقت ، وقد عاودها شبح الماضي بهيأة رجل وقور  تظاهر مبتسما بالفرح وهو يقدم لها التهنئة بالزواج وسلامة الوصول ، لكنه اخفى جرحا قديما ، مازالت اثاره شاخصة بوضوح تام ..

 

 


 

الدكتور ستار نوري العبودي

جامعة بابل / كلية التربية

 

 
 

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )