العدد 14 -------------- كانون أول 2004     

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

     أي جدوى لثقافة عراقية أبعدتْ إلى المخابئ الخلفية للحياة

   

    شاكر الأنباري

 

في عراق اليوم لا معنى للثقافة . وهذا بدلالة الفكرة الحرفية . إنها مبعدة إلى المخابئ الخلفية للحياة . كتاب يطبع ولا يقرأ ، معرض تشكيلي لا يبيع ، مسرح لا يحضر عروضه سوى الأصدقاء ، شعر لا يتذكره أحد . تصدرت الواجهة لغة أخرى غير لغة الشعر والقصة والفنون بعامة . تلك لغة العنف يتمظهر بأشكال كثيرة ، منها السيارات المفخخة والمواجهات المسلحة والاغتيالات والاختطاف والسلب . إنه لم يقم تحت ظل الاحتلال فقط بل كان قائماً ومغطى عليه لا في العراق فقط بل في بلدان عربية كثيرة إذا شئنا تعميم القوس .

في العراق بالذات أصبح كل هذا عنواناً بارزاً في التفاصيل اليومية للمواطن. واقع حال. ذلك بغض النظر عن أسبابه وخلفياته وأسماء الجهات المتصارعة ، حكومية أو غير حكومية . المثقف منزو في ركن قصي ، يمد رأسه خائفاً وجلاً عبر صحف كثيرة ووسائل إعلام مرئية ومسموعة لكنه لا يغير من الصورة شيئاً . الرغبة في قراءة ومتابعة الحدث الثقافي محلياً وعربياً وعالمياً شبه مفقودة ، لا جدوى منها . على ما يبدو أن هيمنة العنف والسلاح تطغى دائماً على صوت الثقافة الخافت المتأمل الرزين . هذا قانون حدث في أوروبا عند فترات حروبها العالمية وحدث في كثير من البلدان التي عانت ويلات الحروب الداخلية أو الخارجية ، لعل لبنان خير مثال إبان مراحله المضطربة . لم يعد هناك دور للثقافة . تسيد صراخ السياسي وصدى الانفجار . التنظيرات حول مهمتها التنويرية مجرد أحلام في أذهان المثقفين . أما المواطن البسيط أو المتلقي أو القارئ فيعيش في وادٍ آخر. لا تهمه أي قصيدة بارعة يقرأها في جريدة أو مجلة . لا يذهب إلى معارض تشكيلية . السينما مفقودة في حياته . الفضائيات وهي كثيرة بما فيها ثقافة البورنو الراقصة على أسطح البيوت ، تجذبه بأخبارها وتحليلاتها السياسية علّه يجد فيها مخرجاً لورطته الحياتية . لكن إذا فكّر المرء بواقعية ثقيلة ، فمن قال إن للثقافة دوراً في حياة المجتمع العراقي طوال العقود السابقة ؟ كل ذلك الركام الإبداعي ، شعراً ورواية وقصة ونحتاً ورسماً وأفلاماً ومجلاتٍ وصحفاً ، لم تمنع بتاتاً من جره إلى مقصلة الحروب المتعاقبة التي تواصلت خمساً وعشرين سنة . لا ثقافة السلطة نفعت بشيء وهي التي سوغت موته اليومي ولا ثقافة المعارضة المضادة لخطاب السلطة الثقافية أنقذته من مصيره المعروف . كانت الثقافة العراقية بأطيافها جميعاً أوهاماً تتداولها النخب في هذا الجانب أو ذاك . أما الفرد فخرج من المطحنة وهو منفي بعيد عن العراق . أصولي يمارس العنف ويحبذه ، قلق ، معزول ، يفتقد الرؤية السياسية والثقافية والفكرية . لم يجد أمامه سوى لغة الإيمان لغة ينعطف إليها ويحتضنها .

إذاً أين رسالة الثقافة العراقية طوال قرن من التنوير والمغامرة والإبداع ؟ أين المشاريع الثقافية ، الفردية والجماعية كي تلعب دورها في تهذيب الفرد ورسم أفق واضح له وتغذيته ببعدٍ روحي يتسامى قليلاً عن حيثيات الواقع القاسية ؟ حين يتحرك المسلح في الشارع مقاوماً أو محتلاً ويمارس سلطته ، ى تنتفي سلطة الثقافة فقط بل تنتفي معها سلطة العقل .

وهذا ما يعيشه الشعب العراقي في هذه المرحلة ، وربما هذا ما عاشه طوال عقود سابقة . أما تنظيرات المثقفين ، تفكيكهم وتصوفهم وواقعيتهم الاشتراكية وبنيويتهم وما بعد حداثتهم وسورياليتهم ووجوديتهم وماركسيتهم فلم تلامس من لب الحياة ، لا قليلاً ولا كثيراً . مشاريع حزبية ، حركات سياسية ، كتب ، قصائد ، لوحات نادرة ، كلها تتلاشى ما أن يحدث الانفجار . يقف الجميع مذهولاً ومدهوشاً ومشوشاً . يرتدّون إلى أطوارهم الأولى ، في الإختباء والهرب والانزواء صوناً للجسد من صيادٍ اسمه الموت .

يتساءل الجميع متى ينقضي هذا الكابوس ؟ على الرغم من أن هذا التساؤل ظل يلف العراق عشرات السنين ، منذ الثمانينات ، منذ حرب إيران الضروس والناس تتساءل متى ينتهي هذا الكابوس ، لكن الكابوس لم ينقض ، وهو في تفاقم صعوداً إلى فوق . ما جدوى الثقافة والمثقف إذاَ ؟ بل ما حقيقة عجز المثقف أمام جدار العنف الذي صار رغيفاً طازجاً لصباحات مغبشة ؟ في العراق اليوم نادراً ما استهدفَ المثقفون ، وهناك سر وراء ذلك بالتأكيد . ليس حرصاً أو احتراماً على الإطلاق . المسدس لا يحترم المثقف ، لكن ربما يدرك أولئك الذين يمارسون العنف بكل أشكاله حقيقة دور المثقف الهامشي ، وثقافة المثقف إزاء جبروت العبوة الناسفة والسيارة المفخخة وطائرة الأباتشي وحرارة الطلقة الطائشة . وربما يدركون كذلك أن الثقافة العراقية وعلى امتداد عقود ظلت هامشية ، نخبوية ، ملفقة أحياناً ، لم تغير من الأحداث شيئاً ، لا منعت وصول طاغية إلى كرسي وثير ولا أزاحت جنرالاً عن رقاب البشر ، لا بنت مدينة ولا خربتها ، والطغاة قادرون على ذلك . إنها ريح في برية .

تلك أحكام قاسية ، لكن الواقع أشد قسوة .

قد تكمن حقيقة الثقافة لا في رسالتها ، بل في أنها لا تعدو أن تكون تزجية لفراغ ، وطرفة ، وسياحة في عالم الأضاليل والأحلام والخيالات .

 

 

 

(*) المقالة منشورة في جريدة الحياة يوم 11/11/2004

 

 
 

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )