شاكر الأنباري
في عراق اليوم لا معنى للثقافة . وهذا بدلالة الفكرة الحرفية .
إنها مبعدة إلى المخابئ الخلفية للحياة . كتاب يطبع ولا يقرأ ،
معرض تشكيلي لا يبيع ، مسرح لا يحضر عروضه سوى الأصدقاء ، شعر
لا يتذكره أحد . تصدرت الواجهة لغة أخرى غير لغة الشعر والقصة
والفنون بعامة . تلك لغة العنف يتمظهر بأشكال كثيرة ، منها
السيارات المفخخة والمواجهات المسلحة والاغتيالات والاختطاف
والسلب . إنه لم يقم تحت ظل الاحتلال فقط بل كان قائماً ومغطى
عليه لا في العراق فقط بل في بلدان عربية كثيرة إذا شئنا تعميم
القوس .
في العراق بالذات أصبح كل هذا عنواناً بارزاً في التفاصيل
اليومية للمواطن. واقع حال. ذلك بغض النظر عن أسبابه وخلفياته
وأسماء الجهات المتصارعة ، حكومية أو غير حكومية . المثقف منزو
في ركن قصي ، يمد رأسه خائفاً وجلاً عبر صحف كثيرة ووسائل
إعلام مرئية ومسموعة لكنه لا يغير من الصورة شيئاً . الرغبة في
قراءة ومتابعة الحدث الثقافي محلياً وعربياً وعالمياً شبه
مفقودة ، لا جدوى منها . على ما يبدو أن هيمنة العنف والسلاح
تطغى دائماً على صوت الثقافة الخافت المتأمل الرزين . هذا
قانون حدث في أوروبا عند فترات حروبها العالمية وحدث في كثير
من البلدان التي عانت ويلات الحروب الداخلية أو الخارجية ، لعل
لبنان خير مثال إبان مراحله المضطربة . لم يعد هناك دور
للثقافة . تسيد صراخ السياسي وصدى الانفجار . التنظيرات حول
مهمتها التنويرية مجرد أحلام في أذهان المثقفين . أما المواطن
البسيط أو المتلقي أو القارئ فيعيش في وادٍ آخر. لا تهمه أي
قصيدة بارعة يقرأها في جريدة أو مجلة . لا يذهب إلى معارض
تشكيلية . السينما مفقودة في حياته . الفضائيات وهي كثيرة بما
فيها ثقافة البورنو الراقصة على أسطح البيوت ، تجذبه بأخبارها
وتحليلاتها السياسية علّه يجد فيها مخرجاً لورطته الحياتية .
لكن إذا فكّر المرء بواقعية ثقيلة ، فمن قال إن للثقافة دوراً
في حياة المجتمع العراقي طوال العقود السابقة ؟ كل ذلك الركام
الإبداعي ، شعراً ورواية وقصة ونحتاً ورسماً وأفلاماً ومجلاتٍ
وصحفاً ، لم تمنع بتاتاً من جره إلى مقصلة الحروب المتعاقبة
التي تواصلت خمساً وعشرين سنة . لا ثقافة السلطة نفعت بشيء وهي
التي سوغت موته اليومي ولا ثقافة المعارضة المضادة لخطاب
السلطة الثقافية أنقذته من مصيره المعروف . كانت الثقافة
العراقية بأطيافها جميعاً أوهاماً تتداولها النخب في هذا
الجانب أو ذاك . أما الفرد فخرج من المطحنة وهو منفي بعيد عن
العراق . أصولي يمارس العنف ويحبذه ، قلق ، معزول ، يفتقد
الرؤية السياسية والثقافية والفكرية . لم يجد أمامه سوى لغة
الإيمان لغة ينعطف إليها ويحتضنها .
إذاً أين رسالة الثقافة العراقية طوال قرن من التنوير
والمغامرة والإبداع ؟ أين المشاريع الثقافية ، الفردية
والجماعية كي تلعب دورها في تهذيب الفرد ورسم أفق واضح له
وتغذيته ببعدٍ روحي يتسامى قليلاً عن حيثيات الواقع القاسية ؟
حين يتحرك المسلح في الشارع مقاوماً أو محتلاً ويمارس سلطته ،
ى تنتفي سلطة الثقافة فقط بل تنتفي معها سلطة العقل .
وهذا ما يعيشه الشعب العراقي في هذه المرحلة ، وربما هذا ما
عاشه طوال عقود سابقة . أما تنظيرات المثقفين ، تفكيكهم
وتصوفهم وواقعيتهم الاشتراكية وبنيويتهم وما بعد حداثتهم
وسورياليتهم ووجوديتهم وماركسيتهم فلم تلامس من لب الحياة ، لا
قليلاً ولا كثيراً . مشاريع حزبية ، حركات سياسية ، كتب ،
قصائد ، لوحات نادرة ، كلها تتلاشى ما أن يحدث الانفجار . يقف
الجميع مذهولاً ومدهوشاً ومشوشاً . يرتدّون إلى أطوارهم الأولى
، في الإختباء والهرب والانزواء صوناً للجسد من صيادٍ اسمه
الموت .
يتساءل الجميع متى ينقضي هذا الكابوس ؟ على الرغم من أن هذا
التساؤل ظل يلف العراق عشرات السنين ، منذ الثمانينات ، منذ
حرب إيران الضروس والناس تتساءل متى ينتهي هذا الكابوس ، لكن
الكابوس لم ينقض ، وهو في تفاقم صعوداً إلى فوق . ما جدوى
الثقافة والمثقف إذاَ ؟ بل ما حقيقة عجز المثقف أمام جدار
العنف الذي صار رغيفاً طازجاً لصباحات مغبشة ؟ في العراق اليوم
نادراً ما استهدفَ المثقفون ، وهناك سر وراء ذلك بالتأكيد .
ليس حرصاً أو احتراماً على الإطلاق . المسدس لا يحترم المثقف ،
لكن ربما يدرك أولئك الذين يمارسون العنف بكل أشكاله حقيقة دور
المثقف الهامشي ، وثقافة المثقف إزاء جبروت العبوة الناسفة
والسيارة المفخخة وطائرة الأباتشي وحرارة الطلقة الطائشة .
وربما يدركون كذلك أن الثقافة العراقية وعلى امتداد عقود ظلت
هامشية ، نخبوية ، ملفقة أحياناً ، لم تغير من الأحداث شيئاً ،
لا منعت وصول طاغية إلى كرسي وثير ولا أزاحت جنرالاً عن رقاب
البشر ، لا بنت مدينة ولا خربتها ، والطغاة قادرون على ذلك .
إنها ريح في برية .
تلك أحكام قاسية ، لكن الواقع أشد قسوة .
قد تكمن حقيقة الثقافة لا في رسالتها ، بل في أنها لا تعدو أن
تكون تزجية لفراغ ، وطرفة ، وسياحة في عالم الأضاليل والأحلام
والخيالات .
(*) المقالة منشورة
في جريدة الحياة يوم 11/11/2004
|