إن الاستمتاع بالجاز نوع من الوعي المزيف: كما
"إن وهم التفضيل الاجتماعي للموسيقى الخفيفة كونها معاكسة
للموسيقى الجادة مبني على تلك السلبية التي تجعل استهلاك
الموسيقى الخفيفة يناقض الاهتمام الموضوعي لأولئك الذين
يستهلكونها." إن الغضب الذي في هذا النقد يقود أدورنو إلى
النفاذ إلى تحليل تفصيلي للطريقة التي تنتج فيها الموسيقى
الشعبية وتباع وتسمع. ففي الكتابات التي كتبها في
الثلاثينيات والأربعينيات يتوصل إلى تحليل "يحط من شأن"--
مبيعات الأغاني الناجحة—في وصفه الغريب لظاهرة بريتني
سبيرز. إنه يوضح بقناعة ظاهرة "الكورنينس"- التقليد الساخر
من تيارات الماضي القريب، الأليفة لأي مراقب لذلك العرض في
السبعينيات"- كونه شكل للكراهية الذاتية: كذلك الذي أقحم
على المستمعين لاستثارة الانتقام في لحظة ارتخاء الضغط.
لقد كوفئوا عن "ذنبهم" بالتغاضي عما لا قيمة له بالسخرية
منه." وهذا التحليل يدعو إلى المقاومة. يهمل أدورنو معيار
السخرية المهم، والمركزي لاهتماماتنا الثقافية الواسعة،
التي تسمح لنا في الوقت ذاته أن نستعمل ونرفض النتاجات
الهابطة التي تحيط بنا. وهو يرفض أيضاً أن يرى أي تدرج في
الثقافة الشعبية – ما يبدو لنا أنه ذكاء الجيرشونز
والارتجال الحر للويس أرمسترونغ أو الشهادة الموثقة لبيلي
هوليدي تتلاشى بالنسبة إلى أدورنو في الصفعة الشديدة للعمل
الهابط.
في رواية "دكتور فاوست" لتوماس مان يعزف مدرس الموسيقى
لطلابه معزوفة بيتهوفن رقم 111 سوناتا البيانو . وبينما
هو يعزف كان يتكلم ويصرخ ويتمتم، معلقاً على الموسيقى
جامعاً كل تلك الملاحظات الفظة مع تلك المتسامية. إنه
يبتدع قصائد غنائية، ويغني مع فيض الموسيقى موضوعات من
العالم الآخر. إنه يكشف كيف أن ملحوظة واحدة تمنح "إنسانية
بالغة القوة" بناء على إشارة موسيقية بسيطة. وهو ينسج
تأملات حول الذاتية والموت والثقافة والبربرية. لكن تأثير
كريتشمار يذهب إلى ما هو أبعد من صفه الروائي. إنه في
الحقيقة صوت الفيلسوف الألماني أدورنو الذي كان مثل توماس
مان مهاجراً إلى كاليفورنيا خلال الأربعينيات. كان مان قد
أدرك أن كتابة أدورنو "دقيقة وعميقة" وأن معرفته الموسيقية
"مذهلة". كان أدورنو قد درس التأليف الموسيقي مع ألبان
بيرغ ودرس البيانو مع إدوارد ستيوارمان، وقد عزف القطعة
111 لمان. كان لتعليم أدورنو الأثر الكبير على مان مثلما
كان تأثير كريتشمار على تلامذته.
الآن وبعد نصف قرن، فإن تأثير أدورنو لا يضمحل، ويستمر
في النمو. كان مرة قد اشتهر من خلال تأكيده عام 1949: "أن
تكتب الشعر من بعد أوسكويتز شيء بربري". كان صديقاً لوالتر
بنيامين وزميل لماكس هوركهايمر في معهد البحث الاجتماعي.
وتضم أعماله 23 كتاباً و10000وعشرة آلاف صفحة، تتضمن نظرية
نقدية ودراسات جمالية ونظرية سياسية. ولكن لدراساته
الموسيقية أبلغ الأثر.
وفي الحقيقة ليس ثمة شخص آخر غيره قد أثر في علم
الموسيقى في أميريكا خلال العشرين سنة الماضية. وآخر كتاب
له "مقالات حول الموسيقى "(جامعة كاليفورنيا)، كان قد
حررها بعد التدقيق والتعليق ريتشارد ليبرت، استاذ الدراسات
الاجتماعية في جامعة مينوسوتا، سوف يصنف ذلك الإنجاز بأنه
الأكثر تميزاً، فضلاً عن الترجمات الجديدة من قبل سوزان
جيلبسي لمقالات تتعرض لمسيرة أدورنو، منذ اختباره في عام
1929 لأوبرا بيرغ "ووزيك" وحتى المقالات التي كتبت في
السنة التي سبقت وفاته في سنة 1969. يبدو الكتاب كأنه نص
مدرسي أعد على عجل عن مثابرة أدورنو المتزايدة. ومن خلال
علامات المصادر الثانوية الواردة، يكاد يكون الكتاب كله قد
جاء من مقالات العقدين الأخيرين.
قبل هذا النمو مدهش يكاد وجود أدورنو يكون معدوما في
الولايات المتحدة قبل الثمانينيات. وقد جعلته صبغته
الماركسية منبوذاً؛ كما أن انحيازه لآفاق الفن جعله بعيدا
عن أذواق طلابه الراديكاليين. لقد عثرت على أدورنو في وسط
السبعينيات بالصدفة المحضة. من النادر أن يورد ذكره وليس
ثمة من يناقش أفكاره. وليس سوى بعض الكتب القليلة مثل،
"فلسفة الموسيقى الحديثة" و "سوسيولوجيا الموسيقى" كانت قد
ترجمت وهي صعبة ومعقدة.
لكن ما يفاجئ الجهلة أنها تمتلك أيضاً الإيحاء. وجزئياً
كان ذلك بسبب أن أغلب علم الموسيقى في السبعينيات كان
شكلياً وتحليلياً؛ كان الدارسون يحيطون ببناء العمل من
الخارج، ليتعرفوا على أسلوبيته السابقة واللاحقة، ومن خلال
ذلك يستدعون سياقاً ثقافياً واسعا. إن النقد الموسيقي كان
يفعل الشيء نفسه، فيطبقون بحصافة الصفات على المؤلفات
ويقارنون العروض الموسيقية بوسواسية.
لكن لا أحد من هذه قد طرح السؤال الأشد إلحاحا. لماذا
هنالك القليل من العروض للموسيقى المعاصرة والقليل كذلك من
الحب إليها؟ لماذا ينشغل الجمهور على نحو مهووس بتكرار
مآثر القرن التاسع عشر؟ لماذا يبدو تراث فن الموسيقى أقل
مركزية شيئاً فشيئا؟ ما هي نتيجة التصادم بين تكنولوجيا
التسجيلات والموسيقى؟ما هي أهمية تلك الأصوات الموسيقية
المجردة؟ وما هي معانيها؟
كان أدورنو قد أخذ هذه الأسئلة على محمل الجد وكانت
نظرته ثاقبة في الأغلب. لو أننا ركزنا الانتباه على تفاصيل
الموسيقى، كما يقترح، في الأساليب التي تتشكل فيها
العبارات وتبنى التآليف، عندها نبدأ برؤية ليس أنظمة
للحبال الصوتية وسطوراً لحنية فحسب، بل أساليب في التفكير
وأساليب في بناء نظام. ومثل الأدب، يمكن للموسيقى أن تختبر
من خلال العالم الذي ترسمه والأفكار التي تمثلها. وأضحى
ذلك بالنسبة لأدورنو دراما فكرية، موسيقى شكل مبرمج. وهي
تتضمن كذلك معان سياسية، لأن الموسيقى تبني مجتمعاً للصوت،
له قوانينه وحرياته وقناعاته الخاصة وفوضاه.
على الرغم من ذاك فإن تفسيرات أدورنو ليست موفقة على
الدوام. فقد تكون طروحاته غنوصية (وهو ذلك النطاق
الأنطولوجي الذي يقع ما بعد الذاتية وهو يعرض كونه سيطرة
ذاتية على الطبيعة التي اكتملت على أنها مجرد تكنيك") أو
سياسية متبلدة جداً (لو اصغينا إلى بتهوفن ولم نسمع أي شيء
عن البرجوازية الثورية … فسنفهم بتهوفن ليس أفضل ممن لا
يستطيع متابعة المضمون الموسيقي النقي في مقطوعاته.") لكن
أدورنو ينجح في أن يعيد الموسيقى إلى العالم مبيناً أن ثمة
الكثير مما يبنى في المراهنة على أصواتها.
وساعد هذا أيضاً في تحويل علم الموسيقى. وكان أول باحث
موسيقي معاصر قد ركز على أدورنو هي روز روزنغارد سوبوتنك،
أستاذة الموسيقى في جامعة براون التي بدأت في نهاية
السبعينيات بنشر بحوث عن عناوين مثل أدورنو وكانت وبتهوفن.
ومن هنا فقد عدت أهمية أدورنو مسلم بها، وفتحت الطريق أمام
باحثين مثل مثل لورنس كريمر وليديا غوهر. وامتد تأثيره إلى
ما هو أوسع إلى حقول أكثر إثارة للنزاع في الأعراق
والأجناس ودراسة الطبقات الاجتماعية.
إن الصعوبة تكمن بالطبع في معرفة متى يكتشف الإنسان
الأفكار في الموسيقى ومتى يقحم الأفكار عليها. يمكنني فحسب
أن أشير إلى مشكلة واحدة. لقد آمن أدورنو، كونه ماركسي،
على الرغم من خصوصية ذلك لديه، أن الموسيقى حري بها أن
تكون "تقدمية"من الناحية السياسية. وهذا ما كان يعني، كما
أوضح، أن عليها أن تعبر عن المعاناة وعن جذورها في المجتمع
البرجوازي من دون أن تندفع بقوة نحو العاطفة أو شدة
الانفعال بالتسامي او البحث عن اللهو. فبالنسبة لأدورنو،
تكون التعبيرية المؤلمة في موسيقى شوينبرغ هي ما يستحق أن
يحكى عنه، بينما لا تستحق ذلك اختلاقات سترافنسكي في
التموجات التقنية.
ولكن متى يتأسس ذلك النوع من المستوى "التقدمي"؟ لماذا
تكون تعابير المعاناة وتوكيدات القهر هي المقاييس الأساسية
للتوثيقية؟ ألا توجد مظاهر أخرى للتجربة البشرية من الممكن
أن تلهم الروح الفنية؟ وهل ثمة سبيل واحد فحسب للتوثيق
يمكن أن يتعامل مع المعاناة؟ في عمل باخ "آلام القديس
ماثيو" يأتي الخلاص عبر معانقة الألم – وهو ما قد يقول عنه
أدورنو، بأنه وهم التراجع للحظة تاريخية مختلفة. ولكن ثمة
المزيد من الاحتمالات في السماء والأرض الموسيقية أكثر مما
تحلم بها فلسفة أدورنو.
إن لدى أدورنو، بالطبع، الكثير من القراءات والنظريات
الموحية والمدروسة حول تاريخ الموسيقى والمعرفة الموسيقية
وتأثيرات التكنولوجيا. وثمة حتى شيء بطولي حول مشروعه
الفلسفي. ولكن ثمة كذلك ما هو عكس ذلك. فبينما يشفق على
التراث الفني الموسيقى في القرن التاسع عشر والقرن
العشرين، متأسياً على هامشيته متضايقاً من معانيه، فهو من
الناحية الأخرى يحاول مرة بعد أخرى، إزالة العا