|
سهيل نجم
شعراء "حداثيون" حد النخاع، كما يزعمون، مناهضون لاستعمال
الصفة في القصيدة، يكتبون مقدمات باهتة لكتب يحررونها عن
شاعرهم الرائد الذي لم يكونوا يشمون فيه رائحة الشاعرية يوم لم
تكن تجمعهم به الحياة في الغربة وكان ثمة فاصل موضوعي يفصلهم
عنه! ونقاد هللوا للحداثة والحرية يكتبون ب"التكليف" الرسمي عن
شعراء لا يؤمنون بشاعريتهم! وشاعر تقليدي "مداح" يكتب خمسة من
النقاد المبرزين دراسات عن إبداعه العبقري في قصيدة النثر عن
تجربة مجموعة لم ينشر منها شيء، وهو يضع تلك الدراسات في درج
مكتبه الفخم ، فهو المدلل والمدير العام، ليعرضها على زواره
متبجحاً! وشعراء كبار ومخضرمين يُستدرجون بدافع المجاملة
ليكتبوا المقدمات المبالغة والطنانة التي تشيد بالشاعرية الفذة
لأحد مريديهم ثم يقولون لك أنهم نادمون على فعلتهم تلك! أين
مسؤولية الكلمة، أين "المواقف"؟ شعراء أقزام يتطاولون بالزيف
من خلال الوقوف إلى جانب "الكبار" وأخذ الصور معهم أو مراسلتهم
ومن بعد ذلك التباهي بتلك المراسلات، هذا إذا لم يحابوهم
ويتوسلوا منهم كتابة المقدمات لمجاميعهم. شعراء كبار يصل بهم
الخرف إلى الشعور بالرهاب من النقد الحقيقي الذي يسدون آذانهم
عنه ويصل بهم الأمر إلى مساندة الكتب الملفقة التي يحررها
مريديهم بتجميعها من المقالات الصحفية الساذجة عنهم.
وقد يكون الأمر على العكس من ذلك، فبدل الإفراط بالمجاملة ثمة
إفراط بالضغائن الناتجة عن ضيق في الأفق ودوافع النرجسية
المرضية مما يجعل شاعر ما يحط من كل زملائه ومن كل جهودهم
ومثابراتهم الإبداعية ولا مانع لديه أيضاً في أن يحط من
الأولين والآخرين كي يبرر أنه أتى بما لم يستطع القاصي والداني
أن يأتي به، فهو الوحيد الذي كتب عنه الشاعر الفلاني الكبير
والناقد العلاني الخطير، وإلا ففي الأمر مؤامرة! وثمة شعراء جل
همهم الشهرة والظهور في كل المحافل، يحرصون على التقرب المتزلف
من الشعراء الكبار والنقاد وكل من يساعدهم على إبراز
"شاعريتهم" المفترضة، التي حري بنصوصهم أن تثبتها لا العلاقات
المصلحية الزائفة. هل نريد قطع العلاقات الإنسانية بين الأجيال
الأدبية وبين النقاد والشعراء؟ بالطبع لا. كما أن التلاقح
الإبداعي يتبلور أكثر ويتحدد على نحو ناصع بالاحتكاك الإنساني
والخلاق بين أدباء الجيل الواحد من جهة ومن جهة أخرى بينهم
وبين من سبقوهم وبمن سيأتون من بعدهم. هكذا هي جدلية الحياة
نفسها والإبداع الإنساني كذلك. لكننا نرفض العلاقات المزيفة
التي يكون ضحيتها الإبداع نفسه. فضائح كثيرة لا أول لها ولا
آخر. والملفت للانتباه أن هذه الأمور حدثت في وسط الشعراء أكثر
مما هي في وسط كتاب القصة والرواية. أتساءل هل بسبب أن الذاتية
أكثر بروزاً لدى الشعراء؟
في الأدب العالمي لم نقرأ عن مثل هذه المماحكات التي
على الرغم من صغرها لكنها تقض مضاجع الكثيرين لأنها في بعض
الأحيان تضع في الصدارة من ليسوا مؤهلين لذلك وتضع على الهامش
ممن هم أعمق تجربة في الإبداع والحياة. هل الحالة عربية إذن
فيسترجع شعراء العرب اليوم ونقادهم أمجاد أجدادهم ويحيون
تنافسهم غير المبني على التنافس الإبداعي، بل ويزيدون على
أسلافهم تلك المجاملات السطحية مما يجرح الموضوعية والأمانة
الثقافية وحتى الحضارية؟
إن شواغل المجاملات التي في غير أوانها ومكانها خلقت
الإشكاليات الكثيرة لأنها تعمل خارج الأدب والثقافة ولكنها
تؤثر تأثيراً كبيراً على صميم الحركة الأدبية والثقافية.هذه
الشواغل التي تشغل بعض الأدباء وغيرهم هي في اعتقادي تعمل على
إبعاد الأديب عن شغله الحقيقي، كما عرفنا ذلك من خلال سلوك
الآفاق في تاريخ الأدب.
وما يجاور ذلك ثمة تسميات غريبة من بينها ما يطلق
عليه بعض المشتغلين بالأدب "حسن إدارة الموهبة". فيقولون مثلاً
أن فلاناً شاعراً متميزاً إلا أنه لا يعرف كيفية إدارة موهبته،
وهو ما يعني مجاملة ومصادقة محرري الصفحات الثقافية والمجلات
والناشرين وحتى الإداريين في المؤسسات الثقافية! ناهيك عن حضور
المهرجانات والإصرار على اعتلاء المنابر. قد لا يكون هذا الأمر
غريباً على الحال الأدبي والثقافي في أي مكان في العالم وفي أي
زمان، لكننا لابد أن نقول أن هذه المبالغات في الظهور تؤثر
سلباً حتى على الشاعر الموهوب. قد يكون الشاعر الحقيقي كسولاً
أو مقلاً في النشر لكن أصالته تدفع القراء إلى متابعته بجدية
أكثر مكن غيره.
إن وسطنا الثقافي يمتلك خصوصية منفردة عن أي وسط آخر لما
يتضمنه من حالات عجيبة وغريبة وإساءات وتجاوزات على الحقيقة
الأدبية والإبداع. وتورط عدد كبير من الشعراء والكتاب الذين
يعدون من "الكبار والرواد والمميزين"! الأدهى من ذلك أن الأمر
وصل إلى تورطات السياسيين والأحزاب في "تسويق" أسماء معينة
وإقحامها في ساحة الإبداع الأدبي بالقوة لا بالفعل ومساندتها
عن طريق التهليل "بإنجازاتها" والانبهار بما تجود به قرائحها
من إبداع قل نظيره ويستحق الريادة بينما الأمر في حقيقته لا
يصل إلى هذا المستوى.
لقد قضينا زمناً طويلاً من عمرنا ونحن إما مخدوعون
بخشب مسندة أو مقموعون تفرض علينا نتاجات وأسماء متواضعة تحتم
علينا استهلاك بضاعتها البائرة بينما طمس حق كثير من المبدعين
وبنيت حواجز كي لاتصل أصواتهم إلى الناس من قراء ودارسي ثقافة
وأدب بحجج واهية أشدها لعنة تلك الحجج السياسية الطاغوتية.
لقد كان غياب الديمقراطية والحرية في بيان الرأي
الصريح والموضوعي وقلة الشجاعة النقدية التي يتحلى بها الوسط
الثقافي، إن لم يكن ال"جبن"، خوفاً من المؤسسة التي تساند
الشاعر الفلاني أو الأديب العلاني أو حتى خوفاً من الشاعر نفسه
أو استحياء منه، وقد تصل الحال إلى التشابك بالأيدي بسبب رأي
أبداه أحد ما في نتاج أحد الشعراء أو الشعراء فيما بينهم
والأمثلة على ذلك لا تحصى تشهد عليها حتى حيطان اتحاد الأدباء
وناديه!
وإذا كان للأحزاب السياسية الدور الإيجابي في إنضاج الوعي
السياسي والاجتماعي للأديب وتفعيل دوره في المجتمع من ناحية
فقد أسهمت، من ناحية أخرى، على نحو سيء في الانحياز لأصوات
ضعيفة مثلما أسهمت في تسطيح العمل الأدبي وجعلت من أولى مهامه
أن يكون في خدمة أيديولوجيتها حتى لو تدنى معياره الفني.
من المؤكد أننا اليوم نحتاج إلى مكاشفة نقدية جادة وعلمية كي
نعيد النظر في "مسلمات" اخترقت ثقافتنا ودراساتنا الأكاديمية
وزجت عنوة كي تضخم أكثر مما ينبغي لأسباب غير أدبية وثقافية
بحتة. وفي اعتقادي أن ليس في ذلك حرج إذا كنا ننوي إعادة ترتيب
أفكارنا وإنجازاتنا على وفق الترتيب الصحيح.
|