|
د. عدنان الظاهر تشرين الثاني (نوفمبر) 2004
(( ديوان شعر للشاعر أحمد عبد الزهرة الكعبي ))
( ألطبعة الأولى، أيلول 2004 . الناشر : الحضارة للنشر.
القاهرة )
مقدمة :
أحمد الكعبي شاعر آخر من شعراء قصيدة النثر الشباب. عراقي
المولد ألماني الإقامة. لفت نظري قبل كل شيء أسلوبه الخاص في
إختيار عناوين قصائده. فلكل عنوان نكهة خاصة ومزاج خاص. ووراء
كل عنوان رمز خاص أو عدّة رموز يُفصح الشاعر عنها خلال سرد
عناصر القصيدة. ولكن حذارِ : ما تقوله الكلمات شيء وما يريد أن
يقوله الشاعر شيء آخر. فشعره على وجه العموم شعر قريب جدّاً من
الشعر السوريالي. وإنَّ الشاعر لقدير ومتمكن من أدواته
وأساليبه. ثمّة أمر آخر شدّني بقوة إلى شخصية هذا الرجل : إنه
يتحرك كصخرة بازلت هائلة لا يؤثر فيها مطر ولا برق ولا رعود.
إنه من نسيج خاص من الرجال، يتقبل أقداره باسماً. يؤخذ إلى
العسكرية وسوح القتال فلا يبالي ولا يُقيمُ وزناً لإحتمال
الموت. كأنَّ شعاره ( ومن لم يَمُت بالسيف مات بغيره…). هل
معنى هذا أنَّ الشاعر – الإنسان لا يساهم في صنع بعض أقداره ؟
الجواب بلى. إنه على سبيل المثال هرب من الخدمة العسكرية التي
فرضها عليه وعلى الملايين من العراقيين سواه نظامُ الحروب
والسموم والإغتيالات.ثم إنه ترك وطنه العراق طلباً للأمان له
ولأفراد عائلته.
أمر آخر لفت نظري وأنا اقوم بدراسة الديوان : يتحدر الشاعر من
عائلة شديدة التمسك بدينها لكنَّ السيد أحمد الكعبي، وريث دين
ومذهب ومقدسات هذه العائلة، وربما أغلب تقاليدها وعاداتها، عزل
هذا الإرث الديني عن عناصر إلهامه الشعري حتى أنَّ القاريء لا
يكاد يقرأ في الديوان أي أثر لهذا الموروث الذي يعتز به
الشاعر. تلكم لَعَمري ظاهرة نادرة وفريدة في تأريخ الشعر.
فالشعر مرآة الشاعر ظاهراً وباطناً كما نعلم. لقد عزل الشاعر
دينه عن دنياه فتكشّفت مملكته الشعرية مملكةً علمانية ليس فيها
تطرف ديني أو سياسي.كما إنها تخلو من سادية بعض الشعراء الذين
يحاولون جاهدين أن يفرضوا على قاريء شعرهم مذاهبهم وعقائدهم
ومناهجهم وأذواقهم الأدبية. هل نبحث أو نسأل عن سر هذه الظاهرة
؟ سُدىً… فالرجل نسيج خاص بين الرجال الشعراء.
أبرزُ موضوعات الديوان :
يضم الديوان سبعاً وعشرين قصيدة موزعة على سبع وثمانين صفحة.
كتب هذه القصائد ما عدا واحدة في مدينة ميونيخ الألمانية.
أهداه إلى المرحوم والده بقوله [ إلى أبي… لا زال مجلس العزاء
في قلبي، ألا تأتي لتعزّيني ؟ ]. كما كتب لي على الصفحة الأولى
من النسخة التي أهداني [ حين كان العراقُ يضمّنا بكيناهُ
حبّاً… وها نحن نبكيه كحلم لا يأتي ولو مرّة في ليالينا
الخالية من القمر!! ]. هل هناك ما هو أبلغ من هذين الإهداءين
وما جاء فيهما من كلام ؟ مفتاحان هائلان أو بوابتان تنفتحان
على عوالم الشاعر وشعره.
رصدت موضوعاتٍ أربعةً رئيسة تدور حولها هواجس الشاعر ومحتويات
الديوان. لعلنا إذا ما درسناها عن كثب أن نهتدي إلى قلب الشاعر
ولعلنا أن نُوَفق إلى فهم مقاصده والولوج إلى عالم أسراره وفك
طلسمات أحلامه ورموزه. المحاور الرئيسة الأربعة هي :
1-
الحرب… الموت… المقابر
2-
إنقسام الشاعر على نفسه / الأشباح والأحلام
3-
الماء… الأنهار… المطر
4-
الأبواب… المدن
الحرب… الموت
خدم الشاعر أربعة أعوامٍ مُجنّداً في الجيش العراقي.كما عانى
كبقية العراقيين من ويلات الحروب والغزو فكان شاهد عيان حيّاً
على ما أصاب وطنه ومواطنيه من خراب ودمار
وموت وإعدامات في الشوارع وتعليق للجثث على أبواب الدور، ومن
زج عشوائي في السجون الرهيبة ومن تخريب للذمم والنفوس وتدنيس
للأعراض. جرى كل هذا أمام عينيه
سواءً أكان طالباً جامعياً أو عسكرياً مُجنّداً في أحد صنوف
الخدمة العسكرية الفعلية. ترك هذا الدمارُ غير المسبوق للأرض
والعرض والبشر… ترك أعمقَ الآثار في دواخل الشاعر كما ترك
بصماتٍ لن تنمحي وجروحاً غائرة في ظُلمات روح الشاعر وفي عقليه
الظاهر والباطن. نقرأ هذه الآثار ونتلمس دماء هذه الجروح
طريةًّ فوّارةً صبغت الكثير من أشعاره
وتركته كالحالم لا يميز بين ما هو واقعي وبين ما هو ليس
واقعياً. لقد إنقسم جرّاء ذلك
-
كما سنرى – على نفسه ولم يعُد قادراً على تحمّل هذا العبء
الُمفْرِط بالثِقَل من ذكريات الحروب والتخريب والدمار المبرمج
بدقة وخبث ووفق منهجية مشبوهة. حاول الشاعر بكل ما أُوتي من
قوّة وقدرة أن ينسلخ عن كوابيس عالم مرعب عايشه بكافة دقائقه
وحاول أن ينساه لكنه، حتى بعد أن إستطاع الهروب من العراق
واللجوء إلى بلد آمِن، وجده شاخصاً أمام ناظريه مُجسَّداً
يترصده في اليقظة وفي دنيا الأحلام والرؤى. لذا جاءت معظم
أشعار الديوان مزيجاً من سوريالية الواقع وهذيان الأحلام ولا
واقعيتها ولا معقوليتها. الشاعر راصد ممتاز ومقدام في رسم
دقائق وجزئيات صور الرعب وإحالة لوح الأحلام السالب إلى لوحات
متحركة موجبة الأشكال والأبعاد. إنه لشاعرٌ متمكِّن من خياله
ومسيطر على أدواته ووسائله الشعرية إنْ لغةً أو سرداً مركّزاً
أو عرضاً مُذهِلاً وقدرةً على تنفيذ مشاريع وموضوعات قصيده.
بهذه المزايا أراه متفوّقاً على الكثير ممن أعرف من شعراء
قصيدة النثر من الشباب الجُدُد.
أين نجد الحرب في شعر أحمد الكعبي ؟ نجدها موزعة بدقة على أغلب
صفحات الديوان. مثلا، قال في قصيدة
( شموع الأشلاء ) :
صباح القتل
…
مسدسٌ في وجهي
ووجهك
أم كانت وجوهنا في الفوّهة ؟
مُدججٌ يقدمُ
وآخرُ يخبو
ونحن نفتحُ التلفاز
لنعرفَ عدد القتلى
ماذا لو أطفأنا العالم
وأيقظنا القتلى
ليومٍ ليس فيه ساعةٌ
ولا مسدسٌ !!
…
إفتتح الشاعر هذه القصيدة بجملة ( صباح القتل ) ساخراً من تحية
الصباح المألوفة ( صباح الخير ). لا صباحات في عراق السموم
والحروب دون قتلى وقتول والمزيد من المصائب والكوارث والنكبات.
تحيتهم صباح القتل، فمع الصباح تأتي العوائلَ العراقية أخبارُ
قتلاهم
سواء في سوح المعارك والحروب مع الجيران أو تحت أعواد المشانق
أو في رصاص الإغتيالات الغامضة ومجهولية القاتل.
(( مسدس في وجهي ووجهك… أم كانت وجوهنا في الفوّهة ؟؟؟ )) هذا
هو السؤال
الذي كان يحدد مصائر العراقيين : فوّهات مسدسات النظام البائد
كانت مُسددة بثبات نحو وجوه العراقيين كافة، شاءوا أم أبوا،
صمتوا على الهوان أو صرخوا في وجوه القتلة. الموت قادم مع كل
صباح يدق الأبواب باباً باباً فأين المفر ؟ لا مفرَّ ولا مهرب.
الموت هو القدر والقدر هو الموت… فالنظام كان نظام موت وإفناء
وتدمير، نظام قائم على الضد من إرادة الحياة ونواميس الطبيعة.
يولد أطفال العراق ليجدوا أنفسهم أمام سَبَطانات
( ماسورات ) المسدسات والبنادق والرشاشات وربما المدافع
والدبابات. لا يتسلّى العراقيون بجهاز التلفزيون كباقي خلق
الله، لا أغاني تستهويهم ولا مسلسلات، إنما تشدهم أنباء من سقط
قتيلاً ومن آب من الجبهة جريحاً ومن أُعدِم رمياً بالرصاص في
وسط مدنهم كما حصل للأديب والروائي حسن مطلق الرملي ( إقرأ
رواية الفتيت المُبعّثر للكاتب محسن الرملي / الناشر : مركز
الحضارة العربية ، القاهرة ، الطبعة الأولى ، أغسطس 2000 ). (
نفتح التلفاز لنعرف عدد القتلى… ماذا لو أطفأنا العالم وأيقظنا
القتلى ليوم ليس فيه ساعةٌ ولا مسدس !! ). قد يسأل سائلٌ :
وما هي علاقة الساعة بالمسدس ؟ الساعة هي ساعة قيامة الموتى ((
يومَ أن تقومَ الساعة… )) أي أوان أن يقوم الموتى ساعة الحساب
من قبورهم… وليست الساعة اليدوية التي يضعها البشر في معاصم
أيديهم. يتمنى الشاعر الخلود لأخيه الإنسان… لا يريده أن يموت،
تماماً كأمنية جلجامش وسعيه في الآفاق وراء عشبة الخلود. لا
قيامة ولا ساعة للقيامة إلاّ بعد موت. يبتغي الشاعر الحياة
الأبدية خاليةً من عناصر الفناء ومن أدوات الموت كالمسدس وما
شابهه من وسائل القتل والفتك. إنها مجرد أُمنية كبيرة ومفرِطة
في طوباوية الخيال. إنها جنّة المؤمنين ولكنها جنّة مبنية على
تراب أديم كرتنا الأرضية. مرةً أخرى ينجح الشاعر في الجمع بين
الدين والدنيا.
أقول للشاعر : سيبقى المسدس مشهوراً في وجوهنا وسيبقى البشر
منتظرين قيام الساعة.
من أجواء الحرب الأخرى. قال الشاعر في قصيدة
( الحفرُ في وجه المكان )
أحفرُ
أحفرُ
القبور قادمة…
كان الكافورُ أشجاناً
وأنا أتلو خافتاً
لا مرورَ إلاّ للغربانِ
ولا صُراخ سوى للريح
شاهدٌ يجرُّ جُثةً من الرصيفِ
والرصيفُ دون جثّة !
…
ميدوزا بقايا لكوليرا الأسطورة
وأنكيدو تجرّبَ بحب الشبابِ
العصورُ الذهبيةُ تنكٌ صديء
وقرارُ الحربِ عادةٌ سريّةٌ
إذن…
حضّرتُ ثيابَ الأشباحِ
كي أسُدَّ بكاءَ أُمّي
من ميازيب الرهبة
…
إذن هو الموتُ… قادمٌ
سماوات
أَرَضين
وتلفازٌ أعور
…
كنتُ أقولُ لي
أحفرْ
أحفرْ
فالموتُ قادم
…
سوف أُواري القتلى عن ساحة الكذب
وأواري أوسمة العهر عن جيد القهقهة
…
…
وعينٌ أخرى لتلفاز المقبرة
إطلاق نارٍ في جبهة خامسةٍ
وأصابع ترفعُ الأدغالَ من ضلوعي
جنرال جديدٌ ببزةٍ من صُراخِ الأرامل
وجنديٌ يحملُ دُميةً حمراء !
ماذا لو خرجَ الشهداءُ ؟
وفي صدورهم وجوهُ الأرامل ؟
أيةُ حفرةٍ ستتسعُ لهم
وأيُ سكوت ؟
فأنا أحفرُ في وجهِ القنبلةِ قبرَ المكانِ
أحفرُ
والحُسينُ بسبعين نجمة يمرُّ
سيدي هذا قبري
وهذه عاشوراءُ الوطن
أحفرُ
أحفرُ
وأنا دون ظلٍّ
أُخفي جندياً هرب من المدينة
أمسحُ ثيابه بدمي
علّهُ يتذكرُ الليلةَ أنَّ هناكَ إجازة
للعبِ فوق براكين الحياة
…
لكنه جندي… لا أكثر !
رفعوهُ من اللافتة…
وألزموه الخندق.
كرر الشاعر في هذه القصيدة الفعل (( أحفرُ )) ثلاث عشرة مرة 13
، فما سبب وما سرُّ ذلك وما هي دلالته ؟ حفر الشاعر والجندي
المقاتل نوعين من القبور : قبوراً ضمت رفات الشهداء الذين
سقطوا ضحايا جنون رأس النظام الفاشي والمُسرف في الشذوذ
والإنحراف عن كل ما هو مألوف ومعروف. (( ماذا لو خرجَ الشهداءُ
؟ وفي صدورهم وجوه الأرامل ؟ أيةُ حفرةٍ ستتسعُ لهم ؟ )). أجل،
أية حفرة تتسع لمئات آلاف القتلى في جبهات الحرب أو القتلى
الراقدين في القبور الجماعية أطفالاً ونساءً وشباباً وشيوخاً
؟؟؟
لقد تم الكشف عن الكثير من هذه القبور الجماعية مباشرةً بعد
سقوط نظام صدام حسين وزمرته من القتلة والسُرّاق وعُتاة
المجرمين يوم التاسع من نيسان 3003 . وفي التقدير أنْ ما زال
الكثير من هذه القبور مما لم يُكشَف عنه بعد. أما الصنف الآخر
من فعالية الحفر فإنه ينصرف إلى إعداد المزيد من الأجداث
والأضرحة الجديدة للمزيد من القتلى القادمين محمولين على أكتاف
أهليهم وذويهم ورفاقهم في السلاح، يلفّهم علم العراق الذي يحمل
خط يد صدام حسين صكّاً أبدياً يُحمّل هذا الصدام المعتوه
مسؤولية المصير الذي آلَ إليه هذا القتيل بدون ذنب (( وإذا
المؤودة سُئلت، بأي ذنبٍ قُتِلت ؟؟ )). يُعتبرُ مثل هذا الشهيد
محظوظاً… فلقد شيّعهُ أهلوهُ وذووه وبعضُ الجيرةِ ورفاق
السلاح، لأنَّ هناك من القتلى من لم يشيعه أحدٌ ولم يقرأ
الفاتحة على روحه أحدٌ… ذلكم ممنوع ومحرّم. بل وأكثر وأمرُّ من
ذلك… على أهل القتيل تسديد ثمن الإطلاقات التي إخترمت جسده
الغض الفتي. وعلى ذويه القيام بدفنه تحت جُنح الظلام. لقد تم
إعدامه من قِبل فرق خاصة للموت والقتل، لإنه رفض قرار الحرب أو
رفض الخدمة العسكرية الإجبارية أصلاً أو حاول ترك جبهات القتال
ملتمساً مكاناً آمناً أو مستسلماً لعدو إخترعه رأس النظام
المقبور كي يُعرّض العراقيين للمزيد من القتل والموت من جهة،
ولكي يقوم بتهريب المزيد من مليارات الدولارات إلى خارج العراق
من الجهة الأخرى. وتبقى السلطة في نظره هي السلطة والتعسف
والتسلط : قتل في وضح النهار وسرقة أموال العباد.
لقد تحول الشاعر في هذه القصيدة إلى حفّار قبور، ف ( القبور
قادمة )، وإنه لا يجرؤ على قراءة الفاتحة ( وأنا أتلو خافتاً
)، وإنَّ الغربان حاضرة للإجهاز على رِمم القتلى ( لا مرور
إلاّ للغربان )، حيث لا أُمٌّ تصرخ أو تبكي أو تستغيث ( لا
صُراخ سوى للريح )، وأنًّ الحروب جاءت بقرارات لا يعرفها سوى
صدام حسين وقِلّة من أقرب المقربين إليه ( قرار الحرب عادة
سريّة )، ( إذن هو الموت قادم ).
يحفر الشاعر – الجندي – الإنسان كل هذه القبور ولا ينسى أجواء
الحرب الأخرى، أو إنها هي هذه الأجواء تفرض نفسها عليه فيتجاوب
وإياها ويقوم بتصويرها بعدسات حواسه الشعرية الدقيقة والأمينة.
فنظام الحروب والسموم يفتح للقتال جبهةً أخرى، جبهة خامسة (
إطلاق نارٍ في جهةٍ خامسةٍ، جنرال جديد ببزة من صُراخ الأرامل
). العدد خمسة لا أهمية حسابية له، فقد يقوم هذا النظام بفتح
المزيد من الجبهات… جبهة سادسة … سابعة … عاشرة … فشهوة رأس
النظام للقتل والدم مفتوحة ولا حدود لها. لا يجد نفسه المريضة
إلاّ في هذه الدماء، ولا يحقق ذاته المنحرفة إلاّ في هذه
الأجساد المطروحة. ولقد طالما قتل صدام حسين بمسدسه الشخصى
الكثير من العراقيين غرباء عنه أو أقرباء له أو حتى من رفاقه
في قيادة الحزب والدولة. لنتذكّر المجزرة التي قام بها في ما
يُسمّى بالقصر الجمهوري في تموز من عام 1979 بعد إزاحته لرئيسه
أحمد حسن البكر في مسرحية تلفزيونية وإغتصابه للسلطة ومن ثم
التفرد المطلق بها دكتاتوراً غاشماً وقاتلاً محترفاً وسارقاً
قلَّ نظيره في التأريخ المُعاصر.
نعم، تركت حروب صدام حسين الداخلية والخارجية الكثير من
الأيتام والكثير من النساء الأرامل ( ماذا لو خرجَ الشُهداءُ
وفي صدورهم وجوهُ الأرامل ؟ )، في حين كان نجله
عَدي يمارس كل أنواع الشذوذ والإنحراف عن الطبع السليم من
إعتداءات وسرقات وتجاوزات على التقاليد والأعراف والأعراض
والمقدسات. وكانت زوجه ( ساجدة خير الله طُلفاح ) ترفل بالنعيم
ومجد السلطلة والسلطان وتقوم بتهريب الملايين وشراء العقارات
هنا وهناك. لم يخدم صدام ولا إبنه عدي يوماً في الجيش العراقي،
ولم تعرف ساجدة طلفاح الثُكل ولم يُجرّب ولداه اليُتم.كان هذا
كله من نصيب بقية أطفال ونساء العراق : قتلى وأسرى ومفقودون
وهاربون ومُشرّدون وثُكالى وأيتام ومعاقون. لوحة من موت ودماء
لا يَلَذ بها ولا يطرب لها إلاّ مجنون ساديٌّ منحرف الطبيعة
والخلق، ثم حرامي كبير ومجرم محترف… وكأنَّ هذا كان نصيب ومصير
وقَدَر العراق والعراقيين.
لماذا يتذكر الشاعر (( الحُسين )) و (( عاشوراء )) ؟ هل من وجه
للمقارنة بين مجازر صدام حسين ومجزرة الطف قريباً من كربلاء ؟
هل مكتوب على العراق أن يشهد وأن يُخلّدَ أكثر من ( عاشوراء )
واحدة ؟ نعم، فما دامت الجبهات متعددة ومفتوحة كأنْ لا نهاية
لها ولا حدود ما دام صدام هو الحاكم المطلق، فإنَّ على
العراقيين نساءً ورجالاً أن يتأهبوا للمزيد من لطم الصدور
والوجوه بالأكف وضرب الأكتاف والظهور بسلاسل الحديد حيث يتهرأ
اللحم وتسيل الدماء حارة فوّارةً تُذكّر العراقيين بمأساة
الحسين بن علي
ودمائه ودماء أخوته وأبناء عمومته ومن قاتل معه من محبيه
والعارفين قدره. التربة واحدة ( أرض العراق ) والقاتل واحد (
الحاكم المنحرف والمستبد والمغتصب للسلطة ) وإنْ إختلفت نوعية
الدماء التي سالت على أديم هذا العراق العريق والمعروق !! هل
هناك من علاقة بين كلمتي عِراق و عِراك ؟؟ خاصةً إذا تُرجِمت
الأولى إلى بعض اللغات الأجنبية
فإنها لا شيء سوى ( عِراك =
Iraq , Irak
)…
يُعيدُ التأريخ نفسه أو بعض فصوله أحياناً وإنْ إختلفت الصيغ
وبعض التفاصيل. علينا أن نتقصى الجذور المخفية وأن نتتبع
المجاري الجوفية كيما نصل إلى جواهر الظواهر وإلى القواسم
المشتركة والمفاصل التي تتحكم بحركات الأحداث. نعم، عاشوراء
تتكرر والدماء تظل تسيل ويظل العراقيون والعراقيات مهمومين
تارةً يبكون وأخرى يشقون الجيوب ويلطمون الخدود والصدور.
آثار الحروب على الإنسان المُرهف والشاعر المتألق جوهراً وفناً
شديدة الوضوح فيما كتب من أشعار، حتّى لتكاد كل صفحة من صفحات
الديوان تنطق بمفردة أو وصف مُناخ أو إشارة أو رمز أو تصريح
لما يمتُّ من صلة بالحرب وظروفها وأجوائها. وإني لأود أن أُنهي
هذا الجزء الأول من عناصر الديوان ( الحرب… الموت… ) بقصيدة
قصيرة لكنها رائعة الدلالة وكبيرة المغازي. إنها الصرخة
المدوية – المكتومة الرافضة للحرب ومآسيها حيث يقف فيها الشاعر
– المُجنّد قسراً وقفة رجل شهم شجاع في ساعة إستجواب وربما
إتهام وإمتحان عسير. سأله المحققون عمّن كان معه في خلوة أو في
إحدى رُدهات المعسكر أو ربما أثناء محاولة الهرب من هذا
المعسكر، فيكون جوابه إنه كان وحيداً متفرداً بنفسه. ثم يعيدون
عليه نفس السؤال فيقدم لهم جواباً بحجم إنفجار قنبلة هائلة :
الشهداء… كل القتلى كانوا معي. ثم وللمرة الثالثة يعيدون عليه
ذات السؤال فلا يحظون إلاّ بجواب فلسفي ساخر لا يفهمه الضباط
الذين يستجوبونه : كان معه النور والضياء… كان معه فانوس يُضيء
الظلمات وينير البصائر والدروب. مصير بعض الشعراء العظام الموت
غدراً.
قُتل إمرؤ القيس غدراً وقُتلَ بشّار إبن برد وقُتِلَ الحلاّج
والسَهَروَردي وقُتِلَ المتنبي غيلةً وقُتِل الشاعر الروسي
بوشكين في مبارزة غير عادلة. القائمة طويلة.
ما قال شاعرنا في هذه القصيدة القصيرة، قصيدة تسجيل محضر تحقيق
؟
قصيدة إعتراف :
" من كان معك " ؟
-
كنتُ معي
" من كان معك " ؟
-
جميعُ القتلى
" من كان معك " ؟
- فانوس لا تُقرّهُ الحرب
" من كان معك " ؟
-
قوارير لدمِ الطيور
وإعتراف لم أحفظهُ بعدُ.
أية رجولة يُسجِل هذا الإنسانُ وهو يخضع لإستجواب عسكري وعلى
إحدى جبهات القتال. إنه يواجه عقوبة الموت رمياً بالرصاص إذا
لم يُقدم معلومات حول الشخص أو الأشخاص الذين كانوا بصحبته.
إنه يقفُ وجهاً لوجه أمام عقوبة الخيانة العظمى خاصةً والبلد
في حالة حرب مع الأعداء. إنه يعترف ولكن بأمور أربعة : إنه كان
وحيداً. وإن شخوص ورؤى رفاقه القتلى لا تفارقه أبداً، وإنه مع
النور والضوء وربما مع مجموعة كتب ممنوع تداولها إنّ في زمن
السلم أو في أزمان الحروب. وأخيراً إنه قد أعدَّ الأضرحة
والقبور لأجساد رفاقه القتلى ( قوارير لدم الطيور ) فضلاً عن
مشروع إعتراف لقَّنه إياه مستجوبوه لكيما ينجو بنفسه ويتجنب
القتل بالرصاص …لكنه لم يقبله …لم ينطق به… رفضه وليكن ما يكن
( وإعتراف لم أحقظه بعدُ ).
إنقسامُ
الشاعر
لماذا ينقسم الشاعر على نفسه ؟ ولماذا يلجأ إلى عالمي الأحلام
والأشباح وتحت أية
ظروف ؟ لماذا يرمي ثِقَلَ نفسه على سواه، على الآخر ؟ أطرح هذه
الأسئلة لأنَّ في الديوان قصيدة عنوانها سؤال يتحدى فِكرَ
القاريء ويخترق عينه بصياغته اللغوية غير المألوفة. عنوان هذه
القصيدة هو
( من سيكونُ أنا ) ؟
يتوقع القاريء أن يكون هذا السؤال بصيغة ( من سأكونُ أنا ) ؟
أو ( سأكونُ من ) ؟. لقد فصم الشاعر نفسه عن نفسه، أو بعضَ
نفسه عن بعضها، حين صمم هذا السؤال بصيغة غير مألوفة. لا
إعتراض لديَّ على قراره، فالشاعر مبدع وخلاّق بل ( وخارج عن
القانون ). الشاعر تكوين نفساني خاص بالدرجة الأولى، وبناء
ثقافي ومنظومة لغوية خاصة تميّزه عن سواه من الشعراء. لا
يستطيع هذا الشاعر أن يُبرّزَ هذه الخصوصيات وأن يتميز أو
يتفوّقَ على أقرانه ومنافسيه إلاّ إذا مارس أقصى درجات الجسارة
والجرأة والتحدي لأغلب ما هو مألوف. إتقاد جذوة الشاعرية
الطبيعية في أعماق الشاعر، واللغة، والثقافة، فالجراءة… هذه،
كما إخالُ، أهم عناصر الإبداع في شعر الشاعر. ثم إنَّ الشعراء
أوزان، تماماً كالمصارعين والملاكمين وعدّائي المسافات
المختلفة. فمنهم من هو خفيف الوزن وفيهم متوسطه أو ثقيله فضلاً
عن سُلّم التدرج المعروف في عالم الرياضة كوزن الذبابة والريشة
وخفيف الثقيل وما فوق الثقيل. وعليه فلا يمكن المقارنة بين
الشعراء إلاّ إذا تماثلت أوزانهم وطبقاتهم.
أعود للقصيدة إياها التي إستفزتني بعنوانها – السؤال : من
سيكون أنا ؟ لنقرأ معاً فقراتٍ منها كيما نتبين مواضع الإنقسام
والإنفصام ثم لنحاول أن نفسّر هذه الظاهرة مستهدفين الولوج إلى
دواخل الشاعر علّنا واجدين علّة هذا الإنفصام المتعمَّد، أو أن
نضع أيدينا على دوافعه ومسبباته. سنشرّح معاً بضاعة الشاعر كما
يشرِّح الطبيبُ الجرّاح جسداً حياً نابضاً بكافة عناصر الحياة
: لقد وضع الشاعر بهذا السؤال عالمي الغيب والشهادة وجهاً
لوجه. من سيكون يحمل معنى ودلالة الضمير الغائب ( هوَ )، بينما
يحمل ضمير المتكلّم
( أنا ) دلالة الحاضر. عالمان متقابلان ومتضادّان : فالغائب
ليس كالحاضر والغياب ليس كالحضور. فلماذا تعمّد الشاعر جمع
هذين النقيضين معاً وما الذي ألجأه أن ينهجَ هذا النهج وأن
يتّبِع هذا الأسلوب ؟ ما الذي يفيده من شطر ذاته إلى نصفين
متساويين عددياً وتوزيعها ما بين شخصين ليسا متساويين ولا
متناظرين ولا متكافئين. لا وجود لأحدهما إلاّ في ظلال الغيب
المجهول والمتعدد الإحتمالات : هو !! من هو ؟ متى يأتي ؟ متى
يتجسّد
أو يتشكل جسداً ذا كيانٍ وعَيان وإسم ولقبٍ وسِماتٍ بشرية مما
نألف، وأبعاداً هندسية من طول وعرض. أما النصف الثاني فيمُثّلُ
الشاعر نفسه إذ نراه أمامنا شاخصاً ناطقاً مع شيء من التحدي
والثقة بالنفس : أنا. أنا هنا – كما أراها – تختلف جذرياً عن
أنا الحجّاج بن يوسف الثقفي عندما خاطب أهل كوفة العراق
مُهدّداً متوعداً قائلاً ((
أنا
ابنُ جلا وطلاّع الثنايا… متى أضعُ العَمامةَ تعرفوني )). قد
تقترب من أنا أبي الطيب المتنبي حين قال في مجلس سيف الدولة
الحمداني متحدياً خصومه من المتشاعرين والزعانف ((
أنا
الذي نظرَ الأعمى إلى أدبي… وأسمَعتْ كلماتي من بهِ صَمَمُ )).
نعم، ( هو ) الشاعر ليست ( أناه… أنا ). الشاعر الغائب مجرد
إحتمال قد يكون وقد لا يكون. محض إحتمالية هلامية متعددة
الأوجه. أما ( أنا ) فإنها تنتصب أمام القاريء كلوح أو قالب من
الكونكريت المُسلّح أو كنُصب من حجر الغرانيت الصُلْد كالذي
نرى في العواصم والمدن. أعود بعد هذه السياحة المطوّلة لسؤالي
السابق لأتساءل عن السر وراء هذه الظاهرة. هل يعاني الشاعر
فعلاً من ظاهرة الإنقسام على الذات التي يسميّها أطباءُ
الإختصاص ( الشيزوفرينيا ) ؟ هل ثَقُلَ الشاعر على نفسه جرّاء
ما عانى وما قد تحمّل أثناء سنيِّ العذاب والحروب وربما الأسر
ومن ثم مَرار ومغامرات إختراق الحدود الدولية طلباً لملجأٍ آمن
له ولأطفاله ؟ أجد نفسي ميّالاً للأخذ بالفرض الثاني. فلقد
وجدتُ الشاعر في الأغلب الأعم من أشعاره يتكلم عن هموم لا
يُفصح عن تفصيلاتها. ولا أحسبه إلاّ معنيّاً بهموم البشر
عامةً، لا هموم العراقيين حسبُ. همومه ليست قَبلية وليست وطنية
ولا قومية ولا دينية – مذهبية، إنما هي أكبر وأوسع وأعمق وأعم،
إنها الكل في الكل، إنها تتكلم عن هموم الإنسان الفرد والبشرية
جمعاء. لذا فإني أراه يستحق وبجدارة أنْ يحمل إسم وسمات الشاعر
الكوني.
ماذا قال أحمد الكعبي، بعد، في هذه القصيدة وسواها من شعر
الإنفصام والتشظّي ؟ لنقرأْ معاً سطوراً من قصيدة
( من سيكون أنا ) :
تلك الوجوهُ معي
يتنفّسنا النهرُ عاصفةً
ينثرنا…
لصيدِ الخوفِ والغَرَقِ،
وننثرهُ كقُربانِ
أنا المأجورُ لقتلِ نفسهِ
من يُدلي بموجةٍ ؟
من سيكون الدفّة ؟
لتبقى الرفّاتُ وحيدةً كما الرايةُ ونساءُ القبيلةِ
من سيكون أنا
لو توالت النَشَراتُ
لو لبسَ الصوتُ الصدى
وإمتثلَ العُريُ ليكونَ الحقيقةَ
من سيُحرّكُ التماثيلَ ليجلبَ الظلَّ ؟
كونوا هنا وأكونُ ظلَّ الخيبةِ
…
لا ضيرَ أنْ تكونَ الجنازةُ من الصُلبانِ والزنازين
أيُ غدٍ سيأتي غداً
النهرُ ذاتهُ تُزيحهُ الأشرعةُ،
ويُعطي القراصنةُ ذكرياتي الغريقة
…
كنَسرٍ أعمى أُزيحُ معسّكرَ الظنونِ
وأُعيرُ حُلُمي ثياباً لعيدٍ يرحلُ
مارستُ الوقوفَ أمامي
أرفعُ مرآةَ النهرِ
وأُقلّدُ القواربَ الكسيرةَ
لأُخرجَ الوجوهَ منّي
كنيزكٍ
فلا نومُ العاصفةِ ولا حضورُ القتلى
سيكونُ شراعاً يُخبِرُ الأنهارَ القريبةَ عن نهرٍ لا يبلغُ
المصّبَ
عن حريقٍ لا يخمدُ
عن وجهٍ بلَّ النهاراتِ
عن بيتٍ ما يَبُسَ إلاّ لينزفَ…
هل يجد الشاعر والإنسانُ المُعذَّب في آليةِ فصل بعض النفس عن
بعضها راحةً ومُتَنَفَساً
وطبّاً ودواءً ؟ هل إنه يمارس نوعاً من العمليات الجراحية التي
ينفّذها بيده وبمبضعه الخاص قصّاً لجزءٍ من عالمه المُبطّن
أوبتراً لعضوٍ مُعتلٍّ لا أملَ في شِفائه ؟ الشاعر في هذا
المقام عالمٌ وطبيبٌ وجرّاح، لا قطبٌ صوفيٌّ غائبٌ أو مُغيّب
عن وعيه. إنه واعٍ بمعنى إنه يظهرُ ويختفي، يطفو على سطوح
الماء ويرسبُ تحتها حين يشاء ومتى ما يشاء. إرادته رهنُ يديه.
هل هذه النزعة الجارفة صرخةُ وصدى الإنفصال عن الوطن الذي قتلَ
أبناءه وزجّهم في مُسلسلٍ من الحروب والغزو والعدوان ؟ إذا
إنسلخ الشاعرُ مُضطرّاً عن تربةِ أبيه وأمه وأجداده فلِمَ
يسلخُ بعض نفسه عن البعض الأخر ؟ هل يجد في هذا الإنسلاخَ
علاجاً نفسانياً ورياضة روحانيةً عصرية من نوع جديد ؟ بعض
السحالي ولا سيما منها المألوف في بيوتنا في العراق والمعروف ب
( أبي بريص ) يستطيع التعويض عن بعض أجزائه المقطوعة، فهل
نستطيع نحن البشر ذلك ؟ أتمنى ذلك !
نقرأ شيئاً من قصيدة
( ألا من قبرِ سلمى ) ؟
لنواصل
متابعة مسألة الإنفصال والإنشقاق على الذات أو النفس البشرية
الأمّارةِ بالسوء.
سألتُ الشاعر عمّن تكون " سلمى " فقال : الأندلس ! إذن فالشاعر
يتذكّر الفردوس المفقود. فهل كان العراق في عقله الباطن
والأندلس في قلمه وفي وعيه وعقله الظاهر ؟ أغلب ما جاء في هذه
القصيدة من إشارات وصور ورموز إنما تمتُّ للعراق بأكثر من
وشيجة. الشاعر يتكلم عن الأندلس لكنه لا يقصد إلاّ وطنه العراق
وإلاّ بغداد مسقط رأسه. بلى، قد ذكر الشاعرُ غرناطة وذكر قرطبة
كما أشار إشارةً سريعةً عجلى إلى بطل رواية " سرفانتس " الشهير
" دون كيخوت " الإسباني. أشار إليه دون أن يذكرَ إسمه. قلتُ
إشارة عجلى لكنها كانت أكثر من كافية لتضع أمام ذاكرتنا
وعيوننا بلاد وأجواء الأندلس، فردوس العرب المفقود. تلّبس
الشاعر شخصية وطبيعة دون كيخوت، الرجل العاجز إلاّ من قتال
طواحين الهواء بسيف خشبي ممتطياً صهوة حصانٍ هزيل. الشاعر لا
يستطيع الوقوف بوجه الأقدار العاتية ولا أن يمنعها من حرق
الأخضر واليابس… تماماً كدون كيخوت. أكيد أنَّ ما نرى على
شاشات التلفزيون من أحداث تجري على أرض العراق، في مُدنه وفي
قُراه، في سهوله وسفوحه وقريباً من جباله… إنما وبكل تأكيد
يؤثر هذا على أعصاب الشاعر فيختزنها في لاوعيه وفي طبقات
وزوايا عالم اللاشعور. إنه يختزن ما يجري أمامه ولا يستطيع أن
يدرأ خطر ما يجري، ولا يستطيع مواصلة صمت الشياطين الخُرس
فيندفعُ للتعبير عنه بالشعر سوريالياً أو مُلغّزاً أو على شكل
رؤىً وصور بالغة الدلالة والتأثير تزوره أحلاماً في ملكوت
الكرى.
لنقرأ بعض ما جاء في هذه القصيدة :
من يقرأُ أوراقَ إعتمادي ؟
عابرٌ أصفرُ لا يملكُ لساناً ولا خيولهُ تصهلُ.
كان عليَّ الوقوفُ…
ضفائرُ النساءِ رماحٌ مبتلّةٌ
والسفنُ بأضلاعٍ هاربةٍ يُخبئها البحرُ.
القراصنةُ عللا مرأى الفراغِ
ومن عيون العتادِ النافذِ
تمرُّ سلمى على بابها…
وجدتُني أرفعُ الرمادض عنّي
تلوذُ فيَّ عصافيرُ من حَجَرٍ
ومصاطبُ مدرسةٍ محروقة،
دفعتني أبوابٌ وشُرُفاتٌ شاحبةٌ…
خروقاتٌ لقوسِ قُزحٍ ليليٍّ…
عجائزُ يسحبنَ القتلى لداخلِ اللوحةِ
وسلمى على بابها مُعلّقةٌ تُنكِرها أبجديةُ الترابِ والمدنُ
المُكررةُ
…
هاكم تلك المدن المفلسةِ
هاكم جوادي يابساً
هذا سيفي صُيّرَ خَشَباً
هذا كُذبي والحُلُمُ
تلك الزنازينُ العاريةُ
وأنا سأرتدي الوحشةَ…
أضعُ إكيلاً من أقراطٍ مُغتَصَبةٍ
وأنتم يا أنتم…
صَفِقوا لكلِّ شيءٍ
فأنا مُنشقٌّ عني…
دون كيخوت العاجز عن الوقوف بوجه الطاغي والطغيان وصد العواصف…
ينشقُّ على نفسه، يتنصلُّ بل ويتبرّأُ مما جرى وما زال يجري في
وطنه وعلى تراب هذا الوطن. العاجز كالنعامة يغطّي رأسه في
الرمال أو يُغمِضُ عينيه كي لا يرى المحنة بأم عينيه. ولكن
لاتَ مهرب ! المُقّدرُ كالمكتوب مقضيٌّ. يكتب الشاعر عن
الأندلس لكني أزعم إنه لا يقصد إلاّ العراق. كلاهما في نظره
وفي وعيه وفي فنه الشعري… كلاهما فردوسٌ مفقود : الأول غرق
أثناء عبور الشاعر مياه مضيق جبل طارق، أما الثاني فلقد ضاع
بعد أن إستطاع الشاعر الهرب منه وبعد أن نجح في العثور على
ملجأٍ آمن يأويه وأفراد عائلته.
وبعد، ماذا قال أحمد في هذه القصيدة ؟ قال :
خلعنا غرناطةَ من الذاكرةِ وبقابا المضيقِ
كي تكونوا حُزَماً من الهراواتِ
أنتم يا أنتم…
ألا من قبرٍ لسلمى ؟
لقد ملّت الإغتصابَ…
كان عليَّ الوقوفُ : قرطبةُ ليست بعيدةً
نحن البعيدون كبعدِ هذه الأرضِ عنّا…
نعم، إنشقَّ الشاعر في هذه القصيدة مرتين : إنشقَّ مرةً شقّاً
نفسياً بالطول ( فأنا مُنشقٌّ عني )، وإنشقَّ ثانيةً شقّاً
عَرضيّاً جغرافياً فتوزّعَ ما بين وطنه العراق والفردوس
المفقود، بلاد الأندلس ! لا مجال لوحدة أو إتحادٍ بين النفس
البشرية وجغرافية المكان. فخطوط الطول تتقاطع ولا تلتقي مع
خطوط العَرض ! هذه هي فلسفة الشاعر وأسلوبه في الإنفصام
والإنقسام (( قرطبة ليست بعيدة، نحنُ البعيدون … )). أفَلمْ
يتساءل المتنبي قبلنا عن سر علاقة نفس الإنسان بجسده بعد الموت
فقال :
فقيلَ تخلُصُ نفسُ المرءِ سالمةً
وقيلَ تَشرَكُ جسمَ المرءِ في العَطَبِ
النفسُ هواء والجسد من تراب الأرض. قال المتنبي :
فهذه الأرواحُ من جوّهِ
وهذه الأجسامُ من تُربهِ.
كتب الشاعر عام 2001 في العاصمة النمساوية فيينا قصيدةً بعنوان
" خروج لشبحٍ آخر " قال في آواخرها :
حين نزلت العَتمةُ على شمسنا النائمة
فتحتُ بابَ الشبحِ لعويلِ العاصفةِ
قلتُ له :
أُخرجْ مني …
أخرجْ …
أُخرجْ…
مضتْ العاصفةُ وباركت الظلمةُ سرعةَ خروجي.
يرى الشاعر في نفسه شبحاً قابلاً للحركة والدخول والخروج منه
عالماً وجسداً وروحاً. يخرج منه هذا الشبحُ حين يأمره بالخروج.
هذا الإنسانُ منفصم ومقسوم بين جسد وشبح لهذا الجسد. الشبح رهن
إشارة مالكه الإنسان. لا يعصيه أمراً. الشبح هذا مَلَكٌ أو
ملاك
وليس شيطاناً رجيماً. إنه جبرائيل وليس عزرائيل. فإذا كان
الضدُ يحمل ضده فهل معنى هذا أنَّ الشاعر هو خصيم جبريل،
ملَكاً من طبيعة نار إبليس الذي عصى ربه وتكبّر وتوعّد وتجبّر
؟ أم أنَّ العكس هو الصحيح ؟ الشاعر هو جبريلُ ملاك الرحمة
الذي عزم فلفظَ ضديده وخصمه الألد: شبحَ عزرائيل ؟ شاعرنا روح
هائم خالصٌ يجوب طبقات الفضاء نذيراً وبشيراً مُحذّراً وناطقاً
بلسان البشرية جمعاء. إنه يُعلّم البشر كيفية الخلاص من
الأشباح الشريرة. جمع الشاعر في هذا المقطع الأخير عناصر
متباينة الطبيعة ومتفاوتة التأثير : عويل العاصفة يهيب بالشمس
النائمة أن تفيق من نومها وأن تُنير بضوئها فتنجاب العتمةُ وأن
تُدفيء جسدَ الشاعر بحرارتها فيجد في نفسه من القوة والعزم ما
يكفي للصراخ في وجه الشبح السيء وإصدار الأمر له بالخروج من
داخل الشاعر. الخير والشر لا يتعايشان معاً في إنسانٍ شاعر
كأحمد الكعبي. لوحة بالغة التعقيد والكثافة وصور قوية التعبير
شديدة التأثير على حس القاريء. من أين لنا شجاعة أحمد وقدرته
على التخلص من الأشباح ؟!؟! أشباحنا قتلتنا وإستقرت فينا حتّى
أنّا لا نستطيع الإنشقاق على ذواتنا ولا نستطيع أن نرفعَ
إصبعَ إتهامٍ ولا كفَّ إستغاثة. أشباحنا نحن ونحن الأشباح ((
أنا من يهوى ومن يهوى أنا … / الحلاّج ))… لا تقسيم ولا
إنفصام.
الماء… الأنهار… المطر
لم يفارق الماء والنهر والمطرُ ديوان الشاعر أبداً. كذلك أكثرَ
الشاعر من ذكر القطارات والمحطات والطيور والطيران. أصل الشاعر
من مدينة العمارة ( ميسان ) المحاطة بالماء من جميع جهاتها
وأطرافها. فنهر دجلة يمر في وسطها، وغير بعيدٍ عنها نهرا
الكحلاء والمجرّة فضلاً عن أهوار الجنوب المعروفة. الماء أصلُ
الحياة، لكنَّ شاعرنا يتعامل معه علىأسس جديدة ووفق رؤى شعرية
شديدة الخصوصية تتفجر من أعمق أعماقه فتطبع هذا الماء بطابع
متميز يخدم أغراضاً غير إستعماله للشرب والغسيل وسقي الزروع.
نعم، إنه ماء ولكنْ أيَّ ماء ؟ هذا هو السؤال. فلنتابع أمواه
الشاعر سواء كانت جاريةً في نهر أو متساقطةً مطراً مِدراراً من
السماء.
ورد الماءُ في مواضع شتّى من قصيدة
( للخيبة نهرٌ طويل )
، وهي الأخرى ملأى بأجواء الموت والقتلى والنعوش وكوابيس
الحروب :
هزيلةٌ عظامُهُ
مدفونةٌ بوهمِ الشهيقِ
…
معزولٌ
يرتديه
النهرُ المُشيَّدُ للعطشِ
حتى ظِلّهُ لم يَعُدْ أسمراً
خلا ضحكة ودّعها
الزورقَ آناءَ موتِ المصبِّ
أكانَ الخوفُ طِلّسماً وتلك المرآةُ جداراً ؟
علّه ينسى مدارَ الفجيعةِ، علّهُ يبكي ذاتَ ليلةٍ
فقد صدأَ الحُلمُ وحاكموهُ
كنهرٍ يختلسُ الغرقَ
…
يا تَرِكةَ المزابلِ…
-
ضجيجُ المرفأِ خيبةٌ وطيورٌ مُحنّطةٌ
لو كانَ إصبعاً يسحبُ البيرقَ من هذا القلبِ
لمرَّغتُهُ بمطرٍ كئيبٍ.
من يحملُ ذاتَهُ
كذخيرةِ مَرساةٍ تُرمى في يمِّ الذاكرةِ
لِتُخرِجَ كفنَ الرِحلةِ من فَرارٍ أكيدْ ؟
كيف يرى الشاعرُ الماءَ والنهر في هذه القصيدة وكثيراتٍ سواها
؟ عّطَشٌ وموتٌ وَغَرق. ماء لا يروي العطشى وزورق في مصب ميّت
ونهر آيلٌ للغرق والمرافيء خيبةٌ وطيور ميتةٌ ومطر الشاعر كئيب
وذات الإنسانِ كالبضاعة المستوردة التي تُخزَّن في المرافيء
والمراسي البحرية لأمد طويل حتى يطمرها نسيان الأبد. ليس لديَّ
– أعترف ! – تفسيرٌ مناسبٌ يربط السطرين الأخيرين ببعضهما
ربطاً محكماً لا من جهة اللغة ولا المنطق ولا علم النفس. سوى
بصيص متواضع من الضوء أستعينُ به لعلّي أكشف مكان الشاعر في
الظل والعَتمة وأتتبع دوافع قراره في الفرار من الخدمة
العسكرية ومن ثم نجاحه في الهرب من وطنه العراق ربما في ظروف
بالغة التعقيد والخطر. وإلاّ فما معنى (( … لِتُخرِجَ كفنَ
الرحلةِ من فرارٍ أكيدْ )) ؟؟ الظاهر أنَّ الشاعر يعتبر ترك
الوطن موتاً محتوماً، فلقد حمل كفن موته معه إذ غادر العراق
فارّاً من الجندية والحروب. هل أراد أن يقول إنَّ الخدمة
العسكرية وترك الأوطان سواء بسواء : كلاهما موت يأتي إنْ
عاجلاً أو آجلاً ؟ موتٌ أكيد على جبهات القتال، وآخرمؤجّل
يحمله الهاربُ معه في كَفَن.
قصيدة
( لا مطرٌ على خريطة البلل )
…
قد يدلُّ هذا العنوان على ما في القصيدة من مضمون، ويفتح
الطريقَ لاحباً أمامنا لنكشف ونستقريء مكنونات الشاعر ورموزه
ووسائل تعبيره المُبطّنة والغارقة في الإلغاز السوريالي لدرجةٍ
يصعب معها إدراك مغازيها ودلالاتها إلاّ بركوب مغامرة الحدس
والتخمين والرجم بالغيب الذي قد يُخطيء وربما يُصيب. الحذرُ في
كافة الأحوال مطلوب، وإلاّ سنجد أنفسنا في وادٍ والشاعر في
وادٍ آخر، سنظلمه وسنتجنى عليه. عُذرنا وعزاؤنا أنَّ النص قد
فارق قلب الشاعر منشوراً في كتاب، شأنه شأن باقي بضائع السوق.
وعليه فالقاريء والباحث حرٌّ في التأويل وحر في إستنتاجاته،
وليس بالضرورة أن تتطابق تفسيرات الباحث مع نوايا ومقاصد
ومرامي الشاعر. يظلُّ التأويل فرضيةً مُعلّقةً في الفضاء قد
ترضي الشاعر وقد لا ترضيه. ماذا قال أحمد الكعبي في هذه
القصيدة وكيف قارب وعالج موضوعة الماء وكل ما يمتُّ للماء بصلة
؟ نقرأ بعض المقاطع :
على جناحِ المطرِ الحزينِ
تحيّةٌ مُفرَدةٌ وإيحاءٌ كئيبُ
أُطلُّ صخرةً يدوسها العُشبُ والراكضون خلفي
أنسلُّ من سراجٍ ضئيلٍ لجحيمِ شُرفة القصفِ
عَذْبٌ جواركَ الموتُ يا نهرُ
لا نحيبٌ يكسو صَخَبي
لا كفَنٌ يُطاردني نحو المطرِ
لا كَفَنٌ يُطاردني سوى المطرِ
وما من مجهولٍ سوى حافةِ النهرِ
…
تعالَ أيها المطرُ العجوزُ
لا أرضٌ تأوي بُخلنا
العَرَباتُ سفينةُ نوحٍ
…
غارُ العُراةِ نحنُ ونحنُ العراةُ
أ ي ها ا ل م ط رُ ا ل ع ج و زُ ( هكذا كتبها الشاعر )
في الأمسِ أصطنعُ الرقودَ
وقفتُ على السماءِ أحملُ خبزَ النائمين
فاحتسوا المطرَ…
ستائرَ السُحبِ المُخضلّةِ بدمك
أبهَمتْ ضياعَ كَفَني
…
أتركُ رأسي جَرَساً معقوفاً كي يشهدَ إختلاسي
على جناحِ المطرِ الحزينِ
وقفتُ أدوسُ الريحَ لتدوسني…
والشتاءُ داستنا يداهُ الموغلةُ
أيها المطرُ
إغلقْ أبوابَ المدينةِ ودَعْني أقتفي خَبَلي
ألصَقُ الحيَ خارطتي
أحزُّ النخلةَ لينزفَ عٌنُقي
أرتمي جسراً لتعبرني الطيورُ
أضعُ النارَ في جيبيَ كي تدفأَ
…
أُجفّفُ ذلك النهر الكاذب
وأفتحُ جبيني مدينةً للرعاعِ
أيا مطراً هاكَ غيمتي
مللتُ المثولَ أمامي
سنلوذُ بالريحِ لتمطرنا هناك
أو نقتفي كلَّ يبوساتِ الشفاهِ
هاكَ غيمتي كَفناً لنجمةٍ أو أَمَةٍ لتحيتكِ المُفرَدةْ.
صدق من قال إنَّ الشعر لا يُفسّر، إنه يؤثر في القاريء فيفهمه
أو يحدسه أو يترجم شفرته السوريالية كيفما يشاء. القاريء يحوّل
اللوح الفوتوغرافي السالب، المعتم، والبارد إلى لوحة دافئة
ملّونة مفعمة بالحركة والحياة. القاريء والشاعر يتقاسمان
المسؤولية والأدوار بالتساوي. بدون القاريء القادر على فك
الرموز وتفسير الشفرة لا قيمة للشاعر ولا لشعره. يظل الشاعر
وشعره دفينان تحت أرض المجهول تماماً مثل كنوز فراعنة مصر التي
بانت قيمتها حين إكتشفها إنسانٌ عالم قدير مُكتشف.
مطر الشاعر هنا حزين وعجوز وكفنٌ يطارد الشاعر، والموت عذبٌ
بجوار النهر، وحافات الأنهار مجهولة، والنهر كاذب يستحق
التجفيف، ولا من طعامٍ للجياعِ سوى أن يشربوا ماءَ المطر.
أجواء مفعّمةٌ بالتشاؤم تُشير إلى متاعب حقيقية عاناها الشاعرُ
وما زال يعانيها. ثم نضع اليد هنا على إشارة أخرى تدلُّ على
أطروحة الإنقسام والإنفصام السابقة… أعني قوله ( أيا مطراً هاك
غيمتي /
مللتُ المثولَ أمامي…)
، إنه قادرٌ على أن ينقسم إلى نصفين ، يضع نصفاً أمام النصف
الآخر !
لا نسأل الشاعر عن أسباب كل هذا الحزن وهذا التشاؤم، يكفينا
منه أنه أمتعنا بشعر جديد يختلف عن الكثير مما نقرأ اليوم من
قصائد شعر النثر. إنه شاعر وفنان أصيل عميق الحس وثري التجارب
الروحية والحياتية ومقتدر من أساليبه وأدواته وله آلياته
الخاصة المتميزة عن آليات غيره من شعراء الشباب. معلومٌ أنَّ
لكل شاعر عالمه الخاص وأدواته الخاصة وآلياته الخاصة. ذلكم من
نافلة القول.
في القصيدة صور فريدة لا تتسق مع المنطق المألوف ولا مع معاني
اللغة التي نعرف. من قبيل (( وقفتُ على السماءِ أحملُ خبزَ
النائمين )) و (( أحزُّ النخلةَ لينزفَ عُنُقي / أرتمي جسراً
لتعبرني الطيورُ / أضع النارَ في جيبي كي تدفأ )) وأمثالها
كثير في الديوان. أحسُ حرارة مثل هذه الصور القلمية وصدق
معاناة قائلها لكني أقف عاجزاً مشلولاً حين أحاول أن أجد لها
تفسيراتٍ معقولة. أراها، بدون مبالغة أو شطحة، أفضل من الكثير
من لوحات الرسام المعروف بيكاسو، أحد أوائل مؤسسي المدرسة
السوريالية في الرسم.
لماذا يتلاعب الشاعر بالماء كما يلعب أطفال المدارس بالطين في
حصة الرسم ؟ لماذا يُقحمه في عوالمه الداخلية الشديدة الخصوصية
؟ لماذا ينأى عن الماء لحظةَ أن يدنو منه ؟ أي نوع من الماء
ماءُ الشاعرِ ؟ ففي قصيدة ( توقيع على خبزة ) قال الكعبي ((
نقفُ تحت مطرٍ دون ماء )). يُخيل إليَّ أحياناً أنَّ الشاعر قد
قرأ كثيراً قصيدة " أُنشودة المطر " للشاعر بدر شاكر السياب…
قرأها كثيراً وقرأها جيّداً حتى تمكّنَ أنْ يتميّزَ عنه وأن
يستقلَّ عنها وأن يقولَ أشياء لا نجدها في قصيدة السيّاب.
الأبواب… المدن
لماذا أكثر الشاعر الكعبي في شعره من ذكر الأبواب والمدن ؟
الأبواب كما هو معلوم ممران متعاكسان يصلحان للخروج كما يصلحان
للدخول. والأبواب تكون موصدةً مرّةً كما تكون مُشْرعةً مرة
أخرى. خروج – دخول // غلق – فتح… تضادٌّ في المساعي وتضاد في
النيّات وتعاكس في الحركة والإتجاهات. كل هذه الأمور تتسق مع
طبيعة الشاعر وجوهر تركيبة عالمه الشعري. وجدناه سَلَفاً
مُنشقّاً ومنقسماً على نفسه، بل ومُنسلِخاً عنها، يجمع فيها
الأضداد والمتباينات. أو أنَّ هذه تجد نفسها مُجسّدةً فيهِ
بشكل طبيعي،لا تفرض نفسها عليه. عالمان متطابقان بالتضاد
المعكوس (كصورة كفي الإنسان في المرآة) : مملكة الشاعر النفسية
الداخلية غير المرئية والغامضة، وظله المرئي المتمدد في الفضاء
الخارجي. ليس بالضرورة أن يكون هذا الظل المتمدد صورةً طبق
الأصل من الشاعر. فحين تنفصل الأشياء والظواهر عن مكانها
وتتحرر من أجوائها يصيبها لا شكَّ نوع من التغيير. كالإنسان
الذي يفارق بيئته ويهجر وطنه متخذاً له وطناً آخر بديلاً.
الإنسانُ يتغيّر، ككل ظاهرة وشيء في الوجود.
أعود بعد هذه السياحة والتنظير السريعين لقصيدتين من قصائد
الديوان لهما علاقة وثقى بموضوعة الأبواب والمدن. قصيدة ( هل
كان البابُ الشرقيُّ عارياً ) ثم قصيدة ( سَفَر الأكثم الأخير
).
هل
كان البابُ الشرقيُّ عارياً ؟
كانت لبغداد العباسيين أبواب شهيرة، فهذا باب خراسان وذاك باب
الطوب ثم باب الشام وباب الطلّسم وغيرها من الأبواب. لم يكن
الباب الشرقي واحداً منها آنذاك. الباب الشرقي هذا ليس باباً
كباقي الأبواب التي نعرف، إنما هو منطقة شاسعة تتوسطها ساحة
التحرير الواسعة وتنتهي فيها شوارع رئيسة عدة كشارع الرشيد
وشارع الكفاح وشارع الجمهورية. ويتفرع منها شارع السعدون وشارع
الطيران وشارع أبي نؤاس. ثم ينتهي فيه أحد رأسي جسر الجمهورية
الذي يربط الرُصافةَ بجانب الكرخ.كما يحتلُّ " نُصب الحرية"
للفنان الراحل جواد سليم ركناً أساساً من أركان ساحة التحرير،
صممه خصيصاً لثورة الرابع عشر من تموز 1958 ورحل إلى العالم
الآخر دون أن يراه منتصباً في مكانه.
هذه صورة تقريبية لباب بغداد الشرقية. منها أو من خلالها يدلف
الشاعر متسللا، على ما يبدو، إلى داخل أحشاء وخفايا بغداد،
عاصمة الرشيد… كما أُصطلِح على تسميتها. بغداد الشاعر ليست
بغداد الرشيد والمأمون، إنما هي بغداد خليفة طاغية معتوه، سارق
ومجرم حروب وسموم وغزو وإغتيالات. مدينة دمار ورماد وخراب.
تتدهور أوضاعها من السيء إلى ما هو أكثر سوأ. فالمملوك يغدو
فيها ممسوحاً، لا وجود له. والأَمَةُ تغدو جاريةً. والصفر
ينزلق إلى ما تحت الصفر، أي إلى السالب الحسابي. والقريب من
حدود التلف يؤول مُحترقاً إلى مجرد رماد. هذا هو حال بغداد في
زمن حكم الخليفة الذي وجدوه بعد سقوط نظامه حكومةً ودولةً
مُختَبئاً تحت الأرض في جحر عناكب وجرذان وثعالب. هذا هو ((
القائد الضرورة والمنصور وصلاح الدين والقاهر وأمل الأمة
العربية ثم مُشرّع القوانين حمورابي )).
نقرأ بعضاً مما جاء في هذه القصيدة التي كتبها الشاعر في
العاصمة السورية دمشق قبل إنهيار إمبراطورية صدّام الورقية
بأقل من شهر ( كتبها بتأريخ 19/3/2003 ) :
شَبَقٌ… أولادُ شوارعٍ…
من شارعٍ لشاردٍ
من عرشِ الفراغِ لسلطنةِ الفراغِ
من أولِ مملوكٍ لآخرِ ممسوحٍ
من أَمَةٍ لجاريةٍ
من صِفرٍ إلى سالبٍ
من فوق التلفِ إلى ما تحت الرمادِ.
…
رأسي
بابٌ مهجورٌ
خَلَعتهُ النافذةُ
خائرٌ عَبَرتُ القوسَ على أثيرِ النحسِ وزخّاتِ العَوَزِ
إمتهنّا القتلَ،
بعد قَرْنٍ كانت بصمةُ المقتولِ لنا
…
هَجرنا اللوحَ، دون تذكرةٍ وَطَأتني المدنُ
لم أكنْ قطاراً قَدّرَ خيبتي
…
…
كان ( خالد سيلان ) دموعَ حبٍّ يابسةٍ
أخالدُ : هل كان البابُ الشرقيُّ عارياً ؟
هل كان الرصيفُ وجهاً لبائعٍ ؟
هل كان الوطنُ في البابِ الشرقيِّ ؟
خالد هذا هو أحد أصدقاء الشاعر، ربما إلتقيا في دمشق أثناء
زيارة الشاعر لها. وفي دمشق أخذ الكعبُي الشاعر يسأل صديقه
الحميم عن أحوال بغداد. بعد حربين وحصار مضروب على العراقيين
وليس على صدام وحزبه وقادته… أصبحت شوارع بغداد مجرد أرصفةٍ
للبيع والشراء. وأصبح الوطن برمته رصيفاً هائلاً يملأه الباعة
وتُجّار الحروب ورجال أمن ومخابرات وإستخبارات نظام صدام حسين.
أصبحت عاصمة الرشيد ( خُردة ) وسوق للمضاربة بكل شيء يخطر في
فِكر العراقي والعراقية
(( هل كان الرصيفُ وجهاً لبائعٍ // هل كان الوطنُ في البابِ
الشرقيِّ )) ؟؟
يعالج الشاعر أوجاعه ومتاعبه بروح عالي المقام، وبشجاعة
المنتصر على ذاته وزمانه. إنه يُصرّح وإنه يُعرِب جهاراً دونما
خشية أو تردد عن هذه الأوجاع والمُنغّصات. يضعها كلها أمام
العراقيين كافة،كالطبيب الذي يصارح مريضه بحقيقة علّته كأنْ
يقول له : إنك مريض بسرطان الصدر أو الدم.
البابُ الشرقيُّ مُدخلَ الشاعر إلى قلب العاصمة ومقتل العراق
بغداد.
قصيدة
( سَفَر الأكثم الأخير ) :
سألتُ الشاعر بالتلفون : من هو الأكثم ؟ قال على الفور: إنه
أنا !! أراحني الشاعر وكفاني جهد البحث والتقصّي والتخمين وضرب
الأخماس بالأسداس (( سُداسٌ أمْ أُحادٌ في خُماسِ ؟ / للمتنبي
)). القصيدة مُكرَّسة أساساً لمخاطبة ومعاتبة بغداد، بغداد
التأريخ الغابر والتأريخ الحاضر، حيث هنالك أكثر من وشيجة تربط
ما بينهما. فيها عتاب شديد المرارة على عاصمة هجرها أهلوها
مُضطرين خلاصاً من موتٍ أو طلباً للرزق. في بغداد هذه قصة رجل
مجنون مفتون بسفك الدماء وقتل النساء إسمه (( شهريار )). وحكم
بغداد هذه مِسخٌ محسوب على البشر إسمه صدّام حسين، كذلك مهووس
بسفك الدماء وقتل الناس رجالا ونساءً، شيبةً وشباباً، أطفالاً
وأَجنّةً. مِسخٌ معطوب الرأس مسكون بعشق الدم وقطع الرؤوس
والأنوف والآذان. إسم هذا المِسخ (( شهرعار )). عتاب الشاعر
على بغداد جعله يختار في مخاطبتها أُسلوباً معروفاً لكنْ فيه
بعض الغرابة : تعريف إسم العَلَم الغني عن التعريف. أضاف إلى
بغداد ألف ولام التعريف فجعلها (( البغداد )). تعريف المُعَرّف
أسلوب يُتّبَعُ لخدمة أغراضٍ شتى، منها العتاب المُر أو
السخرية المُبَطَّنة أو للإستصغار وتهوين القيمة. نقرأ بعض
مقاطع هذه القصيدة :
خِلسةً حَملتُ صوتَ الميادينِ
خِلسةً، وصوتُ المدفعِ ينمو،
خِلسةً يطرُقُ
أبوابَ الصبيةِ
نعشٌ يحملُ نعشاً،
…
أيتها ال بغدادُ
…
ما عادت لأُنوثةِ دجلةَ عيونٌ
خلا غِلمان الخليفةِ وحُلُمِ السندبادِ
…
شوارعُ المدينةِ دونَ قارٍ وخبزٍ
مخالبُ الدمِ فوق وجوهٍ مذعورةٍ
وكلّما نهضت طفلتي قلتُ : نامي، تلك هي الحربُ
إنتهى حُلمها وما إنتهت ا ل ح ر بُ.
… هلمّوا نرفع الدمَ المُباحَ كي يضحكَ الخليفةُ
ويسكتُ ( شهرعار ) عن النباحِ.
أيتها ال بغدادُ
يا ألمَ الجلابيبِ
…
حافلٌ باللهاثِ
مُدخلُ المدينةِ
يقتبسُ الماضي الجديدَ
يُمرّغُ وجهَ طيفٍ بالسُعالِ والضجّةِ
كم قفصاً تحتاجُ هذه الرغبةُ ؟
وكم وطناً يرتادُ الغريبُ ؟
نَفَذت تحت حذائي الطُرُقُ
وأنا أشمُّكِ عاصمةً تهزُّ مَهدَ الأرضِ
توقظها إنْ هَفَت الحوافرُ
وأنا أسحبكِ إليكِ كلّما جُنَّ ليلُ الصلبِ،
أرتادُ دربَ الزعفرانِ وحصوناً موغلةَ الإيثارِ
مُختنقٌ… خجولٌ… خائفٌ…
وَلَغتْ كلابُ القصرِ ذقني
بكيتُكِ سرّاً
مسحتُ ياقوتَ الدمعِ
جرّتنا عَرَباتُ الأسرِ لمزبلةٍ أخرى.
أفلا تُذكّرنا هذه القصيدة بما قال الشاعر الفارسي سعدي شيرازي
في بغداد حين زارها بعد سقوطها بيد هولاكو سنة 656 هجرية ؟ :-
حَبستُ بجفنيَّ المدامعَ لا تجري
فلما طغى الماءُ استطالَ على السُكرِ
نسيمُ صبا بغدادَ بعد خرابها
تمنيتُ لو كانت تمرُّ على قبري.
كلمة
ختام :
أقول الحقَّ… لم أُوفِ الكتاب حقه في دراستي هذه. أشعر
بالتقصير الذي يقترب كثيراً من العجز. إنه بحر محيط يغطس فيه
رجلٌ مثلي. ففي الكتاب قصائد أخرى رائعة تخرج عن سياق التقسيم
الذي وضعت في بداية الدراسة. أذكر على سبيل المثال قصيدة
( لا
نرى العابرين ).
في هذه القصيدة موقفان متناقضان لرجل واحد حيال إمرأة واحدة.
في النصف الأول منها (23 سطراً ) غزلٌ رائع ورومانس رقيق يرقى
إلى الطبقة الأولى. في حين ينقلب الشاعر في النصف الثاني من
القصيدة ( 24 سطراً ) إلى رجل شامت وشاتم يُكيل السباب والقذف
لمن أحب تماماً، كما فعل بطل سومر الملحمي جلجامش مع آلهة
الخصوبة والتناسل عشتار. نقرأ في النصف الأول من القصيدة :
تعالي…
ليس حرامٌ إنْ هجعنا نعدُّ الليلَ خِنجراً خنجراً
ودعي قميصَ الليلِ رطّباً، فلنرتجفْ مثلَ لصينِ
…
خوفكِ يطعنُ لذّةَ خوفي
أشتهيكِ خجلاً كمِقصلةٍ
أغصانُ عينيكِ جرداءٌ وطائري مفتاحٌ صديءٌ…
لكننا نقرأ في نصف القصيدة الثاني شيئاً مُغايراً… نقرأُ سبّاً
ومعرّةً وإقذاعاً :
لستِ أنتِ أنتِ
أيُ بصاقٍ في الهجيرِ أنتِ
أيةُ صفعةٍ أنتِ
أيُّ رعبٍ أنتِ
ليلٌ يغتصبُ المدينةَ أنتِ
…
أيُ شرقٍ مظلمٍ أنتِ
…
آهِ لو مسحتُ إمضائي من الهُويةِ
لو رميتُ البحرَ في النارِ
لو سحبتُ قلبي من أظفاركِ
فأنا عُشُ زقزقةٍ وجنونٍ
… وأنتِ شرقُ خيانةٍ.
|