العدد 14 -------------- كانون أول 2004     

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

 كتاب السباخ

   

  

طالب عبد العزيز

 

          على مداخل الشتاءات, قبل المطر أو بعده بقليل, حين يصطف الفلاحون تحت الحيطان الطينية البائدة, قبل مباغتة الشمس,فيهم من تناول فطوره وكثير منهم آثر قطرات من النسيم البارد ، كلٌّ يركن مسحاته, منتظرين أقرانهم,مازالوا تحت الأخصاص يحثون الخطى  متهيئين لموسم جديد..

 نسير نحن الأولاد الحفاة,أبناء الأنهار النائية ، رجالاً أو ركباناً على الدراجات الهوائية (الروج الفرنسية ، أو الفيليبس الهولندية علامة الأسد) وقد حزمنا على المقاعد الخلفية أكياسنا وزنابيلنا وأمتعتنا  تجاه السباخ, سباخ البهادرية, أو سباخ أعالي حمدان, حمدان البز, حيث يقل الماء ويشحب النخل حتى يختفي خلفنا, ونصبح بعيدين عن القصب والحلفاء ،عن القرى والطين,طين الروح الباردة  ،بعد عام كامل من الألفة الخضراء، من تسلق ألأشجار والعبث بأعشاش الطيور  والاختفاء في الغدران .

 لا أحد ممن يقرأون الحروف هذه يعي معنى ذلك, أو يتصور سعادة أولاد حفاة, خرج آباؤهم كلّ بمسحاته صوب الفجر , وقد أتى الماء على بساتينهم فأغرقها, فماتت اللوبياء والقرع مات والرمان توغل الماء في قلبه الدافئ الأخضر, وذوت وريقات العنب المتسلقة جذوع النخل, خرجوا ليجدوا ما يأكلون, كل يشحب تحت حائطه, يفكر بما سيجلبه, فما في البيت غير التمر, غير أرغفة ظلت تجفّ قرب تنور هامد. ففي موسم الفيضان تتحول القرى هنا في أبي الخصيب الى مدارات من ماء, يقف الناس ليشهدوا أشجارهم ،مزروعاتهم وهي تنغرز في الطين ،يرتع بها الإوز وتتخللها السلاحف والأسماك الصغيرة.

          هذه السعادة البلهاء, سعادة من أنعتق من النخل والماء ودخل السباخ, حيث الشمس لا يحجبها سعف, لا تتفلت من أغصان. فهي حرة  هنا, تشرق متى تشاء, وتغرب متى تشاء, والعين بعيدة ترمي أفقها فلا ينقلب خاسئاً, لا أحد بمقدوره  الآن أن يفهم معنى الحرية التي

ننعم بها, دشاديشنا تطير في الريح, وما أن نغفل عن زنابيلنا حتى تنقلب على الأرض الممتدة التي لا أمْت فيها, فنركض خلفها. وهي تعدو, لأول مرة نركض دون أن تمنعنا  نخلة, دون أن تعيقنا شجرة. هذا الفضاء الغائر بالعمق, كيف ُيفهم عند أولاد كانت أغصان العنب تطوقهم من كل مكان, وإذا ساروا تعثروا بجبال شائكة من اليقطين والقرع والحّناء , وحيثما كانوا فثمة حيطان وثمة أبقار تطلب حاجاتها  ثلاث مرات في اليوم, تطلب تغيير أماكنها كل ساعة, وأب لا تنتهي أوامره: إسق هذا الفسيل, افتح الماء على تلك البامياء, خذ المنجل لأخيك ،لنغرس أقلام العنب اليوم  فقد غرس الناس, قل لعّمك أن يضفر لنا حبل الفروند, دع عنك اللعب بالنار, نم الآن , اصح فقد طلعت الشمس, إجلب الخبز لأمك .. هذه الأفعال التي ما تنفك تنهال علينا كل ساعة. هذه اللغة الآمرة اللعينة تجلدنا، الحياة هنا شعور دائم بالتهديد, تنبؤ أزلي بالكارثة,ومحو تام للأمل,  شغف عجيب باليتم, هذه ألاحاطة الكلية بالعوز  لم نكن نعي بالتأكيد معنى هذا كله, لكنّ الأب له سلطانه, له قدرته على سلب الحرية ،الحرية التي نفهمها ليست أكبر من الخروج من النخل نحو الشمس والسباخ.. هناك قريباً من الله الذي يفتقده آباؤنا في سنيّ الفيضان .

كانت مهمتنا غريبة حقاً, وذرائعنا أكثر غرابة, لكننا خرجنا بأوامرهم لا لتفضلهم علينا بالأفق الفسيح, ولا لحاجة في نفوسنا للانعتاق ولكن لجمع الروث, روث الخيول والحمير والبغال, هذه الدواب التي تجوب برَّ البصرة آنذاك كانت مصدر سعادتنا, ولولاها لما تصدَّق أحد علينا بحريتنا,هذه الدواب ، دواب العرب الرحل, القادمين من الأقاصي المجهولة,من الشعاب الموحشة والواحات  لم نكن نراها أبداً ،في هذا القفر المفرد لنا, لكننا كنا نرى آثار أقدام وحوافر خيل وماعز, بقايا عصي ،وأكوام دغل ونباتات لا تنمو في قرانا, أشياء لا نفهمها يتركها الرعاة ويرحلون, لنأتي نحن أولاد الفلاحين نلم روث دوابهم, نستدل عليها من أثر المسير, مسير الأقدام والحوافر, نلتقطها مثل جني الكمأة, كنا نفتخر بكثرتها في موضع ما, ونحزن لندرتها في موضع آخر, وحتى يهدنا السعي تكون صرر متاعنا قد بعثرتها الريح وتخللها الرمل, فصارت الأرغفة هشيماً وصار التمر أكثر شحوبا وقذارة. نفتش عن الماء فلا نجده ونطلبه فلا نراه, وإذا وجدناه فهو مالح مر, ضحضاح لا تستسيغه الروح.

          ولما كانت الشمس قد أوهمتنا بقوتها, بقرونها الممتدة في كل مكان, وأنها مازالت فتية يسار بها الساعة والساعتين , لكنها ما أن دنت من الأرض حتى اختفت وهبط الظلام- وفجأة صارت أكياسنا وهما, وبضاعتنا غير آمنة, صارت دراجاتنا دواباً غريبة علينا، تاهت في الشفق  النازل ،وباتت طريق عودتنا بعيدة, فصرنا نحثّ الخطى, ففي الصحارى ذئاب مسعورة, جائعة, وأسود كاسرة, وأفاع سامة ،تتلون في الرمل وتفحّ كلما اقتربنا منها ،هكذا كانت صورة القفر في أذهاننا, وإن الذاهب لها قلّما يعود ،ستأكله الوحوش العطشى, أو يسرقه العرب الذين يجوبون الليل  في طريقهم للمدن الأخرى.

ها نحن ندنو من النخل شيئاً فشيئاً, وهذه البيوت بدأت تلوح لنا, لم نصادف بعد أحداً من أهلنا لكننا أصبحنا قريبين من أسوار الطين, من  أخصاص حمدان ،وهذه الفسائل النديّة التي يلفّها ابتداء الليل بدت لنا مثل عوائل نعرفها تثير فينا شعوراً غريباً بالطمأنينة، بالألفة والشبع. أمحّت أصوات البرية ،اختفت الذئاب والأسود, ودخلت أوجارها الجرابيع، وها نحن وسط النخل والماء،وسط الظلام الآمن ، وستظل بضاعتنا خلف الأبواب, على الدراجات أو مركونة  إلى الحيطان, سيعنّفنا الأهل قليلاً، إذْ إنّا تأخرنا كثيرا, وسيفصحُ الفجرُ عن حفر قرب المواقد, توضع فيها بذور الذرة والخيار والبامياء ،لتُغمرَ بالروث الذي جلبناه أمس, وستعمل لها فيما بعد فسحة من الأرض, قريبة من النهر لتفرش (بروثنا) ولتغمر بالماء ثم تنثر عليها البذور التي تفطرت في الحفرة قرب الموقد ،حيث يعجّل الروث والدفء نموّها.

 وهكذا سيهشّ الوالد ويبش لمنظر الفسحة وهي ُتورق فيعّرضها للشمس في النهار ويغطيها قبل حلول الظلام لتأخذ ما يطيب لها من الدفء والطمأنينة, بعيدة عن عبث الثعالب والفئران, لكي تستقيم مطلع شباط . حيث يكون الماء قد انحسر, وصارت الأرض أكثر أملاً وأرحب نفساً, وصار أهلنا أرق وأرأف بنا. فها نحن معهم نصغي للنخل وهو يخضر, للأنهار وهي تستجيب للمد والجزر للشمس وهي تزاور السعف والتوت.

----------------------------------------

 

 
 

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )