|
حمودي عبد محسن
إن الاستبداد السياسي كأيديولوجية شمولية متشددة لنظام
الدولة _ نظريا و ممارسة _ كان ، و لا يزال النقيض التام
للمعرفة الإنسانية ، و التقدم الاجتماعي ، و التطور الحضاري
المدني ، كان و لا يزال المشروع الخطر
في التاريخ لأنه يفرض بنية اجتماعية مضطهدة ، غير
متجانسة ، غير متساوية ، يسودها العنف ، و لا شكل محدود
لمعاناتها ، و اضطرابها ، و قد تناول فلاسفة الإغريق القدامى و
أدباؤها هذا المفهوم من معايير _ التسلط ، القوة ، الخضوع ،
العنف _ في المدينة الدولة ، و علاقة سلطة الملك كحاكم مطلق
بالجماعة البشرية التي تخضع لسيطرته ، و لربما _ تأثر ابن
خلدون بفكر الإغريق في " مقدمته " كحضور تاريخي بتبعية الرعية
و خضوعها للملك ، و إن العصبية واقعية يقوم على أساسها نظام
الدولة ، بينما كان الاستبداد عند عبد الرحمن الكواكبي في
كتابه " طبائع الاستبداد " معيار أخلاقي ، و قد وصفه بالبلاء
العظيم الذي ينخر الدولة و المجتمع ، فالاستبداد يضرب بجذوره
إلى عهود قديمة مروعة في النظام _ الاقتصادي الاجتماعي _ ليفرز
تيارات و مدارس فلسفية و تاريخية و أدبية محتجة أحيانا ،
محتجبة الظهور بمواضيعها أحيانا أخرى ، تلك التي تنتمي إلى
بيئتها تجنبا للعنف الفج السائد في دولة الاستبداد ، فعجز
الأديب ( و هذا محور حوارنا ) للخلاص من الاستبداد ، يزيده
قلقا واضحا ، و ربما _ ضعفا ، و قد تتسع هامشيته في وطنه الأم
، فيلجأ في الكتابة إلى المعنى الغامض ، و الرمزية ، و
الشكلانية للظواهر المتولدة ، و الزائلة ، و الأحداث الخارجة
عن سياقها ، و التي هي مصدره الأول في رؤية الواقع الموضوعي ،
و الإدراك العقلي الواعي و العقلاني ، و كذلك تتسع رقعة
اغترابه في تدبير نفسه في ظروف قاسية ، و هو يحاول أن يفلت من
قبضة المستبد ، و سيطرته على إبداعه ، ليكون حرا في نتاجه
الإبداعي ، فالإبداع : هو نتاج فكري حر للعقل الفعال في
مرحلة تاريخية معينة تعكس الواقع الموضوع الاجتماعي _ السياسي
، و المبدع هو الفرد الذي يختص بنفسه ، يدرك قدراته ، يدرك
الطبيعة ، و يدرك الآخرين ، يتوحد معهم بفعل متجانس كوحدة
ترابط قائمة على أساس خبرة التعايش المشترك ، و الحس السليم ،
دون واسطة بينه و بين الناس ، أو بين وجوده و وجودهم ، فهو
يلمس مشاعرهم ، و أحاسيسهم ، يكشف طباعهم ، خصائصهم ، سلوكهم
الجبري أو الاختياري ، و يكترث للأحداث و الظواهر ، فتتشكل صور
متراكمة ، تتحرك جدليا في ذهنه ، ليرتقي بها إلى الفيض المتخيل
، كي يمارس العقل قوته الفاعلة كفعل إرادي انعكاسي شرطي ،
لتكتمل وحدة متجانسة التي نطلق عليها الوعي المدرك للمعرفة ،
فتكون غاية المبدع الأساسية أن يفضي بمحسوساته المستغرقة بنتاج
حر يتحقق به وجوده ، و وجود الآخرين ، غير غافل _ أن نتاجه
مرآة لطبيعة موضوعية في مرحلة تاريخية معينة _ فمن هذا المنطق
الحواري التكاملي نجد أن الازدواجية بين جانبي الاعتقاد الحر و
المراعاة السياسية تؤثر سلبا على النتاج الإبداعي ،و تشكل خطرا
على قدرة العقل الفاعل ، فينحسر الإبداع ، و يآثر بعض المبدعين
الانسحاب عن النتاج الإبداعي ، أو العزلة ، أو محاولة التوفيق
بين الواقع المتدهور ، و مراعاة الدقة في عدم التطرق إلى ما
يهين هيبة الدولة الاستبدادية ، و يتعايش مع الأحداث و الظواهر
بحذر تام ، و لربما _ يلجأ المبدع إلى الرمزية أو الشكلانية
لتفادي الاضطهاد الفكري و الجسدي ، و غالبا ما يهاجر أو يهرب
البعض للبحث عن وطن يحتضنه ، و يستطيع فيه أن يمارس إبداعه
المتحرر ، هنا لابد أن نتوقف عند البديهيات المهمة التي تخص
نظرتنا النقدية حول قصة " الصرخة " القصيرة لمحمد خضير
المنشورة في مجلة الآداب اللبنانية أواخر عام 1967، لأنها
تهمنا بالرغم من بعد تاريخ إصدارها ، و توجه المجلة آنذاك نحو
الأدب الملتزم ، الذي لم يحض بنجاح كبير ، خاصة و إن القصة
تتناقض تماما مع ذلك التوجه .
عند قرآة النص يشعر القارئ ببعد المسافة عن الفهم ، و إشكالية
الموضوع ، و اضمحلال الوشائج و الترابط معه ، التي تفرضه عليه
الخبرة المعاشة ، و سلوكه اليومي المعرفي ، لأن النص غامض
مكبوت متكتم ، يحتجب بحسن اللغة ، يتحصن بجمالية الوصف بميزته
و فرادته ، متماسك البناء ، يضيق و يتسع ، يتشعب بفروعه ،
بتجلياته ، دون أن يفهم دلالته ، و هو يصاحبه ، و يحاول أن
يقترب من المجهول الذي يتماثل في مخيلته ، و يفكك رموزه ،
فالنص يحتاج إلى تفسير ليصل القارئ إلى حقيقته ، و أصالته ، و
يتصل به حميما ، و يتآلف معه ، و هذا لا يمكن أن يحدث ما لم
تمس القصة وجوده العام ، و معاناته ، و محنته ، لذلك لا يمكن
أن يتجاوز اغترابه أثناء القراءة لكون القصة مفرطة بالغموض ،
باللغة ، بالوصف ، فالقصة تدور حول سيارة السيرك التي تحمل
رمزها بلوحة مرسومة على واجهتها اليسرى ، تتحرك ببطء في جو
غائم ممطر على غير هدى ، دون هدف ، في شوارع و أزقة مدينة
مقفرة غارقة بالمياه ، و القمامة ، و البراميل ، و حطام الحديد
، تتحرك إلى ما لا نهاية ، و يتحركان ذراعا اللوحة الزجاجية
الأمامية لرؤية الطريق دون توقف ، و كذلك تحمل السيارة لوحة
أخرى مرسومة على صندوقها كما ورد في النص " اللوحة البدائية
المرسومة على الجانب الأيمن من صندوق سيارة السيرك ، و
المنقولة من لوحة هنري روسو ( ساحرة الأفاعي ) " ، و أيضا تحمل
" القرود المرسومة على كل الواجهة الخلفية " ، و لكون المدينة
غارقة في المياه كما لو أنها تعرضت إلى الطوفان كغضب سماوي ،
فيجرف الطوفان رمزها _ التمثال _ " تهوى ذراعه الطويلة …
مترنحا … يختفي " يحطم جسده ، و يتلاشى ، ثم تجرفه المياه
غارقا ، و تظل السيارة تواصل تحركها في الحطام و الدمار الذي
أنزله الغضب السماوي فوق المدينة ، و مهما حاول القارئ أن
يتحاشى الغموض يجد نفسه مربكا ، ملزما إزاء أشياء مبهمة ،
فيبدأ عنده عدم الوضوح من بداية الفقرة الآتية حتى نهاية النص
كما ورد في القصة :
_ " تفاجئ السيارة ، في فسحة محصورة بين جدران مرتفعة من
البراميل ، كتلة صغيرة مكورة ، صقيلة لامعة تنزلق عليها
قطرات الممر كما تنزلق على سطح زيتي . لم تكن الكتلة الصقيلة
لتتميز عن قطع الحديد ، لولا تلك الحركة البطيئة التي بدأت تدب
في أطراف قصيرة أخذت تبتعد عن الكتلة لتلامس الأرض ،
اعتمدت عليها الكتلة في تراجعها البطيء إلى الخلف ، إزاء زحف
السيارة البطيء أيضا باتجاهها حتى تختفي كليا داخل فتحة اسفل
جدران البرميل . "
_ " يطل رأس مكور أملس ، يتطلع بثقبين ضائعين أسفل جبهة
عريضة ناتئة ، "
_ " تمكث الكتلة الحية ، التي تشبه حيوانا أو طفلا بشريا
، "
_ يقاطعه الكائن الذي يشبه حيوانا أو طفلا بشريا بصرخة حادة
، و يتضح لهذا الكائن فم : شق داكن أسفل رأسه الأملس
المكور .فم يصرخ .
_ " يقدم الرأس- الصرخة ، "
فالقارئ لا يفهم هذه الأشياء المبهمة التي يفرضها عليه النص
، لا يستوعبها ، و يضيع وعيه المعرفي الاجتماعي أو التاريخي ،
فهو لا يكتسب منها المضمون ، التراث ، و يضل يبحث في المجهول ،
و هو لا يعرفه ، و لا يعرف نفسه منه ، و كذلك لا يفهم الحدث ،
و لا يرتبط به ، و بخبرته ، و تنشأ فجوة _ قطيعة _ بينه و بين
النص التي تقوده إلى نزعة " تجريد الفن " و فيها يستحيل توفر
الانطباع الجوهري في البنية الفكرية ، و تنفي الغرض لبلوغ
الغاية في اكتساب المعرفة الواعية الخصبة ، و النمو نحو
الحقيقة التي تخص عالمه المعاش ، و هويته فيه ، و مكانه الذي
ينتمي إليه . و هنا لابد أن نتوقف عند " الصرخة " التي منها
اتخذ القاص عنوان القصة " يقاطعه الكائن الذي يشبه حيوانا
أو طفلا بشريا بصرخة طويلة حادة …فم يصرخ . "
فالصرخة _ إدراك حسي للسمع تنم عن تحفز حسي خوفا ، أو ألما ،
أو تأهبا ، لشيء ما سواء كان ذلك هجوما أو دفاعا ، أو في حالة
فرح أو حزن عند الطفل ، فصرخة الطفل لا تشبه على الإطلاق صرخة
الحيوان لأن صرخة الحيوان ذات نبرة محددة لا تتغير كوعوعة ذئب
أو وأوأة كلب …الخ ، و هذه الإشكالية في تميز اللغة تفتقر إلى
الدلالة في الدمج بين تعدد الأصوات _ صرخة الحيوان و صرخة
الطفل _ التي تخرج من الأنقاض ، من الحطام ، من صدى البراميل ،
من الموت ، و قد يكون أراد بها القاص صوت الدمار الاجتماعي ، و
الاغتراب ، و هزائم ذات الإنسان ...
القص يعنينا بلغته ، و موضوعه ، و قدرته التعبيرية ،
و افقه الأصلي ، و إمكانيته ليجبرنا على استيعاب الواقع
الموضوعي ، حتى لو كان في بعده التاريخي ، انه يفرض علينا شئ
يريد أن يقوله لنا ، نستوعبه ، و نتعايش معه ، و يفرض أيضا
ارتباطا بنا ، نرتبط به ، و يصبح سياقه داخل أنفسنا …إن قصة "
الصرخة " التي امتازت بقيمتها الجمالية في شكلها ، و لغتها ،
قد احتفظت بالمعنى في باطنها ، و الحقيقة في عمقها ، بالرغم من
أن القاص أراد في قصته أن يجد نقلة في القص العراقي ، أو يضع
حدا نهائي للتقليد السائد في القص ، فحاول أن يتجه إلى
الشكلاني المجرد الجميل ، فيتدثر بالغموض كرؤية جديدة مجردة ،
و متجردة من الواقع العام ، و منصرفا إلى الشكلية الجميلة …و
أنا انتهي من كتابة هذه النظرة النقدية بعد عودتي من برشلونة
قبل يومين ، فهناك وقفت في محل للتحفيات ، أتطلع إلى تحفة
زاهية جميلة بتصميمها ، بشكلها ، بألوانها ، سحبتها من الرف
المخصص لها ، و رحت أمعن النظر فيها ، و أنا أقلبها ، و
أداعبها بأصابعي ، وددت أن أقتنيها ، فسألت البائع عن سعرها ،
فقال : ( عشرون يورو ) ، ترددت في شرائها ليست لأنها غالية فقط
، بل لأن زميلتي أخجلتني عندما سألتني : ( هل تعرف معناها ؟ )
، فقلت : ( لا ) ، ابتسمت ، و قالت : ( لنذهب إلى متحف بيكاسو
، و ستعرف هناك معاني كثيرة ) .هكذا لم أقتن التحفة لأنني لم
أعرف معناها .و فرحت كثيرا عندما شاهدت لوحات بيكاسو التي
فهمتها .
حمودي عبد محسن
2004.10.3
|