العدد 14 -------------- كانون أول 2004     

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

 نظرة نقدية _ قصة الصرخة

   

 

 حمودي عبد محسن

 

 

     إن الاستبداد السياسي كأيديولوجية شمولية متشددة لنظام الدولة _ نظريا و ممارسة _ كان ، و لا يزال النقيض التام للمعرفة الإنسانية ، و التقدم الاجتماعي ، و التطور الحضاري المدني ، كان و لا يزال المشروع الخطر في التاريخ لأنه يفرض بنية اجتماعية مضطهدة ، غير متجانسة ، غير متساوية ، يسودها العنف ، و لا شكل محدود لمعاناتها ، و اضطرابها ، و قد تناول فلاسفة الإغريق القدامى و أدباؤها هذا المفهوم من معايير  _ التسلط ، القوة ، الخضوع ، العنف _ في المدينة الدولة ، و علاقة سلطة الملك كحاكم مطلق بالجماعة البشرية التي تخضع لسيطرته ، و لربما _ تأثر ابن خلدون بفكر الإغريق في " مقدمته " كحضور تاريخي بتبعية الرعية و خضوعها للملك ، و إن العصبية واقعية يقوم على أساسها نظام الدولة ، بينما كان الاستبداد عند عبد الرحمن الكواكبي في كتابه " طبائع الاستبداد " معيار أخلاقي ، و قد وصفه بالبلاء العظيم الذي ينخر الدولة و المجتمع ، فالاستبداد يضرب بجذوره إلى عهود قديمة مروعة في النظام _ الاقتصادي الاجتماعي _ ليفرز تيارات و مدارس فلسفية و تاريخية و أدبية محتجة أحيانا ، محتجبة الظهور بمواضيعها أحيانا أخرى ، تلك التي تنتمي إلى بيئتها تجنبا للعنف الفج السائد في دولة الاستبداد ، فعجز الأديب ( و هذا محور حوارنا ) للخلاص من الاستبداد ، يزيده قلقا واضحا  ، و ربما _ ضعفا ، و قد تتسع هامشيته في وطنه الأم ، فيلجأ في الكتابة إلى المعنى الغامض ، و الرمزية ، و الشكلانية للظواهر المتولدة ، و الزائلة ، و الأحداث الخارجة عن سياقها ، و التي هي مصدره الأول في رؤية الواقع الموضوعي ، و الإدراك العقلي  الواعي و العقلاني ، و كذلك تتسع رقعة اغترابه في تدبير نفسه  في ظروف قاسية ، و هو يحاول أن يفلت من قبضة المستبد ، و سيطرته على إبداعه ، ليكون حرا في نتاجه الإبداعي ، فالإبداع : هو نتاج فكري حر للعقل الفعال في مرحلة تاريخية معينة تعكس الواقع الموضوع الاجتماعي _ السياسي ، و المبدع هو الفرد الذي يختص بنفسه ، يدرك قدراته ، يدرك الطبيعة ، و يدرك الآخرين ، يتوحد معهم بفعل متجانس كوحدة ترابط قائمة على أساس خبرة التعايش المشترك ، و الحس السليم ، دون واسطة بينه و بين الناس ، أو بين وجوده و وجودهم ، فهو يلمس مشاعرهم ، و أحاسيسهم ، يكشف طباعهم ، خصائصهم ، سلوكهم الجبري أو الاختياري ، و يكترث للأحداث و الظواهر ، فتتشكل صور متراكمة ، تتحرك جدليا في ذهنه ، ليرتقي بها إلى الفيض المتخيل ، كي يمارس العقل قوته الفاعلة كفعل إرادي انعكاسي شرطي ، لتكتمل وحدة متجانسة التي نطلق عليها الوعي المدرك للمعرفة ، فتكون غاية المبدع الأساسية أن يفضي بمحسوساته المستغرقة بنتاج حر يتحقق به وجوده ، و وجود الآخرين ، غير غافل _ أن نتاجه مرآة لطبيعة موضوعية في مرحلة تاريخية معينة _ فمن هذا المنطق الحواري التكاملي نجد أن الازدواجية بين جانبي الاعتقاد الحر و المراعاة السياسية تؤثر سلبا على النتاج الإبداعي ،و تشكل خطرا على قدرة العقل الفاعل ، فينحسر الإبداع ، و يآثر بعض المبدعين الانسحاب عن النتاج الإبداعي ، أو العزلة ، أو محاولة التوفيق بين الواقع المتدهور ، و مراعاة الدقة في عدم التطرق إلى ما يهين هيبة الدولة الاستبدادية ، و يتعايش مع الأحداث و الظواهر بحذر تام ، و لربما _ يلجأ المبدع إلى الرمزية أو الشكلانية لتفادي الاضطهاد الفكري و الجسدي ، و غالبا ما يهاجر أو يهرب البعض للبحث عن وطن يحتضنه ، و يستطيع فيه أن يمارس إبداعه المتحرر ، هنا لابد أن نتوقف عند  البديهيات المهمة التي تخص نظرتنا النقدية حول قصة " الصرخة " القصيرة لمحمد خضير المنشورة في مجلة الآداب اللبنانية أواخر عام 1967، لأنها تهمنا بالرغم من بعد تاريخ إصدارها ، و توجه المجلة آنذاك نحو الأدب الملتزم ، الذي لم يحض بنجاح كبير ، خاصة و إن القصة تتناقض تماما مع ذلك التوجه .

عند قرآة النص يشعر القارئ ببعد المسافة عن الفهم ، و إشكالية الموضوع ، و اضمحلال الوشائج و الترابط معه ، التي تفرضه عليه الخبرة المعاشة ، و سلوكه اليومي المعرفي ، لأن النص غامض مكبوت متكتم ، يحتجب بحسن اللغة ، يتحصن بجمالية الوصف بميزته و فرادته ، متماسك البناء ، يضيق و يتسع ، يتشعب بفروعه ، بتجلياته ، دون أن يفهم دلالته ، و هو يصاحبه ، و يحاول أن يقترب من المجهول الذي يتماثل في مخيلته ، و يفكك رموزه ، فالنص يحتاج إلى تفسير ليصل القارئ إلى حقيقته ، و أصالته ، و يتصل به حميما ، و يتآلف معه ، و هذا لا يمكن أن يحدث ما لم تمس القصة وجوده العام ، و معاناته ، و محنته ، لذلك لا يمكن أن يتجاوز اغترابه أثناء القراءة لكون القصة مفرطة بالغموض ، باللغة ، بالوصف ، فالقصة تدور حول سيارة السيرك التي تحمل رمزها بلوحة مرسومة على واجهتها اليسرى ، تتحرك ببطء في جو غائم ممطر على غير هدى ، دون هدف ، في شوارع و أزقة مدينة مقفرة غارقة بالمياه ، و القمامة ، و البراميل ، و حطام الحديد ، تتحرك إلى ما لا نهاية ، و يتحركان ذراعا اللوحة الزجاجية الأمامية لرؤية الطريق دون توقف ، و كذلك تحمل السيارة لوحة أخرى مرسومة على صندوقها كما ورد في النص " اللوحة البدائية المرسومة على الجانب الأيمن من صندوق سيارة السيرك ، و المنقولة من لوحة هنري روسو ( ساحرة الأفاعي ) " ، و أيضا تحمل " القرود المرسومة على كل الواجهة الخلفية " ، و لكون المدينة غارقة في المياه كما لو أنها تعرضت إلى الطوفان كغضب سماوي ، فيجرف الطوفان رمزها _ التمثال _ " تهوى ذراعه الطويلة … مترنحا … يختفي " يحطم جسده ، و يتلاشى ، ثم تجرفه المياه غارقا ، و تظل السيارة تواصل تحركها في الحطام و الدمار الذي أنزله الغضب السماوي فوق المدينة  ، و مهما حاول القارئ أن يتحاشى الغموض يجد نفسه مربكا ، ملزما إزاء أشياء مبهمة ، فيبدأ عنده عدم الوضوح  من بداية الفقرة الآتية حتى نهاية النص كما ورد في القصة :

_ " تفاجئ السيارة ، في فسحة محصورة بين جدران مرتفعة من البراميل ، كتلة صغيرة مكورة ، صقيلة لامعة تنزلق عليها قطرات الممر كما تنزلق على سطح زيتي . لم تكن الكتلة الصقيلة لتتميز عن قطع الحديد ، لولا تلك الحركة البطيئة التي بدأت تدب في أطراف قصيرة أخذت تبتعد عن الكتلة لتلامس الأرض ، اعتمدت عليها الكتلة في تراجعها البطيء إلى الخلف ، إزاء زحف السيارة البطيء أيضا باتجاهها حتى تختفي كليا داخل فتحة اسفل جدران البرميل . "

_ " يطل رأس مكور أملس ، يتطلع بثقبين ضائعين أسفل جبهة عريضة ناتئة ، "

_ " تمكث الكتلة الحية ، التي تشبه حيوانا أو طفلا بشريا ، "

_ يقاطعه الكائن الذي يشبه حيوانا أو طفلا بشريا بصرخة حادة ، و يتضح لهذا الكائن فم : شق داكن أسفل رأسه الأملس المكور .فم يصرخ .

_ " يقدم الرأس- الصرخة ، "

 

   فالقارئ لا يفهم هذه الأشياء المبهمة التي يفرضها عليه النص ، لا يستوعبها ، و يضيع وعيه المعرفي الاجتماعي أو التاريخي ، فهو لا يكتسب منها المضمون ، التراث ، و يضل يبحث في المجهول ، و هو لا يعرفه ، و لا يعرف نفسه منه ، و كذلك لا يفهم الحدث ، و لا يرتبط به ، و بخبرته ، و تنشأ فجوة _ قطيعة _ بينه و بين النص التي تقوده إلى نزعة " تجريد الفن " و فيها يستحيل توفر الانطباع الجوهري في البنية الفكرية ، و تنفي الغرض لبلوغ الغاية في اكتساب المعرفة الواعية الخصبة ، و النمو نحو الحقيقة التي تخص عالمه المعاش ، و هويته فيه ، و مكانه الذي ينتمي إليه . و هنا لابد أن نتوقف عند " الصرخة " التي منها اتخذ القاص عنوان القصة  " يقاطعه الكائن الذي يشبه حيوانا أو طفلا بشريا بصرخة طويلة حادة …فم يصرخ . " فالصرخة _ إدراك حسي للسمع تنم عن تحفز حسي خوفا ، أو ألما ، أو تأهبا ، لشيء ما سواء كان ذلك هجوما أو دفاعا ، أو في حالة فرح أو حزن عند الطفل ، فصرخة الطفل لا تشبه على الإطلاق صرخة الحيوان لأن صرخة الحيوان ذات نبرة محددة لا تتغير كوعوعة ذئب أو وأوأة كلب …الخ ، و هذه الإشكالية في تميز اللغة تفتقر إلى الدلالة في الدمج بين تعدد الأصوات _ صرخة الحيوان و صرخة الطفل _ التي تخرج من الأنقاض ، من الحطام ، من صدى البراميل ، من الموت ، و قد يكون أراد بها القاص صوت الدمار الاجتماعي ، و الاغتراب ، و هزائم ذات الإنسان ...

         القص يعنينا بلغته ، و موضوعه ، و قدرته التعبيرية ، و افقه الأصلي ، و إمكانيته ليجبرنا على استيعاب الواقع الموضوعي ، حتى لو كان في بعده التاريخي ، انه يفرض علينا شئ يريد أن يقوله لنا ، نستوعبه ، و نتعايش معه ، و يفرض أيضا ارتباطا بنا ، نرتبط به ، و يصبح سياقه داخل أنفسنا …إن قصة " الصرخة " التي امتازت بقيمتها الجمالية في شكلها ، و لغتها ، قد احتفظت بالمعنى في باطنها ، و الحقيقة في عمقها ، بالرغم من أن القاص أراد في قصته أن يجد نقلة في القص العراقي ، أو يضع حدا نهائي للتقليد السائد في القص ، فحاول أن يتجه إلى الشكلاني المجرد الجميل ، فيتدثر بالغموض كرؤية جديدة مجردة ، و متجردة من الواقع العام ، و منصرفا إلى الشكلية الجميلة …و أنا انتهي من كتابة هذه النظرة النقدية بعد عودتي من برشلونة قبل يومين ، فهناك وقفت في محل للتحفيات ، أتطلع إلى تحفة زاهية جميلة بتصميمها ، بشكلها ، بألوانها ، سحبتها من الرف المخصص لها ، و رحت أمعن النظر فيها ، و أنا أقلبها ، و أداعبها بأصابعي ، وددت أن أقتنيها ، فسألت البائع عن سعرها ، فقال : ( عشرون يورو ) ، ترددت في شرائها ليست لأنها غالية فقط ، بل لأن زميلتي أخجلتني عندما سألتني : ( هل تعرف معناها ؟ ) ، فقلت : ( لا ) ، ابتسمت ، و قالت : ( لنذهب إلى متحف بيكاسو ، و ستعرف هناك معاني كثيرة ) .هكذا لم أقتن التحفة لأنني لم أعرف معناها .و فرحت كثيرا عندما شاهدت لوحات بيكاسو التي فهمتها .

 

                                                         حمودي عبد محسن

                                                       2004.10.3

 

 

 
 

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )