العدد 14 -------------- كانون أول 2004     

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

اللصوص

   

 

   حميد العقابي

 

 

وضعَ الكتابَ مقلوباً على الطاولة حينما فتحتْ طفلته البابَ وهي تغطي عينيها بكفيها الصغيرتين  لتتفادى ضوء الصالة. فتحَ لها ذراعيه فأسرعتْ نحوه وارتمتْ في حضنه. احتضنها فتشبثتْ برقبتهِ وراحتْ تقبّله وجسدها الصغير يرتجف بين يديه.

" أنا خائفة "

كانت ترددُ فغطاها بجسدهِ خوفاً من أن يصيبها حجرٌ من ذلك الحطام أو شظية تأتي من جهةٍ ما من هذا العالم . مسحَ بكمّهِ دمعتين سالتا، تنحنحَ كي يزيلَ عبرةً تكسرتْ في صدره وكادت تخنقه ، ثم سألها بصوتٍ متهدج :

" ممنْ تخافين "

" لا أدري "

أجابتْ وهي تدفن رأسها تحت إبطه .

لفّ خصلات من شعرها خلف أذنها وراح يمسد شعر رأسها الطويل حتى هدأتْ أنفاسها فانقلبتْ بين ذراعيه. وضع يده على جبينها وحينما تأكد بأن حرارتها طبيعية رفعها قليلاً وقبّلها ففتحتْ عينيها وارتسمتْ على شفتيها ابتسامة هادئة. راح ينظر في صفاء عينيها السوداوين متمتماً بكلماتٍ تخرج من أعماقه دون إرادةٍ منه، بل إنه كان حتى قبل دقائق يسخر منها ويكفر بقائلها. امتدتْ يدها الصغيرة تفلّي لحيته محاولةً التقاط الشعرات البيض التي انتشرت فيها. لمح في عينيها سؤالاً غريباً وقد اعتاد على إلحاحها بطرح أسئلة غريبة يقف عندها عاجزاً عن إيجاد طريقة مبسطة لتوضيح إجاباته.

" بابا .. وهل ينام الله ؟ "

" لا "

أجاب متحفزاً لسماع ما هو أغرب من ذلك فقد خبرها كيف تبدأ بسؤال ثم ترميه بسيلٍ من الأسئلة وتلح عليه بالإجابة :

" لماذا لا ينام الله ؟ "

ارتفعتْ ضحكته فارتسم على وجهها سؤال لم تبح به ولكنه لاح في عينيها ساخراً وكأن لسان حالها يقول " وهل هذا السؤال يستوجب الضحك ؟ " شعرَ بخجلٍ فصمتَ قليلاً ثم أجابها بفرحِ مَنْ وجدَ جواباً يلائم خيالها الطفولي :

" الله .. يا ابنتي .. لا ينام .. لكي .. يحرس الكون "

لم يبدُ عليها أنها اكتشفت أمراً خطيراً ولم تفاجأ بالجواب فمطتْ شفتيها وهي تردد :

" فهمتُ .. فهمت .. "

وحينما تطلع في وجهها مستفسراً بصمتٍ عمّا قد تكون فهمته ، تطلعتْ إليه بنظراتٍ حادةٍ وكأنها أدركت ما يدور في ذهنه فقالت :

" نعم .. إنه يحرس الأرض كيلا يسرقها اللصوص "

احتضنها بفرحٍ فخوراً بذكاء ابنتهِ التي لم تتجاوز الخامسة من عمرها.

تلك اللحظة كانت قناة التلفزيون تنقل مشهد طائرة الـ B52 وهي تحلّق قريباً من الله وترمي حممها ، ومشهد رجالٍ يُخرجون أشلاءَ طفلةٍ من تحت الأنقاض . وضع كفّه على عيني طفلته كيلا ترى مشهد الأشلاء والدم إلا أنها كانت نائمةً بوداعةٍ واطمئنان .

رددَ مع نفسهِ بخيبةٍ وحسرة :

" سرقوها يا ابنتي رغماً عنه "

 

 

                                     11 / 10 / ‏2004‏‏

 

 

 

 
 

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )