|
حميد العقابي
عرفتُ الشاعرَ الراحل عبد الوهاب البياتي في الشام خلال سنواته
الثلاث الأخيرة ، وكنت أزوره كلما جاء إلى دمشق ( لم أزره وحدي
وإنما بصحبة صديق على علاقة وطيدة معه ) ، لكني لم أحظ مرة
بحديث أدبي أو أسمع رأيا يخص الشعر وإنما كانت أحاديثه تقتصر
على ذكرياته وسفراته والترجمات التي صدرت لشعره ولقاءاته
بأدباء العالم الكبار ( لم يسعَ هو يوماً إلى لقائهم ولكنهم
كانوا يسعون إليه ودائما يكون لقاؤه بهم في وقت يكون مشغولاً
أو على سفر لذا فأن أغلبهم لم يحظَ منه بلقاء طويل .حدث هذا مع
ماركيز وماتشادو ويشار كمال وبابلو نيرودا ... الخ ) ولا يفوته
بعد كل جلسة أن يهدي زائريه كتاباً عنه قد صدر حديثاً ، ولم
أخرج مرة إلا وقد امتلأ رأسي بشتائم وطرائف كان الراحل يجيدها
ويتفنن بطرق إيصالها إلى المقابل . وبإمكان أي شخصٍ يلتقي
البياتي أن يلمس ومن الوهلة الأولى حالة غريبة تتلبسه في كل
لحظة فهو على الرغم من شهرته الواسعة إلا أنه يتصرف وكأنه شاعر
مبتدئ يبحث عمّنْ يعترف بموهبته أو أنه يسعى دائماً لإبقاء
صورته كنجمٍ تحتل المشهد ولا يؤطرها إطار . مرة وعلى سبيل
السخرية أخبرتُ صاحبي وكنا جالسين مع البياتي بأن قناة
تلفزيونية عرضت أمس لقاء مع كريم العراقي لمدة ساعتين وكانت
مقدِمة البرنامج تصف كاتب الأغنية هذا بالشاعر الكبير . فوجئتُ
بوجه البياتي وقد بدأ يسود وتزرق شفتاه ثم انتفض غاضباً شاتماً
الإعلام العربي . يا إلهي هل أخطأتُ بشيء ؟ هل خرجتُ عن سلوك
التلميذ المهذب ؟ لكني سرعان ما اكتشفتُ أن سبب غضب البياتي هو
غيرة من كاتب أغنيات حيث أنه كان يؤمن في قرارة نفسه بأن صفة
الشاعر الكبير يجب أن لا تقال لغيره .
هل من المعقول أن يستبد الوهم بشخص إلى هذه الدرجة من النرجسية
؟
رحل البياتي لكنه ترك تلاميذَ ومريدين لو قورن بهم لقلنا رحم
الله البياتي كم كان متواضعاً . وللإنصاف أذكر أن هؤلاء
التلاميذ لم يرثوا من البياتي وحده بل إن أغلبهم قد تخرج من
مؤسسة النظام العراقي الساقط وبهذا قد عبّوا الغرور والغطرسة
والتباهي في أحط مواقف السقوط والفشل من أخطر منابعها ناهيك عن
كونهم عراقيين رضعوا الغرور مع حليب أمهاتهم كما يذكر الشاعر
صلاح نيازي في تحليله الرائع للشخصية العراقية في كتاب سيرته
الذاتية .
يفتخر الدنماركيون بأن نظامهم الديمقراطي بُني على مقولة
للكاتب النرويجي Aksel Sandemose
( 1899ـ 1965 ) : " عليك أن لا تعتبر نفسك شيئاً ، ولستَ أفهمَ
أو أفضلَ أو أحسنَ من غيرك " ثم تحولتْ هذه المقولة قانوناً
أطلق عليه قانون ينته ( Jantelov
) .
كم نحن العراقيين بحاجة إلى مثل هذا القانون لعله يحد من هذا
الغرور الفارغ ،غرور الديك الذي يرفع صوته صائحاً وساقاه
غارقتان في البراز كما يقول المثل الشعبي العراقي الذي يشكل
دلالة واضحة على أن الحس الشعبي بفطرته قد شخّص العلة أبلغ
تشخيص .
أدعو القارئ أن يقرأ مقالة منشورة في موقع إيلاف كتبها علي
الشلاه بعنوان ( مهرجان روساريو الشعري العالمي 12 ) وهي عن
اشتراكه في مهرجان شعري في الأرجنتين . ولأن المقالة تتعدى
مفهوم النفاجة والغرور الذي يخص صاحبه وحده بل إنها تشكل ظاهرة
واضحة برزت بشكل صارخ عند أغلب الشعراء الذين تربوا في مؤسسة
النظام العراقي الساقط من شويعر كتب على غلاف كتابه بأنه (
أشعر العرب ) إلى أخرى تسللت بشكل ملتبس لتمثل الأدب العربي في
ألمانيا وتشترك مع غونتر غراس بأمسية شعرية . إنها ( المقالة )
تدخل ضمن ( السلوك البعثي الصدّامي ) الذي يجب اجتثاثه وفضح من
يحاول إعادته ، ولأنها تهين القارئ بأكثر من موضع ( ربما من
حيث لا يدري كاتبها ) لذلك سأخرج من تحفظي واعتبر المقالة
موجهة ضدي شخصياً . يبدأ هذا الكاتب مقالته :
" ترددتُ كثيراً في تلبية دعوة مهرجان روساريو الشعري العالمي
الثاني عشر في الأرجنتين لأسباب عدة أهمها بعد المسافة وتوافق
التوقيت بعد عدة فعاليات ثقافية اشتركت بها في الفترة الأخيرة
جعلتني بعيداً عن زيورخ وبغداد ، إضافة إلى أنها جاءت أواخر
رمضان وقبل عيد الفطر الذي كنت أخطط لقضائه في الحلة عند
الوالدة الذي كان آخر عيد شاهدتني به عام 1991 بعيد الانتفاضة
الأهم في تأريخ العراق الحديث ، ثم أنني مدعو لمهرجان أكبر في
كولومبيا منتصف العام القادم ، لكن ترددي سرعان ما تلاشى عندما
فوجئت بالترجمة الكاملة لمجموعتي الشعرية غروب بابل إضافة إلى
حماس القنصلة الأرجنتينية في بيرن السيدة أنا البرتو المتحدرة
من مدينة روساريو ( مهد المهرجان ) التي اتصلت بي وبالمنظمين
عدة مرات لتأمين فيزا حال أصلي العربي والإسلامي دون الحصول
عليها فوراً بفضل فقهاء الظلام القادمين من حيث لا يعلم أحد "
.
بسهولة يستطيع القارئ أن يلاحظ أن من كل جملة من هذه المقالة
تطل علينا ( أنا ) متورمة تدّعي حيازة كل شيء ولم يترك الكاتب
لأقرانه شيئاً فهو شاعر مهم ( يكرر في المقالة عدة مرات بأنه
هو العربي الوحيد الذي يشترك في المهرجان ) يكاد بورخيس أن
ينتفض في قبره أو تتعذب روحهُ إن لم يحضر علي الشلاه إلى
الأرجنتين وكذلك ربما ستنتحر القنصلة الأرجنتينية إن لم يلبِ
هذا العربي الذي ما خلق الله غيره دعوتها . أما حديثه عن
الانتفاضة ( الأهم في تاريخ العراق الحديث ـ لاحظوا الإدعاء
فكأنه مؤرخ لم تفته شاردة أو واردة في التاريخ العراقي ) فتوحي
للقارئ بأن هذا المناضل قد كان قائد هذه الانتفاضة ( بالمناسبة
اعترف هذا الدعي بعظمة لسانه أنه كان بعثياً ) . ثم يسرد لنا
وقائع المهرجان فنجد أن جميع الشعراء المشاركين هم شعراء كبار
( ما أغبى القارئ حينما يدرك بأنه لم يسمع باسم أحدهم ) وهم
أصدقاؤه التقى أحدهم في زيورخ وآخر في بلغراد وثالث في النرويج
...خلال مهرجانات عالمية سابقة. ومن الطريف أنه يذكر حديثه مع
السائق الذي نقله من المطار إلى الفندق حيث كان الشعراء الكبار
في انتظاره ، فيقول إنه تحدث مع السائق بكل اللغات التي يجيدها
( كم لغة ؟ الله أعلم ) وهنا يتواضع قليلاً ليكشف لنا أنه لا
يجيد اللغة الإسبانية لكن سرعان ما تحتج أناه فيقول كان السائق
يتحدث الإسبانية بلكنةٍ أرجنتينية ، هذا يعني أنه لا يجهل
اللغة الإسبانية تماماً وإلا كيف استطاع تمييز اللكنة
الأرجنتينية ؟ .
هل سمع أحد مرة الشاعر كاظم جهاد ( الذي لولاه لما سمع علي
الشلاه وأقرانه بجاك دريدا ) وهو يتبجح بعدد اللغات التي
يجيدها ؟ حاشاه فقد غادر كاظم العراق حينما كان عدي طفلاً
يحبو.
نشر الراحل نجيب المانع في نهاية الثمانينات مقالة بعنوان (
النفاجة ) وأنا أعيد قراءتها الآن فأقول رحم الله المانع كم
كانت مقالته فقيرة في طرح أمثلة والحق معه فقد رحل قبل أن يرى
أبناء البياتي وأخوة عدي .
وهنا قد يسأل القارئ لمَ هذا الغضب ؟
أقول إن كاتب المقالة وآخرين ممن بمستواه الثقافي يشكلون الآن
ظاهرة عراقية إن تركت ستستفحلُ وإن لم نتصدَ لها سنجد أنفسنا
يوماً مضطرين إلى استدعاء قوة خارجية لتنقذنا منها ، فالثقافة
العراقية انعكاس للتفكير السياسي ، تأخذ طابعاً انقلابياً يشبه
تماماً الانقلابات العسكرية ، فكما يستطيع ابن شارعٍ أمي أن
يقود دبابةً ويتسلق دست الحكم ليتحول بعد أيام مشيراً أو
مهيباً أو قائداً فذّاً يجد من يصفق له ، نجد كاتباً ضحل
الثقافة والوعي يستطيع أن يقفز إلى الواجهة وسرعان ما يجعل
نفسه ممثلاً للثقافة العراقية وناطقاً باسمها طالما أن الطرق
غير المشروعة سالكة وأقصر الخطوط إلى المبتغى هو الخط الملتوي
( هذه النظرية على الرغم من أنها تشذ عن القاعدة العلمية إلا
أنها بديهية في الزمان الذي يتسم بالصلف والوقاحة ) .
أقول : في العراق الذي نحلم به يجب اجتثاث كل ما خلفه نظام
الجهلة كيلا يأتي يوم نقول فيه ( ولو في سَورة غضب ) رحم الله
صدام حسين حينما قال ( العراقيون بعثيون وإن لم ينتموا ) .
وأقول من يريد أن يتغزل بوجهه حتى لو كان دميماً فليمارس ذلك
أمام مرآته الخاصة بعيداً عن القارئ الذي لشدة نفوره من أدعياء
الثقافة لم تعد الثقافة شاغله ( وليراجع مقالة الكاتب شاكر
الأنباري المنشورة في هذا العدد بعنوان ـ أي جدوى لثقافة
عراقية أبعدتْ إلى المخابئ الخلفية للحياة ـ ) عسى أن يندى
جبينه مرة واحدة .
|