العدد 15 --------------كانون ثاني 2005

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

 التباس المثقف  العربي  وإغواء السياسة  
   

 

                    د. فاضل سوداني             

 

 يشكل  ديالكتيك  تطور الثقافة الحرة خطورة على أنظمة الكثير من البلدان غير الديمقراطية فأي توقف لعملية تطوير الثقافة والفكر يعد استثناء تاريخيا، مما يؤدي إلى انحراف في مسار عمليات البناء الاجتماعي. والخطورة تكون أعظم إذا شكلت الأمية نسبة كبيرة في المجتمع ، كما هو الحال مع إحصائيات اليونسكو عن حجم الأمية في الدول العربية مثلا (65  مليون أمي، أكثر من 43 % من السكان ) وإذا أضيف إلى هذا لامبالاة وتساهل وخيانة المثقف لدوره وخاصة في مجتمعات ما يسمى بدول العالم الثالث، فستكون النتائج بالتأكيد أكثر تشاؤما  بل خطرة الى حد مريع .

إذاً الدقة في تفسير دور المثقف هي حتمية تفرضها المسؤولية الذاتية والاجتماعية  ( فكل خطأ في تفسير دور المثقف يؤدي إلى خطأ في تفسير دور الثقافة ). وعندما يكون هنالك التباس، يبدأ الغموض في تحديد دوره التاريخي والحياتي.

فيصبح من السهولة إغراؤه وإجباره حتى يتكيف  ليكون على استعداد لتنفيذ المشاريع الثقافية والفكرية  ذات الطابع السياسي البوليسي التخريبي، وبهذا يكون صاحب  الوعي البائس هذا  تابعا للسياسي و جزءاً من ماكينة السلطة. وهذا يعني توريط الذات في الوعي المشوه وتحويل المثقف إلى متكيف مستعد دائما  لتبرير قرارات النظام الدكتاتوري التوسعي  في شن الصراعات الطائفية في داخل المجتمع و الحروب العدوانية غير المجدية بحجج مختلفة يكيفها  ويبرمجها بالتدليس والاحتيال. ومثل هذا المثقف  المرتزق هو الذي يهيئ الأبخرة الموبوءة في الثقافة والفكر.

إذاً من هو المثقف المتكيف ونقيضه المتفاعل ؟

 ينشأ التكيّف ويصبح جزءاً من عمليات التخريب الاجتماعي والثقافي في مرحلة البناء السلبي للتاريخ الاستثنائي فقط عندما يكون هنالك خواء فكري يميز فعاليات الإنسان الحياتية والفكرية، وسكونية في التطور الاجتماعي، وأعني مرحلة التطورالسلبي الذي يكون فيه الإنسان بشكل عام و المثقف المتفاعل  بالذات غريبا عن واقعه ومجتمعه عندما تتوفر الشروط الاستثنائية التي لا تسمح له بممارسة دوره التاريخي كما هو الحال في المجتمع الديمقراطي . وعندما يخون المثقف ذاته يقوم بتحويل قدرة الوعي والعقل الشموليتين إلى أنانية ضيقة، تحوله إلى مشروع للتكيف مع سياسة السلطة الدكتاتورية فيفقد حصانته الداخلية ليتحول إلى مثقف متكيف يحفر الخواء في روحه وروح أمته .

فالتكيّف إذن هو الموقف السلبي للمثقف المتساهل مع ذاته، يؤثر في تطويرالعملية الفكرية بمسارها الديالكتيكي في مجتمعه سلبا. لأنه يصبح داعية لبرنامج القائد ( الذي يهيئ  المجتمع إلى حروبه الشخصية التي تخلق تكامله كدكتاتور ) وتكون مهمته إضافة إلى ما ذكر ،استغلال ثقافته لتنمية غرائز العنف المتوحشة في روح الإنسان حتى تحتل الأولوية في سلوكه ، فتتحول إلى ظاهرة طبيعية في مجتمعات الأنظمة الشمولية والدكتاتورية.

ويسبغ هذا المثقف على مثله السياسي الأعلى (الأب، الدكتاتور، الطاغية،القائد )   صفات الرسل والقديسين. من هذا المنطلق فإن المتكيف صاحب الوعي البربري المزيف والبائس، يبني ذاته هامشيا، إنه المتساهل المحصّن دائما بالتبرير الجاهز، إنه توريط الذات المثقفة في الالتزام بالوعي المشوه .

لذا فإن المثقف المتكيف جزء لا ينفصل عن النظام الدكتاتوري الشمولي المتسلط  لدرجة يكون مستعدا لتهيئة الظروف التي تخلق عدمية الثقافة والفن، ومساهما دائما في تزييف حقائق  الواقع المعاصر والحقائق التاريخية ، فيصل إلى مرحلة الإتكالية الفكرية ،  فيصبح المثقف الإبن المدلل ، يمنحه الدكتاتور المكرمات والهبات، ولكن في الوقت ذاته يحرمه الحق في التفكير واتخاذ القرارات الخاصة لأن القائد ـ الدكتاتور هو الذي يفكر ويخطط بدلا عنه وعن الأمة . فيتحول المثقف إلى منفذ فقط  في الوقت الذي تشتد حساسيته الخاصة إزاء الخطر المستقبلي مما يساعده على التكيف مع الحدث الجديد ومتطلبات الظرف السياسي القادم  من خلال خداع الرأي العام من جديد.

 والميزة الأخرى التي تميز المثقف المتكيف هي تطور وعيه سلبيا مع برامج  النظام  كما حدث في السنوات الأخيرة من القرن الماضي ، حيث فرضت التحولات السياسية والاجتماعية التي حدثت في العالم بعد الحرب العالمية الثانية و الحرب الباردة وانتصار شراسة  الرأسمال العالمي ، تكثيف العنف كوسيلة للاحتراب بين الدول ، أو بين الأنظمة الدكتاتورية و شعوبها  وخاصة في بلدان العالم غير الأوربي، وقد خلق هذا تطورا في مفاهيم وممارسات  الدكتاتورية والأنظمة الشمولية فأصبحت أكثر شراسة من أجل أن تحافظ على مصالحها ووجودها، واستخدمت العنف بأبشع أشكاله كلغة وحيدة ضد شعوبها، فتعاملت معها  وكأنها شعوب محتلة، واتسمت هذه الدكتاتوريات ببعض السمات التي حولتها إلى أنظمة فاشية كما حدث في بعض بلدان آسيا وأمريكا اللاتينية ، وفي المنطقة العربية تجلى هذا واضحا في العراق في الحرب الداخلية ضد الشعب أولا ، ومن ثم ضد إيران  ،  أو في سياسته العدوانية  وطموحاته التوسعية في استغلال ونهب خيرات الشعوب  كغزوه للكويت التي كانت من خلال  ديمقراطيتها وثرواتها  الطبيعية قادرة على أن تبني نظاماً ديمقراطياً برلمانياً حراً ومؤثراً في التطورات على شتى الأصعدة ، ولكنه في ذات الوقت يشكل إستفزازا للنظام الدكتاتوري .

و هذا التحول الجديد في بنية الدكتاتورية يحتاج إلى تغيير في المفاهيم والبرامج الثقافية ، ويتطلب من المثقف موقفا وفهما جديدا أكثر من تكيفه في المرحلة السابقة . فالمرحلة الجديدة  تحتاج إلى ذلك المثقف الذي يغذي ويشيع هيكلة وأساليب الفاشية التي سيتبناها النظام ، فليس كافيا أن يكون مثقفا متكيفا  فقط ، وإنما  يطالبه أن يساهم في المتغيرات المنهجية الجديدة  في سياسته وأن يكون محركها الفكري، وهذا يفرض على المثقف أن يلتزم المفهوم الفاشي في الثقافة  روحا وممارسة ، تخدعه حجج مختلفة مغلفة بدوافع ديمقراطية زائفة . فيتم التمسك بها كأسلوب للتدجين سيباركه النظام الاستثنائي وسيبرره المثقف المتكيف إعلاميا. وبالتأكيد سيتحول هذا المثقف إلى مفكر فاشي مادام يتبنى تلك السياسة التي تشوه الفكر والثقافة الإنسانيتين وتحول الوطن إلى ثكنة للحروب اللامجدية ومعسكر اعتقال لعموم الشعب بما فيهم الأطفال الذين يتم تدريبهم على الروح الإرهابية والحقد منذ نعومتهم ، تحقيقا لأحلام القائد التوسعية.

المثقف والأبخرة الموبوءة

و سيبذل السياسي كثيرا  لتغذية هذا المثقف  ناشر الأبخرة الموبوءة ، فيمنحه الحيلة والقدرة والقوة ومنديل الأمان ليساعده على تعميم منهجه  الفكري ـ الارتزاقي وإشاعة التشيؤ والنظرة الأحادية الضيقة في الحياة والفكر، من خلال إلغاء المقدسات الفكرية ( الدفاع عن الحرية الفكرية والاجتماعية والإبداعية) فينجح النظام السياسي والمثقف المتكيف في لملمة مجاميع من المثقفين المرتزقة الذين سيباركون المرحلة الجديدة التي لا تستغني عن العنف بالمفهوم الفاشي والحروب الداخلية والخارجية . ومن أجل أن يتم إحكام الحلقة المفرغة  يبدأ  هذا المثقف عملية البحث في تاريخ الثقافة البربرية القديمة لاكتشاف ذلك الفكر الذي  يعظم ويؤله الزمن الاستثنائي لطاغية  مشابه إلى الطاغية  ـ الدكتاتور ونظامه الفاشي  المعاصر.

إن هذا المثقف المتكيف  المدجن لا يكتفي بتبرير السياسة  الفاشية لنظامه وإنما سيساهم في قمع انتفاضة شعبه ضد النظام التسلطي من أجل العدالة والخبز والديمقراطية وطفولة وشباب آمن بدلاً عن زجهم في معسكرات الحروب . وتتركز مهمة المثقف في زمن السلم والحرب ،  في التنظير للأفكار الجديدة وفي صياغة النظرية أو المنهج الارتزاقي لتصبح جزءاً من الممارسة الفكرية ، ويؤشر تسهيل الطريق أمام الآخرين للتكيف من أجل الحصول على المكاسب مادام مثله الأعلى ( السياسي الاستثنائي ) قد سرق السلطة والقوة بهذا التسلق الديماغوجي والملتوي السهل بعيدا عن الشرعية . وسيعمد الدكتاتور السياسي مستقبلا بمعية مثقفه المتكيف ، إلى سرقة زمن المثقف المتفاعل غير المتكيف و الزمن الإبداعي لعامة  الناس وللأمة ، فيكون الخواء هو التاريخ الذي يفرض نفسه ، وتقود الجهالة الخراب والسكون الحضاري .

سلطة المثقف المتفاعل

سيكون ديالكتيك الثقافة العربية وتأثيرها الديناميكي هامشيا  ما لم يؤخذ بالاعتبار أهمية الدور التاريخي للمثقف المتفاعل غير المتكيف ، ومهماته الإبداعية خارج منطق التكيّف بمفهومه الذاتي والسياسي والاجتماعي كما أشرنا سابقا .

ومن أجل الوصول إلى الوعي الخلاق لتطوير ذات المثقف المتفاعل وعدم السقوط في شيزوفرينيا الذات والوعي( حسب افهومة كيركغورد الفلسفية ) ، عليه أن  يعتمد على تماسك ذاته وصلابتها وبنائها ، أي اختيار ذاته من جديد للمساهمة في خلق البناء الاجتماعي والحضاري ، مادام المثقف الآن  تخلى عن دوره التاريخي في الصراع الفكري والبناء ، بعد أن أصبح مروّجا لأفكار وبرامج سياسية. ويفرض هذا أهمية المثقف المتفاعل ، صاحب العقل الديناميكي والمعارف المتطورة ، وهذه كلها تشكل سلطة المثقف المتفاعل.

فلا يكون للتطورات العظيمة التي حدثت في عالمنا في السنوات الأخيرة أية أهمية ما لم تفرض تحققا مطلقا للديمقراطية مما يحتم ملامسة حساسية المثقف المتفاعل لما يحدث في الحاضر الآني، في وقت يخضع التكيف (والمثقف المتكيف ) الثقافة والفكر والكتابة الابداعية  للزيف الذي  يعزز عالما بوليسيا . من هنا تأتي  صعوبة الأزمنة التي يمر بها المثقف المبدع والمتفاعل الآن . وما رفضه لزيف الواقع الاستثنائي في أزمنة الدكتاتورية ، إلا تأكيدا  لانسجام وعيه الفكري والفني . وهو يُعد موقفا ومشروعا حياتيا وتاريخيا.

إذاً هكذا مثقف يؤثر إيجابيا كذات مبدعة في العمليات الفكرية والاجتماعية عند توافر الظروف الطبيعية التي اشرنا لها ، وهذه الإيجابية هي التي تمنع عدمية الفكر والثقافة أو اغتراب المثقف ( في فترة ما ) . بالرغم من أن الاغتراب مرتبط تاريخيا وفلسفيا بالإنسان منذ  نشوء قلق المجتمع والذات .

ولكن الخطورة تكمن في العمل على تعميم ظاهرة التكيف لدرجة أنها لا تشمل المثقف فحسب بل المجتمع لفترة زمنية استثنائية محددة ، ولا يمكن للسلطة الدكتاتورية الاستثنائية أن تحقق هذا ما لم تخلق الظروف المناسبة لتكيف قطاعات كبيرة من المجتمع كما حدث في  بعض الانقلابات العسكرية في المنطقة العربية .

                                                                            

                                                 كوبنهاكن

 

 

 

 

 
 

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )