|
نجيب المانع
مما يبعث على الاستغراب أن اللغة العربية الحديثة لا تحمل
مفهوماً ذا أهمية كبرى في تحديد معالم الشخصية المهزوزة
المتعثرة المعتمدة على غير ما فيها من مقومات ، الشخصية
المتعاظمة المتفاخمة بسبب علاقاتها مع مَنْ لهم مكانة اجتماعية
أو سياسية أو فكرية مع أن اللغة العربية كانت تعالج في الماضي
مثل هذا الانتفاخ الفارغ بكلمة جيدة الدلالة هي النفاجة مصدراً
والنفّاج صفة .
النفّاج هو الذي يشير إلى نفسه في مناسبةٍ أو غير مناسبة على
أنه استحوذ على اهتمام الكبار أو حاز على الثراء الملفت للنظر
أو ملأ دماغه بالمعرفة الأخاذة ( التي لو كانت معرفة حقاً
لحاذرت من تسليط الضوء عليها لأن المعرفة هي إضاءة داخلية بحد
ذاتها ).
وقد يحصل النفّاج على إشباع جوع معين في نفسه حين يخبرك بأن
عظيماً ما لم يدعه إلى العشاء فحسب بل كذلك أغاظه بكلمةٍ فلتت
منه بعد إفراطه في الشراب ولكنه ( أي النفّاج المتحدث ) أوقفه
عند حدّه أو قد يجد مداورة نفّاجة أخرى بأن يعلن أنه لم يغضب
لتصرف ذلك الكبير فقد عرف أنه لا يضمر له سوى المودة المعززة
بالاحترام .
للسنوب SNOB
والسنوبزم ( أي النفاجة ) بالانكليزية أبعاد تجعل الانكليزي
حذراً من الوصول إليها فليس عند الانكليز من هو أقبح من النفاج
لا يعادله في البشاعة عندهم سوى الشخص الذي يفتقد روح الدعابة
فإن من أعظم الشتائم عندهم ليس هو الشخص الذي حادت أخته أو
ابنته عن طريق الفضيلة بل ثقيل الدم الذي لا يعرف كيف يبتسم
للفكاهة غير اللئيمة أي الذي لا يفهم روح الدعابة
Sense of humour وبطبيعة الحال فمن يأخذ نفسه مأخذاً
جدياً مبالغاً فيه وهو إلى ذلك يطالب الناس من حوله بالاعتراف
الارغامي به لما يحدثه وجوده بين كبار الشخصيات من جلجلة وصخب
ولما يحدثه فكره من اكتساح مهيب، لا يكون سوى فاقد لروح
الدعابة البريئة مثل افتقاد الثلج لإمكانية الإنارة . النفاج
إذن لا يعرف النكتة ولكنه ربما يكون مالكاً للسخرية بمن يراهم
أضعف منه أو أقل شأناً، والسخرية مؤذية على عكس الدعابة .
النفّاج الاجتماعي ( فهناك أيضاً النفاج السياسي والنفاج
الثقافي ) عند الانكليز هو من يخبرك على سبيل المثال بما يلي :
" عند انتهاء مهرجان الخيول الذكية في وندسور وعودتي إلى لندن
ليلة البارحة توقفت السيارة . نزل السائق ولما رأيته أطال تفحص
الخلل نزلتُ أنا أيضاً وإذا بي أرى خلفي تشارلز واقفاً فيسأله
مستمعه " تشارلز من ؟ " فيجيب النفاج الذي يحب أن يذكر
المشاهير بأسمائهم الأولى " إنه الأمير تشارلز، ولي العهد ،
قال لي : ماذا حدث لسيارتك يا جيمي ؟ قلت : لا أدري ، هذه
الرولز اللعينة ( والنفّاج لا يقول الرولزرويس بل الرولز فقط )
أخذت تعذبني مؤخراً . أشار علي السائق أن نستقل البنتلي ونترك
الرولز في المرآب ، ولكني أحبها يا تشارلز لما تحمله عندي من
ذكريات " فقال تشارلز مبتسماً " ويا لها من ذكريات !" ثم رجاني
أن أركب معه في سيارته . قلتُ " وهل أترك السائق المسكين وحده
في هذا الجو ؟ " ( نفاجة المشاعر الطيبة ) لا يا تشارلز، شكراً
.. سأتلفن لجمعية السيارات، فقال تشارلز : إذن لا تحتاج إلى
مساعدتي ؟ " ، قلتُ : لا شكراً " ويمكن أن تكون النفاجة
السياسية على غرار ما يلي :
" في نادي القفز الطويل رآني نيل ..... نيل منْ ؟ "
" نيل كيونك ( والنفاج لا يذكر أنه زعيم حزب العمال )
" قال لي : يا لها من فرصة طيبة ، فأنا لم أرك منذ مدة بعيدة
يا داني " قلت له : " نيل، منذ أن قرأت خطابك في البرلمان حول
ضرورة قلع الأشجار الراقصة وأنا غاضب عليك " قال " كنت تستطيع
أن تتلفن لي على الأقل لتعبر لي عن غضبك فربما استطعت اقناعك
بوجهة نظري "
قلن إن النفّاج يذكر الأشخاص المهمين بأسمائهم الأولى " رأيت
سمبو ( رئيس وزراء جمهورية طرطشان ) وعاتبني لأنني لم أحضر
حفلة العيد الفضي للخلاص من الحرير الطبيعي " ويقول لك النفّاج
" غراهام لا ينسى أية هفوة حتى بعد مضي عشر سنوات " " غراهام
منْ ؟ " " غراهام عرين ( الكاتب الشهير ) وهل تتصور أني جعلته
يرتاح حين التقى بي يوم أمس ؟ قلت له : " غراهام، أين رواياتك
الأخيرة من رواياتك الأولى ! لقد أخذتْ كتابتك تنحط سنة بعد
سنة " رأيت وجهه يتجهم ولكنه حاول أن يضبط أعصابه . على
البوفية قدم لي غراهام ماعوناً مشحوناً بالحلويات . قلت له
ضاحكاً : لا تحاول رشوتي بالحلويات فقلمي يظل مراً إذا أردت
الكتابة عن إنتاجك الأخير " ولكن هذه الأمثلة لا يمكن تصورها
في انكلترة فهي خيال صرف . والنفّاج يحدثك بحوار جرى له مع
الكبير أو الشهير أو الأمير أو الوزير أو الرجل الخطير ويكون
الحوار حسبما يرويه النفاج لك مليئاً بالجسارة والألمعية من
جانب النفاج سوى أنه حوار لم يحدث قطّ، فالنفّاج لم يقل ذلك
الكريم لذلك الكبير بل يخترعه لك كي يرتفع في عينك وأنت لا
تستطيع أن تستوثق من صحة جريان الحوار بالشكل البطولي أو الذكي
أو البليغ الذي رواه لك النفّاج . هل تستطيع أن تذهب إلى ذلك
الخطير وتقول له : " هل صحيح أن جعجوع أفحمك في النقاش الذي
جرى معك في أمسية الترويع الشعري لأهالي الإقليم البحري الذي
جرى في قاعة ابن خرداذبة ؟ " وتذهب إلى ذلك المتجبر الذي
يستطيع إيقاف ضربات القلب بنظرة من عينه وتسأله " هل صحيح إن
جمبقليلو قال ذلك : متى استبعدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم
أحراراً ؟ "
النفّاج خائف يكذب لأن وجوده قلق قلقاً يحتاج معه إلى الناس كي
يطمئنوه بأن مكانته متينة البنيان، فإذا لم يطمئنوه طواعية
ألقى عليهم تفاخمه ونظر إلى انعكاساتها على وجوههم ، فإذا
استمعوا إليه مذهولين أو غير مكذبين لما يقول أضاف بضع لبنات
إلى الجدار المهتز المستدير على نفسه الفارغة التي تدوي فيها
رياح الوجود الكاذب.
ثم أن النفاج لا يتقن مهنة أو مهمة أو عملاً اتقاناً تاماً
كامل الأبعاد ، فإذا كان النفّاج جراحاً فلا تضع جسمك بين يديه
فهو لهوسهِ بأن يكون جراحاً ذا مكانة مرموقة يغفل التركيز على
الأمر الأساسي وهو العناية بالمريض ، وإذا كان صحفياً فلا تصدق
الكثير مما يكتب إذ هو يتحرق بحثاً عن الوجوه والأسماء ولا
يتحرق بحثاً عن الحقائق وأعماق الأحداث ، فكثيراً ما يؤثر
الصحفي النفّاج أن يقابل كبيراً ما على مقابلة ما أحدثه هذا
الكبير من أضرار وآلام وماسٍ ، فالنفّاج مع الجلاد دائماً وضد
الضحية .
ليس بين المقتدرين اقتداراً حقيقياً من هو نفّاج فلم يكن
بيتهوفن ولا شوبرت ولا باخ ولا المعري ولا دافنشي ولا العباقرة
الآخرون نفاجين ، قد يكون العبقري واثقاً من نفسه ثقة هائلة
تجعلنا نصفه بالخيلاء أو الغرور أو التعالي كما كان المتنبي
وبتهوفن وبرناردشو وفاغنر ، غير أنهم أبعد ما يكونون عن
النفاجة . تركيبهم الداخلي أثرى من أن يجعلهم نفاجين ذلك أن
النفاج فقير في الداخل يسعى إلى جلب الثراء من خارج الذات ،
وهو يحتاج إلى نظرة الغير ، إلى العين المبهورة . النفّاج
رجرجة من عدم داخلي ولهذا لا يستطيع النفاج أن يكون مبدعاً
حقاً ولا مثقفاً حريصاً على المعرفة بذاتها ولذاتها ، ولا
مهموماً بهموم الناس الذين حوله ولا نذكر البعيدين عنه .
نقطة الارتكاز وبؤرة عدسة الرؤيا عند النفاج تختلفان عما هما
لدى غيره : ففي العلاقات الحبيّة يريد النفاج أن يظهر منتصراً
قاهراً أكثر مما يود أن يُعنى بشخص المحبوب وحاجاته النفسية
والجسدية وصوت النفاج عند الإلقاء هو على الأغلب صوت فوق طبيعي
، متحشرج ، خال من الإضاءة لشدة ضغط النفاج على حنجرته لتكون
داكنة غليظة ذات وقع فخم عميق غير أن ما يخرج من هذه الحنجرة
المعانية أشد المعاناة هو صوت متفاخم متعامق متداكن متغلّظ ،
وهكذا تتغير نقطة الارتكاز فالملقي ليس مهتماً بأن يوصل إلى
السامع موضوعاً بقدر اهتمامه بكيفية إبلاغه : أي الانتقال من
الموضوع إلى شكل الأداء والنفاج ليس سوى كائن مشحون بالشكلية ،
مفعم بالخارجية ، مطارد بالرغبة في توكيد البديهي والإعلان عن
أخبار الأسبوع الماضي بل حتى الشهر الذي انتهى غير مدرك بسبب
ضعف الفطنة عنده بأنه قال ذات مرات ومرات وعلى ذلك يكون النفاج
مثل الكذّاب : ضعيف الذاكرة . أعرف صديقاً اتصلَ بنفّاج إرهابي
النفاجة كان يعتز بهدايا وزير أو أمير له من مثل علبة للسكاير
فضية أو خنجر مطعّم بالفضة أو الذهب وقال لي الصديق أنه أحصى
عدد المرات التي حدثه بها النفاج عن تلك الهدايا فكانت بضع
عشرات من المرات خلال مدة ليست بالطويلة .
والنفاج زئبقي في نظرات عينيه وحركات يده وانزلاقات جسده
الهلوع القلق المترجرج وهو زئبقي في ما يهوى وما يكره، وزئبقي
في ميوله ونزواته ومبادئه وأفكاره وهو عديم الأصالة إذ لا
يمتلك شيئاً نابعاً من أعماقه مائة بالمائة ولا خمسين بالمائة
إذ كل ما عنده مستعار أو مقترض وأحياناً يقترض الأفكار
والأذواق والعبارات بفائدة عالية جداً يكلفه تسديدها ثمناً
باهظاً من الكرامة والصدق والسلم الداخلي .
قال لي صديق إنه يعرف شخصاً تتخذ نفاجته شكل الإصغاء الصامت
لمن لهم سلطة أو يمتلكون مالاً وفيراً فهو لا يناقشهم ولا يدخل
معهم في نزاع مهما أساؤا إلى ما يعتقد إنْ كان يعتقد بأي شيء،
ومهما تحاملوا على من يحب أو ما يحب إنْ كان يحب أحداً أو
شيئاً حباً صادقاً، فتراه يراعيهم ويجاملهم انتظاراً لنوال
العطايا والرزق منهم فهم يمنحونه أمن الرعية ويبيحون له الرفعة
في صحبتهم ولاسيما إذا كانوا أولياء نعمته في تلك الفترة من
حياته وحياتهم حين يكونون مقتدرين على إسباغ نعمتهم عليه أما
إذا حدث لهم ما يجعلهم ينهارون ويتهاوون فهو يسد أذنيه عن
أخبارهم إذ مع النفّاج عليك أن تكون ذا حظوة ومكانة لكي يرفع
بصره إليك ويتطلع إلى وقع خطواتك .
لدى كل نفّاج هوس أو هواية بسيطة أعني أنها هواية لا تتطلب
إعمال الذهن ولا جهد المتابعة الحريصة ، هواية تجيء للنفس
مثلما تجري الريح ، تدفعها قوى لا قِبَل للإنسان بها وهي ليست
قوى صادرة عنه . الهوايات المسكينة تشبع الروح المسكينة إذ كما
يقول المثل الإنكليزي : الأشياء الصغيرة تسلي العقول الصغيرة
Little
things please little minds
ولشاعرنا المتنبي أكثر من إشارة بليغة لهذا المفهوم .
من هوايات بعض النفّاجين الصغيرة التي تشبع عقولهم الصغيرة
التعلق بالتصوير الفوتوغرافي يجعلونه محوراً لتأريخهم الشخصي :
التقاط الصور لتدوين الحياة الفقيرة في محاولة لإثرائها
بالإعلان العملي على أنها تستحق التدوين . فنرى النفّاج يتخذ
من الصور سجلاً لحركة جسده بين الناس والأشياء ، جاعلاً وجهه
ضحوكاً آناً وجاداً آناً أو يدونه في رصانة المتأملين وهو في
هذه الصور يريد أن يخبرك ويخبر نفسه بأن حلقة معارفه واسعة وأن
المحيطين به عددهم متكاثر وأن الطلب على رفقته والإلحاف على
صحبته لا يدعه وحيداً فهو على الدوام إما محتفٍ أو محتفى به ،
مداعِبٌ أو مداعَب ، مشغول بالارتطام بالناس الذين هم بدورهم
جديرون بالتسجيل التاريخي عن طريق الصور . أنت لا ترى هذا
النفّاج يلتقط صورة لنفسه مع من ليسوا باهرين شكلاً أو مكانة ،
إذ كيف يقف بمعية أناس لفظهم المجتمع أو تهاوت حظوظهم أو شاهت
وجوههم أو ابتلعهم مستنقع الفقر أو الجوع أو الأسى من أي نوع ؟
وهناك نفّاج آخر هوايته التي تعلن ساعات الليل والنهار جمع
الطوابع مثلاً ، يريك نوادرها ومن أين حازها وأي ثمن دفع فيها
فإذا كان الطابع ثميناً جداً غير أنه اشتراه رخيصاً فالنفاجة
تكمن في قدرته على استغفال منْ باعه له وبراعته في إقناعه بأن
ذلك الطابع لا يساوي الكثير وإذا كان دفع فيه ثمناً عالياً
فالنفاجة تكمن في اقتداره المالي وحسن تذوقه للنفاسة .
ومن الهوايات الصغيرة تكريس الدماغ كله للنشاطات الرياضية ،
هناك الذين يجدون إشباعاً في معرفتهم أسماء منْ فازوا فق القفز
العالي في الأولمبياد الذي جرى قبل عشرين سنة وآخرون يعرفون
لاعبي كرة القدم أولاً بأول وغيرهم يجدون الملاكمين أبطال
أحلامهم الليلية وبواسطة التعلق بهم يصبحون أقوياء أشداء أصحاء
الأجسام .
أعترف بأنني أكون متجنياً في الحديث عن الرياضة لأني شخصياً
أكره كل أنواع الرياضة كراهية تحريم واعتبرها مع موسيقى الروك
والديسكو والبانك دلائل انهيار الحضارة الغربية المصدرة للعالم
هذا القتل للروح وأميل إلى تسمية كل ذلك بالحضارة الدون
Sub-Culture
واعترافي بالتعالي على كل ذلك يجعل مني
نفّاجاً من نوع معين وهذا أمر لا يمكنني التخلص منه ، وكلما
تقدمتُ في السن ازددتُ بغضاً لهذا النشاط الذي اعتقد أنه يغطي
كسلاً روحياً , وهو بغض مرير يجعل مني إنساناً مريراً لا يطاق
في بعض المحافل والأندية والحلقات ولهم الحق فإن منْ يؤمن بأن
الرياضة أفيون الشعوب ينبغي عزله عن المجتمع المظنون أنه سليم
ومعافى . وتبلغ نفاجتي في هذا المضمار حد الفخر بأنني لم أشاهد
ولا مرة واحدة في حياتي مباراة رياضية كاملة من أي نوع إذ بعد
خمس دقائق يشتعل في صدري ضجر بودليري قهار واعترف أن إحساسي
هذا مفعم بالنفاجة لأنني حين أجد الوقت أثمن من إضاعته في
مشاهدة الرياضة أغش نفسي وغيري بأن أضيّع وقتاً غير قليل في
أمور شديدة السخف لا حصر لها وفي هذا التساهل أو في هذا
التناقض في الموازين يغرق المنطق وتتلاشى الرؤية المتماسكة
الصحيحة ولكن كراهيتي للرياضة نوع من المرض لا أقوى على
مغالبته ونوع من كبرياء الضعيف الذي لا يستطيع كبح جماح إحساسه
المريض بالتفوق .
تعرفت في لندن على شخص باكستاني ذي وجه مطرود وهيئة منبوح
عليها وصوت صرخ طويلاً في سراديب القهر . هذا الرجل يكره
الرياضة أيضاً . قال لي إن الطغاة يشجعون الرياضة لأنها تخدّر
الملايين وتلهيهم عن النظر فيما يبيتون لهم من استباحة حقوق
والتهام أموال واستعباد أجساد . وقال لي إن الرياضة تصريف عابث
لا خوف منه لطاقات جسمانية يمكن تعبئتها لاقتلاع الخوف من عيون
الناس وزرعه في عيون الجلادين . وقال لي هذا الباكستاني إنه
ارتعب من الرياضة حينما كان في المدرسة الثانوية في كراتشي إذ
حينما انصرف هو للدراسة الحقيقية كان الرياضيون في المدرسة
جبابرة لا يعبأون بأي نظام ولا يستجيبون لأي نداء رحمة ،
يدوسون بأقدامهم الغليظة على الطلاب الأضعف جسمانياً منهم ومع
كونهن مقصّرين في الدروس الأساسية نالوا من المسئولين في
المدرسة توقيراً وتمجيداً لم ينله المنصرفون إلى بناء عقولهم
لا أجسامهم وقال لي هذا الباكستاني إن الرياضيين الذين كانوا (
شقاواة ) المدرسة وجلاوزتها
Bullies
إذا اجتازوا الثانوية وقلما اجتازوها، فدراستهم التالية إن
درسوا أصلاً هي في كليات الشرطة والكليات العسكرية .
ومع تصديقي لمشاعر هذا الباكستاني فشعوري هو أن لا حق لي في
تحويل النكوص الجسماني عندي إلى اقتحام معنوي وتهجم أخلاقي على
فعالية لم يكن من حظي أن أشارك فيها وهي الفعالية الرياضية ولا
يسعني أن أسمي هذا التحويل ، إن وجب علي أن أعرف نفسي كما يطلب
سقراط ، إلا باسمه الحقيقي وهو النفاجة .
ومن الهوايات الصغيرة أيضاً التعلق بالسيارات ومتابعة أطرزتها
والنفاج من هذا النوع يجعل السيارة عنوان الشخصية وشاهداً على
الذوق وأسلوباً في ديناميكية حركته هو المستقاة من ديناميكية
السيارة . السيارة حينذاك تمتلك مالكها ولا تصير واسطة نقل بل
واسطة انتقال من طبقة إلى طبقة . والنفاج الذي لا يبهر بشكله
الجسماني يريد بالسيارة أن يزداد حسناً .
قلت إن المبدع لا يكون نفاجاً حتى إذا كان هائل الثقة بالذات
ولكن المبدع الرديء يكون نفاجاً شحيح الثقة بالذات وفي الوقت
نفسه مرعب التوكيد للذات . المبدع الرديء يتصور الكم الذي يسيح
منه كيفاً ، يخلط العدد بالنوعية فيقول إنه كتب دواوين شعر
كثيرة أو حبّر القصص والروايات المتعددة كُتبتْ حوله الدراسات
( وأنت تعرف أنها دراسات أملتها المجاملة أو التقرب أو الجو
النفسي الباعث على التخويف الذي يحيط بالمبدع الرديء به كيانه
المرتج ).
وفي أنحاء من عالمنا الثالث ، حيث الجهل والإذلال والقبح
والغباء هم الحكام المطلقون وحيث اختلاط القيم اختلاط مبتذل
متخلف عقلياً ، يستطيع ملطّخ القماش أن يسمّى رساماً ومتقيء
الألفاظ شاعراً وقاتل الشخصية الإنسانية روائياً يفعل ما
تُحدثه صلاته مع ذوي الشأن من رهبة مخابراتية على وعي القرّاء
.
النفاجة حمولة ثقيلة يعيا بها صاحبها ويعيا معه الذين يلتقي
بهم أو يوجد معهم أو يتعامل وإياهم . النفّاج البدين يحاول
ارتقاء السلّم إذا كان بمعية أحد من الناس ارتقاء سريعة
للبرهنة على رشاقته وشبابه والنفّاج الكليل البصر يخبرك
بالألوان البعيدة " انظرْ إلى ذلك الذي يرتدي قميصاً وردياً "
وتستحي أن تقول له إن القميص أبيض وحتى إذا قلت فهو يعاندك
ويتواقح معك " أتعني أنني لا أرى أبداً ، بل إن بصري حديد "
والنفاج الذي يعاني من مغص في المعدة يُقدِم على المأكولات في
الولائم بشهية مغتصبة معذّبة والنفاج الشبعان الريان يضع
العراقيل أمامك لإطعامه ما يريد وهو شديد الدفة بالغ اللطافة .
إذا قدّمت له طعاماً مشوياً أفادك بأن هذه المشويات محروقة
وإذا قدمت له مرقاً شكا ملوحته أو برودته أو قلة البهارات فيه
وإذا وضعت أمامه حلويات الأرض أراد حلويات السماء وإذا قدمت له
الحار أراد البارد وإذا وفرت له العجائب طالبك بالمعجزات .
والنفاجات أنواع كثيرة كالجنون الذي هو فنون ودرجات وتدرجات .
هناك نفاجة كراهية العمل . ليس هناك من عملٍ يليق بالنفّاج فهو
يخبرك بمأساة حياته إذ يستيقظ صباحاً ويذهب إلى الدائرة أو محل
الشغل حيث الرئيس مزعج والزملاء سخفاء . وهنا لابد لي من
اعتراف آخر وهو أنني قلما أحببت العمل الذي كنت أعتاش منه / إذ
أوحت لي نفاجتي في كثير من الأحيان بأنني فوق مستوى العمل
الروتيني الذي لا يتلاءم وقدراتي الإبداعية وها قد مرت السنون
ولم يتضح أن قدراتي الإبداعية ذات شأن كبير في حياتي أنا فضلاً
عن حياة الآخرين . لم تكن سوى تلمسات أعمى في طرق المدن التي
تزار لأول مرة، وكنت، كما قلت مرةً ، مستهلكاً للعبقريات، أما
أنا نفسي فكنت مصاباً بالوباء القاتل الزاحف الذي يهدم كل شيء
ويشلّ كل إنسان في صحرانا البشرية ، وباء الاعتيادية
Mediocrity
الذي أصابنا. ولم يكد يفلت منه أحد، وإذا
كانت الطواعين تأتي وتميت ثم تزول فأن طاعون ( الاعتيادية )
مقيم خالد لا يتحرك ولا يزول من ربوعنا .
وبعض النفّاجين ليست لهم صداقات حقيقية ، فالصداقة تدور حول
ماهية روعتهم وروعة بيوتهم وبهاء أبنائهم ومجد أجدادهم
وشجاعتهم في الخطوب . وكثير من صداقاتهم هي المتوجهة نحو الذين
يرفعون بصرهم إليهم والذين يرفعون هم أبصارهم إليهم ولكن لا
يصادقون الذين ينظرون إليهم نظرة أفقية ، يجب أن تكون النظرة
عمودية من جانبهم ومن جانب من يعاشرون .
ثم هناك فن من فنون النفاجة وهو نفاجة المواقف السليمة الصحيحة
التي لا غبار عليها ، نفاجة طهارة المسلك وحسن التصرف سياسياً
وأخلاقياً ولا يكتفي النفّاج من هذا الطراز برضاه عن نفسه رضا
يشبه المرض بل يكيل التهم الجزاف على من يكره ( وما أكثر الذين
يكرههم النفّاج !) وعلى كل من لا يُبدي إعجاباً به وتقديراً له
: فلان خائن ، فلان عميل ، فلان ذو ارتباطات مريبة . وعن طريق
هذه النفاجة المتعالية تجري محاولة تصوير صاحبها بأنه طاهر
الذيل متفانٍ في الإخلاص للقضايا الكبرى ، مخلص لتراب الوطن ،
محب لتراثه وتقاليده ، جريء في مواجهة الأعداء ، وكل ذلك
يذكرني بقولة الدكتور صاموئيل جونسون " تكلف الغيرة على الوطن
آخر ملاذ يلجأ إليه النذل "
قلتُ إن النفاجة إضافة خارجية للشخصية غير المستقرة بواسطتها
يكون للمرء كيانان أحدهما كما هو فعلاً وثانيهما كما يود أن
يبدو لنفسه وللناس ، وأؤكد على أن النفاج يود أن يبدو لنفسه
وليس للناس فقط وهو بذلك يختلف عن الدعي ، لأن الدعي يخاطب
الناس فقط والنفّاج يخاطب نفسه والناس . في عملية الإضافة
الخارجية للشخصية عند النفّاج يعلو المظهر على الحقيقة وتحتل
الأطراف محل المركز وتجري عملية تعويض سريالية مجانية ضاغطة (
خالية من الدعابة ) على الذات أو السخرية بالذات لأن السخرية
بالذات وليس بالآخرين دليل على التواضع والنفّاج ليس متكبراً
فحسب ولكنه متكبر كاذب الكبرياء . وعسير على النفّاج أن يكون
ما يدعى بالإنكليزية
Sophisticated
أي مصقولاً ولكنه يمكن أن يكون معقداً
ومعروف أن المعقد يختلف عن المتشابك المتساند التكوين : المعقد
مثل خيوط البكرة التي انطلقت وتراكبت بعضها فوق بعض وتداخلت
دون نظام بحيث تصير عديمة النفع أما المتساند التكوين فهو مثل
النسيج المتماسك المتداخل بنظام ونسق وتلاؤم ، في كيانه تتلاقى
الأضداد وتتقابل بدون تنافر ولا فصام .
يكثر وباء النفاجة في الأنحاء الفاقدة للمقاييس سواء أكانت
أخلاقية أم جمالية أم ثقافية فكرية ولذلك فهو داء العابرين
عبوراً ميسوراً في جداول العالم الثالث الضيقة الضحضاحة غير
المحتاجة لفن العوم الماهر . في أنحاء العالم الثالث تكون أكثر
الأشياء وليدة ساعتها : القوانين والدراسات والبحوث والنشاطات
والولاءات والمسئوليات ويقل في بعض أنحاء العالم ما يدعى
بتراكم الخبرات حيث يقف وراء كل بحث بحوث وحيث كل مسئولية هي
مسئولية تجاه الناس وليست مسئولية الناس تجاه المسئول وحيث
الكتابة والنقد والبحث تركيبة من طبقات أرضية جيولوجية تقف
إحداها فوق الأخرى وليست كتابة على التراب خلال ريح عاصفة .
عند انعدام المقاييس والموازين يصير القياس مثلما فعل رجل
بهلول قاس مكاناً في بيته ليضع دولاباً ولم يكن لديه سوى يديه
، فذهب إلى النجار ويداه متباعدتان بالوضع الذي تصور أنه بعرض
مكان الدولاب وكلما ارتطم بيديه أحد في السوق صاح به " انتبهْ،
لا تتلف القياس .. "
يصعب على النفاج أن كما لايمكن للممثل أن يكون دون جمهور،
والتأمل الصامت المتوحد عذاب يندر أن يعرض النفّاج نفسه له .
ويتعذر على النفّاج أن يكون عالماً باحثاً عن عقار جديد لعلاج
مرضٍ ما أو متأملاً في قانون الجاذبية بين الأفلاك أو أن يؤلف
مسرحية يكون أشخاصها مختلفين أحدهم عن الآخر ومختلفين عنه
أيضاً : غاية ما يستطيعه النفّاج في ميدان الإبداع هو أن يكون
شاعراً غنائياً ففي ذلك إعلان عن نفسه ولكن هنا أيضاً لا
يستطيع النفاج أن يكون شاعراً غنائياً رائعاً مثل كيتس أو
رامبو أو بودلير : هؤلاء صوروا أنفسهم كما هم في أعماق حقيقتهم
لا كما يودون أن يبدو لأنفسهم وللناس : إنهم معترفون في السرّ
والليل والوحدة والشاعر الغنائي النفّاج صارخ في شمس الظهيرة
بين حشد الناس .
وحين يمتلك النفّاج بيتاً ويؤثثه بأفخر الأثاث فهو يمتلكه
بوصفه متحفاً يزوره الناس ولاسيما الذين يخشاهم النفّاج أو
يرجو نفعهم : بيته لا يصلح للتأمل لكثرة الزوار، ولكون النفّاج
غير قادر على الوحدة فهو إما زائر أو مُزار : لابد له أن يكون
بين الآخرين ، أن يطرق أسماعهم ويعكس صورته في عيونهم :
الآخرون معذبوه وباعثو اللذة عنده في وقت واحد والنفاج غير
قادر على القراءة الطويلة النَفَس إذ القراءة عمل داخلي صامت
متوحد وكما قلتُ فالنفّاج لا يستطيع الداخلية ولا الصمت ولا
الوحدة . وغذا قرأ شيئاً فهو فصل من كتاب أو مقدمة أو استعراض
عنه ويكفيه ذلك النزر اليسير لكي يطنطن باسم مؤلف الكتاب ولكي
يحتل الكتاب مكانة بارزة في أحاديثه وإشاراته ، ذلك أن النفاج
مثل الأزهار التي تتلقح وتتكاثر بهبوب الهواء وليس مثل
الحيوانات اللبونة في كون تكاثرها فعلاً من أفعال الإرادة
والتواصل والتلامس والصبر الطويل .
والنفّاج يحس بالتشريف الهائل حين يزوره متنفذ أو شهير وهو
يسعى لجذبه إلى بيته غير أنه يغلق بيته في وجه منْ ساءتْ حاله
أو أصابه أذى : وحين يرى النفّاج أن المتنفذ قد أصابه مكروه (
ولاسيما في بعض مستنقعات العالم المتخلف حيث مصائر الأشخاص بين
علو باهر وهبوط قاتل خلال زمن لا يطول ) ترى النفاج ساعياً
لمحو ذكرى المتنفذ الهابط إلى بيته بل تراه ينكر أنه على معرفة
وثقى به .
والنفّاج قلِق لا يثبت على شيء ولا على مقعد ولا على فكرة
وقلقه ليس قلقاً وجودياً بل هو قلق في الكينونة اليومية : إنه
مثل قلق المتعامل بالعملات : يتابع صعود سعرها وهبوطه كل يوم
أما القلِق قلقاً وجودياً فهو مهموم بفكرة الثروة ، بجدوى
الملكية ، باللا إشباع الذي تخلفه الحيازة ، بقفر الروح
وصاحبها ينوء بأحمال الذهب .
تمدّ النفاجة أعناقها الألف في بعض أنحاء العالم المتخلف
والسبب كما أراه يكمن في الخوف : يولد الناس خائفين : آباؤهم
يخيفونهم وأعمامهم وأخوالهم ورؤساء عشائرهم ويخيفهم رجال
العقيدة ويخيفهم رجال الشرطة وينشأون خائفين من المدرس وجلاوزة
المدرسة من الطلاب وفي العمل يخافون الطرد الكيفي الاعتباطي
ويخافون زملاءهم حين يقولون كلمة أو رأياً ويخافون القوانين
التي تلاحقهم بأوراقها الدامية ويخافون النداءات التي تصدر في
وسائل الإعلام ويخافون أن يجبّوا أو يتزوجوا أو ينجبوا ويخافون
أن يضحكوا أو يبكوا ثم هم يخافون أن يكتبوا أو يقولوا وينتهي
الأمر بالآباء حين يخافون أبناءهم الذين ربما ينقلون عنهم
تصرفاً أو قولاً لسلطة مخيفة في هذه الفسيفساء المتعددة لكن
الواحدة من الخوف تحاول الشخصية أن تظهر غير ما هي وأن تتلفع
بالحجاب مثلما تتلفع المرأة هناك لكي تتقي شرور النظرات ،
والنفاجة حجاب وستار وقناع . النفّاج في هذا المهرجان من الخوف
يضع لنفسه متاريس تقيه أذى الناس الذين يخافهم بأن يخيفهم هو
بما يضفى على شخصيته من مهابة وفخامةٍ وجودة صلات وحسن مكانة
وروعة أصدقاء وعمق نفوذ .
قرأت يوماً لكاتب في مجتمع لا يسوده الخوف قال :" من عيوب
الديمقراطية إنني منذ أن ولدت حتى الآن لا أعرف إنْ كنت جباناً
أم لا " دعه يذهب إلى مكان يعرف الجنين فيه إن كان شجاعاً كي
يتحرك بكل كيانه نحو الموت أو جباناً لكي ينتظر بكل كيانه
الموت بكل أشكاله : موت الفكر وموت الروح وموت الإرادة وموت
المبادرة وموت الشهامة وموت الأخلاق ثم بعد ذلك موت الجسد الذي
يتسلمه الجلادون خالياً من الحياة فيسرهم ذلك لأنه قانونياً لا
جريمة هناك في قتل الميت .
1/ 1987
(*) نقلاً عن مجلة ( الاغتراب الأدبي ) العدد الثالث / السنة
الثانية 1987
|