العدد 15 --------------كانون ثاني 2005

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

في ساحة الإعدام

 

   

 

سلام إبراهيم

إلى أخي الشاهد كفاح إبراهيم




منذ ذلك الصباح البعيد دلف إلى باحة صمت 0 استكن مخذولا في وسط الباحة يتأمل إمتدادات جهاتها الراسخة في فضة غبش طفولي قديم ، غبش يصطخب بصياح الديكة وزقزقة العصافير وغناء البلابل ونواح الفاختة الموكرة على سدرة اللة الناثرة خضرتها الزاهية في قاع العينين السوداوين الواسعتين المحبوستين في عتمة القماش 0 استكن عاجزا يشعر بالضآلة وهم يشدونه إلى عمود خشبي طويل يرتكز وسط الساحة بين الصف الطويل للأعمدة المنتصبة في باطن الصباح المشوه بضجة بساطيل العسكر وقعقعة البنادق المصوبة نحو الأجساد الناحلة العارية الصدور والهلاهل المخلوطة بصياح كنواح ينطلق من الجموع الحاشدة على الأدراج المحيطة بالساحة والتي لا يميز ملامحها المضببة من وقفته المخذولة وسط الحرس حيث نزع أخر المعاني 0
ليس وهناً ما أصابه لحظة قراره تسليم نفسه للسلطات العسكرية بل يأساً وعدم جدوى جعلاه ينصاع انصياعا تاما إلى قدره غير آبه باحتمالات مقتله الممكنة شأنه شأن الكثيرين بعد أن ضاقت به السبل وملّه الأهل والأقارب ، هو الأخر ملَّ شعور الذل الذي ينسحق تحت وطأته وهو يتحاشى وجوه الأحبة المتضايقة المرعوبة والكارهة حضوره المربك الخطير 0 وجد نفسه يطيل التفكير بأخيه الصغير المختفي منذ سنوات ثلاث والذي لم يتسلل طوالها لأي من بيوت الأقارب أو الأهل متحملا فظاعة المخاوف التي يبعثها شعور المُطارد 00 أكان يدرك طبيعة المأزق دون تجريب ؟ أَتراه قدرَّ ما يخلفه الهلع من تشوه في مشاعر الأهل والأحباب ؟ 0 لكن 00 أين يذهب عندما تنسدُ أمامه المنافذ ولا يجد سقفاً يأويه من رعب خطواتهم الجائبة قفر الشوارع في الصحو وفي ليالي البرد والمطر ؟ 0كان يغصّ عند تخيله المشهد ، ففي أخر ملجأ اضطر إلى اللجوء فيه مغامرا باحتمال فقدان أخته الكبيرة التي هي بمثابة أمه ، والساكنة في تلك المدينة المطلة على هضاب البادية الشمالية حيث لا يعرفه أحد ذاق طعم عذاب مختلفٍ فهو لم يخش هناك أن يراه أحد من الجيران كما كان يعاني في مدينته ، ولم يلحظ إمارات ضيق وبرم في قسمات أخته بل أخذ يعاني من شعور احتقار شديد للذات ولدّه حسن الاستقبال وتوارد أنباء يأتي بها الزوج المستسلم لقدره عن حوادث إعدام تتكاثر لعائلات بأكملها تسترت على جنود فارين 0 صار شديد الارتباك والحرج يلوذ أوقاتًا طويلة من النهار وحيدا في الغرفة الخالية ويأرق طوال الليل متخيلا مشهد القبض على العائلة وسوقها إلى المجهول فيدفن رأسه بالوسادة وكأنه يود لو يتلاشى في قطن الفراش ويخلص من هذي النفس الجالبة للآخرين الفزع والرعب وأفق التعاسة والموت ، وما جعله يصمم على الاستسلام بشكل نهائي هي تلك الليلة المهولة التي قضاها وأخته ساهرين في عتمة الصالة المطلة على حديقة البيت الصغيرة والشارع الواطئ ، متقطعي الأنفاس لاهثين يرقبان دوريات التفتيش تمشط البيوت بيتاً بيتا 0 كان يتمنى لو ينشق البلاط كما في الحكايا الخرافية ويبتلعه وهو يلاحق الرجال السائرين بصمت ، المتوزعين المتجمعين النازلين الصاعدين من والى سيارات فارهة غامقة الزجاج والبائنين تحت أنوار المصابيح المتدلية من أعناق أعمدة الكهرباء سامعا إختضاض جسدها القريب المترسب في قعر العتمة والصمت المريب المطبق على أرجاء البيت 0 كان ينصت بألمٍ لحفيف خطوها المتقطع وهي تتسلل بهدوء متحاشيةً أشياءَ الحجرة الغاطة بالظلام كي تلقي نظرةً على أطفالها الخمسة الغارقين في نومهم والمبعثرين في سكون الغرفة الأخرى لتعود محبوسة الأنفاس ثانية إلى جلستها خلف النافذة الأخرى المطلة على مساحة أخرى من الشارع العريض 0 مع انبلاج الفجر انسحبوا مخلفين مرارة في القلب وقدرا من الغبطة بالخلاص لم يستمر وهو يلاحظ عند الظهيرة احتقان عينيها واحمرارهما أثناء تحضيرها الغداء للأطفال العائدين من المدرسة متيقناً باستحالة بقائهِ 0
في ذلك المساء الذي سبق الصبيحة التي سلم نفسه للسلطات العسكرية غير آسف 0 ليس جبنا ما أصابه وهو يقف محاطا بالحرس المدجج بالسلاح يرمق صف الأعمدة الخشبية المتقاربة الحائلة المغروسة في تراب الغبش المضطرب ، وفي أسافلها رُبِطَتْ الأذرع إلى الخلف ناحلةً سمراءَ بيضاء ينفرك المعصم بالمعصم في ضيق حديد الجامعة الفضية اللامعة 0 ليس جبنا 00 ليس جبنا 00 بل إحساس بالعجز والضآلة ولا جدوى من الهرب بل لا معني له وبالتالي لا معنى لوجوده 0
# # #

كان ينزلق بصمت وبطء نحو قعر السحر الداكن 0 تبعث برودة صخور الأسيجة الواطئة الفاصلة بين بيوت الناس قشعريرة تنبثق من أعماقه أمواجا لتطفوا مرجفة الجلد المنكمش 0 تكوم أسفل حائط قديم يحدق بقلق في نثار النجوم المرمية في مجاهل الظلمات ومنصتا لتخافت الحفيف الخفيف الذي انبعث من احتكاك قميصه ببشرة الصخور 0 لبث في تكومه يحبس دوي لهاثه الفائر 0 ويصغي إلى خرس الصمت المحكم الواشم عشب الحديقة وأشجارها ، شبابيك البيت والأبواب ، الزوايا والشرفات ، رذاذ الفضة المتساقطة في الآفاق وشحوب الدكنة 0 اصطبر في انطوائه بباطن حلكة صمت السحر المريب مشلولاً برعبه ، غير قادر على التركيز لربط ما مر به من أحداث متسارعة لا يتذكر سوى عنفها 000 ما الذي أتى به إلى هذا المكان ؟ مابه يجوب بيوت الناس وهم يغطون بسباتهم ؟ إلى أين يقصد ؟ ماذا يبغي ؟ من أين جاء ؟ 00 ليس لديه أجوبة 00 هاهو يتكور رقعة هشة ذابلة منسية اقتلعت من أصلها لتلقى في الفراغ ،ومثلها يتمنى الآن أن تبقى الأشياء كما هي جامدة لا صبح ولا ضجيج 0 كان مستأنسا للأمان المرتبك الذي يبعثه رقود البشر وشحوب دكنة السحر وبحور الصمت وانزواء جلسته أسفل الجدار المرتفع بمقدار قامة ونصف متخيلا وقوف جريان الوقت وخلو المدينة من البشر 0 اهتز تكوره حينما انبعث ضوء خافت متراقص من باطن نافذة غرفة قريبة 0 ازداد التصاقاً بصلابة الآجر العاري البارد ، وطفق يرتجف هلِعاً ارتجافا ازدادت وتيرته وتحول إلى إختضاض مجنون فجعلت أسنانه تصطك وينداح صوت اصطكاكها معكرا صفو الصمت 0 بحث بأصابعه المعروقة في عتمة العشب الندي 0 تلمس خشبة صغيرة سميكة جافة 0 قبضها ودسها بين أسنانه علها تخفف من جنون الجسد المفزوع 0 حطم الضوء المرتجف خرس الرأس مزيحا ستار العتمة المطبقة مما جعله يستعيد نثاراً من إحداث جرت له وكأنها كابوس 0 أحداث مبهمة في أمكنة غامضة وأوقات أكثر إبهاماً 0 هاهو يرى بوضوح من فجوة حفرت سياج بناية شاهقة حيث يكمن مرعوبا كيف أحاطوا بأخيه المطارد من كل الجهات بقاماتهم الطويلة وقسماتهم القاسية ، وكيف كبلوه بالحديد وهو يتلفت باضطراب ممررا عينيه المطفأتين على موقعه خلف شرخ الحائط دون أن يركزهما وكأنه يود إلقاء النظرة الأخيرة عليه دون أن يجلب انتباههم ، لكن متى كان ذلك ؟ وفي أي مكان ؟ 00 إنه لا يتذكر شيئاً سوى أضواء مصابيح الشارع العالية والمتدلية من أعناق أعمدة شاهقة محنية وانعكاسها في إسفلت الشارع الخالي العريض الرائق مثل بحيرة ساكنة وصفوف البنايات العاليات الغارقة نوافذها بعتمة شديدة يبرزها سقوط ظلال أضواء الأعمدة المصوبة مصابيحها إلى الأسفل بواقيات معدنية تحجز النور عن الجوانب باستدارتها حول المصباح ، أما ما حدث بعدها فذلك لا يدريه وكأنه انقذف في فضاءات وعتمات وسماوات لينزلق بذلك البطء الشديد مخرسا مرعوبا متكوما على عشب حديقة بيت غريب 0 أنه يتذكر ما جرى منذ قيامه من تكومه فقد ظل يدور في متاهة من حدائق بيوت غريبة ينفذ إليها عبر أسيجة بعلو قامته إلى أن أدركه التعب فتهالك منهكا في هذا المكان أسفل جدار السياج الفاصل بين حديقة بيت وأخرى 0 لم يزل يحدق في بصيص الضوء الراجف الذي تزايد وجعل يتسرب من النافذة مطيلا قامات ظلال أشياء الحجرة المتمايلة ومنيرا طويات الستائر البيضاء المزاحة والمائدة على إيقاع الضوء الرامش 0 ومن عمق الغرفة تسامق ظل شبح فارع على الجدار المرئي راح ينود فيرتمي جذعه الأعلى على سقفها الخفيض تضخمه الأنوار النارية المنبثة من أرض الحجرة 0 أهلعه بوادر الغبش الذي تدفق خطوطا واهية تغلغلت في هلامية ألوان السحر المرتبكة موقنا من انكشاف أمره حال حلول الضوء 0 تابع الأشياء وهي تبزغ من دهاليز العتمة مظهرة للضوء الهزيل حواشيها وحوافها الأخذة بالالتحام متشكلة من جديد كحالها في فجر كل يوم 0 لابد أن أجد مخرجا ما لوضعي 00 لابد 00 قال لنفسه وتزحزح تاركاً مكانه 0 وفكر بتجاوز سياج البيت الخفيض الذي يتمكن من وقفته رؤية الرصيف المقابل 0 خطا نحوه ماشيا حذاء الحائط بحذر شديد كي لا يصدر عنه صوت ينبه المستيقظ خلف النافذة والتي أصبحت مشرفة على المسافة التي يتوجب قطعها صوب باب البيت الخارجي 0 تمهل قليلا وجرب أن يحني قامته ويسير لكنه رجع عند أول خطوة لارتفاع سطح الغرفة فاضطر إلى الزحف 0 مسح بصدره ندى العشب وهو يقطع المسافة القصيرة المضاءةِ بنور النافذة الجمري الممزوج بنثار الفضة المنهمرة 0 اعتدل واقفا ويمم نحو السياج 0 اشرأب بعنقه ماداً بصره ولكن سرعان ما انكمش خلف السور وهو يلهث 0 كان الفجر في الشارع العريض المحتل برجالٍ يرتدون الخاكي مدججين بالسلاح يسيرون بصفوف منتظمة ويذرعون الإسفلت طولا وعرضا داخلين خارجين من والى الأزقة الفرعية دون أن يصدر لوقع بساطيلهم الثقيلة أيما ضجة رغم إنهم يرفسون الإسفلت بعنف 0 أيكون قد جرى شيئا لسمعه ؟! 0 اتكأ بكتفه إلى الجدار غارقا بحيرته ، فبعد لحظات سيتسرب ضوء الغبش ويعري حدائق البيوت والزوايا من أثوابها الداكنة وسيوقظ النائمين فيجدونه منتهكا حرمة بيوتهم ، أو يضطر للخروج إلى الشارع فتقبض عليه حشود العسكر الجائبة في الأسحار والأفجار مثلما انقضت على أخيه وأخذته إلى أمكنة مجهولة 00 وحتى لو تمكن من تفاديهم 00 فإلى أين يذهب 00 إلى أين ؟ في هذه المدينة الغريبة بشوارعها وسحرها وفجرها وصمتها وخوائها وبيوتها ورعبها والتي لم تطأها قدماه في يوم ما قط 0 ظل ماكثا في وقفته جنب السور مهدود القوى يستند إلى آجره البارد وَتَلِفه دوامات مستعرة انحدرت به إلى قيعان مقفرة موحلة أشد وحشة من وجوده الملتبس الآن ، وفيما هو مترسب في قعر العجز والصمت وبقايا السحر اللائذ في الثنيات والزوايا والشبابيك والثقوب والأقفاص تصاعد لغط خفيف من النافذة السابحة برعشة الأضواء جعله يصحو من شروده الحائر ويستعيد حواسه المعطلة شاماً مزيجاً من روائح المسك والبخور وماء الورد والزعفران 0 انفصل عن الجدار مجتذبا بمسار الرائحة ونبرة اللغط الحنون الصادر من أحشاء النافذة المشرعة على الصمت المتين وتشابك ألوان السحر الغامقة بروح الغبش الناثر نيوناته السماوية وهدجة روحه المفرفحة المحبوسة الطريدة المحاصرة 0 توضح اللغط عن تجويد عذب لآيات قرآنية يضفي عليها صمت الفواصل مزيدا من الجلال والهيبة غلغلت في نفسه المضطربة السكينة 0 اقترب بخطوه الهادئ من حافة النافذة ، وتنشق عميقا من هواء نسمة عابرة شاردة وهو يلمس تطليعة إطارها الجانبي مترددا في النظر إلى باطن الحجرة 0 التصق حذائها في الحائط يصغي لهدجة الصوت الورع اللافظ بحزن مفردات آية حزينة جعلته يوشك على البكاء 0 ورويدا 00 رويدا قرب وجهه من خط الحافة الحجرية وتجاوزها بناظريه المأخوذين ليرى شيخا يجلس متربعا على بساط مزخرف يعوم على سطح بحيرة من لهب الشمع الراجف يقرأ من كتاب مفتوح موضوع على مسند من النحاس 0 انسدلت لحيته الشيباء ملامسة نسيج السجادة الزرقاء المحاطة بمباخر تنفث دخان البخور وأباريق تميل من رفوف معلقة بالحيطان تبث روائحها وتطل من أعناقها الطويلة على حقول الغزلان الفسيحة والغابات المنسوجة في سجادات من الكاشان الفارسي تغطي الجدران 0 واجهته عيون ناطقة مفتوحة على اتساعها تحملق بنظرات عارفة واثقة عيون ثيران وخراف وطيور وديكه تطل من مساند المباخر والشمعدانات وقوائم مسند الكتاب ، تركها مستغرقا في بشرة الشيخ الصافية رغم الغضون ، في سكينتها الموحية الأمان ، في استدارة وجهه المضيء ، وامتدت ذراعاه من خلل قضبان النافذة متوجهة نحو الشيخ وراح يناديه بخفوت شديد أقرب إلى الهمس ومن خلفه تجري خيول الفجر راشقة الزوايا بفضة حوافرها الخرساء 0 عاود النداء بصوت شبه مسموع والشيخ مرتحل في رحابة السجع المنساب في الصمت وهو ينود بجذعه الأعلى على إيقاع التجويد ونغم الحروف 0 رفع صوته ونادى هذه المرة بصوت واضح راح يتعالى ويتعالى مع تكاثف ضوء الفجر وسماعه شدو أولى البلابل والعصافير ، ومع صياح الديكه وتعالي ضجة الفجر تحول النداء إلي صراخ أجوف أخرس يرن في صرخة النهار دون أن يسمعه 0 ركبه الرعب 0إنحلت مفاصله 0 فتداعى أسفل النافذة منتحبا تحت الفجر المنبلج ملتاعا لضياع العمر 0000 انتفض من غفوته لاهثا ، مختنقا 0 السيقان والأذرع المتشابكة تحاصره وتضغط جسده الملتم والمحشور تحت تطليعة نافذة السجن الخفيضة 0 ما إن باعد أجفانه حتى سقط في قاع عينيه المصباح المتدلي من السقف الحجري العالي بضوئه الناري المتذاوي مع تسلل خيوط الفجر القادمة من بين قضبان النافذة ، لبث دون حراك تحت ثقل الأقدام والأذرع والسيقان ينصت لزقزقة العصافير المكتظة على السدرة الهرمة الشاهقة وسط فناء السجن ، لذيل لغط منغم يصل ضعيفا من كوة النافذة ، لشخير الجنود وآهاتهم وصرخاتهم القصيرة المختنقة وهم يصارعون أشباح النوم 0 استقام بجذعه الأعلى مرتكزا على ذراعيه المتصلبتين في فسحة من بلاط الأرضية عملها بإزاحة التحام اللحم الآدمي الحار وسحب جسده إلى الخلف معدلاً جلسته ، ضاماً ساقيه المنثنيتين إلى صدره ومسندا ظهره الى الجدار الإسمنتي البارد 0 أطل على تبعثر أجساد الجنود الغاطين في السبات ، وأنشأ يتملى بشرود أرديتهم الكالحة الوسخة الممزقة ، التحام أذرعهم وسيقانهم الناحتة كياناً خرافياً بأعداد لا تحصى من أنصاف الأذرع والسيقان والرؤوس والأصابع الطالعة من الخصور والأحواض والأفخاذ والظهور 0 كيان يبدو في غفوته على بلاط الله كأشلاء جنود كومت فوق بعضها عقب معركة دامية 0 انتزع ساقيه بصعوبة من بين اشتباك اللحم الذي ضغطه ولفه مرة أخرى من الجوانب مستعينا بحافة النافذة ، واستدار مشرئبا عنقه ليجول ببصره في أرجاء الفناء الواسع الغارق بصبيب الغبش المتدفق من الطرف المقابل خلف السدرة 0 ثمة شرطي يتربع سجادة مفروشة قبالة باب غرفة المصلى المفتوح يضئ جلسته مصباح خافت الضوء يتدلى من السقف لايني ينود مجوداً بخفوت آيات من القرآن يحفظها عن ظهر قلب فتسري نبرته الرخيمة العذبة الورعة مانحة الغبش مزيدا من الجلالة 0 في منتصف المسافة بين السدرة والمصلى لمح شرطيا أخر ينحني على حافة حوض إسمنتي صغير يتوضأ استعدادا لصلاة الفجر 0 تابعه وهو يمسح كوعيه ممرراً الراحة المبلولة من منتصف الساعد المكسور حتى رؤوس أصابع الراحة الأخرى متمتماً بلغط مهموس ثم ينحني مبللاً أطراف أصابع قدميه بحفنة ماء غرفها من الحنفية الجارية 0 أنصت لوقع خطاه وهو يتوجه نحو المصلى ببطء 0 تضببت الخطى المبتعدة في عينيه اللتين شردتا بعيدا.. بعيدا عن الفناء والسدرة وأكوام اللحم البشري المبعثر ملاحقتين حفيف ثوب أُمه الخاطرة جوار فراشه في أغباش طفولته الشبيه بهذا الغبش وهي تبسمل بخفوت قاصدة سجادة الصلاة المفروشه بمواجهة الباب المفتوح على الحوش الترابي الشاسع يقطر من ساعديها بقايا ماء الوضوء 0 كان يلبث تحت الغطاء مستمتعا بذلك اللغط والحفيف الصادر من ثوبها الأسود الفضفاض أثناء سجودها وقيامها وقعودها 0 ارتحل متصفحا أرجاء الدار غرفة.. غرفة متخيلا حالها في هذه اللحظة ، أشكال الستائر والنوافذ والأبواب وثريات السقف وأمكنة المصابيح ولون البلاط وحنية السلم الحجري وسطح الدار وسماءه ، إخوانه وأخواته وأبيه المبعثرين على الأسرة 0 استوقفته قامة أخيه الطويلة الممدودة عند أطراف الفجر والمحفورة بفراغ السرير المهجور منذُ عدة سنين 0 اختنق بأسى الفجر كحاله في مطلع كل فجر منذ الطفولة حيث يصيبه مبتدأ الغبش بوهن ينبعث من حبٍ غامرٍ ، غامضٍ ، مطلقٍ ، مستحيل ، يتمّلك كيانه يجرفه نحو الأشياء كلها فيتخدر في اللحظات التي تسبق صحوة الأشياء شاعرا بود شجن حتى لأعدائه ينصت ويحملق بالحيوات وهي غارقة في غفوتها تبكيه الرغبة المستعرة بمعانقة الشجر والجدران ، الماء والتراب ، الشرطي والحبيبة ، الضوء والفيء ، العصافير والجنود ، رغبة مفعمة غير مثقلة بالأسئلة والمبررات ، الأسباب والمعاني 00 و00 وسرعان ما تتوارى مع استيقاظ الأشياء وضجيجها 0 هاهو الآن مغمورا بسلام تلك اللحظة الغريبة مسكونا بالأدعية وضجة العصافير وخرير الماء المنسكب من حنفية الحوض وصياح الديكة 00 يدفق وداً وطيبا 0 استدار استدارة سكران ومسح بشجن تبعثر الأجساد المتعبة المكومة على البلاط ، الساعية في غفوتها للالتصاق بالآخر 0 اتكأ بمؤخرة رأسه إلى سطح تطليعة النافذة الضيق وأسدل أجفانه وكأنه يريد تجريد حس الحب الغبشي المطلق من أساه وشجنه لإحراز أكبر قدر من المتعة المطلقة المستحيلة لكنه خاب في مسعاه ، واستسلم لقسوة الحاضر مهدود القوى 0 وبغتة أحس برعدة تهزه هزاً وشوارع عريضة خالية انفتحت أمام ناظريه متداخلة محشودة برجال مدججين بالسلاح أحاطوا بجسد أخيه اللائب وهو يتلفت مخطوف اللون 0 استغرب فداحة عجزه وجبنه وهو يلوذ خلف شق سور البناية الشاهقة 0 ظل في إغماضته المتوترة رائيا المشهد المتجسم مرة أخرى بوضوح أشد ، فتملى طويلا في قسمات أخيه الحزينة وهو يمرر عينيه السوداوين خطفا على شرخ السور المحتجب خلفه قبل أن تضيعه الأجساد الضخمة وتطرحه بين السيقان الملظومة ثم ترفعه بأذرعها موثوق اليدين إلى الخلف لتقذف به في باطن عربة عسكرية معتمة انطلقت فورا وغابت في منعطف التقاطع القريب 0 باعد أجفانه ، لم يزل الجنود يغطون في النوم ، لف برأسه نصف لفة ورمق صفحة السماء الباهتة ملاحقاً ذيول انفصلت عن جسدِ غيمه مسرعةٍ تائه 0 ذكره نواح فاختة مسموع رغم ضجة العصافير ببساتين النخيل البعيدة المترامية بأطراف الديوانية والتي طالما تاه بأنحائها في الأغباش والظهاري والغروب 0 أصغى بكل كيانه وعيناه تلاحقان بقايا الظلال المتلاشية من تحت فروع السدرة ، وأسوار السجن العالية التي ترتفع في زواياها أعمدة تلتف حولها سلالم حديدية تصعد إلى أبراج مراقبة عالية مدورة تشرف على فناء السجن وسطحه ، ذوآبات السدرة وامتداد الهضاب المحيطة 0 بُوغِتَ بصمت الفاختة والعصافير 0 دَوَرَ عينيه القلقتين في صمت الفناء المريب 0 بعد أقل من لحظة ضج الغبش بضربات بساطيل تركض هنا وهناك وصفارات متلاحقة وأصوات تشغيل سيارات وطقطقة أسلحة جعلت العصافير والبلابل والفاختة تفر مذعورة وترف مزدحمة باضطراب أثناء تحليقها نحو غور سماء الفناء الشاحبة لتستدير قاصدة هضاب البادية الشاسعة المترامية خلف الأسوار 0 استيقظ الجند مفزوعين وشخصوا بأبصارٍ مترعة بالريب والأسئلة إلى حيث يقف جوار النافذة 0 استدلوا بصمته 0 لبثوا جامدين بأمكنتهم يصغون ويتبادلون نظرات متسائلة متوجسة ،
ــ إنهم يحمّلون دوشكا !!!
رقعة صمت 0
جاء صوت من الطرف الأخر ؛
ـــ دوشكا من غبشة الله !!!
تلكئوا طويلا بالصمت مأخوذين بالرعب الذي استحكم بالنفوس المتأرجحة أصلاً بسماء مخاوفها ، ثم أفصح أحدهم عما يجول بدواخلهم قائلا ؛
ــ الله يستر من هذي الغبشة !!!
جعلتهم الجملة يفيئون إلي أنفسهم ويهرعون متزاحمين نحو النافذة ضاغطين جسده الملصوق بالجدار ملتحمين ببعضٍ ثم يجمدون مبحلقين بالأكف الخشنة الماسكة حديد البنادق ، مبحرين في إيقاع الوجوه المتجهمة المفصحة عن أرواح مولعة بالعنف ، منفعلة انفعالا فريدا ، انفعالا يسبق عادة ممارسة طقوس القسوة 0 رجفة في الشفاه ولمعان لذة في العيون وحزن يحتل التقاطيع للحظات ويختفي مخلفا إمارات غضب سرعان ما تتوارى لتظهر إمارات رعب وفزع تومض وتنطفئ 0 كانوا يبحلقون من خلف القضبان في تلاوين تلك الانفعالات الغريبة التي هي بمثابة مقدمات للولوج في طقوس القسوة المتوارثة من الأسلاف الصحراويين والتي أيقظتها في العروق الحروب الطويلة بقوانينها المطلقة الشديدة الصارمة 0 كانوا يحملون الدوشكا بحوض عربة عسكرية مكشوفة تسحبها سيارة تيوتا 0 كان يرمق المشهد منقباً في وجوه العساكر عن سر هذه الحيوية الدافقة الشبيه بانبثاق نبعٍ جديد 0 حيوية تدفقُ في بشرات الوجوه الحليقة وشواربها الكثة فتصيبها بارتباك خفي يظهر في بريق العيون المضطربة الواشية بجنون استحكم بأرواحٍ مكبوتةٍ تفور وتغالب هيجانا حبيسا لايوازيه سوى هذا الاستلاب التام للجسد المنضبط في أداء الحركات من مسير وهز أيادٍ وقفز ورفس وما شابه 0
إنه صباح مشحون بالتوقعات أثقل علينا نحن المحبوسين بضيق الزنزانة والمنتظرين بفارغ الصبر سوقنا إلى وحداتنا كي نعود جنوداُ في الجبهات ونتخلص من أخيلة ليالي الهروب المهولة المضنية ورعبها 0 هاهي الضجة الغريبة تزداد في الفناء 0 نتمنى من الأعماق أن تكون عارضة ، أي ليس لها علاقة لا من قريب ولا من بعيد بوجودنا 0 هكذا نأمل ونوهم أنفسنا كي تستكين 0
# # #
أصعدوني دفعاً بأعقاب البنادق إلى عربة عسكرية مكتظة 0 وحشروني بين أجساد ترتجف هلعاً 0 غطسّتني القماشة السوداء المشدودة على عيني في حلكة دامسة 0 باغتتني رائحة قوية ، رائحة أجساد حية قضت سنيناً طوالاً في عتمة أمكنة رطبة ، لم ترَ الضوء أو الشمس 00 رائحة سبق أن شممتها من جسد جدي المعلول المنسي في سرداب بيتنا القديم ، حيث ظل مهجوراً في فراشه لسنين عدة قبل أن يغادر إلى مستقره الأبدي 00ذات الرائحة ، عطن اللحم الحي ، رخاوته ، وهنه ، ضموره ، تغضنه ، ترققه 0 تخيلت أشكال البشرات اللصيقة بي وقارنتها بالصفرة الفاتحة لبشرة جدي الشفيفة التي تكاد تتهزع حينما أدلكها وقت قيامي بتحميمه في الطست النحاسي القديم المركون في الزاوية الأكثر عتمة والبعيدة عن نافذة السرداب الوحيدة القريبة من السقف والمفتوحة على باحة الدار المسقوفة بالخشب والشاحبة الضوء 00 ذات الرائحة التي تشربت بها لاحقاً في المعسكرات والمواقف ودور العجزة ومستشفيات التدرن المعزولة وملاجئ الجبهة وبيوت الطين المنسية في قرى الجنوب البعيدة التي كنت أزورها أثناء عملي مرشدا زراعيا قبل الحرب ، وفي أحواض غسل الموتى وسراديب القبور وأحواض الماء الراكدة في جوامع قرى الجبال النائية 0 اندمجت بالرائحة وإنعجنت برطوبتها الدبقة الراشحة من مسام الكتلة الآدمية المهزولة الملتحمة المستسلمة في حوض الناقلة التي ضمتني بحنو 0 منحني الالتصاق شيئاً من السكينة لم تدم سوى هنيهة إذ اقشعر جسدي وراح يرتجف بجنون عند ملامسة جنب أليف من جهة اليسار 0 انتقلت عدوى القشعريرة للجنب الساخن اللاصق بي فقد شعرت به يهتز مبتهجا كعاشق يلامس معشوقته بعد طول فراق ووحشة 0 زحزحتُ الأجساد الزنخة الناحلة إلى الجانبين بهدوء لأوسع رقعة التلامس 0 استكنت مأسورا بضوع قديم أعرفه انتشر في فضاء ظلمتي 0 أحسست بالجسد الأخر يتزحزح أيضا ويتململ ويقترب ملامسا ظهري بمواقع جديدة 0 هاجمني عبق اللحم اللاصق الراجف مستثيرا ذاكرة اللحم الغافية بماضي الأرحام 0 وحدي من يميز عبق هذا العطر المبثوث ، للضوع رائحة كرائحة جسدي التي أتمكن من تعرفها بالأشياء رغم تشبعي بها ، فطالما كنت أنجذب نحو استنشاق بقاياها العالقة في قمصاني وملابس أفراد إسرتي انجذابا لا سبيل لمقاومته 0 اعتدت تلك العادة الغريبة التي رافقتني منذ الطفولة وظللت أستمتع بها سراً بلذة خالصة غامضة تحيرني 0 كان ضوع الأثواب يسكرني وأصبحت لدي لاحقا قدرة خاصة على تمييز الروائح حتى إني اكتشفت أن لدى أخوتي رائحة متشابهة لكنها تختلف من واحد إلى أخر 00 هذه الرائحة المنتشرة الآن احتلت كياني 00 أتراها تنبعث من اللحم الممعن في اللصوق بظهري ؟ 00 أتراها تولدت من احتكاك ظهرينا المتزحزحين بغية استكمال الالتحام ؟ 00 ام إنها خاطر أخر من خواطر ذاكرتي المشغولة بالأشجان ؟ 0 استثارت الهواجس أحزانا قديمة مقيمة فمادت بي الظنون 00 أيكون إلى جواري الآن العزيز الضائع الأخبار ؟ رجّني الهاجس رجا ، وانتابني مزيج متناقض محير من الأحاسيس ، غبطة وهلع ، استكانة وخشية 0 تخيلت العظام المنغرزة في جلدي عظامه 00 تخيلته 00 استحضرته من الذاكرة المرمدة وسكرت بوهم الوصل راحلاً بفيافي خيالي 0 وتمنيت أن يستمر الالتصاق ويمعن حد التماهي والحلول بالناحل الساخن المعروق العطشان المشتاق لالتصاق طال الحلم به 00 طال منذ أزمنة سحيقة ، أزمنة الخوض في بحور التخلق الأولى وآمادها اللانهائية المحروزة في رحم إم أبدية لفظتنا في يوم عاصف إلي الدنيا 0 أمعنت في الالتحام الذي صار مكتملاً بطول وعرض ظهرينا 0 تخدر اللحم ، تاه العقل 0 وتوارت القشعريرة في إستمكان معرفة الجسد التي أنْستني مصيبتي وهدأت روعي فاستكنت لا أخشى من شيء سوى من لحظة فراق أكيدة ستأتي عند وقوف الناقلة العسكرية 0 جعلتني السكينة أفيء إلى نفسي 0 فكرت في المكان الذي يأخذونا إليه 0 حاولت التخمين 0 عجزت ، فالكيفية التي أنتقينا فيها غامضة مريبة 0 كنت جنب النافذة أنوء بضغط أجساد الجنود المتجمهرين حولي ، منفصلاً عن ضجيج العسكر وسارحاً مع العصافير المذعورة المغادرة تباعا كثافة السدرة والطائرة صوب البساتين البعيدة والبوادي والجبال ، أفكر بعجزي المخزي وأنا أبصرهم من مخبأي يطبقون عليه من كل جانب وسط الشارع الخاوي 00 أيبلغ الذعر بي حدود الجبن حتى في الأحلام ؟ 00 كنت أقلب الأمر المرة تلو المرة شاعرا بالغضب والعار من نفسي حينما هبط قلبي إلي سحيق والجنود الموقوفين يتطافرون ملتمين في الزوايا والجدران البعيدة عن الشباك والباب الذي انفتح بجلبة وظل صوت اهتزازه يرن في صمت الأموات الذي جثم على الجنود الى أن دخل ضابط قصير القامة احتل الفسحة الصغيرة قرب الباب المتكونة من انحسار الأجساد وراح يتفرس بعينين صقريتين بالمتكورين اللائذين خلف بعضهم ،المنزوين أسفل الجدران بوجوههم المنكسرة المخذولة الشاحبة المرتعدة المحنية الأعناق الخاشية من رفع أبصارها 0 قبل أن أتهالك أنا الأخر تحت النافذة لاحظت الأحداق برومشها المسدلة تتابع من رؤوس مطأطئة ثابتة بسطال الضابط الأحمر الأنيق يستدير حول محوره في الفسحة التي ما تني تتسع 0 فعلت مثل ما يفعلون ، ملاحقة حركة البسطال التي لم تلبث أن سكنت في مواجهة زاويتي 0 كنت أسمع تلويحة عصاه وحفيفها المارق في جسد الصمت الصلب 0 تخيلته يتفحص الأجساد الباركة في فزعها الراعش 0 ثم صاح بغلظة طالبا رفع الرؤوس 0 ترددت 0 تكرر الصياح مصحوبا بشتائم بذيئة 0 ارتفعت الرؤوس ببطء شديد فظهرت الوجوه مخطوفة ، مبعثرة ، مرتجفة ، مذعورة خشية أن تكون هي المقصودة 0 كنت قد رفعت رأسي أيضاً فوقع بصري على الآخرين الواقفين خلف الضابط 0 الأول المجود في هدأة السحر ، والثاني المتوضئ قبيل انفلاق الفجر يقفان بوجهيهما الطيبين الأليفين الشاردين الساكنين ينظران الإشارة 0تراخت أطرافي الهشة وكدت أسيل بلحمي وعظمي عندما أشار الضابط بعصاه الممدودة إليَّ وأمرني بالوقوف 0 استندتُ على راحتي هاماً بالوقوف فيما الضابط مال صوب جندي يتكور مرتعدا في الزاوية المقابلة وأمره بالنهوض أيضا 0 هويت ساقطا بمكاني لضعف أَوهنَ مرفقي 0 عاودت المحاولة مستحضراً كل ما تبقى بي من جلد تبدد جلّه في ليالي الرعب والتخفي 0 نجحت ماسحا أثناء إنتصابي بظهري الجدار وعاجزاً عن السيطرة على إختضاض ساقيَّ المجنون 0 في تلك اللحظة تكثفت كل أماني بالدنيا بأمنية واحدة 00 أُمنية شديدة البساطة هي أن يتركوني وشأني 00 يتركوني أتهالك على البلاط الوسخ أقرض أحلام يقظتي 00 أسرح في الفضاء البعيد والسدرة المعمرة المحايدة 00 أستعيد أحوالي قبل الاستسلام حينما كنت أجد نفسي شريداً مطارداً ، تحاصرني العيون فأنسل متدثراً بظلام أول المساء الشفيف حيث يكون بمقدوري التسكع لسويعات قبل خلو الشوارع 0 أجوب متأملاً نوافذ بيوت الناس المرسومة بمصابيح الغرف الملونة شاعراً بالوحشة وحالماً ببيتٍ غريب يأويني ويسكب على روحي الشريدة حناناً مختلفاً نقياً 0 أظل منزويا في شارعٍ أو ساحة لايعرفني بها أحد أقيم علائق خفية بالنوافذ والأبواب وظلال الأضواء الراشحة من مسام الستائر الخفيفة ، يعصف بي الشوق إلى الأحبة الذين يُخَفوني في دارهم لكن ليس لذواتهم المشوه بالرعب الآن لكن إلى ما كانوا عليه قبل اندلاع الحرب مصبراً نفسي لاعباً لعبة التوهم والتناسي متغافلاً عن وقع لحظة آوبتي الحرجة المحرجة 0 تقدم المقرئ نحوي وأحتوى ذراعي المنتفضة 0 استكانت النفضة وهو يسحبني سحباً خفيفاً رفيقا 00 حتى تلك اللحظة كنت أتأمل أن يدعوني وشأني 0 انقدت باستسلام تام 0 أوقفني حذو الباب 0 أما الأخر فلم يقوَ على الحراك 0 استحال إلى كائنٍ هشٍ حينما تأكد أنهم يقصدونه دون غيره من الجنود ، وحينما انحنى الشرطي لمساعدته حَرَنَ متمسكاً بالجالسين جواره ، فابتعدوا مزيحين أصابعه المتشنجة المجنونة ساحبين أجسادهم إلى الجانبين بقوة فتشبث بنتوءين حديديين برزا أسفل الجدار 0 بذل الشرطي مجهوداً مضنياً قبل أن يتمكن من انتزاعه ، فخطف جسده الضئيل محمولاً من فوق تكور اللحم المتكوم في صمتٍ بدأ يضيع بوقع البساطيل الثقيلة المتكاثرة الغادية الرائحة في الممرات المبلطة في الفناء الواصلة بين باب السجن الحديدي وبنايات السجن القديمة 0 كان ينصت مخدراً باللحم الساخن وغارقاً ببحر الظلام إلى همس يصدر عن شرطيين بدا إنهما يجلسان في مكان قريب من موضع تكومهم بحوض العربة المهتز ويشعر بنبض الكائن الساخن الأليف يخترقه ويستقر في مجاري العروق ضارماً وجده وصبابته وتباريحه 0 طفق الظهران المعروقان المرصوصان بالارتجاف لحظة استدارة الناقلة بميل شديد وكأنها سلكت منعطفا غير مبلط إذ بدأ الحوض يرتج صاعداً هابطاً ووصلت إلى المسامع المرهفة طلائع ضجيج ضعيف سرعان ما أخذ يتماسك ويندفع متدفقا بسيل هادر أطرد أزيز العربة العسكرية وتمفصل إلى قرع طبول ، لعلعة عيارات نارية متقطعة تضيع في لغطٍ أصم ، زعيق أبواق ، صرخات متقطعة ، هتافات حماسية 0 أزداد رجيف الأضلاع وهي تنشال وتنحط على إيقاع العربة القاطعة طريقاً وعراً والتفا بتموج الرجفة في التحام يكاد يبلغ ذروة لذة فريدة 0 جسدان متيقنان من انفصالهما بعد لحظات يتأرجحان بهياج على حافة هاوية الافتراق والفقد الوشيك 0 ولجت العربة قلب الضجيج فتلاشى أنين محركها لكنه مازال يشعر باهتزاز أصبح أكثر شدةً ثم اختفى وكأن العجلات ابتدأت تسير على طرق معبد 0 في تلك اللحظة استرخى الجسدان وتلاشت رعشتاهما في بحور العرق البارد الذي نقّع القمصان وساح على صفيح حوض العربة المترب 0 استكانا دون حراك في فسحة اليأس المسورة بالضجيج ، مخذولين ، منتهكين ، ينتظران انجلاء لغز الجموع الهادرة في هذا الغبش الغريب ، وحكمة اقتيادهم إلي هذا المكان الذي لا يستطيع تخيل ما يمكن أن يكون 0 ما جرى بعد ذلك أشبه بكابوس مهول 0 لم يستطع استيعاب أحداث ذلك الصباح الذي دفعه دفعاً ليبرك في باحة صمتٍ مستحكم عنيد أبدي كصمت المقابر نازعاً أخر المعاني 0 اجتاحت عاصفة الهتافات وَهنِ القامات المترجلة من باب العربة الخلفي وهي تطالب بموتهم 0 هتافات واضحة تتردد بإيقاع مهووس لكنه منتظم مدروس تقشعر منه الأبدان 0 هدير داوي يغمر سيرهم الوني وهم يرزحون في ظلمات القماش وكأنهم عمي من أول الدنيا 0 هدير تنّغم على وقع طبول وأبواق رتيبين جعلَ من سيرهم كأنه سيمتد بهم إلى أخر الدنيا 0 جرفه سيل الهدير وأنساه لقاء اللحم الساخن وضوعه الأليف في عربة الغبش 0 شعر بهم يركنوه لصق خشبة أطول من قامته ويقيدون معصميه وقدميه إليها 0 أحس ببرودة حديد القيد كلسع النار 0 وعندما تلاشت أنفاسهم التي كانت تلفح قفا رقبته هوى إلى قاع محيط رعب مهول ، وفي انزلاقه المريع أخذ يشد جسده حد التشنج مرتكزاً على كعبي قدميه اللتين حفرتا في الرمل الهش لوعةً متيقناً من فراق الدنيا في اللحظات المعدودة القادمة 0 لابت روحه ولابت ، وراحت تحفر قاع الخوف السحيق حتى استوطنت هناك مستقرة هادئة مستسلمة تتأمل خواء المعاني وتنصت إلى صرخة مجلجلة سبقها انفجار ألجم أفواه الجمهور فخلد إلى الصمت متابعاً ذيول الطبول والضجيج والصرخات والأبواق المتخافتة في البعيد 0 عندما استحكم السكون ، افتر في الأرجاء صوت مفرد يلعلع معدداً سلسلة طويلة من الإرتكابات والفظائع التي من المفترض أنهم اقترفوها ، سلب ، نهب ، اغتصاب ، قوادة ، شذوذ جنسي ، هروب من الجبهات 0 كان يلاحق بدأب وفضول رنين تلّوي واستقامة وانكسار وتكور الحروف المشكلة كلمات تلك الرزايا والذنوب الفظيعة التي يلفظها الخطيب بحماس منقطع النظير 0 زادته فداحة المنكرات سكينةً وأمحت أَخر أثر من أثار الروع مجيبة عن السؤال المبهم منذ إحساسه إنه يقاد إلى ساحة الإعدام عن أي ذنبٍ اقترفه يستدعي إطفاء كينونته قائلاً في ذات نفسه ــ هكذا إذن !!!0 وافتكر ماضيه المضطرب بوجعه وبهجته ، فرحه وحزنه بلحظة خاطفة كلمحة بصرٍ والخطيب يختم سلسلة الأثام والجرائم ناطقاً بقرار الحكم مما جعل الجمهور يضج 0 تخيله تلك اللحظة وكأنه يحيط به من كل الجهات ويتدلى حتى من السماء 0 هتافات مجنونة مهووسة هستيرية تطالب بإنزال القصاص 00 الموت 00الموت 00 الموت 00يتدفق من الأفواه الهادرة سائلاً يتموج بإنكسارات نغم الحناجر المختلفة 0 كان ينتظر بفارغ الصبر لحظة اختراق الطلقة ممعناً في انفصاله عن الحشود الهادرة ومشغولاً بمذاق الرصاصة الساكنة في عتمة حجرتها الباردة 00 بتوقها الجارف للحظة عناق اللحم الحي بانطلاقتها الخاطفة الثاقبة وتغلغلها بحنايا الأحشاء الساخنة... أي عشق يأخذ بروح الرصاصة ؟ أي عشق للدانة اللحم النابض ؟ 0 وأوغل في تبحره كشأنه عند احتدام المعارك في الجبهة حيث كان يرمي بنفسه مخاطراً ويغادر الملجأ في ضجيج الرصاص وهدير المدافع عله يصاب برصاصة ، شظية رحيمة غير قاتلة كي يعاق ويتخلص من هذه المحنة ولو إلى حين ، وكان أثناء مغادرته ضيق الملجأ ينشغل عن رعبه بتخيل مذاق الرصاصة الجاحدة التي أعمت بصرها عنه 00 لكن ما يجري الآن شأن أخر 00 شأن مختلف تماماً لا مكان فيه للاحتمال ومعنى الرصاصة فيه محدد بَينْ لا لبس فيه ، وبدلا من تخيل أوبته مجازاً إجازة مرضية طويلة وما فيها من أحلام الاستكانة إلى دفء البيت ، تخيل موته الأكيد وآوبته مرزوماً بصندوق خشبي وفجاعة الأهل والأحباب ، فتشنج مغرزاً ظهره في استقامة العمود الخشبي الراسخ سابحاً بنضحه الغزير ، سامعاً تلاحق دقات قلبه الرانة في الصمت الساقط على الجمهور الذي أخرسته قرقعة سحب أقسام البنادق التي تردد صداها داوياً في سورة لهاثه المستعر 0 كان كلما يعب نفساً عميقاً خاله أخر الأنفاس ، فكان يشعر بلذة الهواء وكأنه يتذوقه أولَ مرةٍ 0 متى ؟ 00متى ؟00 متى ؟ 00 وكزَّ على أسنانه بقوة رائيا عبر ظلام القماشة المسدلة الفوهة الممدودة المؤدية إلى حيث تستقر الرصاصة في حجرتها 0 خال لحظات انتظار العادمة الكامنة في حلكتها 00 دهراً مضنياً امتد واستطال 0 و00 وحطم ستر الصمت صراخ رجلٍ وزمجرة محرك سيارة تقترب مسرعة من المكان المربوط فيه 00 كان في تلك اللحظة قد ولج مساحات اللا معنى واللاجدوى ، فعاد لا يفقه شيئاً وتوحد في معنى عشق الرصاص الخارق اللاهب الوالج غور الأحشاء ليستكين ويَسكنَ ويُسكِنْ الآلام مخلصاً الجسد والروح من هول العذابات ومأزق الوجود 0 أَحس بأصابعٍ حانية تفك رباط يديه وقدميه وتأخذه خطوات بعيداً عن الخشبة ، ثم تحضنه ذراعان ودودتان في باطن ضجة هلاهل وصرخات ابتهاج وتصفيق وضرب طبول وتزمير أبواق وتزيل عن عينيه حجابها الأسود السميك 0 لبث مطبق الأجفان بعدما باغته ضوء الصباح القوي ، غير مستوعب بعد التهاني والكلام عن عفو خاصٍ صدر باسمه واسم أخر من لدن القائد الحكيم في اللحظة الأخيرة وأنقذهما من موت أكيد 0 كان يستقبل ببرود سيل القبلات ، وكانوا يربتون على ظهره ويشدون على كفه ويحتضنوه حامدين رحمة القائد الرؤوم داعين له بطول العمر 0 استطاع بعد حين مباعدة أجفانه المتوترة 00 أوجعه الضوء فانسدلت مطبقةً 0 حاول ثانية فانغمر بصره بفيض كتلة هلامية راقصة باهرة البياض أخذت تنجلي رويداً 00 رويداً عن ملامح وجه يدنو منه ويدنو فإذا به ذات الشرطي الذي كان يرتل الآيات في السحر بتضاريسه المغضنة التي استبانت رغم تضبب الرؤية 0 كان يرمقه من عينين حالمتين تصبان دمعاً دافقاً يسح مبللاً غضون العمر وهو يرفع ذراعيه متضرعاً يدعو للقائد الرحيم المسامح الكريم بطول العمر والنصر على الأعداء 0 تلبد معطل الذهن ينظر مضيقاً حدقتيه بقوس الحشود المضببة المزدحمة على أدراج ملعبٍ لكرة القدم فخمةٍ عاليةٍ 0 حشود لاغطة صارخة تتداخل أشكالها وألوانها السابحة في أبخرةٍ بيضاء تتراقص وامضة في أحشائها نقاط فضية مشعة تنطفئ وتتوهج في سرعة خارقة 0 أغمض عينيه ليريحهما من ضغط الضوء المباغت المؤلم فانبثق من رماد إغماضته ساحة الوغى صبيحة العاشر من عاشوراء 00 ذات الغبرة والحشود الساهرة المنتظرة وقائع الفاجعة المعروفة 0 تفارقت الرموش الذابلة فاقتحمته هذه المرة الشمس بضوئها الدامي وقرصها الكبير القاني الحمرة الناهض من بين تلال البادية البعيدة القفراء 0 عاود التحديق باندهاش شاملاً الساحة 00 ذات الألوان 00 والمناخ 00 ذات حمرة الشمس القانية في فسحة ذلك النهار الراسخ 00 كان يقف بصحبة أخيه الغائب يغالبان نعاس الليلة السابقة لصبيحة الواقعة ، مندسين بين أفخاذ النساء وأجنابهن المعروقة الساخنة الطابقة بروائحها المسكرة على جسديهما وهنَّ يزدحمن لرؤية مسار أحداث فاجعة الذبح التي تستثير أحزانا غامضةً في نفسيهما فتجعلهما كئيبين صامتين مطعوني القلب مرمدين طوال الأيام التالية تَرنّ بآذانهم ندب ــ زينب ــ المحمولة على هودجها وسط دخان الخيم المحروقة بصوتها الشجي المفجوع الشاكي الباكي الذي يجعل حشود النسوة والرجال والأطفال تضج بعويل وصراخ طويل ، ثم يتعالى ضرب الصدور العارية المخدشة ولطم الخدود المطينة 0 إلى يساره كان الجندي الذي حرنَ في الزنزانة يتقلب على التراب مقبلاً الأرض تارةً وبساطيل الشرطة تارةً وهو يهذي متغزلاً بالرئيس العطوف الذي غمره بعفوه وأنجاه من مقتلٍ ناسياً أنهم قبضوه في نقطة تفتيش طيارة وهو متوجه إلى وحدته لتأخره يوماً واحداً عن موعد التحاقه كما أَسرَّ له ليلة البارحة في حجرة التوقيف 0 لم تزل الأشياء البعيدة من أجسادٍ وأعمدةٍ وجمهورٍ وأفقٍ ترقص في سحب الضباب الذي شرع يشف وينحسر كاشفاً حقيقة المشهد بكتلِ أشيائه وحوافها المعلومة وترتيبها المعمول بدقة 0 أنعم التحديق بوجوه فصيل الإعدام الشاحبة المنتظرة لأوامر جديدة 00 بأرديتهم الخاكية الكالحة وبنادقهم المهيأة 00 بالأجساد العارية الصدور المصفوفة على مقربة منه الباركة في ظلمات الأقمشة والمشدودة إلى خشبة عمرها 0 أجساد ناحلة يتمكن الرائي من إحصاء أضلاعها البارزة تحت الجلد المتهزع كجلد نقع بماء آسنٍ 0 السيارات تدور مثيرة غبرة هي ذات الغبرة التي تثيرها أحصنة الفرسان لحظة إحاطتهم بالحسين وهو يسقط مرتثاً بجراحه مستجيراً بأحدٍ يعينه ويدب عنه الموت القادم برهافة السيوف المصلتة 00 غبرة تكرب القلب وتنهك الروح 0 كان محتدماً بمشاعر متناقضة ، فبرغم كل ما يجري وسط وحشة هذا الصباح كان مبتهجاً لخلاصه من إعدامٍ وشيك لم يجد له تفسيراً معقولا ، لكن أي عقلٍ وسط هذا الجنون المطلق ؟ 00 كان من الممكن أن يرموه بالرصاص أسوةً بالمصفوفين المنتظرين المسمرين باستقامة أعمدة الخشب المتينة ، 00 وبين شعورٍ مؤلمٍ لرؤية فجاعة مشهد قتل هذه الحيوات البائسة المتدلية أصلاً في فجوة العالم الأخر، متخيلاً الماضي القريب لهذه الأشباح البشرية وما عانته من عذابات قبل اقتيادها إلى الساحة0 تسائل عن الذنوب التي اقترفتها 00 وهل القائمة الطويلة التي قرأت عن جرائمهم صحيحة ؟00 وأية أيام مضنية أحالتهم إلى أشباه هياكل بشرية ؟0 رغب في عدهم رغم بقايا الضباب 0 لا يدري لم رغب بذلك لكنه أخذ يعد 0 عد عشرين هيكلاً عاري الصدر مصبوغاً بجمرة الشمس الموقدة وفكر وسط الضجيج في العديد من الأحبة والأصدقاء الذين اختفوا في ظروفٍ غامضةٍ وغابت أثارهم تماماً 00 فكر بأخيه الصغير وعاد يتملى بدقةٍ تضاريس الوجوه الناحلة القريبة منزعجاً من كمامة العيون التي أمحت التمايز بين الأشكال وشعر لأول مرةٍ أن الطول والقصر ولون البشرة وشكل الأنف والفم والجبهة لا تكفي لتمييزها 00 فكل هذه التفاصيل التي يراها قريبةً تبدو مجردةً لا تشي بشيء دون عيونها 0 وبينما هو يتفحص الجسد القريب هاجمته الرائحة الأليفة الغامضة موقظة ذاكرة اللحم فجعل يختض ذات إختضاض التصاقه بالأخر في عربة غبشة الصباح 0 تنفس عبق العطر الدافقِ من شبابيك سرية انفتحت دريئاتها على الروح الموحشة ، فتوغل بشقوقٍ منسيةٍ أفضت به إلى التدلي في ظلمات بحور الأحشاء الشاسعة مكتظاً بالحنو 0 لفَّ حول محوره إلتيابا 00 أيكون أحد الأحبة موثوقاً إلى خشبته ؟ 00 أيكون هو يا رب الأكوان ؟ أيكون ؟ !!! أخذني الارتعاد وسبحت بعرقي 00 نسيت نفسي 00 تيهتني الفكرة بمسالكها الوعرة المضيعة المفجعة المنبثقة من فوح الرائحة العاجنة منبت كينونة اللحم العارف 0 بحلقت بعينين مشدوهتين في صف الأجساد الموثوقة الممتدة الموازية تقريباً لوقفتي 00 لو 00لو 00 لو أخطو إلى الخلف خطوتين 00 لو أخطو يا ربي لتمكنت من السيطرة بناظري حتى نهاية الصف الطويل 0 كنت حذراً أخشى الإتيان بحركة تفضحني 0 زحفت بقدمي مليماً مليماً إلى الوراء وقلبي المسكين يعلن بضجيج طبوله القارعة عن قرب مصدر الرائحة 00 ماذا لو رأيته ؟ 00 أوجعني الهاجس 00 أيبسني السؤال 0 ماذا أفعل يا ربي ؟ ماذا ؟ هل أخذله كما خذلته في حلم ليلة البارحة ؟ 0 ارتددت خطوتين إضافيتين بجرأة ، وتطلعت من خلف أكتاف الشرطة إلى الأجساد السابحة في الغبرة المتصاعدة من عربات عسكرية تمرق خلف فصيل الرمي المنتظر قبالة المربطوين 0 نظري المرتبك يروح ويجيء يصعد وينزل باحثاً عن علامة 0لاعناً كمامات العيون 0 و00 و00 واجتذبتني قامة سامقة ناحلة هي الأقرب إلى وقفتي مفجرةً نواحاً أخرس انتشر بأرجاء الروح السحيقة 0 التهمت استدارة الذراعين والكتفين الهزيلين ، ونزلت حتى عروق القدمين الحافيتين بأصابعها الطويلة النحيلة 0 عصفت بي الشؤون وزلزلت بي الأرض وصرخت في صمتي 00 مــدد00 مــــــــــــــــــــدد 000 مـــــــــــــــدد 00 حي 00حييييييييييي0 إشتعلت من أطراف قدمي 00 مدّْتُ 00 مــــــــــــــــــــــــــــــــــددددددددددد 00مدد يا نخلتي السامقة المربوطة 00مـــدد 0 كنت أستحضر شكل تمدده في غرفتنا المشتركة قبل سنوات 00 ذات العنق الطويل الذي طالما كنت أدفن وجهي فيه وأشم عطره كلما عدت من سفرٍ قصير 00 هاهو الحبيب 00 قريباً00 بعيدا 00 متدلياً 00 مكسورا 00 ساكناً منتظرا 00 سأركض إليه يا ربَ الأحزان 00 سأركض وأقبل الوجنة الناحلة للمرة الأخيرة 00 سأركض يا رب الذبح وأعانق ما تبقى من هيكل الحبيب 00 سأركض 00 مـــدد00 حي 00حي 00 حي 00 نبع من صراخي المحجور في جوفي وأخذ يهدر 00 حــــــي 00 إنك تفتتني يا قامةً ناحلةً سامقة في الأعماق 00 حـي 00مـــدد 00مــدد 00 يا علي يا أبا الحسن 00 ســأهب إلي عــناقه 00 سأهب 00 تزحزحي يا قدمي الثقيلتين 00 تزحزحي 00 ودعينا نغيب عائدين إلى بحورنا الأولى . ــ اهدأ 00 اهدأ قليلا 0 كن رابط الجأش ، ماضي الجنان،قد لا يكون هو 00 وعند ذاك سَتُضَّيع نفســــــــــــــــك وتحيلها عدماً دون مبرر0
ــ لا 00 لا 00 قلبي يقول غير ذلك 0
ــــ إنها خصلاته الفاحمة السواد الملتفة في احتشادها الكثيف 00 هاأنذا أراها رغم انهم حلقوه بالموس 00 أصابعي تلتهب شوقاً للانغمار في موجها 00 وحدي أراه دون الكل 00 وحدي أراه دون الكل 00 وحدي أراه دون الكل 00 وحدي 00 وحدي 00 وحدي 00 بكل تكوينه القديم الذي فارقته عند موقف حافلات نقل بشارع السعدون قبل ثلاث سنين 0
إي أهوالٍ تجشمت يا حبيبي قبل أن تصل الى خشبة خلاصك ؟ 0
00 سأحضنك 00 سأحضنك 00 يا ساقي الواهنتين أعيناني كي أصل إلى شهقة قامته النائرة وسط الأغبرة 00
ــ هدّئ 00هدّئ00 من هوج عواطفك 00 هدّئ 00 !!!
لا تزدها استعارا بما تضفيه أشواقك من أوهام 0 اكبحْ جماح نفسك ، وأثبتْ بمكانك 00 إنغرس وأنتظر الأتي 00 أنتظر 0 إنها زوبعة المأساة ووقعها على نفسك الحساسة 00 زوبعة ستعبر مخلفةً ألماً وجرحاً سيدمله الزمن ككل الجروح 0
ــ إنه هو 00هو 00 مــــــــــدد 00 مـــدد 00ياعلي بنابي طالب 00مـــدد 0
ــ إش إنها روحك الطيبة التي تستثيرها فجيعة الأخر 0
ــ لا 00لا 00 الرائحة 00 الرائحة يا رب الأكوان 00 الرائحة تفوح 00 وتبوح 00!!!
ــ اسمع 00 اسمعْ 00 هدّئ جموحك 00 هدئّه واستكن قليلاً ، قد تكون منبثقة من وهم التذكر ووهج الصبابة والأشواق ، ألا يحدث لك أحياناً أن تشم رائحة مكان قديم عند التذكر قوية وكأنها صادرة من مكان ما حولك 00 !!!
ـــ القلب يقول غير هذا 00
القلب يشير إلى المحبوب 00 والروح تلوب 00
ـــ تعقل 00 تعقلّْ.. دعك من هذا الجنون ، قد يكون آخر 00
ــ والعين 00 العين تقول هو 00 الأنف يا رب الحواس..والهواجس والمخاوف ذاته الجبهة 0 الوجنتان 00 استطالة الوجه الجميل 0 عروق القدمين 0 شهقة القامة 0
ــ اهدأ 00 اهدأ 00 يخلق من الشبه أربعين 00
اضطرمت بسعير روحي ورأيت ذؤابات اللهب تتصاعد من أخمص قدمي العاجزتين المشلولتين 0
ــ يا ساقي 00اللعنة عليكما اللعنة 00 سيجعلني عجزكما ملعوناً ما تبقى من العمر 00 ماذا ألمَّ بكما ؟ 00أهو الجبن ؟ 00 أهو شلل الرعب ؟00 أم فداحة الفاجعة المقبلة ؟0
تململت ، أردت الحراك ، لكن دون جدوى 00 يا لقلبي المسكين 00 يا لروحي المكسورة 00 النائحة المعلقة بالشفتين المزرقتين اليابستين اللتين طالما انطبعتا على وجنتي 00 هاهو يستدير يا إلهي 00 هاهو يستدير بجسده الناحل السامق ببطء لا يحس به سوى القلب العارف الولهان 00 هاهو قلبي يسقط القماشة عن عينيه السوداوين 00 الواسعتين العميقتين المحفورتين في الروح 00 هاهما أمامي بألقهما الأبدي 00 ذات ألق أخر لقاء وهو يتلو علي قصائد حب كتبها أثناء ليالي تخفيه 00 ذات البريق يا نائحات الأرض والسماوات 00 يا للوحشة وآخاه 00 وحبيباه 00 وكفاحاه 00 يا ضيعتي بعدك 00 يا لخوائي بعدك 00 يا لبؤسي بعدك 00 سأنطلق إليك يا حبيبي 00 سأذوب في حضنك ، وليربطوني لصقك ، مالي وهذه الدنيا بعدك 00 مالي وما لها 00 مالي وما ولها00
زحزحت قدمي 0 حاولت رفع ساقي ، لكن هيهات كانتا منهارتين لا تقويان على الوقوف إلا بالكاد 0
ـــ يا رب الأشواق 00 يا رب المعاني 00شمة 00 ضمة 00لمسة 00 ولأفنى بعدها 00
شددت ساقي بقوة فتصلبتا متشنجتين 0
سأخطو نحوه 00 سأدفع الشرطي وأركض 00 ســــــــــــــــ.......أ ...د.....ف ......ع......ه00000يا حبيبي يا حبيبي 00 يا حبيب هاأنذا قادم إليك .
ــ دع عنك هذا الجنون .. دعه .. انك غير متيقن ..
ــ قلت هو .. انه هو يا روحي ..هو..
ــ لا .. لا .. انه الجنون .. لا ترتكب حماقة عمرك وتضيع ، قد يكون الآن حراً ومتخفياً ويسمع بموتك .. أتعرف أي فاجعة ستضيف إلى محنة روحه .. أتعرف .. أي ..؟!!!
ــ ...
ــ ها صَمَتَ .. إنه منطق العقل .. اصبر .. اصبرْ ..
ــ لا .. لا .. انه هو .. القلب يهمس .. والروح تصرخ .. أنه هو ..
ــ اطلعْ من بحر عواطفك وشجنك .. فأنا أعرفك عاطفياً هشاً تبكيك أبسط المواقف المؤثرة حتى في أسخف الأفلام .. هاأنت تطلي بأشجان محبتك بؤس هؤلاء المساكين المواجهين قدرهم .
ــ لا..لا.. قلبي يبوح بغير ما تقول .
ــ ليس كل ما يشير إليه القلب صحيحا .
ــ عمر القلب ما أخطأ الرؤيا .
ــ دع عنك جنون التصوف واصبر ..
ــ ليس تصوفاً .. ليس خيالاً .. ليس وهماً .. إنه أخي بلحمه ودمه .
ــ اصبر يا هذا ولا تفنْ ذاتك سدىً .. ارتو بالبكاء وأهدئْ كشأنك دوماً .
ــ تقول البكاء .. البكاء .. يا خيبة روحي .. هذا أخي وحبيبي .. يا أمي يا حبيبة .. ( أنه إمنين أجيب الجابته أمي ) . يا خوي .. يا كفوحي .. يا ضيعتي بعدك ..
ــ تعقّل .. تعقّل .. ولا تدع نواحات يوم الطف تستغرق روحك ، اجنح إلى حكمة العقل كي يستكين القلب قليلا .
ــ أي سكينة .. أي ؟!!!
أفور بمكاني متفجراً بنواحي الأخرس ، محاصراً بأجساد الشرطة والصمت الهابط على الأجساد والحجر والتراب والعيون أخذ يدوي لحظة استقامة البنادق نحو الهياكل الناحلة دوياً وكأنه الحلكة . وحده اهتزاز الأجساد المشدودة كسرَّ ذلك الدوي الرتيب وجعل الأعمدة الخشبية تتزحزح وتأز فالقة بحور الصمت 00كان خلف أجساد الشرطة القائمين في خرس الصمت ، يصطخب ، يفور ، يضطرب متطلعاً إلى حلكة الفوهات التي استقامت مصوبة نحوهم . انبثق الصراخ أجوف متحلزناً في فجوات صمت الحديد البارد ومندفعاً نحو مدى الفجيعة . جعل ينود على إيقاع ولولات قديمة مطبوعة في طيّات النفس الدفينة . زلزله ضجيج الرصاص الذي ملأ الكون غبرةً . شاهده ينتفض بكامل جسده وكأنه يود الطيران إلى الأعالي .. إلى السماء .. رده القيد فأخذ يجود بنفسه بانتفاضات متعاقبة سريعة كانتفاضات طير ذبيح . ضاع عويله وصراخه في جنون السعار الذي أصاب الجموع المحتشدة على الأدراج . ساد الإرتباك بين أفراد الحرس المحيط به فتحركوا دون إرادة يميناً وشمالاً ثم انفجروا يكبرون بأصوات مرتعشة ووجوههم راحت تلمع بنشوة استثارتها شهوة القتل الكامنة في العروق ، طفقوا يدورون حوله أشباه مجانين . جنون أصاب الحجر والسماء والأفق والبشر وأعمدة الخشب والغبار وقرص الشمس الأرجواني وجعلها تصطخب اصطخاب أمواجٍ عاتيةٍ في عاصفة هوجاء . أعول .. وأعول حتى بح صوته وغاب ، فلطم على رأسه لطماً متلاحقاً عنيفا بكل ما لديه من قوة قبل أن تختلط الرؤية .. آلاف النسوة بوجوههن المطينة وعباءاتهن المشدودة حول الخصور يركضن ضاربات جباههن الدامية محتلات ساحة الوغى . لعلعة إطلاقات الدوشكا تخرق عويل أمهاتٍ باكيات . أعلام حمر قانية تشتبك برايات خضر . ضجة حوافر الخيل قويةً ، قريبةً تثير الغبرة وتسحق أجساد الحشد ، كان يمسك كف أخيه خوفاً من الضياع ويندسان بين أجساد النسوة المحتشدات المعروقات الفائحات برائحة الحليب وفوران الجسد الحزين والناظرات بعيونٍ محتقنةٍ تصب دمعاً من دم إلى الحسين بن علي يسقطه من صهوة جواده سهم مسموم ذو ثلاث شعب . وحيداً وسط الأعداء غير قادرٍ على القيام ، ينزع السهم ويرفع بصره نحو السماء . يكور كفه على الجرح فتطفح بالدماء ، يرمي بها إلى السماء ، يملأها ثانية من فيض النحر ويلطخ به جبهته ولحيته المسدلة ، يتعالى الصريخ . ينشجان بحرقة تسكرهما روائح الحزن الفائحة من أجساد النسوة الملطخات بالطين والحناء وبقايا الأبخرة العالقة بثياب الحداد السوداء المخرمة بالورد ، أجساد معجونة بالألم .. لم يزل الجسد الناحل المثقب النازف ينتفض متشبثاً بأهداب الدنيا عاجزاً عن مسك أفواه الجروح ، عاجزاً عن رؤية القتلة ومكان القتل ، ينتفض هازاً خشبته ، ينتفض لا يريد الهجوع . من أفق الغبرة الكالحة الدافنة قرص الشمس ظهر وجه أبيه بعروقه المحتقنة وهو ينشج نائحاً في غرفتة المعتمة ثلاثة أيام بلياليها ونهاراتها هاذياً بأعذب النعوت آسفاً لضياع ابنه وكأنه يرى مشهد القتل هذا . تداخل عويله بعويل أبيه ، بهلاهل ونواح ، بتصفيق وأصوات عيارات متقطعة . في وجوه الحرس عته وهم يركضون دائرين حول وقفته ، وجوه مندهشة ، منتشية ، مرعوبة ، مضطربة ، حائرة . يبرز غلام من خيم النسوة ، يتلفت حاملاً عموداً خشبياً ، يدنو منه الفارس هاذباً على صهوة جواده ، يعلوه بالسيف الناصل ، يتدحرج الرأس قرب أقدامهم ، تتراجع النسوة صارخات ذعراً 0 يحتضنان بعضهما وهما يختضان رعباً والطلاء الأحمر يسيل من عروق الدمية التي تصوراها رأس غلام حقيقي . يتخافت انتفاض الأجساد المربوطة متحولاً إلى رعشةٍ متذاويةٍ . رآهم يترجلون من سيارات فخمة ، ويتقدمون نحو الأجساد المنسرحة للالتئام بجدار السكون الأبدي . إنهم يدنون بقاماتهم الفارعة وبدلاتهم العسكرية الخضر المميزة لجنود حماية الرئيس . يدنون بخطواتهم الشرسة ساحبين خلفهم هراوات طويلة سميكة من الحديد . أصبحوا على بعد متر واحدة . عشرون رجلاً ، وعشرون هراوةً ، وعشرون محتضراً . رآهم يرفعون الهراوات عالياً في غبار النهار وينهالون على الرؤوس المتدلية ضرباً رنَّ برغم الهلاهل والصراخ والعويل وأزيز طائرتي هلكوبتر تحومان محلقتين على ارتفاع منخفضٍ في سماء الملعب . ينتقعان بصبيب عرق النسوة المرتعشات وجداً وألما والشمر يرفس الجسد المرتثِ بالجراح والملقى على الرمضاء . يخرق الصريخ الكون والشمر يعتلي صدر المحتضر ويقبض شيبته البيضاء المنقوعة أطرافها بالدم ويضربه اثنتي عشر ضربة . يتبدد وسط الحرس رائياً من بين سيقانهم المتحركة في سورتها رأس الحبيب يتمادى في تدليه تحت وقع ضربات الهراوة الصاعدة النازلة على سمت الرأس . توارت الهلاهل ليحل محلها صراخ يشبه نواح . يخدرهما الألم ووجد المحبة . يلهبهما الرعب والشمر يحز رأس الحسين . يدفنان وجهيهما بعنقي بعضما وكأنهما يخشيان أن يفقد أحدهما الأخر . كان يتشبث بساقي الحرس القريب بأصابع واهنة محاولاً القيام وهو يرى تطشر محتويات الرأس وتناثرها على التراب الحزين 0 في صمت غروب الساحة . وجد نفسه مرمياً على مقربة من الأجساد المجزرة المنثورة المتروكة على التراب مطلية بفيوض الأرجوان المنسكب من أفق الغروب . كان لا يستطيع الحراك .. وحيداً .. عاجزاً يبحلق بالجسد الحبيب القريب المرمل بساخن دمه . كان مشدوداً إلى الأرض بقوة غامضة طاغية . رمى بصره إلى الأفق البعيد فأعشاه تدفق ضوء الشمس اللاهث الدامي من قرصها الكبير الملامس خط الأفق . ترسب في عجزه المستحكم وأغرز ناظريه بعين الشمس . ومن البعيد ..البعيد.. من قيعان الصمت وفيض الأرجوان أبصر سبع نساء ينبعنَّ من لب الجمر ويقدمنَّ بأرديتهن السوداء ميممات صوب الجسد النازف . كنَّ يقتربن بأناة . أنعم النظر في وجوههن المطينة المخدشة الشاحبة الباركة في امتداد الألم والفجيعة ، في أصابعهن الناحلة وأكفهنَّ المحناة . كنَّ يقتربن بخطوات متمهلة كخطوات سكارى يتمايلنَّ ذات يمين وذات شمال ويغرفن براحاتهنَّ الصاعدة النازلة مع حركة الأذرع بصمت من فيض نزف الشمس الأبدي ليلطخن الوجوه فتضيع الملامح المعتمة المظاهرة لقرصها الذي غطس نصفه خلف الهضبة البعيدة . مررن على مقربةٍ من رقدته دون أن يلحظنه . أطلق صرخةً مدويةً من مكان تحجره في بقعته الظاهرة المستترة فرنت في صمت خواء الروح اللائبة بخرسها . ظل يصرخ ويصرخ مهمشاً بذراعيه الممدودتين كغريق . كان الصمت دافقاً يحّجر الشمس والتراب ، الجسد والأفواه ، الأعمدة والآفاق ، وهو يشخّص أمه بوجهها الجليل التعبان وشعرها الشائب المحلول وتضاريسها القديمة المصبوبة بالحزن وفواجع العمر تقود أخواته الست اللواتي تحلقنَّ حول الجسد الوادع المستكين إلى أبديته ، ثم انفجرن بصراخٍ تحشرج في الحناجر المطفأة وطفقن ينودنَّ في جلستهن المحيطة بالعزيز الغافي . كان يتطلع بعجز تام متلظياً بعذاب الصراخ المخنوق . ضمت أمه الجسد النازف بحنان وهي تسفح سيلاً من الدموع غسل الجروح . أكبرهنَّ ظللته بردائها . أصغرهنَّ لاذت بجنبه مذعورةً تبغي الأمان . أخرى صبغت فاحم شعرها بفيض النحر . الأخرى لثمت فم الجروح . وأخرى ارتمت تقبل القدمين . والأخيرة عانقت كفه المفتوح والملقى على التراب .. وحيداً .. مهجوراً .. مهملاً .. منسياً .. ينغرس في بقعة ترابه الرطب يبحلق بذهول تارةً ، ويشب صارخاً في أخرى فيضيع صراخه في البراري الشاسعة القفراء . كنَّ يمسحن الجسد الشريف بأجسادهن ويغسلنه بالدمع . كنَّ يغرقنَ والجسد بجمر الغروب الحزين . لم يكف عن صراخه الأخرس المفجوع .. إلى أن سقط في تيه الفراغ . . في هوة العدم 0
استيقظ من رقدته تحت نافذة الزنزانة لاهثاً . فرك عينيه المبلولتين ورمق تبعثر أجساد الجنود الموقوفين على البلاط البارد دون أغطيةٍ . أنصت لزقزقة عصافير سدرة الفناء ، والى تجويد المقرئ . تطلع في النافذة إلى ذيول الظلام المنحسرة بين غصون الشجرة والشبابيك والغرف ، إلى صبيب الغبش الناثر فضته على الأشياء ، أنصت لخرير ماء يسكب من عنق إبريق فعرف أن شرطياً يتوضأ جوار الحوض الذي يتوسط الفناء . ازدرد ريقه الناشف مفكراً في هول الكابوس المخيف ، وخلد إلى جلسته لصق الجدار يفكر بهذه الرؤيا المرعبة .عندما استيقظ أول جندي وأقبل عليه بشر الهيئة وأمطره بالتهاني لخلاصه من إعدامٍ أكيد سقط في باحة صمته المستحكم الفسيح نازعاً أخر المعاني .


# # #




 

 

 
 

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )