|
نجاة
عبد الله
اليوم مشمس على غير ما
يحدث منذ شتاء طويل في تلك المدينة الخربة
إلا
من الريح .... فتحتْ شبابيك البيت جميعاً ...الشرفة مليئة
بحمامات تقف في صف متصل.. منتظرة حبّات الرز التي ربما تتبقى بعد وجبة
الغداء ..حتماً سوف تقوم نرجس بوضعها لهنّ على مهل..شاعرة
بارتياح كبير وهي تتطلع
إليهن
يلتهمنَّ الرز بسعادة كبيرة .. يا
إلهي
جاء حشد آخر من الحمامات.
ماذا تفعل
؟
شعرتْ بخجل كبير هرعت
إلى
الثلاجة لتُخفي قطعة خبز عن عيني زوجها العجوز..قامت بتقطيعها
ووضعها برفق مدعية بأنها سوف تنشر الغسيل هذه المرّة..تذكرت في
الحال توني موريسون وما جرى للصبية السوداء بيكولا ..وهي تنصت
لسعال زوجها وضجره الدائم من كل شيء ..ما هي الا دقائق ويخرج
إلى
المستشفى الحكومي القريب..حينها سوف تستلقي فوق سريرها الموحش
على الدوام ..تحدّق في لوحة لفلاحات يجمعن الحبوب بانحناءة
تجمع كل شقاء العالم..الموسيقى الكلاسيكية تطرق سمعها من شرفة
جارتها الاسبانية ..هادئة شفيفة حالمة..أمسكتْ بأكثر
العيون زرقة*..يا
إلهي
ثمة من يخطف بيكولا..ما الذي تفعله الآن..فكرت
أن تتمرد على حزنها هذه المرة كأن تغادر السرير..أو تعمل
لنفسها كوبا من الشاي..أن تغلق الكتاب وتنصت بهدوء
إلى
تلك الموسيقى الرائعة التي تطرق سمعها ..أو ربما تغادر البيت
متجهة صوب البحر القريب , أو تقف في شرفة البيت تنظر
إلى
ما يحدث في الكنيسة المقابلة ..عشرات الراهبات يحملنَّ زهور
حمراء بانتظار بابا نؤيل... لا لا لن تفعل شيئاً
من هذا.. ظلتْ مستلقية على السرير ..أكملتْ الرواية وحين
أشاحتْ بوجهها صوب النافذة كان زوجها يرمقها بنظرة غبية وهو
يضع علب الدواء في يديه منتظراً أن تعد له وجبة طعام دسمة
وتقطع له البصل والطماطم ..ثم بعد ذلك تغادره لتاكل وجبتها
الصغيرة كأي
قط في المطبخ ..لقد سئمتْ ما يردده على سمعها ..إن
طريقتك الباردة في تناول الطعام تثير أعصابي ..ماذا يهم
أنهاإعتادت
على تناول الطعام وحدها سنوات طوالاً.
فكرت أن تُخفي وجبتها هذه المرة لتُفرح طابوراً آخر من
الحمامات التي حطتْ على الشرفة الآن..حركت
قدميها المتعبتين
متجاهلة نظرات زوجها ..دخلتْ المطبخ ..هالها ما رأت،
حشداً
من المؤخرات ناصعة البياض لنوارس تهجم على شرائح اللحم وحشداً
آخر من الحمامات بمؤخرات رمادية ..وهنَّ يهجمنَّ على القدر
المليء بالرز..ذهبتْ مُسرعة
إلى
الشرفة فكان زوجها يلتقط حبات الدواء الواحدة تلو الأخرى وهو
يهم بطرد الحمامات قبل ساعة من الآن.
*أكثر العيون زرقة : رواية للروائية
الأمريكية توني موريسون .
|