|
سهيل نجم
gilgamish_m@yahoo.com
في ظني أن التعريف الأكثر قبولا للمثقف بأنه الذي يستطيع أن يتخذ موقفاً أو
الذي يميز بين الصالح والطالح في الحياة من خلال استناده على حصيلة ثقافية
ما تمكنه من أن يمتلك الأدوات التحليلية التي تسهل عليه ذلك التمييز إلى حد
ما. ومن هنا ندخل في معمعات كثيرة. فالناس قد يختلفون، إلى حد التناقض في
أحيان كثيرة، بسبب اختلاف أدواتهم في التحليل، في من هو الصالح ومن هو
الطالح. لهذا تحتم أن نعرف أولا أو بالأحرى أن نتفق على نجاعة أدواتنا تلك
وصلابتها إزاء البراهين الحياتية التي لا تقبل الجدل. علينا أن نتحاور في
أيجاد وسائلنا الدقيقة في الفحص السريري، إن صح التعبير، للحالة الاجتماعية
وبعد أن نتفق على ذلك ستكون قدراتنا الذاتية في التمييز أقرب ما تكون إلى
الاتفاق منها إلى الاختلاف.
هل يكفي أن يكون الناس قد مارسوا الكتابة بكل صنوفها الفكرية لأن ننعتهم
بالمثقفين ونشكل منهم تياراً أو اتجاهاً أو حتى حزباً سياسياً يمكنه أن
يتوائم مع نفسه من دون أن تحكم في سلوكه السياسي أيديولوجيا ما؟
إذ تكون المبادرة من الأدباء تحديداً في تأسيس تيار سياسي يطمح إلى ما هو
أبعد من ذلك فليس هذا بأمر غريب، فمن غيرهم الأكثر نزوعا نحو تطبيق الأفكار
الطوباوية الخالدة في البحث عن الفردوس المفقود؟ يبقى الفضل لهم دائماً في
الكشف عن الأنوار والشطحات الفكرية المتألقة. وهم أول المبادرين إلى تعضيد
الأفكار التي تؤيد العدالة بين البشر. ولكن دلت التجارب التاريخية على
صعوبة انخراطهم عمليا في مسألة تطبيق الوسائل الكفيلة بإرساء تلك العدالة.
إن الأديب خصوصاً كيان ذاتي يحتاج إلى التغذي دوما من منابع هذه الذاتية كي
يبدع في إنجازه الأدبي. وإن غادر هذا الكيان الذاتي وتحول إلى الموضوعية
الصرفة، وهي ما يتطلبها حتماً العمل الاجتماعي والسياسي، سيكون من الصعب
حينذاك الوقوف عند منابعه الذاتية الأثيرة لديه أو هي بالأحرى التي تخلق له
الهوية الأدبية.
أريد أن أقول أن الطبيعة النفسية للأديب/ المثقف ليس من السهل تأطيرها في
حاضنة سياسية محددة لأنها ستعمل على تجفيف مخياله المتمرد كما هو معروف ضد
أي تأطير مهما كان. وهذا الكلام لا يعني أنه يبقى في منأى عن الحياة
السياسية والاجتماعية، مما يسعد له الرجل السياسي، بسبب تخلصه من منافسة
خصم عنيد متمرد غالباً على القيم البالية، بل سيبقى هذا الأديب ضمير الناس
الحي على سلوك السياسي. لذلك يحتاج الشعب إلى أن يبقى هذا المثقف حراً
مستقلا غير مؤطر بأية أيديولوجيا.
المثقفون العراقيون اليوم، الأدباء والأكاديميون على الأخص، يقفون على حافة
نهر السياسة ويتمنون أن يأتي اليوم الذي يتمكنون فيه أن يعبروا إلى الضفة
الأخرى سالمين وغير مبللين بأمراض السياسة من الجمود الأيديولوجي إلى
البيروقراطية إلى التحدث بتلك اللغة الخطابية الغامضة ذات الحافات المدورة
والمنعطفات التي تأخذك إلى الشط وتعيدك عطشاناً بالغ الظمأ.
المثقفون العراقيون لم يجرؤوا حتى الآن إلا على السباحة على
الجرف، في الهامش الأمين للنهر المتلاطم بتياراته المهرولة بكل قواها للفوز
بامتلاك السلطة. إنهم يسبحون في منطقة "الكيش" ذات المياه غير العميقة
خوفاً من الغرق في السياسة ولا منقذ ساعتئذ من "الضلال".
عامان مرا وهم يمدون بأعناقهم على استحياء من خلال الصحف
والفضائيات بهيأة محللين سياسيين أو مراقبين يرصدون المشهد من بعيد أو قريب
ويحاولون الإشارة إلى مواطن الخلل هنا أو هناك. وإذ تتعالى الأصوات عن دور
فاعل أكبر للمثقفين في حمى الأحداث المتسارعة والبلاد تعيش في أزمات حقيقية
وتحولات تاريخية ربما لم تمر بها بلاد من قبل بهذه السخونة والاختلاطات
الشائكة ما بين قتلة سفاحين مأجورين وعملاء، علموا ذلك أم لم يعلموا،
وضحايا واحتلال وسراق للأموال العامة وفساد ووطنيين صادقين يحملون أرواحهم
على كفوف أيديهم من أجل تجاوز هذه الأوقات العصيبة.
المثقفون العراقيون ظلوا على الهامش، الرغبة تقتلهم في أن يسهموا
في الحركة السياسية المحتدمة، لكن حذرون. هل هي تراكمات القهر التي عانوا
منها في السابق التي جعلت منهم ينظرون إلى المشاركة في السياسة على أنها
بعبع قد يلتهم ويؤدي بهم إلى المقاصل التي إن لم تأت اليوم فقد تأتي بعد
حين وتعيد الدكتاتورية الكرة؟ أم أنهم ينقصهم الوعي السياسي والخبرة في
الممارسة السياسية بعد أن طبعت الدكتاتورية في الأذهان أن الإبداع الثقافي
لا يمت بصلة إلى السياسة، فتقاعسوا عن ممارستها، خصوصاً وأن تلك الممارسة
لم تكن تعني غير تطبيق تعاليم المعلم الأوحد "العالم بكل شيء، والقادر على
كل شيء!".
المثقفون العراقيون يصحون اليوم على صبح آخر، إذ تتفتح الأفاق
أمامهم محملة بأسئلة لا حدود لها. ثمة في اعتقادي ثلاثة منعطفات تنفتح
أمامهم : فهل يخوضون في السياسة وينهون مرحلة "الإخصاء" أو "العنة"
السياسية فيسعون إلى تسنم المناصب الحساسة في الدولة فيعملون في إدارة
حكومة مثقفة تكنوقراطية أم يمارسوا الدور التنويري فيبقون يمارسون لعبة
المراقبة والنقد ومحاولة التقييم والتقويم ويدخلون في نسيج مفاصل المجتمع
العراقي في كل ميادينه من مقاه وساحات وقاعات درس ونواد وما إلى ذلك ليزجوا
مواهبهم الذهنية في رفع مستوى الوعي السياسي والاجتماعي لدي الناس وفضح
الزيف والتلاعب بالعقول ليبنوا لأنفسهم عمقاً اجتماعياً وسلطة رابعة جديدة
هي سلطة الوعي والثقافة العضوية التي تحمل سلاح الوعي والمنطق والكشف عن
الخلل واقتراح الحلول الملائمة للتجاوز..
أم ينكفئوا على ما هم عليه ويعتصموا بحبل العلم الصرف والأدب
الخالص.. وكفى الله المثقفين شر السياسة؟
|