|
فصل من كتاب ( أصغي إلى رمادي ) لحميد العقابي مع متابعة لفوزي كريم
|
|
|
حميد العقابي
الولـدُ الـخـاســرُ حـدَّ الــ .........
في نهاية عام 1983 تـمَّ نـقـلـنا ــ نحن اللاجـئـيـن العراقـيـيـن الـمـقـيـمـين في أوردكاه كرج ــ إلى ( أوردكاه ) آخر يقع جنوب غربي إيران بين مدينتي خرم آباد وأندمـشك ويبعد عن طهران مسافةً تـقـطعها السيارة بعشر ساعات [ الأوردكاه كلمة فارسية تعني المخيم أو المعسكر ] . يقع هذا المجمع بين تـقـاطع ثلاث سلاسل جبلية مشكلة بذلك وادياً مثلث الشكل ، هناك في قعر الوادي تـناثرتْ مجموعة من خيام مهترئة لا تـقاوم الرياح الباردة في الليل الطويل ( أقول الطويل لأن تلك البقـعة لا تخضع للـتـوقـيت الطبيعي في البلد حيث أن المجمع يقع في عمق وادٍ كالـقِـدر ، تـــشـرق الـشـمـس عليه الساعة الحادية عشرة وتغيب الساعة الثانية بعد الظهر ) . المجمع محاطٌ بأسلاك شائكة وتـنـتـصب في زواياه أربعة أبراج مراقبة يتـناوب فيها الحراسة جنود غاضبون ( لم أسـمـع طـيـلـة بـقـائي هناك جندياً طابت نفسه أو مـسّـه شوق فغنى ) . الهرب هو أول فكرة تخطر في ذهن الداخل إلى هذا المخيم ولكن على مَنْ يفكر بالهرب من هذه البقعة النائية أن يتـفـق مع أحد الجنود عبر سماسرة خاصين امتهنوا حرفة إقـناع الجنود بالتغاضي عن الـفارين وذلك بإرشائهم بالتومانات أو ببطانيات الهلال الأحمر أو بقمصلة عسكرية رومانية الصنع حملها اللاجئون معهم من العراق وحملت معهم غبار الحرب ووعثاء السفر ، بعد ذلك على اللاجئ أن يجتاز الأسلاك الشائكة ليلاً ويجتاز سلسلة جبال عالية يقع وراءها الطريق المؤدي إلى مدينة خرم آباد ، هذا إذا تمت عملية الهروب بنجاحٍ ، أما إذا لم تـتم فـسيكون مصيره السجن ، والسجن عبارة عن بناء من الآجر الصخري وســقـفه من الزنك الذي تـتسرب منه برودة مهلكة ناهيك عن حرارة الشمس صيفاً حيث تـتحول غرفة السجن إلى جحيم لا يطاق . وصلنا أوردكاه خرم آباد ( هكذا يُطلـق عليه ) فجراً بعد رحلة طويلة ومملة ، كان في استـقـبالنا كائنات لا تـشبه الكائنات البشرية إلا أنها كانت ثم مسختْ . أطلتْ علينا برؤوسٍ شعثاء ولحى كثة ومتسخة ، متوجسة خيفة لا أستطيع وصفها وفِـرحة بأنها ترى ولأول مرة منذ دهر كائنات بشرية قادمة من الدنيا ، هذه الكائنات المنسية سميت بــ ( المعاودين ) حتى هم أنــفـسهم كادوا أن يـنـسوا أسماءهم مكتـفـين بهذا الاسم ، عائدون إلى أين ، وقادمون من أين ؟ إنهم لا يعرفون سوى أنهم عراقيون من أبٍ وجدّ عراقـيـيـن ، وجدوا أنفـسهم يوماً محمولين في شاحنات رمتهم على الحدود العراقية الإيرانية بحجة أنهم إيرانيون . كان لمشاعرنا طعمٌ مرّ ولها رائحة الغضب المنكسر ، غضب عديم الاتجاه يدور كدوائرِ الغبار العاصف وموجّه في لحظةٍ واحدةٍ إلى كلّ الجهات ، يبدأ بالنفس ولا ينتهي بالدول الكبرى ، كنا مستسلمين لعدوّ لم نرهُ ولـشيء لا نعرفه . سحبنا أكياسنا وزكائبنا بذلّ مجتازين صفوف الخيام متذكرين بحسدٍ وحنق أصدقاءنا ، زملاءنا ورفاقـنا الذين غادروا إلى السويد والدنمارك وسورية وحتى أولئك الذين غادروا إلى اليمن الديمقراطي آنذاك .
* * *
عجيبٌ أمر هذا المخلوق ، إن فيه طاقة عظيمة للـتـكيف مع تلك الظروف التي يحسبها في البدء دائرة من الظلام يستحيل اختراقها لكن سرعان ما يبدأ تلمس جدران هذه الظلمة حتى يتوسع بؤبؤا عينيه ليرى الحد الأدنى من الأشباح والـشواخص التي سيتآلف معها رغماً عنه . هذه الطاقة لو سنحت لها الفرصة أن تـتـفجر في ظروف إنسانية لـتحولتْ إلى طاقـة بناء هائلة أو قوة تحطم جدار العبودية ، ولكن ما بالها لم تـنـفجر في وجه الحاكم الـفرد ؟ بل لماذا لم تستطع أن تغير شيئاً وتصحح مسار حركات المعارضة التي استبد بها أشخاص يسقطون بركلةٍ ؟ هذا سؤال يحيرني على الرغم مما يحمله من بطرٍ وتجاهل لحقـيـقة الظروف في العراق أو العالم ، ولكني لا أستطيع كتمانه وأصرح به بأسفٍ ، وأسفاً إذ لم أجد الجواب حتى الآن . توزعنا على الخيام ، كل ثلاثة في خيمة ، منحونا ( مشكورين ) حرية اختيار الأشخاص الذين سيقاسموننا الخيمة فكان العراق ( خيمة لعربٍ وأخرى لأكرادٍ وثـالـثة لـتركمان ورابعة لآشوريين ، هذه الخيمة للشيعة وأخرى للسنة وثالثة لعلمانيين ، ولم يستطع ناصر وتوأمه منصور أن يجدا ثالثاً ينتمي إلى طائفة العليلاهيين فرفضا أن يقاسمهما ثالث من طائفة أخرى ، حتى عباس المجنون تـقـاسم خيمته مع مجنون آخر اسمه علي ) . يرتفع الأذان [ على الرغم من أن الطائفة الشيعية هي الطائفة الرسمية في إيران إلا أن كاكه حسن أصرَّ على أن يكون الآذان سنيّاً ] مخـتـلطاً بزعيق لاعبي كرة الطائرة وبغناء محمداوي قادماً من الأهوار الجنوبية محملاً بتأريخ من الأسى والإبادة مصطـدماً بجدار ( الحيران ) الكردي تغنيه حنجرة محترقة كجبال كردستان . أقول ( يصطدم ) برغم تـشابه الأحزان والآهات لكن هذين الطورين يصطدمان ببعضهما كالـنـقـاشات السياسية التي تدور كل لحظة والـتي تـنـتهي غالباً بالغضب والضغينة . وعجيب أمر هذا المخلوق العراقي ، فما أن استـقر بخيمته حتى فتح زكائبه المكتنزة وراح ينظم كتبه وأوراقـه ، قـواميسه ومعاجمه ، يكتب رسائل تصل الآفاق لينتظر رسالة قادمة إليه من بلد لم يخطر في بال أي عراقي أن يصله . تـلـتهم عيناه الكتب وكأنه يعيش أبداً أو كأنه يردّ بها الإهانة . يقرأ ( قـصة الحضارة ) لوول ديورانت نهاراً ، وليلاً يقرأ على ضوء الـفانوس قصة ( عشيق الليدي شاترلي ) النسخة الإنكليزية التي اهترأت من الـتداول ، وراح البعض يحفظ عشرات الكلمات الإنكليزية كي ينصب نفسه ليلاً ملكاً على قلب الـلـيدي .والغريب في هذا الكائن أنه ما أن يركن الكتاب جانباً ويقف في الطابور لاستلام حصته من البيض أو الزبد حتى يتحول سلوكه إلى سلوك نمر أو ضبع ، فتراه مخاتلاً متحفزاً كي ينشب أظفاره بوجه الكائنات الأخرى كأنه يحنُّ إلى طقوس بدائيتهِ ، أو ربما انـتـفـاء دور الزمان والمكان البدائي يساهمان في محو الذاكرة ومساحة العقل البشري فيعود منقاداً إلى الغابة على الرغم من تجربته ووعيه ، وكان هذا الشعور يثير في نفسه الهدوء والبهجة حتى تحول المكان بكل تفاصيله إلى مضارب عربية لـقـبـائـل تـنـتـمي إلى الـقـرن الأول الهجري وهذا ما جعل جماعة الكاكه حسن يستبدلون ( شراويلهم ) و ( جمداناتهم ) بعباءات عربية واعتمر كلّ منهم كوفية وعقالاً ولم يـكـتـفـوا بذلك ، فهم على الرغم من حقدهم الواضح على العرب والذي ما انفكوا يصرّحون به علانيةً من خلال أحاديثهم أو سلوكهم الانفعالي العدائي في أغلب الأحيان ، أقول على الرغم من ذلك فقد استبدلوا أسماءهم الكردية بأسماء عربية يـتـنـادون بها بأصوات عالية وبلغةٍ عربية فصيحة فكانوا يثيرون السخرية حينما يتخاطبون بجملٍ اقتبسوها من كتب الـتـفـسـيـر القديمة أو مما خزنته ذاكرتهم من المسلسلات التأريخية مثل ( عمتَ صباحاً يا أبا قتيبة ، عمتَ مساءً يا أبا بلال ، للهِ دركَ يا أبـا عـبـد الرحمن ) ولن أنسى وجه كاكه نوزاد الغاضب حينما خرج من خـيـمـتـه صـارخـاً " هـسـهـس الحق ، هـسـهـس الحق " مشيراً إلى أبي عبد الصمد الذي سرق من خيمته قبضةً من الشاي . هناك قرأتُ عشرات الكتب في الـتـفـسير والسيرة النبوية ، في الـفـقـه والنحو ، في الـتصوف والـفـتاوى .
هناك قرأت كتاب ( النزعات المادية في الفلسفة العربية ) لحسين مروه وعشرات الروايات التجارية البائسة التي أصدرتها ( دار الـقـلم ) ببيروت . هناك تذكرت وجوه الصبايا اللواتي شاهدتهن في أيام مراهقتي والصدور النافرة والسيقان المنفلتة من الغطاء في صباحات الصيف حينما كنت أختلس النظر إليها وأنا أهش على رفوف الحمام ، هناك ندمتُ ندماً شديداً على كل الـفرص الغرامية التي سنحت لي ولم أقـتـنصها خجلاً أو غباءً . هناك انتعظتْ أعضائي كلها واستـيـقـظ فيّ كل شيء مصحوباً بالخيبة والـشعور بالخسران .
* * *
لستُ من هواة لعب كرة الطائرة ، لستُ من رواد الجامع ، ليس عندي ما يسمح لي في الـتـفـكير بالسفر إلى السويد أو الدنمارك ولستُ ممن يطيق السكون .... فما العمل ؟ تضيقُ الدقـائـقُ فأشعر بأنها دبابـيـس تـثـقـب بالونَ روحي أو كعثةٍ تـنخرني من رأسي حتى أخمص قدمي ... يضيق الـتـنـفس حتى كأني أتـنـفس برئةٍ من رخام ويضيق الهواء حتى كأن قـبـضةَ نارٍ تعتصره فلا يعدو الـشـهـيـق شـهـيـقـاً والزفـيـر يصـيـر آهاتٍ خروجها يحرق الصدر . بعتُ بطّانيةً واشتريت بثمنها عشر علب سجائر من نوع ( أشنو ويزه ) تبغها مصنوع للـتـعـذيب لا للمتعة ، وبـقـيـتُ على هذه الحالة حتى نـفـدتْ بطانياتي جميعها عندما حل الصيف هناك فـتحول الوادي إلى قِدرٍ يغلي العراقيون فيها ، وليس الحر وحده كان ما يمنعنا عن النوم بل الخوف من الأفاعي والعقارب التي كانت تلدغ حتى أحلامنا فـقـد تـفـتـقـتِ الأرض فجأة عن أفاع مخـتـلـفة الأطوال وعـقارب صفر تـثـيـر الرعب والاشمئزاز وحشرات بألوان مخـتـلـفة . مرة ونحن منـشغلون ( كالعادة ) بحركةٍ جنونية يصدم بعضنا بعضاً كذرات ماء مغلي ، صرخ شاب فحسبنا أن عـقـرباً لدغته إلا أن ذلك لم يحدث بل كانت صرخـتـهُ تدلّ على ابتهاج طفولي حيث أنه اكـتـشف لعبةً غريبة ، تجمع أغلب اللاجئين لكي يشاهدوا الاكتشاف العجيب . كان الشاب الكردي يطارد عـقـرباً ثم يحاصرها بدائرة من نار فتحاول عندها العقرب اختراق محيط الدائرة من عدة نقاط إلا أنها تصطدم بجدار النار فـتـرتـدّ إلى داخل مساحة الدائرة ، وحينما لا تجد مفراً وتيأس من فـكّ الحصار عنها ، تـقـف عند المركز ثم ترفع نصفها الأمامي وتغرز إبرتها في جسمها وتموت . لقد انـتـشـرت هذه اللعبة كالإشاعة بين اللاجئين فراحوا يقـضون أوقـاتهم بالـتـلـذذ بشجاعة العقرب التي يـفـتـقـرون إليها ، حتى أنا مارستُ هذه اللعبة مرتين . مرة حدثـني فلاح كردي عن جزع البغل وانتحاره ، وها هو مخلوق أخر يختار الموت بشجاعة كم يحتاجها الجنرالات . قضيتُ وقتاً طويلاً أتأمل هذا المشهد لهذا الكائن الشرير . كم كنا مخطئين حينما جعلنا النعل وسيلةً وحيدةً لموت هذا الكائن الذي تضحي أنثاه بنفسها من أجل أبنائها وتموت بإرادتها وبـإبـاءٍ حينما ترغم على الموت . توقف اللاجئون عن مزاولة هذهِ اللعبة على أثر انتحار مهندس تركماني بعد أن أحرق الخيمة عليه . سأعود إلى حكاية الانتحار بعد أن أروي قـصةً أخرى مضحكة ـــ مبكية ، فـفي يوم اسـتـنـفـرَ الجنود وشددوا الحراسة على المخيم ، حيث هرب في ليلة واحدة أكثر من عشرين لاجئاً ، وفي صباح اليوم التالي عرفنا سبب هذا الهروب الجماعي . لقد وصل خبر لا نعرف مصدره وانـتـشرَ بشكلٍ سريع كعادة العراقـيـيـن في تـنـاقـل الإشاعات . الخبر ــ الإشاعة يقول بأن دولة الأرجنتين تطلب لاجئين عراقيين للإقامة فيها وسيتم منحهم الجنسية الأرجنتينية حال وصولهم إليها على شرط أن يغيروا دينهم ويتـنصروا . وبسرعة تحول الخبر إلى أمل في نفوس أغلب اللاجئين للخلاص من هذا الواقع وصار عبور الأسلاك الشائكة التي تحيط بالمخيم خطوة أولى في دروب الانعتاق ، وعلى الرغم من الحراسة المشددة هرب خمسة أشخاص وألـقي الـقبض على تسعةٍ ، أودعوا السجن ولسان حالهم يقول ( ضاع الأمل ) . قـيلَ إن الـسـفارة الأرجنتينية بطهران فوجئت صباح أحد الأيام بوقوف العشرات من العراقيين عند بابها يطالبون بمنحهم استمارات الهجرة واستمارة الـتـنازل عن دينهم ومنهم مَنْ أراد أن يبرهن للأرجنتينيين صدق قراره فذهب إلى الكنائس كي يحصل على شهادة تعميد فرفضت الكنائس خوفاً من أن تعلم السلطات الإيرانية بذلك ، وبعد أن اكتشف العراقيون خبث هذه اللعبة وكذب الإشاعة عادوا يسخرون من أنفسهم ، ومنهم من كان يردد زيادةً في تجريح ذاته ( ما زاد حنون للإسلام خردلةً / ولا النصارى لهم شغلٌ بحنونِ ) .
* * *
في مثـل تـلـك الظروف يصبح للانتحار قـيـمةٌ تـفـوق قـيمة الاستشهاد ، ربما لكون الانتحار يمثل رفضاً لعموم الأشياء ، رفضاً غامضاً وجميلاً بلا غاية ، حيث يكون الرفض نـقـياً ، مُبرّءاً من المصالح الـشخصية أو الطموحات الدينية في حين تكون للاستشهاد غاية واضحة . وبالرغم من أن الانتحار والاستشهاد يحملان الـقـدر نفسه من الـشجاعة إلا أن الانتحار يبقى أكثر شعرية وجرأة وأن وقعه على الآخرين أكثر مأساوية وألماً . حالـتـا انتحارٍ حدثت خلال الستة أشهر الـتي قـضيتها هناك ، الأولى كانت لـشاب تركماني ــ كما ذكرت ــ كان يعمل مهندساً في العراق ، كان صامتاً يقطع المخيم جيئة وذهاباً دون أن ينطق بحرف واحد مهما حاول الآخرون أن يقطعوا عليه صمته أو يغروه بالكلام . لقد أحرق خيمته عليه وحينما علمنا بموته أجهش الجميع بالبكاء ، بكاء لم يعرف العراقيون صدقه وحرارته من قبل برغم الأحزان التي اعتادوا عليها وبرغم سني الحرب التي عودتهم على الموت ورؤية الجثث . أكانوا يبكون على الميت أم على أنفسهم ؟ الحالة الانتحارية الـثـانية كانت لرجلٍ في الخمسين من عمره ، قد أفـرجَ عنه قـبل بضعة أسابيع ، فـلـقد أودع السجن لأنه ادّعى النبوة ، وحينما تأكدوا من حالته النفسية أطلقوا له جنونه خاصة وأن مثل هذه الحالات ليست نادرة في الشعب الإيراني فعشرات يدعون النبوة أو يدعون بأنهم ( المهدي المنتظر ) . عاد الـنـبيُ الكردي ( هكذا أطلـقـنا عـلـيه ) إلى الـمخيم ولم يكفّ عن دعـوته ولسان حاله يقول ( والله لو وضعوا الـشمس في يميني والـقـمر في شمالي ......... ) ولكن هذه المرة حصل على مُـريد يخـدمهُ ويرددُ أقـواله . كان يخرج من خيمته صارخاً بصوت جهوري يردد بعض ( الآيات !! ) الـتي ابتكرها على غرار قـصار السور القرآنية فيتجمع حوله اللاجئون منهم من يسخر منه ومنهم من يأخذ الأمر بالجـد الساذج مكفراً اياه داعياً إلى ردعهِ وجـلدهِ حتى يتدخل الجنود لـتـفـريق الحشد . في يوم قرر ( هو ومريده ) أن يرحل عن هذا العالم العاق واضعاً نهاية لحياته ودعوته التي لا يستحقها الغافلون على حد زعمه .
* * *
في ساعات قبل الظلام كان اللاجئون يخرجون من خيامهم يتجولون بحركاتٍ هيستيرية عابثة يصطدم أحدهم بالآخر لا لضيق المكان ولكن لأنهم كانوا يختارون وبعفويةٍ أن يتحركوا في مركز المكان مثل فئران التجارب التي تـتـكـتل في وسط صندوق كُهربت جدرانه ، ومن الطبيعي ونتيجة لهذا الـتـكـتـل تـنهش الـفـئران بعضها بعضاً وكذلك حال البشر حينما يحاصرون فـتـبدأ المشاجرات التي تستخدم فيها الأدوات العدوانية كلها من الكلام البذيء وحتى السكاكين ، ولكن وبرغم هذه الحركة الصاخبة ، وبرغم قـلـق النفوس المتوترة فأنكَ تـشعر وكأن السكون يعم كل شيء ، ذلك السكون المدوي الذي يصم الآذان ويشل الرغبات . مازلتُ أتـذكر الـفـرحة الكبيرة الـتي غمرتـني يوماً وشاركني فيها صديقي الشاعر جمال مصطفى حينما انتبهنا إلى وجود قطيع من الماعز يجتاز سفح الجبل الممتد أمامنا ، قطيع ماعز كان الشيء الوحيد الذي يتحرك في هذا المكان بنسقٍ منتظمٍ ذاهباً إلى غايته وإن كان مُـساقـاً إليها . جمال مصطفى شاب ريفي لم يرَ من بغداد سوى ( كراج النهضة ) حينما جاءت به السيارة من مدينة البصرة وحينما نـقـلـته سيارة أخرى إلى مدينة السليمانية ليبدأ بعدها رحلة نـفـيهِ . إلـتـقـيته في ( أوردكاه كرج ) وكان خارجاً من سجن ( قزل حصار ) حيث ( أقام ! ) هناك سبعة أشهر بتهمةٍ جاءته أو ( ذهب إليها ) سهواً حيث اشترك مع مجموعة من اللاجئين ذوي اللحى والطموحات الأفغانية بتظاهرةٍ داخل الأوردكاه يطالبون بتحسين الأوضاع فيه . الـتـقـينا هناك ثم تـمّ نـقـلـنا إلى أوردكاه خرم آباد ، نصبنا خيمتين مـتـقـابـلـتـين وتـقـاسمنا الكتب والـقصاصات التي كان يبعثها إلينا الأصدقاء . كل مساءٍ كنا نجلس على تـلّـةٍ تـقع في زاوية المخيم من الجهة الشمالية ، نحدق إلى الجبل المقابل ونرتجل أبياتاً من الشعر العمودي هاجين راثين وساخرين من حالـتـنا المبكية . مرة قال لي ( نحن خاسرون حد الـ ....... ) انتبهت إلى جملـتهِ ورحتُ أبحث عن كلمةٍ تملأ الـفراغ .... حقاً أية كلمة يمكن أن تصف حدود خسارتـنا ؟ لقد شيدنا بيوتاً من الشعر العمودي ، نكوّر الكلمات ونمطها ونغير إيقاعها حتى يستـقـيم الوزن ومن أجل قافية أدخلنا إلى اللغة كلماتٍ لم ينزل الله بها من سلطان ، كتبنا أبوذيات ومواويل بخليط من الـفصحى والعامية وكذلك بكلمات فارسية ، إلا أننا في ذلك اليوم كنا عاجزين تماماً عن الإتيان بكلمة تصف حد خسارتنا . في اليوم الـتالي أطلعني جمال على قـصيدةٍ كتبها وهي بعنوان ( الولد الخاسر حد اللوز ) ، لم يـقـنعني عنوان الـقصيدة إلا أني رضخـتُ لـعجزي عن الإتـيـان بـبـديـلٍ لـكـلـمـــةِ ( الـلوز ) . قـصيدةٌ من أربع صفحات اعتمد فيها بحر الخبب اللاهث وأعتمد الـتـدوير شكلاً للقصيدة بأكملها فكان أجمل شكل يلائم مضمون الـقصيدة فأنك ما أن تنتهي من قراءتها حتى تشعر وكأنك خارج من كابوس كان جاثماً على صدرك مختـنقاً بسبب تلاحق الصور الشعرية وإيقاع الـتدوير . تبدأ الـقصيدة بـ ( يخسرُ حدّ اللوز ويرحل كالطير على قدمين ) ... أية خسارة شنيعة هذي التي تجعل الطائر يستغني عن جناحيه فيرحل على قدميه ! أو بالأحرى أي فضاء هذا الذي يفرض على الطائر أن لا يستخدم جناحيه !؟ تستمر بقراءة القصيدة فتصفعك الصور المتـتالية وكلها يشي بالخسارة والغبن فهو يقول ( تـتـفاوحُ كلّ جرار الناس وأنتَ إلى كِسَرٍ تـتـناوحُ ، هذا السبخ الأرقي يفطرُ قـلبَ صلاةِ الصبحِ متى تـشهق حد اللوز متى تلك النافورات ؟ إذا انبجست كنتَ الغائبَ حد اللوز ... ) ثم تستمر القصيدة بوصف حدود الخسارات لتصل إلى أشدها يأساً وأكثرها إيلاماً حينما تكون الخسارة قدراً لا يحكم الحاضر وحده بل ( حد دخول جراد المستـقبل غابات الحاضر ) أو ( حد قـناطر يعبرها الليل إلى الـشاعر ذات ضحىً ) .
* * *
لم أكن بانتظار رسالة تصلني على عنوان الأوردكاه فأني لم أعطِ العنوان لأحدٍ ولكني فوجئت ذات يوم برسالـتين قد وصلـتا إلي تحملان المضمون نفسه ، الأولى كانت من الصديق المرحوم عادل العرس يـقـترح فيها علي أن أصحبه في الهروب خارج إيران على ظهر إحدى السفن التي ترسو في ميناء بندر عباس ، وهي محاولة يكون نجاحها 5% وفـشلها يعني السجن لمدةٍ لا يعلمها إلا الله ، والرسالة الثانية كانت من الصديق عبد السادة خضر جبر الله وفيها يقـترح الهرب إلى أفغانستان . ما كنتُ راغباً بأية مجازفة من هذا النوع إلا أن هاتين الرسالـتين بـثـتا في نفسي الأمل ، وبعد يومين قررتُ الهرب من هذا المكان والذهاب إلى طهران مرجحاً الحل الثاني حيث أن بعض العراقيين استطاع الوصول إلى أفغانستان وبعث رسالة من هناك . ولكن كيف الوصول إلى طهران؟ كان هناك ( معاود ) يـنـتـمي إلى نفس مدينتي في العراق ويعمل في إحضار الـتموين إلى المخيم . اتـفـقـتُ معه على أن يهرّبني بسيارة الـتموين التي تـنطلق من الأوردكاه في الساعات الأولى من صباح كل يوم ، وتـمّ لي ذلك دونما صعوبةٍ ، حيث مددتُ جسدي على ظهر البيك أب وقـد غطـاني بالزكائب الـفارغة وصناديق الكارتون ، فـتـذكرتُ بيتَ شعرٍ لأبي العلاء المعري ورحت أردده مع نـفـسي بزهوٍ وبهجة ( فطـرْ إن كنتَ يوما ذا جناحٍ / فإن قوادم البازي يهضنه ) . ما أن انطلـقـت السيارة على الـشارع حتى شعرتُ بأني قد اجتزتُ حقولاً من الألغام . ومن مدينة خرم آباد إلى طهران إلى ( مشهد ) وصولاً إلى مدينة ( طيبات ) ثم إلى الحدود الأفغانية ، ولكـن ..........
***********************
آيــار 1996 / دمـشــق
(*) فصل من كتاب ( أصغي إلى رمادي )
هل العراق حزين إلى هذا الحد؟
الشاعر حميد العقابي يصدر نصا أشبه بسيرة ذاتية
فوزي كريم
الشرق الاوسط 19 /09 / 2002
|