العدد 19 -------------- مايس 2005     

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

هل على منتج ثقافة معينة وحده تقع مسؤولية نقلها الى ثقافة  اخرى حصرا؟

   

عبدالوهاب طالباني

سيدني-استراليا

نيسان2005

     في برنامجها الجيد والمفيد على شاشة فضائية كردستان تيفي (منارات ) ،   استضافت السيدة عالية طالب في الأسبوع الماضي او قبل الماضي الآديب والشاعر الأستاذ صادق الجلاد، وادارت معه حديثا شيقا عن  الآدب والشعروالثقافة بصورة عامة ،  والشعر العراقي العربي على الخصوص ، وحاولت التعرف على اراء ضيفها في ملامح الآدب العراقي ، واخذت الحديث الى موضوع مهم بالنسبة للمثقف الكردي والعربي ايضا ،  وهو موضوع التعرف على الادب الكردي  وعلى الخصوص الشعر الكردي وترجمته الى اللغة العربية ، فقال الآستاذ صادق في معرض تعقيبه على تساؤل السيدة مقدمة البرنامج انه لم يطلع الا على القليل من الادب الكردي المترجم الى اللغة العربية  ، واضاف ان المثقف الكردي هو المسؤول عن ندرة التراجم الكردية الى العربية ، قال هذا عندما نقلت السيدة مقدمة البرنامج رأيا اخر يقول بأن المثقف العربي ايضا يتحمل هذه المسؤولية ، ولكن الآستاذ صادق الجلاد اصر على ان الاديب او المثقف الكردي يتحمل هذه المسؤولية حصرا، وهذا المنطق حسب فهمي وارجو ان اكون مخطئا يؤدي الى ان ليس من مسؤولية اي اديب عربي  ان يتعلم اللغة الكردية ويجيدها ، ثم يذهب الى ترجمة النصوص الكردية ، بل على الاديب الكردي حصرا ان يقوم بتلك المهمة .  والغريب ان ضيف البرنامج حينما اراد التأكيد على صحة فرضيته ، اورد مثلا ناقض فيه نفسه من الآساس ، حينما قال ، وهو يضرب مثلا من انه اي الآستاذ صادق الجلاد نفسه  ،  وهو العربي وليس الروسي ،  قام بترجمة نصوص الأدب  الروسي الى العربية ( واعطى تلك النصوص حقها من الآيقاع الجميل والمعاني حتى يقرب  جمالية النص الاصلي الروسي من ذهنية المتلقي العربي..) .

 

     بالتأكيد ان المثقف الكردي يجب ان يكون هو المبادر والمهتم اولا  بنقل تراث شعبه الآدبي  الى اللغات الاخرى ومنها العربية ، وقد حاول الكثيرون من المثقفين الكرد وادبائهم  اداء هذه المهمة ، ومع الاقرار لقلة الترجمة من الكردية الى العربية الا  اننا نرى ان ثمة نشاطا بدأ  بعد الاطاحة بالحكم الملكي في العراق في 14تموز1958 في العراق، ولا ننسى الترجمة الرائعة لملحمة (مه م وزين) للشاعر الكردي الكبير احمدي خاني ، وهناك كتب عديدة اخرى عن الادب الكردي صدرت ترجماتها باللغة العربية ، اضافة الى مئات النصوص الكردية المترجمة الى العربية المنشورة في الصحف والمجلات والدوريات التي تصدر بالعربية والتابعة في اغلبها الى مؤسسات كردية اساسا ، مع الأقرار على انه ليس هناك لحد الان حركة ترجمة من الكردية الى العربية او اية  لغات اخرى  بشكل منظم ومبرمج  عن طريق دار نشر مختصة مثلا، وهذا خلل كبير تعاني منه المؤسسات الثقافية الكردية خصوصا في اقليم كردستان العراق يجت تداركه حسب الامكانيات المتاحة ،  ولكن التأكيد على ضرورة مبادرة المثقف الكردي لترجمة نصوص من ادبه الى العربية لا يعفي ابدا ضرورة ان يكون للآديب العربي ايضا دورا او اهتماما للتعرف على ادب شعب يعيش الى جواره ، اذ  على المهتمين منهم بنقل التراث الانساني للشعوب الاخرى  ايضا ان يحاولوا تعلم اللغة الكردية كما تعلم الكرد العربية  واجادها ، ولكن يبدو من القراءة الاولى لكلام الاستاذ صادق الجلاد ان  العربي (العراقي على الاقل)  لا يرى ضرورة لتعلم الكردية او ترجمة نصوص كردية الى العربية ، وانا اتحدث في النطاق الادبي البحت وفي حدود اختصاص الترجمة ، اذ ان الناس احرار في اختيار تعلم اوعدم تعلم هذه اللغة او تلك. ولكن ما دام الحديث حول حصر الكردي في  واجب تعلمه العربية  ، فأن هذا يحمل شيئا من قصر النظر او محاولة القول ولو بطريقة غير مباشرة ان ليس الادب الكردي او اللغة الكردية بتلك الاهمية التي تقضي الاخرين بتعلمها ومن ثم ترجمة نتاجاتها الادبية .

ان نقل المعارف من لغة الى اخرى ليس مشروطا بمسؤوليات محددة لهذا الطرف اوذاك ، لأنه فعل معرفي يقوم به من هو مؤهل له علميا وادبيا ويرغب في انجازه ، ليس هناك تحديد مطلق لمن يقوم به، اذ لم ينقل اليونانيون اثارهم الرائعة الى العربية بأنفسهم بل ان  مترجمين عرب او سريان او فرس قاموا بالعملية ، ويصح العكس تماما،  والاف الكتب المترجمة من اللغات الانكليزية والفرنسية والالمانية والايطالية والاسبانية الى اللغة العربية لم يترجمها مترجمون انكليز او فرنسيين او المان او ايطاليين او اسبان تحديا بل ان غالبية المترجمين كانوا عربا ، فلماذا يحصر الأستاذ صادق الجلاد هذه المهمة حصرا على عاتق الاديب الكردي ،ان هذا الحصر ربما ، اقول ربما  قد يحمل بذورا غير صحية قد تنبع من نظرة شوفينية  الى تراث  الشعب الكردي المعرفي  ،  و اقول مع الاسف ان هذا الفهم  موجود في عقول الكثيرين من الكتاب العرب واستبعد ان يكون الاستاذ صادق الجلاد من ضمنهم  .

    وحينما رصدت رأي الاستاذ ضيف (منارات)، حاولت ان اقنع نفسي بأن مايقوله هو فقط من باب راي للمناقشة  حول موضوعة  الترجمة وهمومها ومشاكلها، ولكن عندما أكد على حصر مسؤولية الترجمة من الكردية الى العربية وبصورة مطلقة بالادباء الكرد ، بمثال كان في حقيقة الامر مناقضا لرأيه حينما تطرق الى ترجمته وهو العربي  لنصوص روسية الى العربية  ، رأيت ان  في هذه الحالة يجب ان نسأل الاستاذ: كبف لعربي ان يذهب الى ترجمة النصوص الروسية ولا يحصر الموضوع بالأديب الروسي ، بينما في الحالة الكردية يحصرها  كمسؤولية كردية فقط ولا يجوز لعربي ان يترجم الكردية ، ما معنى هذا المنطق والى اين سيؤدي بنا؟

 الشرح الذي قدمه  الآستاذ  الجلاد ، وارجو ان اكون مخطئا ، ينطلق ربما دون قصد من ثقافة عروبية عنصرية  لا ترى في ثقاقات الشعوب الاخرى وخصوصا من الثقافة الكردية شيئا مهما ، ويعتبرون ان الكردي لا يملك الا ان يتعلم العربية وبدونها فهو جاهل وامي ،  وهناك كتاب عرب مع الاسف يدقون نواقيس الخطر عن تعميم  التعليم باللغة الكردية في كردستان العراق(مع وجود حصص باللغة العربية)  وناكرين على الشعب الكردي رغبته  في كيفية كتابة  لغتهم اذ يعتبرون ان الكتابة الكردية بالالفباء اللاتينية (مؤمرة صهيونية استعمارية اميركية ضد الامة العربية..!).

 

مع كل الاحترام والتقديرللاديب والأستاذ صادق الجلاد ، وهو الشاعر الرقيق الذي اتحفنا بالكثير من روائع الشعر الآنساني والوجداني العربي الجميل ، ارجو ان يأخذ هذه الملاحظة المتواضعة  بصدر رحب ،  وان لا تحمل اكثر مما تحتمل .

 
 

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )