العدد 19 -------------- مايس 2005     

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

               السرد ُ وهيمنة  ُ التجربة

                  دراسة لنص نصيف الناصري

      ( معرفة أساسية .. الحرب ..الشعر.. الحب .. الموت )

 
   

أسامة العقيلي

يمكن لكل التجارب الانسانية ان تتحول الى مهيمنات..ذلك يعود الى التجربة ذاتها من حيث عمقها وكثافتها ثم الى المقدار الذي تتركه في نفسية الانسان .. الى ذلك فأن ثمة عوامل اخرى تجعل من التجارب ـ ايا كانت ـ مهيمنات سلوكية من جانب ,واشكالا كونية من جانب اخر..

ان اية ممارسة انسانية لايمكن اختزالها في شكل وجودي واحد , لان كل تجربة لابد وانها تمتلك مجموعة من الوحدات التي تكون قادرة على الاستقلالية بنفسها ضمن الفضاء الكوني .. ان ذلك يجعلنا بالتاكيد قادرين على منطقة التجربة والنظر اليها في المحيط الذي احتضنها , والذي سينكشف بعد ان تتحول التجربة الى كون سردي يقتضي توافر اشكال كونية ترفده وتعزز من مقدرته على تفسير الكون , سواء اتعلق ذلك بالنظر الى مايفعله الجهاز الايديولوجي في عملية التفسير تلك او ما ينشره الجهاز السردي الذي يستمد قوته من انضوائه تحت المنظومة الثقافية التي تميز جماعة عن اخرى او شخصا عن اخر..

ان تجربة ـ كالحرب ـ تتحول ـ لاعلى صعيد الحدث اللساني وحسب ـ الى بناء تؤديه الذات الفردية والجماعية على حد سوء.انها تجربة تتجاوز حدود الواقع لتتحول الى محفل متعالي يضج بالمعاني..ولاشك ان من خاض غمارها واقترب من بشاعتها بحواسه كلها سيتحول بدوره الى كائن لايقدر على النوم من دون تلك اللذة التي يوفرها صوت القنابل له .. ان حواسه وترسبات اللاوعي تشعر بالانفصام والغربة اذا ما وضعت الحرب اوزارها ..

ذكر لي أحد أصدقائي الرسامين انه اهدى لوحة الى أحد أصدقائه الذي سرح من الجندية بعد أن  قضى عشرين عاما فيها هي عبارة عن جندي عائد من الحرب تعلو ثغره أبتسامة تسرحه ـ صاحبنا سرح لأسباب مرضية ـ من الخدمة العسكرية ويحمل على ظهره حقيبة بالية ومن خلفه كان منظر السماء صافيا تعبيرا عن السلام.. فنظر فيها ثم قال ماذا لو أنك جعلت السماء متربة والقنابل تشتعل .. أنني لاأستطيع تخيل معنى السلام الا بأعتباره استراحة لحرب أخرى .. لذلك فلا تظنن أني سعيد بتركي للجندية والحرب .. إنني أشعر أن في دمي بارودا وتتحول أجمل الأغاني الى أصوات مزنجرات حينها فقط أشعر باللذة العارمة..أن ما يمر به بعض شعرائنا هو تطابق تام مع حالة صاحبنا المسرح من الجيش .. أو من خدمة العلم كما يحلو للبعض تسميتها ..

ان الادباء والمعاقين والمرضى النفسانيين الخارجين من تجربة الحرب وأولئك الناس الذين قضوا مع الحرب جل أعمارهم هم من دون ادنى شك اكثر الناس دمارا ..ولاسيما اذا تكررت الحرب وطالت وسيطر على الناس يأس تام من انتهائها او حتى تمحورها بشكل اقل فتكا ,حينها سوف يكون من الصعب ,لابل من المستحيل ان تتوارى مخلفاتها باعتبارها تجربة يمكن مقارنتها بالتجارب الحياتية الاخرى التي تذوب في مقولة (لولا النسيان لهلك الانسان )..

لقد هيمنت الحرب على نصوص نصيف الناصري مثلما هيمنت على نصوص الكثير من الشعراء العراقيين ومن المبدعين في الأدب أو مجالات الفن الأخرى.. تلك الهيمنة لم تغيرها إنتقالاتهم الى مكانات أخرى تختلف اختلافا كبيرا عن تلك الأرض التي كانت مشتعلة بنار الصواريخ أو التي ظلت تشير الى واقعة الموت باعتباها أرضها الخصب .. ونصوص الشعراء العراقيين الجديدة التي كتبوها في أرض أوربا  الآمنة تصرح أحيانا بالحرب ومخلفاتها أو تشير لها أو تستمد من وحي عذاباتها أنفاسها..

فعبد الكريم كاظم يرى ثلج أوربا لايختلف عن ضمادات الحرب البيضاء..

ومع ذلك فان هذا الحكم قد يرى فيه البعض ـ امام المقدرة غير الطبيعية للنسيان الانساني ـ مبالغة .. بالقياس الى كل تلك الفضائع التي مر بها بنو البشر وهاهم يرونها في الكتب التاريخية وهي منفصلة تماما عن الاحساس بفضاعتها .. ذلك بالطبع صحيح .. ولكن ذلك اذا مانظر للموضوع برمته على انه حوادث مؤقته وان استمرت لقرون .. اننا لاننظر لها بهذا الشكل بل لانها تنتقل من كونها حدثا الى كونها لغة وذلك ما يهمنا في الامر .. ترى كم من الناس تركت فيه الحرب بصمة على الجسد او في النفس , وكم منهم ايضا عاشها بكل مافيها .. لكن كم من هؤلاء نقلها الى اللغة .

ثم لولا تلك اللغة بتمظهراتها المختلفة لما امكننا معرفة ماكان يعانية اجدادنا ونحن من بعدهم ..

ان كل ذلك يرتبط بنظرة بارت للممارسة الانسانية المتحولة الى تجربة ابداعية.. اذ انه يرى ان كل ما يصدر عن الانسان لابد وان يكون منطلقا من أسنن ( نماذج سلوكية تمتلك القدرة على انتاج سلسلة غير متناهية من الفورمات والاشكال لأ ثراء السلوك الفردي وهو مايكسبه القبول حين ينظر اليه بمقياس التقارب من النموذج الاصلي الذي هو بدوره تجربة حياتية او مجموعة تجارب ) يرجع الى مايطلق عليه بارت بالسنن الهرمنطيقي الذي يقوم ضمن وحدات متنوعة وباساليب مختلفة بوضع سؤال والاجابة عنه ..وبذلك فاننا بصدد البحث عن اثارالحرب في نصوص نصيف الناصري من خلال الادلة اللغوية ..

ان متابعتنا لما يكتبه نصيف الناصري ـ النصوص القديمة والجديدة ـ تظهر ان هيمنة تجربة الحرب ـ للحرب قاموسها اللغوي الامنتهي ـ قد اجتاحته بالكامل.

نار الله تتلظى عبر أدغال وخرائب حيواتنا المبعثرة في الهاوية .

............................

 ينبغي أن نموت ميتة عظيمة بلا خوف
لا أمل
لا أوهام
لا حلم بوعد .

موسيقى وصرخات مصائرنا اللامرئية تفرغ حمولتها فوق جسور التاريخ
والقبضة القوية للنور متنهدة فوق رأس الشجرة الإلهية .
مجد موتنا معصم للكوكب الذي ينفلتُ وينسابُ هادئاً عبر ليل الأزل .
ينبغي للانسان الواقف كريشة في سعيه المحموم للوصول الى سلّم الأبدية
أن ينظف العالم من قذارات تماثيل موته الشاخصة في أروقة الزمن .

والطبيعة تستردُ دائماً هباتها التي تمنحها للانسان
ينبغي أن نحيي أولئك الذين رحلوا وظلوا ماكثين
في قناديل الأزل .

هذا مقطع من نصوص نصيف الناصري المنشور على صفحة هذا الرابط الالكتروني  http://www.iraqun.com/2/modules/news/article.php?storyid=249

النص بعنوان سلم الابدية.. انه نص لايخرج من هيمنة الحرب وسيرورتها .. ادغال .. خرائب ..وحياة مبعثرة بالهاوية..اناس رحلوا.. ولكنه مفعم أيضا بالنفس الفلسفي والذي أجد أنه بدأ يتغلغل الى شعر نصيف الناصري مبتعدا عن تلك التجربة الشعرية التي عرف بها الشاعر .. وأخشى أن إلحاحه على عقلنة النص أو تعقيده بكل تلك الأفكار الكونية أو المتعالية عن نصوصه القديمة سيبعده من دائرة اللذة والمتعة التي كانت تميزه , وعن تلك الجرأة والمغامرة واقتناصه لصور وأفكار رائعة تثير السخرية والألم والصدمة .. تلك النصوص التي تبدأ بهدوء ثم لاتلبث أن تنفجر عن فكرة وصور رائعة

 قلت لابي : اعطني نقودا لاسكر

فتح فمه فخرج منه أسد جائع .

قلت لحبيبتي : اعطني قبلة

فتحت فمها فخرجت منه لبوة .

قلت لآمر سريتي : اعطني اجازة يا سيدي

فتح فمه فخرجت منه دبابة .

الاسد الجائع / واللبوة / أصطحبتهما معي في نزهة على الدبابة

ثم عدت الى السجن مصدوع الرأس .... (نص رغبات مؤجلة من ديوان أرض خضراء مثل أبواب السنة ص 55)

 

 باعتبار نص نصيف يمتلك الكثير من المفاجآت والتي بدأت تتقلص بعد أن بدأ الفكر والفلسفة التي أجد أن بعضها يقاد رغما عنه  يصبغ نصوصه الجديدة.. قصائده مثل ( الطبيعة ميراثنا الذي يتعارض مع التاريخ , درس الطبيعة ,باب الوجود المترنح من شدة الوحشة ,هاوية مصائرنا المتعثرة , المادة ـ الأحساسات ـ الفكرة ـ الذرات ) وبالأمكان مراجعتها على صفحة هذا الرابط الألكتروني

                                                                            http://www.elaph.com/elaphweb/ElaphLibrary/2005/2/42977.htm

.. مما أثر حتى في شكل النص الذي صار يميل الى الأطالة وازدحام الألفاظ ..وأحاول هنا أن أرسل رسالة للشاعر بان يقلل من تلك الظاهرة والتي لاتمثل بالنسبة لنصيف أية إضافة إن كان يعتقد أن صعوبة النص وتعقيده قد يكسبه اهتمام ودهشه الأخرين فأنه قد بالغ في ذلك لأنه قد أكتسب مثل هذا الحرص والأهتمام سلفا مع نصوصه الأولى .. وحرصا على هذا الشاعر الكبير فإنني اسجل تلك الملاحظات وبقوة لكي يعود ولو بعد حين نص نصيف الناصري الى أوديته التي إطمأن إليها قراؤه واعتادوا عذوبة ماء كلماته منها.. وأظن أن هذه الملاحظة مخالفة لهذه المقالة غير أنني وجدت من المناسب بثها هنا على الرغم من أنها تغرد خارج سرب مااستبطنته من نية في قراءة نص نصيف الناصري السردي عن الحرب ونصوصه الشعرية المرافقه ...

إننا نلاحظ أحيانا أن الشاعر يستثمر قاموس الحرب ويطوره بشكل ملفت , وتلك ليست قضية نصيف الناصري لوحده , ربما نستطيع القول أن شعراء كثيرين عمدوا الى الأتكاء على  الحرب وقاموسها اللغوي ,ثم تحول الحرب الى ثيمة نصية أو قصصية أو مسرحية أو شعرية نستطيع تلمس جوانب كثيرة منها في معظم نتاج الشعراء العراقيين الذين عاشوا الحرب عن قرب أو حتى أولئك الذين تأثروا بويلاتها عن بعد ..لكننا كذلك نستطيع ان نقول ان ترسيخ هيمنة الحرب في نتاج نصيف يعد نموذ جا كبيرا وذلك لاكتساحها معظم نتاجه , حتى لكأنها تحولت الى منجم افكاره وتجلياته ,بل انها منجمه بالفعل ..

إن تلك المسألة ظلت ملازمة لنصوص نصيف الناصري حتى بعد أن وضعت الحرب أوزارها وحتى بعد مغادرته العراق الى عمان ثم وصوله لاجئا الى السويد , فنصوصه حتى الان نشم منها رائحة الموت والمواضع والاسلحة والبارود.. أنه لايزال يعيش الحرب ,, ويذكر خسائره فيها .. ولنلاحظ بعض تلك الاشارات

    ( هل حقا انتهت الحروب

     ام ان نيرانها تستعر في الاحشاء لها بداية

       في كل يوم جد يد .....)

 

   هي اذن الحرب التي ترافقه في كل مكان وزمان ... انها تستعر في احشائه وتتجدد كل يوم ..

 

( بعد تسريحي من الجيش محبطا ومحطما

 عانيت صعوبات كبيرة بسبب عدم تمكني من نسيان المشية العسكرية ...)

 

بل ربما حتى الان يعاني من تلك المشية كأثر واحد لتمظهرات الحرب الخارجية ,اما تمظهرها النفسي فليس أكثر من انها صارت عادة شعرية لديه ويبدو ان نصوص نصيف حتى الان تمشي مصاحبة لايعازات رئيس عرفاء وحدته العسكرية...

 

لقد عبرت هذه الاشكالية عن نفسها من خلال مجموعة المفاهيم ذات الصلة الوثيقة بدلالات الحرب ,حيث تحولت الى دال عام عبر اللغة البصرية التي استخدمها نصيف في وصفه للحرب سواء على صعيد انتاج النص الشعري ام على صعيد الخطاطة السردية التي كتب من خلالها مايشبه مذكراته عن تلك المرحلة..

اننا نستطيع من خلال الملفوظ البصري المركب الذي تعج به نصوص نصيف ان نلمس مستويات ثلاثة..

الاول يتمحور حول مجموعة المعطيات الخاصة بنصيف نفسه كانسان عادي يشترك بالحرب وينتظر نهايته او نهايتها  ..

الثاني يتمحور حول نصيف الشاعروانفصامه بين الكون العسكري الحربي وبين الكون الابداعي الذي يلح عليه للنظر الى الحرب كواقعة يمكن تحولها الى نصوص لغوية ..

الثالث يتمحور حول نصيف , الموقف , من الحرب والسياسة , نصيف الذي كان يستهزئ ويضحك كما كان يفعل ديموقريط الذي كان يعد السخرية اكثر احتقارا للواقع من البكاء عليه..

ان هذه المستويات (النصيفات ) تذوب في نصوص نصيف .الانسان .. المبدع .. الموقف.. وهو ماجعل بعض نصوصه تنتمي الى ما يسمى بالنص المتناثر , وان بعضها الاخر يمكن ان يدخل في مايسمى بالاستعمال الافقي للكلام  ذلك الذي قد يقابل الواقعي احيانا حين ترتبط الكلمات بالاشياء لتكشف حقيقتها..

 

هناك مسألة سألفت لها النظر ولن أحيطها تركيزا .. تلك هي الوثائق الرسمية ـ أو التي تبدو كذلك ـ التي يحشرها نصيف الناصري في نصه السردي المنشور أخيرا على موقع الكاتب العراقي ..ذلك يضعني أمام تساؤل عن أهمية أرشفة حوادث الحرب في بال نصيف الناصري تلك التي جعلته يجمع مثل هذه الوثائق .. لست هنا بصدد تأكيد صحتها تاريخيا ـ مع عدم شكي بها البتة ـ فذلك متروك لكتاب التاريخ ..

أما اللغة التي استخدمها نصيف في وصف تلك الحقبة التاريخية فهي لاشك لاتخرج عن اللغة التقريرية التي تعتمد المشاهدة والتجربة والوثيقة .. ولكنها تضيف الى ذلك مقدرة على التغلغل بالوصف حد الكشف عن تفصيلاتها التي قد يراها الأخرون ضربا من العجائب .. ماخلفه نصيف في كتابته لايقل ألما عما خلفته الحرب عليه وعلى العراقيين جميعا وربما ذلك اهم اهداف الكاتب أن كانت ثمة أهداف للنص الأدبي ...

ولكن لماذا يلجأ نصيف للنص السردي وهو الشاعر؟؟

تلك القضية تعود أساسا الى أمكانية النص السردي في النقل ورفع أنقاض التجربة بالكامل تقريبا ..فتجربة كالحرب ـ تلك التي هيمنت على الكثير من نصوص نصيف ـ تلح عليه بشدة وصارت انهيارات التجربة داخل النفس تضغط عليه ولابد أن يحتوي تلك الانهيارات بلملمتها وليس أفضل من السرد وسيلة لذلك..ناهيك عن أن ماقدمه نصيف في نصه كان عامرا بما اعده مقاربة بين الجهازالايديولوجي السائد في عهد النظام الصدامي والجهاز السردي وتلك المقاربة كانت تقتضي سلفا تهيئة الاشكال الاولية لعناصر السرد ومن ثم العودة الى المادة الخام التي تكون راكدة على شكل وجود قبلي على النص السردي..ولتحديدها فعلى الكاتب ان يضع شكلا اواليا لها لايحتكم الى قانون ـ تلك عملية تجري قبل نقل النص الى خطاطة سردية وفي الغالب تتم تلك الحالة من دون تخطيط وربما من دون معرفة تامة عند الكاتب انما هي حالة ذهنية صرفة ـ التنظيم الذي يعده نقاد السيميائية شكلا نهائيا للقيم تلك التي تصفها الايديولوجيا بأنها وجود بعديّ للقيم ذاتها ..

 

 

 

 

 

 
 

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )