|
أسعد الهلالي
Helali33@yahoo.com
ـ سأكتب على
وجهي اللوحة بحروف بارزة وبلون أحمر فاقع ـ ممنوع الاقتراب ـ
ومضت عيناها
بإشعاع محبب .. شعرت بأنها اكتشفت حلا للحيرة التي تجاذبتها
منذ أسبوع مذ اعترض طريقها موظف المتجر سالم مستغلاً فرصة خلو
الممر الضيق من العابرين فاحاً بصوته الذي كان يشعرها بالغثيان
في كل مرة تتذكره فيها..
ـ أنت جميلة ..
جميلة.. وأنا لست طامعاً .. يكفيني نصفك الأعلى وليكن نصفك
الأسفل للآخرين ..
عادت من شرودها
المقيت لتكتشف بأنها تكز على أسنانها بمقت أشد وتنفرج شفتاها
بتقزز نافر منح رقة وجهها تغضناً صفعتها به المرآة حين عرضت
لها ما ستغدوه ملامحها بعد حفنة السنوات القادمة لا محالة ..
نظرت إلى المرآة الهازئة واقتربت لتمرر أناملها على تدويرة
وجهها الفتي .. إنها جميلة .. لم تقل المرآة ذلك إلاّ أن نظرات
الرجال تصرخ به فيبدو عليها تَلَمّظُ الاشتهاء، كما ينسّلُّ
عنوة من عيون النساء اللائي يشتعلن غيرة حين يصرخ جمالها
بوجوههن العجفاء.. كانت تبتسم بمرح لوجوه الرجال والنساء
فتزيدهم رغبة وتشعلهن غيرة ومقتا.. قفز وجه زميلها سالم ليحتل
مساحة المرآة ناظرا إليها بعينيه المتوفزتين اشتهاءً.. وشفتيه
اللتين أحجمتا عن الابتسام البليد للمرة الأولى تتمتمان بفحيح
أثار خوفها..
ـ يكفيني نصفك
الأعلى وليكن النصف الأسفل للآخرين...
فاجأها الدم
المتدفق من كفها وقد رسم احمراره شلالاً قانياً بدت التماعاته
فوق ابيضاض كفها الناصع مثيراً ومخيفاً في نفس الوقت.. دم غزير
جاهدت شرايين جسدها جميعاً لنبذه عبر الشق الذي توسط كفها..
تذكرت أنها هشمت وجه زميلها سالم فدوى صوت المرآة وتناثرت
كسراتها لتمطر كفها شلال الدم فوق كسرات المرآة.. رفعت يدها
إلى الأعلى محاولة إيقاف نزيف الدم فسال على ساعدها فذراعها..
شعرت بالحيرة والخوف.. تلفتت تبحث عن... عمّن؟ ..
ـ أينك أماه ؟
.. كل شئ في ابنتك صار يدمى .. قلبها .. جسدها .. لطالما
تمنيتِ موتي .. ها أنذي أموت .. دمي يغادرني يا أماه.. أتشعرين
الآن بالرضا؟ .. هل ستبثين نبأ موتي إلى زوجك الذي أرِدْتِهِ
لي أباً وأرادني خليلة..
ومضت في دماغها
المرتبك فكرة لم تكن أكثر أفكارها حمقاً على أية حال ..
ـ لماذا أنا من
يجب أن يموت.. لطالما آذوني ولم أؤذ أحداً .. يجب أن أشهد
موتهم لا موتي..
أسرعت لتقطع
خرقة قماش بيضاء ربطت بها جرح كفها فتسلل احمرار الدم القاني
عبر طيات القماش .. كان قلبها يمور بغضب ساخن وعيناها تبحثان
بقلق عن شئ لم تدرك بعد ماهيته.. استقر رأسها على صورة صغيرة
لوالدها كانت قد علقتها على الجدار قرب فراشها تماماً حين
استأجرت هذه الغرفة قبل ثلاثة أشهر غادرت فيها قريتها هاربة
لتسكن هذه المدينة الضاجة بالصخب.. اقتربت من والدها المسجون
في مستطيل الصورة الصغيرة.. لمست رقة أناملها غضون الوجه
المبتسم بحنين لطالما أبكاها.. همس صوتها المتهدج ..
ـ حتى أنت يا
أبت.. لماذا تخليت عني؟.. لماذا ارتضيت برودة قبرك؟.. لماذا لم
تصرخ روحك حين زفت أمي إلى الرجل الذي........... كنت تمد يدك
إليّ لتربت على رأسي بحنان، وتعابث خصلات شعري مشاكساً أمي
بكلماتك الدافئة كصباح صيفي..
ـ شعر ابنتنا
أجمل شعر رأيته.. من الذي يستحق أن تحتوي أنامله خصلات الذهب
هذه إن لم يكن ملكاً أو وزيراً..
كنت ترى الغيرة
تنط من عيني أمي فتضحك وتداعبني لأكركر فرحة، لم أكن أدرك بأنك
ستغادرني ذات رصاصة..
ـ طائشة...
قالت أمي ...
ـ سمعان
الجريان..
قال الجميع ..
ورغم ذاك فقد تزوجته يا أمي..
لثمت صورة
والدها الذي ما زال مبتسماً بحنين آسر.. وتهدجت حشرجة مريرة في
صدرها نفثت زخات من المطر الساخن سحّتْهُ عيناها المغرورقتان
بدموع نساء العالم.. نظرت بعينين ذابلتين إلى والدها الذي
انثلمت ابتسامته فغلفت عيناه غمامة من الحزن الداكن..
ـ جثوتُ على
قبرك يومذاك.. همستُ لدثارك الرملي البارد.. كنتُ قد تأكدتُ أن
لا أحد يسمع نشيجي.. قلت لك يا أبي.. كررت كلماتي كثيراً لكنك
لم تفعل شيئاً .. وواصل سمعان الجريان لعبة رسم خرائطه الشبقة
على جسدي.. كان يباغتني ليقرص نهدي فأسرع بالتملص منه ملتجئة
بأمي.. فيصرخ بي ناهراً أن أبتعد عنها.. وما إن أفعل حتى يقرص
نهدي الآخر فأدور من جدار إلى آخر ومن غرفة إلى أخرى هاربة من
أنامله الأفعوانية الخشنة.. كنت خائفة يا أبي ولم تفعل لي أنت
شيئاً.. أي شئ..
نظرتْ إلى كفها
الذي تخثر الدم على خرقة القماش التي لفته بها .. واقتربت من
كسرات المرآة لتلملمها خشية أن تجرح قدمها.. صارت تحمل القطع
المهشمة قطعة قطعة لتضعها في صحن بلاستيكي صغير.. كم كانت تخشى
أن تجرح قدميها.. يجب أن تكونا سالمتين تماماً لتستطيع مواصلة
عملها الذي لم يمض على استلامها له سوى شهر.. كانت قد دخلت
المبنى الفاره المكتظ بالأشياء.. انبهرت نظراتها وهي تقلبها
بين هذا الكدس المدهش من الأشياء.. كانت قد أفرغت جيب سمعان
الجريان حين أدركت بأنه سيتمكن منها أخيراً، بعد أن أقنع أمها
بأنه يتعمد القسوة ليحمي العاهرة الصغيرة من انحراف وشيك، كان
يردد كذباته التي صدقتها أمها ببلاهة ..
ـ إنها كابنتي
.. فدعي لي أمر حمايتها حتى من نفسها ..
كانت آخر ريالات
سمعان الجريان قد أوشكت على النفاذ بعد أن أنهت الشهرين
التاليين لهروبها مكتفية بما لا يكاد يسد الرمق، مرتضية السكن
في غرفة صغيرة باردة شبه خاوية.. نامت في ليلتها الأولى على
الأرض ملتحفة خوفها وحلمها بغدٍ يبعد عن جسدها أنامل سمعان
الأفعوانية.. وقد أوشكت جارتها على البكاء حين أطلت عليها من
النافذة فشاهدت انكماشها المقرور.. كانت قد فشلت في ستر هتك
النافذة لوحدتها الباردة بقطعة قماش أو ورقة فأدركت أن غرفتها
لن تكون سوراً لعري روحها وجدب جسدها.. غرفة دونما فراش أو
غطاء أو ستارة للنافذة .. فتاة دونما مرآة أو ملابس لائقة ..
جسد فاتن ووجه ساحر تحيطهما كوابيس الأفاعي المتسللة لتخترق
عريها اللابد في زوايا الغرف الموحشة.. كائن وحيد .. وحيد..
كقمة جبل أجرد.. في ذلك الصباح الرائق شعرت بأن العيد لن يكون
أجمل من اختراق جارتها لعتبة غرفتها الخاوية حاملة فراشاً
وغطاء وستارة ومرآة..
لم تبذل جهداً
كبيرا للحصول على عمل في هذا المتجر الكبير، فحين أوشكت النقود
التي أخذتها من جيب سمعان الجريان على النفاذ أدركت أن عليها
أن تعمل وإلاّ فسيحدث ما قالته جارتها برعب.. وسيغدو جسدها
نهباً لأفواه الرجال ومحطاً لرغباتهم المحمومة .. سألت الموظف
ذا الشفتين المبتسمتين دوماً:
ـ أخبر المدير
بأني أبحث عن عمل..
اتسعت ابتسامته
وهو يبتعد مجتازاً جدارا ملوناً سرعان ما ظهر أمامه ليشير
إليها بسبابته فأسرعت لاجتياز الجدار الملون..
كان المدير
رجلاً في الخمسين من العمر، أسمر الوجه، فاقع النظرات، التهمت
نظراته وجهها القمحي.. ملامحها الرقيقة المطرقة .. جسدها
الأهيف .. ابتسم بشئ من الرضا الغامض .. تمتم:
ـ ثلاثون ألف
ريال..
اتسعت ابتسامتها
.. ارتشفت شرايينها جرعة هائلة من فرح لم تعرفه منذ زمن طويل،
فطفا الاحمرار على وجنتيها وشفتيها وظاهر كفيها.. ربما لو تسنى
لعريها أن يبدو لرسم احمرار الفرح مساحات شاسعة من جسدها..
أضمر المدير ابتسامة أحسن إخفائها، فقد أدرك بأن جسدها قد
صبغته حمرة الفرح وأيقن بأنه سيجوس لدونته ذات يوم قريب.. كانت
تشير برأسها موافقة بعد أن شلت المفاجأة لسانها، أشار المدير
إلى الموظف بتدريبها إلى ما يجب عليها عمله..
بعد أيام لم تكن
كافية لانهيار جبل الفرح تسللت الأنامل الأفعوانية لتدعك
مؤخرتها مرة وتهصر ذراعها مرة أخرى .. عاودت لعبة تملصها من
سمعان الجريان الذي أرسل أفعواناته إلى أكف المدير ليواصل
محاصرتها ومطاردة ذعرها من زاوية إلى جدار .. لكنها لم تكن
تتوقع محاصرة زميلها الذي لا يكف عن الابتسام وصوته اللاهث
بفحيح رغبة مستعرة..
ـ يكفيني نصفك
الأعلى وليكن النصف الأسفل للآخرين...
تسلل الغضب إلى
قدميها فصارتا تتحركان باندفاع غامض من ركن إلى آخر في غرفتها
الخاوية سوى من فراش عتيق ومرآة مهشمة.. والكثير من الدماء
الآخذة بالتخثر.. التقطت ورقة سميكة كانت غطاء لروزنامة تحمل
اسماً بارزاً للمتجر الذي تعمل فيه.. كان ابيضاض الورقة بليداً
.. رقيقاً.. شعرت لوهلة بأنه كثير الشبه بجسدها.. ومثلما تضرج
جسدها باحمرار الفرح ذات يوم بدا لها بعيداً كقريتها النائية..
عليها أن تخربش بلادة الورقة الرقيقة البيضاء باحمرار دمها
لتحملها تعويذة تمنع عنها الأفعوانات الشرسة.. غمست طرف
سبابتها في بقعة الدم القانية.. وكتبت حروفاً بارزة كانت تكز
على أسنانها وتضغط شفتيها مسربة غضباً احتواها مذ احتوى القبر
البائس والدها وتسلل إليها بوقاحة شرسة مع أفعوانات أكف سمعان
الجريان.. والمدير الأسمر الوجه وزميلها الغائص في انجذاب
مقيت.. كان غضبها يرسم باحمرار الدم القاني كلماتها المعبئة
بكل ما احتوته دواخلها من غضب ورجاء ويأس ( ممنوع الاقتراب )
.. ابتسمت بجذل حين ركزت أمام عينها أكبر كسرات المرآة وبسطت
الورقة التي ضاع نصوع ابيضاضها تحت شوارع حمراء لا تودي إلاّ
إلى تيه صحراء بيضاء شاسعة.. فرشت تعويذتها على صدرها .. بدت
الكلمات معكوسة في المرآة لكنها تمكنت من قراءتها بيسر ( ممنوع
الاقتراب ) .. تسرب احمرار الفرح إلى جسدها مجتازاً لفافات
الخرق التي تخثر الدم تحتها حيث الكف القمحية مشربة بالحمرة
كجسدها الذي بدأ احمرار الفرح بالتمدد فوقه.. ابتسمت نواجذها..
فارتعش نسيم من رذاذ الجمال على كسرة المرآة .. كانت ابتسامتها
متراقصة بين الحواف الناتئة لكسرة المرآة حين وضعت ورقة (ممنوع
الاقتراب) جانباً .. فكرت .. فأطرقت عيناها وارتعشت أطرافها..
وأوشك احمرار الفرح على الانحسار عن نعومة قمحها..
ـ لم أره قبل
الآن.... الفرح يتضرج أحمراً على جسدي.. أهذا ما أظنه أم هو
كذلك حقاً؟.. هل أنا جميلة ؟
ترددت أصداء
كلماتها بين أرجاء الحجرة متطايرة من جدار لترتطم بآخر.. تذكرت
بأنها همست سؤالها..
ـ هل أنا
جميلة؟..
فما بالها تسمعه
صرخات جائعة تتلوى حولها ككرات متقافزة بين الجدران.. تخلت عن
ثوبها ببطء وهدوء باردين.. وسرعان ما شعّ ابيضاض مشرب بحمرة
بدت لعينيها ألسنة من نار متلظية.. كانت عارية تماماً تبسط
انحناءات جسدها اللدن بين حواف كسرة المرآة الناتئة إلاّ أن
مكانا غامضاً في رأسها لم يتوقف عن الدوران حول استعار نار
شيطانية هائلة..
ـ تصهر النار كل
شئ.. تعيد الذهب ذهباً وتذيب الشوائب.. ما الذي ستصهره النار
من جسدي؟ .. هل سيبدو ذهبه ذهباً أم تراه مجرد شوائب سرعان ما
ستذوب.. هل أنا جميلة حقاً أم أن هذا صورة مزيفة.. النار تعيد
كل شئ إلى جوهره .. النار...
أسرعت إلى علبة
الثقاب فأشعلت عوداً تلألأ شعاعه البرتقالي أمام عينها وبين
حواف كسرة المرآة الناتئة.. نظرت إليه طويلاً.. ثم إلى عريها
اللاصف .. كان رأسها خاويا سوى من كلمات غامضة لا تني تدور بين
تلافيف دماغها المجهد..
ـ النار ستجلو
ما هو زائف.. جسدي ليس زائفاً .. جمال حقيقي لا يجب أن تدنسه
الأفعوانات.. آثار شراستها التي جاست جسدي هي الزائفة
فلأحرقها.. لكن .. ماذا سأفعل إذا كانت النار زائفة؟
لسعت أنمليها
نار عود الثقاب حين تفحم طرفه الأسفل فأشعلت عوداً آخر فآخر..
واصلت إشعال العيدان ومناجاة كسرة المرآة الناتئة.. لكنها لم
تفكر قط بأنها لم تكن وحيدة.. فهناك .. خلف زجاج النافذة عينا
فحلٍ لامظتان نجحتا في العثور على شق لم تنجح ستارة النافذة
على ستره.. فتسللت عبره نظرات هالها جمال العري القمحي المضرج
بالحمرة فتمردت عشرة أفعوانات شرسة صارت تتسلق الجدار وتوشك
على التسلل من خلال شق صغير في نافذة الحجرة البائسة ، بل إنها
فكرت بجنون بتحطيم الباب وخوض معركة ستنتهي لا ريب باحتلالها
أرضاً بيضاء مشربة بحمرة بالغة الروعة، أرضاً لم تزل بكراً حتى
هذه اللحظة..
صنعاء
25 أبريل 2005 |