العدد 19 -------------- مايس 2005     

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

أرض الشاعر الخضراء تذرف دموع الموت

قراءة في مجموعة الشاعر نصيف الناصري

   

 

 

- هادي الحسيني -

 

 

تنفرد الساحة الشعرية العراقية بامتيازات خاصة  تجعلها دائماً في طليعة الساحة الشعرية العربية ، لِما فيها من شعراء استطاعوا بقوة نصوصهم وامكانياتهم الفريدة من نوعها ان يتربعوا على عرش الشعر العربي ومنذ عصور قديمة وحديثة ..

 

ولهذا فأن الشعر عراقياً دون منازع ، على الرغم من وجود شعراء كبار في لبنان وسوريا ومصر وغيرها من بلداننا العربية الاخرى ، وعدا عن ذلك ثمة امتيازات في الشعر العراقي لم نجدها في بلدان عربية ، الا وهي عملية التجديد والتحديث المستمر حسب مواكبات العصر والمتغيرات في الظروف وتطورها ، فنرى ان اغلب ثورات الشعر قد انطلقت من العراق ، وعلى الرغم من بروز عشرات الشعراء العراقيين في الساحة العربية والعالمية ، كذلك ثمة العشرات او اكثر ممن يعمل في معمله الشعري في الظل او لم ينصفهم النقاد تارة وتارة اخرى لم ينشروا شعرهم ولا يحبذوا الظهور عبر وسائل الاعلام ...

 

وهنا اود الحديث عن شاعر الارض الخضراء ( نصيف الناصري ) والذي اصدر مجموعته الشعريةالوحيدة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت / عمان ، ولولا  فوز الشاعر الكبير المرحوم عبد الوهاب البياتي بجائزة سلطان العويس عام 1996 ، لما استطاع نصيف الناصري من طباعة مجموعته على نفقته الخاصة ، ولان البياتي تكفل بطبع خمسة مجموعات شعرية على نفقته الخاصة لخمسة شعراء عراقيين ، وقد كانت ( ارض خضراء مثل ابواب السنة ) واحدة من المجموعات الخمسة ، فنصيف الناصري شاعر متمكن من كتابة القصيدة الحديثة بشكل ملفت للنظر ، وقد استطاع هذا الشاعر ان يشق له طريقاً خاصاً به لا يشبهه طريق اخر ، فقاريء شعره يمضي في تصورات يمتزج فيها الخيال والواقعي في ذات اللحظة ، والجاد والهزلي وكذلك سؤاله المستمر عن الموت والحياة والظلم والحرب وويلاتها ..

 

وبما ان وطننا العراق قد عصفت به الحروب الطاحنة والتقلبات السياسية المستمرة ، ولان جغرافية وطقس العراق كحروبه وكظلم حكامه الذين تعاقبوا عليه منذ سنوات طويلة وحتى الان ، فكل تلك العوامل انتجت الكم الهائل والنوعية الراقية من الشعر والشعراء ..

 

وتتجلى قصائد المجموعة في السخرية بطريقة فريدة من الحرب وكوارثها ، ومن الموت واضرحته ومن دكتاتوريات الظلم والبطش المتربعة على نفوس الناس الفقراء ، ومن القدر وسخريته ، ومن الحبيبة والوطن العراق الذي كلما تقرب اليه الشاعر ، ابتعد عنه من قوة ظلم حكامه الذين جعلوا الاخضر يابس واليابس رماد لا يمكن اخضراره مرة اخرى ...

 

كل هذه الاشياء يطرقها الشاعر نصيف الناصري في مجموعته الشعرية ارض خضراء مثل ابواب السنة ، ويلتقطها بدقة متناهية ويتعامل معها بحذر كما لو انه ساعاتي حين يتعامل مع الساعة اثناء تصليحها بكثير من الدقة والاعتناء ..

 

هنا في هذه القبور المجهولة

حيث نار الانسان مطفأة تحت الرماد الفقير

ستبقى شعلتان تضيئان درب الابدية

كما تحليق حرّ فوق ليل العالم

كما شمس حقيقية ترسم اللالىء فوق سديم الايام الميتة

شعلتان قويتان عينا الشاعر ... ص5

 

هكذا تبدو لنصيف الناصري الاشياء كلها ، فهو يحلق حراً فوق هذا العالم معتبراً عينا الشاعر هما الشعلتان القويتان في الايام الصعبة الحرجة التي عّمت الوطن  جراء ما آلت اليه حروب ومجازر النظام الاحمق ..

 

وعن امريكا وحروبها مع البشرية يقول الناصري في قصيدته ( امريكا حروب ، مجاعات ، حيوانات ( قذرة ) ص25:

 

امريكا شمسكِ الوحشية تسطع على عاركِ ونذالاتك

واقمارك السود تتعثر بخوذات واثداء مطاطية

وجزمات بسيقان مقطوعة

آه  يا لخرابك

يا لابواقك الوحشية

امريكا انتِ هبوب شظايا طوال العام

تفتحين صباحي بقذيفة

تغمضين عيني بشظية

امريكا موت مفتوح على جبال مميتة ..

 

لقد سأم هذا الشاعر من الحروب التي تفتعلها امريكا على البشرية ، كما سأم الحروب التي كان يفتعلها نظام العراق البائد مع جيرانه وابناء شعبه ، فقد عانى الشاعر معاناة مريرة من تلك الحروب وظل يحلم برغبات غالبا ما تكون مؤجلة ولا يستطيع الحصول عليها ، كأن تكون نقودا او لقاءا مع حبيبة او الحصول على اجازة من جبهة القتل ..

 

ففي قصيدة رغبات مؤجلة يقول نصيف الناصري ص55 :

 

قلت لابي : اعطني نقودا لاسكر

فتح فمه فخرج منه أسد جائع .

قلت لحبيبتي : اعطني قبلة

فتحت فمها فخرجت منه لبوة .

قلت لآمر سريتي : اعطني اجازة يا سيدي

فتح فمه فخرجت منه دبابة .

الاسد الجائع / واللبوة / أصطحبتهما معي في نزهة على الدبابة

ثم عدت الى السجن مصدوع الرأس ....

 

وفي قصيدة ( محني الظهر تحت أوامركم ) ص77 يسخر الشاعر من شعارات القيادة واوامر الجيش أبان الحرب العراقية الايرانية حيث يقول :

 

هربت من الخدمة العسكرية عدة مرات

وأختبأت في أمكنة سرية كئيبة

حوكمت وسجنت

واعتبرت جرائمي في ( قادسية صدام ) مخلة بالشرف

والان انا عاطل عن العمل لا املك غرفة ولا غيمة ولا حذاء

ولا ثمن وجبة طعام

حياتي هامشية

علمتني صحيفة القادسية ان احب الوطن واموت من اجل ترابه

مع انني لا املك ذرة تراب واحدة ..

 

لقد تجاوز نصيف الناصري اقرانه في كتابة القصيدة الحديثة ، فهو يكتب القصيدة وكأنها قنبلة موقوته في الالام التي عاشها اثناء الحرب والهروبات من الجيش ، وبعد كل العلعلات والعقبات في حياته استطاع الخروج الى المنفى عله ان يجد ظالته ويحقق احلامه ورغباته المؤجلة دائماً ..

 

ارض خضراء مثل ابواب السنة  ، ديوان شعري مهم في تاريخ قصيدة النثر على مدى اكثر من عقدين من الزمان ...

 

 

 
 

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )