العدد 19 -------------- مايس 2005     

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

أسْتَرقُّ السمعَ للآلهة

 
   

 

 

فيصل قرقطي

 

 

الى التي خانت روحها

الى م 

 

      تنامُ القصيدةُ فيَّ وأصحو على جمرةٍ في ذبولِ الكلام .

أحدِّقُ بالحرْفِ جنَّازَ أشرعةٍ /

واحتدامَ حياةٍ /

وبرقَ عيونٍ تكفِّنُها فتنةٌ في الظلامْ .

 

      وأصبُّ المدامةَ /

ذلَّ القوافيَ /

حشرجةً للنساءِ الطهوراتِ /

معصيةً في خداعِ التورُّطِ والمعجزاتِ

سجوداً يخالجُهُ ندمٌ في نواحِ الإمام .

 

      إمامُ المصلين

بي غايةٌ نُسِيَتْ في اتساعِ الفطامْ .

ولوَّنها برقُ آدمَ

في معصياتِ التمرُّدِ

هذا التمرُّدُ نمرٌ

يشبُّ عن الدمِ واللَّهْفَةِ الزائدة .

جثَّتي في اكتمالِ المساءِ على المائدة

والنواحُ نجومٌ ..

تخاصَمَ فيهِ الضياءُ مع الدمعِ/

والولَهُ البكرُ فجرُ القتامْ .

 

      تنامُ القصيدةُ فيَّ /

وأصحو على جمرةٍ في ذبولِ الكلامْ. .

مرمرٌ صوتُها في قيافةِ إثم الدهورْ /

والعرائسُ حنَّاءُ وجدي /

شاكَلَني الغيبُ /

نصَّ البيانُ المروِّعُ أحجيةً في صقيعِ حروفي /

تنادى المصلونَ قبْلَ فواتِ الأوانِ /

وقبلَ اشتباكِ نزيفي مع الشطِّ في العمرِ

والبحرُ ماءٌ غفورٌ

يجنُّ اذا فارقَ اللحنُ عُتْمَتَهُ في نسيجِ الغرامْ .

 

      تنامُ القصيدةُ في دمعتي

ويجنُّ صدى الحرفِ قبلَ اتساقِ الكلامِ .

وأفتحُ نافذتي للذي لا يكونُ من الصيفِ

أغلقُ نافذتي للذي لا يمرُّ على سعفةٍ في جنونِ الغمامْ.

 

      أطوِّحُ بالآسِ مجداً /

على قَبْرِها يبلعُ اللَّحْمَ

أمشي إلى ظلمةٍ في حنايا الترابِ /

أشيلُ العظامْ .

 

      تنامُ القصيدةُ في دمعتي /

والبكاءُ جنونُ الردى والحطامْ .

 

      رأيتُ شفاعةَ روحي

تطرِّزُني في هديلِ البنفسجِ

ترفعُني لمعالي اليقينِ

وتمْطِرُني  في عراءِ الهيامْ .

 

      وسبَّحْتُ باسمِ الذي لا سوايَ يقولُ الكلامْ

النشيدَ الحرامَ /

النشيدَ المعبأ في الروحِ

نجوى العصورِ وبرقَ اتساعِ العيونِ /

على وطنٍ في دمارِ العروقِ يمشِّطُ نجواهُ /

قبرةً في ذبولِ التوجُّسِ /

والسحرُ قامةُ هذا الفراغ المدوِّي /

تعطَّلَ مجرى الينابيعِ /

تخضرُّ سوسنةٌ في الردى

وأباري اصطباري /

أباري ضراعةَ مولدِها /

والقوافي التي حبلتْ في شجونِ القصيدةِ /

أرفعُها لاكتئابِ الوسامْ.

 

      أفجِّرُ مثوى الجنازاتِ من إرثِها في اندلاقِ الحروفِ

ومجرى الكلامِ .

أقطِّعُ ما فاتَ من زمنٍ في وعاءِ التوجُّسِ /

أسْتَرِقُ السَمْعَ للآلهة /

وأخونُ الهدايةَ /

إن التي بينَ بيني وبيني /

إلهٌ..عصيٌّ على النورِ والسحرِ

أرْفَعَهُ في جبيني وسامْ .

 

 

20 / 8 / 1997

__________________________________________________

 2

-24- الجندي: "روخ"

"زارا": "رايخ"!

 

 

ها "زارا" يطل برأسه من جديد، من تحت الستائر الترابية ومن خلف متاريس الجند، ليكحل أجفان الفراغ بمدى الحرية.. الحرية العصية على العيش.. العصية على المصادرة.

ويقهقه "زارا" في وجه الجند المدججين بمعدن البلادة، والرصاص المجنون، بسحنة الغبار الأعمى. يقهقه "زارا" يعلو صوته مخترقا قبعاتهم..ليصل غيمة فوقهم في سماء نصف صافية، فوقهم، تمطر.. لا تمطر إلا له فيرتعدون من مطر شقي.. مطر يؤرخ أحمال الوزر على ياقاتهم الفوضوية. وعلى صفحات أعناقهم تلك التي ما إن تطول إلا لتقصر ثانية. و "زارا" يضحك في سره وجهره، يمد لسانه ساخرا من صراخ الجند.. ومن ظلالهم التي تتكوم تحت أشعة الشمس كأسمال لغموض ما إن يجيء حتى يزول. سوف يزول. وتزول الظلال، و "زارا" يمد لسانه، يعربد في سره، ودم ينزف في سره وجهره.

"زارا" يتلصص عليهم من تحت إبط الريح، فيلحظ العنجهية بكل ما تحمل في ثناياها وأعماقها من سواد وقرف، يراها تمشي على قدمين ولها يدان وعينان وأذنان. ولهما فراغ تقاطع الطرق تحت بيتي تماما في المفترق الأول للرام المفرق الأول عند مطار قلنديا، الذي يمتد.. ويمتد مدرجه إلى حيث ينتهي النظر.. ولكن الجموع المارة في الاتجاهين سيرا على الأقدام لا تتعب أبدا.

ذاهبون إلى رام الله يجب أن يجتازوا الحاجز مشيا على الأقدام قادمون من رام الله إلى الرام أيضا يجب أن يترجلوا من سيارات النقل ليمشوا ويمشوا أطفالا.. نساء شيوخا رجالا.. أولادا.. حتى يجتازوا الحاجز.

لم يستطع "زارا" أن يألف، أو يأتلف، وهذا المشهد الذي يوميا بل كل ساعة وكل دقائق. إنه مشهد يرجع إنسانية الإنسان إلى رعويته الأولى ويرجعه إلى قهر الاستبداد.. وقهر الجند.. وقهر الآلة العسكرية.

الحديد يحاصر اللحم والجلد.

الجنود يحاصرون الطفولة.

الإسمنت يحاصر.

وعليك أن تأخذ نفسا عميقا وتقبض أعصابك. كيف لك أن تقبض أعصابك؟ بحيث لا تبدو عليك علامة تذمر أو سخط؟! كيف يمكن هذا؟!

أيمكن هذا؟!

"زارا" لا يستطيع وهذا ما حدث معه.

أفاق صباحا كمن في فيه ماء، احتسى قهوته بصمت فتح النافذة بصمت. دلق على جسده الماء نصف البارد والساخن في آن محدثا بعض الجلبة، صحا، تنبه، فصبح على من حوله.

ارتدى ملابسه دخن.. ودخن مع نشرة الأخبار:

-                               "قوات جيش الدفاع فرضت منذ فجر اليوم طوقا أمنيا مشددا على المناطق وشمل الطرق المؤدية بين قرى ومدن المناطق"

هم "زارا" في الخروج. مشى عشرات الأمتار حتى وصل إلى الدرجات الهابطة إلى مفرق الرام، مفرق المطار، ويسمى كذلك مفرق جبع. اجتاز الشارع بين السيارات الواقفة صرخ به أحد الجنود: "هي".. مع إشارة النداء في السبابة عقفا إلى الأعلى.

استغرب "زارا" هذه الحركة المهينة اللعينة من الجندي وهو لا يحب أن يتحدث صباحا. فانحاز إلى طرف الشارع وكرر "زارا" حركة الجندي ذاتها. السبابة إلى الأعلى مع العقف للأعلى أيضا إشارة للنداء.

تقدم الجندي منه.

أبرز "زارا" بطاقته، أخذها الجندي.

وبدأ بالتحدث مع "زارا" بلغة لا يفهمها. سأله "زارا": أتتحدث الانكليزية (لم يفهم الجندي)؟

-                               ولا العربية (رد الجندي شوي).

صرخ به "زارا": ولماذا لا تتحدث العربية، منذ ثلاثين سنة وأنت هنا ولم تتعلم العربية بعد؟!!

استغرب الجندي، وتابع "زارا" حديثه: أنا صحفي.

فرفع الجندي يده بإشارة عفوية من يده وقائلا في الان ذاته: آسف، مسك "زارا" بسبابته وحدق في عينيه مليا قائلا له:

-                               لا تكرر هذه الحركة مرة ثانية.. وإلا قصصت هذه السبابة أتفهم؟ (أجاب نعم)

تركه "زارا" بعد أن أخذ منه البطاقة ومشى.

وفي اليوم الثاني، تماما صباحا استوقفه جندي آخر.

رأى البطاقة وسأله: "أريحا"؟!

-                               نعم اريحا

-                                 وأين تذهب؟!

-                                 إلى رام الله.

-                                 ممنوع!!

-                                 كيف ذلك!! سأذهب إلى عملي.

-                                 وماذا تعمل؟!

-                                 صحفي.

-                                 روخ.

-                                 رايخ.

-                                 فكر "زارا" في سره وجهره وبدأ يردد رايخ.. رايخ. كل الحق على الرايخ. سحقا للرايخ الذي ابتلانا بهذا البلاء الذي لا قبله.. ولا بعده من بلاء.

-                                  

***

 

زارا الفلسطيني حتى العظم هذا راق له الآن أن يحاكم نفسه، وروحه تلك الهائمة في بحر متلاطم الأمواج ليس له قرار.. زارا وهو يحترق يرى ظلاله تتراقص على الجدران. زارا هذا يشذب أطراف الجحيم ولا يحظى بنسمة تبرد عرقه المتصبب. يلتوي مع الفراغ، ويلوي الأفق الدامع بقبضته اللينة.

أهي الحياة إلى هذا الحد رخيصة.

يجب علي أن أكفن الوقت.

وأسحب الكلمات من فم الشياطين اعترافات لانتهاكات الوقت الضالع في النزق الضالع في القطيعة من طنجة حتى باب المندب حتى حدود أم الشرايط.

أم الشرايط.. هذه أم لا ترحم كأنها خارجة على القانون ولا تعرف إلى أي قانون تنتمي في العرف الجغرافي هي من أعمال رام الله، وفي عرف الاحتلال هي من توابع القدس التي تعتبر إسرائيلية بقانون إسرائيل.. والضرائب ونظام السير.. ونسق حياة إلا قله تتمرد.

زارا يبحث عن ظلاله بين إغفاءة الضوء على جغرافيا الروح وانتشار الأرض التي تمتد كل يوم أكثر تبعا للقوانين الإسرائيلية.

زارا هذا، مجنون الإفك، خادم الرعية التي لا تعرف شيئا عن حالها، خادم جحيم المعرفة، وطقس العذوبة في تحدي العاشق.. زارا هذا مجنون ويعبد جنونه النقي حتى الصراخ.. زارا لا يخدع أحدا يشيل رسالة سامية.. كنعانية على كاهله.

-                               أتريد أن تصلح الكون؟!

-                                 يا شيخي الضرير لم يعد لي متسع، أو متكأ في هذا العالم المنتهك حتى فراغ الروح.

-                                 يا شيخي الضرير.. زارا يحلم ببراءة تعشوشب على جدران الحدائق والبيوت قبل أن تسحق على جدران الروح والقلب..

زارا يفقد الثقة.. يكاد أن يفقد الثقة بالوقت والكون.. والحياة.

زارا يدلق الفجيعة على كاهل الرحمة الآدمية، يغذي نسغ الكلمات بغليان عروقه الجارف.. ينتظر النماء.. لا شيء ينمو سوى الانكسار والخديعة.

المدائن لا ترى زارا يسير ودخان حرائقه يحوله إلى كتلة من نار يسير أمام حلمه يجر خطواته عنوة، كعناقيد من دم المأساة.

من أية طينة كونتك الآلهة يا ابنة الصراع الخفي مع الغموض؟!

ليمتلك خطاب أصم، كأنه قد من خيوط المأساة.

كأنه ألواح جليد لا تحفل باستئصال الوجد في أضلعي.

كأنه غناء المشاعية.

وتتربعين على عرش الصمت، غير آبهة بالزلازل التي تعصف بي..

بك من كل حدب وصوب.

كأنك دمار السفن العائدة من خلف الآفاق الدامية التي تحفظ أسرار العيون.. العيون التي هتكت بها أصوات المسرة.

وجاءت في ظهيرة ناعسة، متعبة، تجر خلف خطوط ضوء عينيها أشباحا وصورا لتعب ويقين مذبوح، الوجه أحمر كأنه خارج للتو من تنور المأساة، منطفئ النور، مائل إلى الزرقة قليلا.. وإلى السواد قليلا لا يحتمل الضوء، كأنه الهارب أبدا من الحقيقة وراء غيمات الشبق الأعمى.

وأنت تدورين كمروحة من هواء ولا تصلين أبدا.

الوجع سيد كل شيء وأنت.. أنت كأنك انشغال الفصول التي لا تكتمل والأيام الضائعة من ترتيب التقويم والساعات الذائبة في محيطها العاري والدقائق العارية كوجع الروح.

الانتحار سيد كل شيء.

وأنت.. أنت احتدام نشيد الفجر في الحل والترحال وصوت بكاء الدمعة اليهودية التي تتفنن في تمثيل دور الضحية على مسارح من أرق وأجساد وضحايا، يختلط فيها الجمهور بالممثلين بالضحايا وأنت.. أنت انكسار اليقين الضائع وراء الصمت تارة تارة، ووراء البكاء والانهيار تارة أخرى، ووراء التحدي الذي يتقن رصانة الانفلات من قبضة شوقي اللاهث كدموع الكهنة والنساك.

وأنت.. أنت رواية بدأت خاتمتها قبل أن تكتمل.

إذا فلنلعب النرد، يا التي أعبدها، مع شياطين الحكمة ونفتح حوارا شقيا مع أعماقنا السحيقة، علنا نصل إلى ملاذ الأجنة وطهارة الروح في أعماقنا. زارا هذا لا يعرف الصمت، إنه الآن يشرب "نابليون" في أول معركة، حتى آخر المشهد في قبلة ما قبل الوداع.

لم يكن وداع بيننا لأنه لم يكن هناك لقاء، فلنلعب النرد إذا بأحجار قديمة، ولكن بأحجار الحقيقة تلك التي لا تملكين منها شيئا.

العبي بأحجارك المزيفة، وأنا سأدافع عن خصوصية اللعبة، وطهارة الانهزام.. أو الانتصار في معركة خاسرة سلفا، منذ أن دخل العرب الأندلس.. وكنت عشيقة عطيل المغربي على اسرة فتحها العرب.

إذ ذاك كانت خطيئتي الأولى والأخيرة أنني منحتك الفرصة لإثبات طهارة الروح التي خرجت مدماة من الأندلس.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

***

 

المجنون هذا يعذبني، لا يعرف المجاملة، يركض في دروب قحط، لا يصل غبار الطلع في مساحة نهاركم.. وليلكم.. أيها اللصوص، المنافقون وأنتم.. تزينون بريق دروبكم بادعاءات لا يقدر عليها إلا من تسكن روحه.. روح الشيطان.

أيها المولعون بالنميمة، والسرقة، متناسين ما يتحتم عليكم كواجب، أداء المسؤوليات تبعا لحاجات الشعب وبناء الدولة الفتية، الدولة التي بحاجة للكل. سوف لن تبنوا إلا بيوتكم بأموال نت رنين دموع الشعب على جوع يستفحل في المهرجان.

المجنون يمشي في الدروب لاهثا وحقيبته الرصاصية على ظهره تضم أشعاره ونصوصه. المجنون يضيع في منحنيات الدروب.

المجنون هذا للتذكير ليس إلا خزان حروف تنبض في دمه المراق في المنعطفات وصرير الليل الأعمى على ورق كبياض القطيعة.

رتب الماضي في غرف ودهاليز في نبوغ الورق.. وأعطاف اللغة.. وفي اليوم السابع لم يسترح كعادة أهل الخلق، وأصل عمله كحفار قبور لأجساد تتقاطر في نزيف الكلم.. ولم يدر أبدا أنه يحفر قبره بيديه.

كانت ضوابط.. ومخاطر في المنافي تحده وتمنعه من إطلاق صرخته من جوف قبره، أما الآن بالمجنون في الوطن ويستطيع أن يقول كلمته ولا يمضي.. يستطيع أن يرددها ناقوسا ينذر، أو يفجر الخطر الداهم، المجنون يلعب بدمه، لا بأس فهل تحتمل حروف المطبوعات دمه؟!

المجنون يكاد يئن في وحدته على وحدته ، لا عمل.. ولا بيت.. ولا كتاب...

المجنون يضيع عن سبق إصرار وترصد.

المجنون لن يضيع .. سوف يفجر الأرض من تحت أقدام أرباب الفساد، ورجالات التناقض والتوافق الزائفة والزائفين.

المجنون يحترق حينما يقترب من معادلته التناقض والتوافق، لا لشيء وإنما يريدها معجزة الشعب يحكمها نبراس حط في أفئدتنا كل براعة الصبر والألفة والحنان.. والنبوغ.

لكن المجنون لا يجد شيئا من هذا:

أيعقل أن يأخذ المجنون هويته الصحفية من مراسل متدرب؟!

المجنون لا يجيد استخدام "التلفون"ويمقت التحدث مع ذوي الشأن. إنه يحتقر ذلك..المجنون أكبر من ذلك يعرفه الهواء الطالع من سدنة المعبد والشهيق الهابط من تحت إبط الوليمة في غفران الشعب.. وليمة الشعب.. وليمة العذاب.. لسنين ولم تترك للاتزان.

المجنون استقبله الحرس، قدم له القهوة المرة وساقه إلى ميدان واسع.. وفسيح في الوطن.. وتركه كحيوان .. وقال له ارع دونك الكلأ والماء،  وجفاف هو العمر. 

المجنون يحس أنه يضيع.. المجنون لن يضيع. المجنون من لاجئي العام 1948 ليس له قبيلة، ليس له عشيرة، ليس له معارف حتى، له حبيباته المدن.. والمدن حبيباته.. المجنون له كل شئ.. كل شئ.. أتسمعون؟!

المجنون تتخاطفه المؤسسات ولا تحتمله من أول يوم أو أول مجادلة. المجنون نقيض القائم. نقيض الفساد.. أن صوته أبعد من حدود جيوبهم.

المجنون يهرب الآن لحبيبته ولا يجدها.. يهرب لأطفاله فلا يجدهم.. إنه لا يملك ثمن إحضاركم من المنفى.. يضيع.. إنه لا يضيع.

قبل شهرين وظفوا "المجنون" مديرا لتحرير صحيفة حاول قصارى جهوده كي يطورها، فمكث خلال ساعات الدوام يعارك كي ينال عمله ويطلع على المواد لا لسبب إلا لأن رئيس تحريرها ارفع من أن يذكر وما أن أحس أن "زارا" يعمل تحت إمرته كمدير تحرير حتى طاولت عنقه السماء، سوف لن ينجح في مهمته القادمة وكذلك رئيسه لن ينجح كذلك.

"زارا" أراد أن يشغل حبيبته الصحفية القديرة في "الجريدة الجديدة". قبلوها في البداية.. ثم قبلوها في النهاية ورفضوه.

هل هناك أدنى من هذا المستوى في التعامل مع الصحافة وهذه المهنة التي تشرف الإنسان وتكبره حتى وإن كان صغيرا.

زارا لا يندم على شئ. "زارا" يعبئ كمده في جيوبه ويتلقى تلفون المسؤول "الله يسهل عليك". لم يجب "زارا" قفل الهاتف. فكر بها.. فكر بها مليا.. وابتعد مسرعا، أينها يا ترى؟!

أينها يا ترى؟!

"زارا" يحاول أن يبتسم، أن يضحك، فتنزل دمعة حارة من عينه لا على حبيبته، وإنما على المؤسسة التي تريد أن تبني وطنا.

 

 
 

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )