رواية

 المزمار

 

نصوص عراقية

 

 

العدد 23 -- أيلول 2005

 

تصدر عن موقع الكاتب العراقي

 تحت اشراف القاص  سلام إبراهيم

يرجى ارسال المواد الى

salam54@maktoob.com

 

شروط النشر: لم يسبق نشر المادة في المواقع الألكترونية ويجب الالتزام بعدم نشرها على النت الا بعد نفاد مفعول العدد (شهر واحد).

يجب أن تكون المادة مكتوبة ببرنامج الوورد ومصححة لغويآ ومرفقة كملف


الأفتتاحية

 سلام إبراهيم: أدب عراقي لا أدب خارج وداخل

مقالات في الأدب 
 
 د. عدنان الظاهر:   البياتي 
 محمد مظلوم: الرصافي بعد ستين عاما
 د. إبراهيم الجعفري: في ذكرى الجواهري  
 سلام إبراهيم: كتاب كانوا سوط الجلاد  
 كريم كطافة: من أفشى السر
 عزيز التميمي: كلود سيمون والرواية الجديدة
 طالب عبد الأمير: سحر الشرق

الشعر

 صادق الطريحي: نساء في مقبرة
 مفيد عزيز البلداوي: أرى أنني لا أرى 

 عبد اللطيف الحرز: كتاب الموت
 ترجمة: بدل رفو: قصائد من الشعر النمساوي
 
  نص
 نص مشترك:  نحن مع ( أبو بكر زمال) ضد ساسة
 

 القصة
 
 يوسف أبو الفوز: من سيرسم لي الودرة
 اعتقال الطائي: طقوس
 سلام عبود : ليس مباحا للمرء أن يكون طويلا في بغداد
 صبيحة شبر: محاولة

 رافع الصفار: متاهات الزمن المفقود
 طالب عبد الأمير: في يوم تموزي لاهب
 سلام إبراهيم : رؤيا اليقين
 صبيحة شبر: نقد قصص العدد الماضي

 
 الرواية 
 
 حمودي عبد المحسن:  أربعة فصول من المزمار
 سلام عبود: فصل من رواية زهرة الرازقي
 

 متابعات 
 عنابة جابر: زواج أجمل امرأة
 سناء الموصلي: زهرة الرازقي لسلام عبود

 توفيق التونجي:  المزمار لحمودي عبد المحسن

 شاكر رزيج فرج: طائر الدهشة ليوسف أبو الفوز قصص  
 جمال بو حسّون: سرير الرمل لسلام إبراهيم 
 
حوارات في الثقافة العراقية
 عادل عبد الله :  أدبائنا في المنفى
 علي حسن الفواز:عطالة النخب 
  سلام عبود: ثقافة العنف في العراق
 شاكر الأنباري: منْ يقتل منْ في العراق 
محمد مظلوم: المقهى العراقي ليس مقهى السنترال
 عادل عبد الله :  أدبائنا في الداخل
 سلام عبود: حرب الداخل والخارج

 

مدن وأرياف ووجوه
 زهير كاظم عبود: نبوءة الدكتور شناوة

 
 الحكاية
 سلام عبود:  أبو طبر
 محمد رشيد : حيوان خرافي

 أدب الرسائل
سلام إبراهيم   وكزار حنتوش:  ويمر عمر العراقي خطفا 

 ذكريات ويوميات
 أعتقال الطائي:  إبراهيم زاير ودفاتر البنات
  سلام إبراهيم: قالت لي: أنا عندي حنين
 يوسف أبو الفوز: لابد أن نلتقي
 

 كتاب الشهر
 
 سلام إبراهيم: الفتيت المبعثر رواية محسن الرملي

 
أدب شعبي

جمعة الحلفي: يا بحر

 

 

عودة الى موقع الكاتب العراقي

 

 

 

حمودي عبد محسن 

 

 

الإهداء

    

              أنت ، الذي تزهو روحك في وردة

              في راحة طفل

              في ابتسامة نرجس

              في تاج نخلة

              أنت،الذي أحببت عشبة برية

              رجع ناعور

              هدأة ليل

              و آخر نجمة

             أنت ، الذي تجلس متأملا ابتسامة أبدية

            غابة عذراء

            استقامة سبندار

            و غبشة بهية

            أنت،الذي اسمك أجنحة طيور زاهية

            ثابت

            و حبيب

            و عانة

      

 

                                               1

 

                   من بيت كبير يواجه الفرات في منطقة ( رأس الغربي ) من محلة ( العباسية ) ، يبدأ فيضان الحياة ، و تبدأ مأثرة الوجود اليومي لطفل في السادسة من عمره، اسمه ( نيران ) .الآن استلقى في جوف حكاية قديمة خفية ممتزجة بحسرات جدته العجوز العمياء ، وصوتها الوقور ، يستمع إليها بنفس هدوء و متعة ليالي الصيف و الخريف و الشتاء ، حكايات بعضها مفرح ، بعضها ساخر ، تتشرب بالمطر و التأوهات ليمضي معها إلى زمن بعيد ، راكضا في مروج خضراء أو تائها في صحراء قاحلة أو غارقا في بحر أظلم ، باحثا عن بيت مهجور تحت الماء ، فقد تعلق بحكايات جدته ، ينساب معها ، و ينساب إلى أشياء مستحيلة ،  يستمتع بها كتلك النجمة المتسترة بين النجوم ، العاشقة للقمر، فيتحرك في منامه كي ينسج حكايته الخاصة ، المستمدة من حكاية جدته باللحن ذاته ، و بدفء الصوت ذاته ، برئ و شفاف،يخضعها له ، يكيفها وفق إرادته ، يلغي بعض صورها ، ثم يرويها في صباح اليوم التالي إلى صديقته ( همسة ) ذات العمر نفسه ، يكرر نفس الكلمات التي قالتها جدته عن ذلك الكهف الذي عاشت فيه فراشة حمراء لها مائة عين ، تستمع ( همسة ) إليه ، فتتقارب معها الكلمات هاربة من كل الموجودات التي تحيطها ، فتصبح الحكاية خارجة عن التاريخ ، و تتراءى لها الأشياء مجرد متعة بلا حدود ، غير مختلطة بالحروب التي تمتد جذورها إلى دموع منهارة من خلف أقنعتها ، تغسل خدودا ذابلة و قلائد ذهب مرصعة بالجواهر ، تتكلم ( همسة ) ، تقهقه ثم تلعب هادئة ، مرتاحة ، تسكنها الحكاية نفسها ، و تحلق بصمتها مع الهواء كورقة معطرة بالرحيق ، تحمل طباع الأرض . فجأة تجد نفسها تطير مبتسمة دون هموم مع العصافير و الفراشات فوق حقل زهور ، تتشبع بقطرات الندى ، و تنام في ليلة هانئة تحت ضوء القمر ، يهدهدها حلم ، ينشق القمر إلى نصفين ، ترتفع إليهما كهالة وضاءة ، تعاتبهما تؤنبهما ، فملايين البشر تبتهل إلى الضوء ، تخاف الظلمة ، تعيد( همسة ) التحامهما ، تسبح مبتهجة فوق سطح القمر مع الضوء ذاته...و في الصباح الذي يعقب الليل تستفيق ( همسة ) على خد ضوء آخر ، تتفجر في ثغرها ابتسامة عصر كامل ، و تتدفق كلمات رشيقة ، تنفذ إلى قلب ( نيران ) الذي يدفن فيه حكاية ، فتقول :

 

                     - أمس كنت مع القمر...

                     - القمر !

                    - أجل ، القمر...

 

         تتجدد الرغبة المفخخة في أعماق ( نيران ) ، لتنفلت منه حكاية الليل ، حكاية جدته التي تشد ( همسة ) إليها ، بغتة تنزع عن نفسها حكاية الثوب القديم الذي تنبعث منه أشعة حمراء ، و تختبر نفسها في الإبحار ، و التعلق ببعد بحر ، و ملوحة بحر،و عشب بحر ، و مياه بحر لها روح ، فتنطبع في ذاكرتها جزيرة نائية خضراء في وسط بحر ، فيطوف ( نيران ) البحار بخياله رغم انه لم ير بحرا ، تجرفه المياه سابحا فوقها ، غائصا في أعماقها ، يبحث في بحر لا اسم له ، غريب عميق ، بعيد و صاخب مليء بالعمالقة ، لم تره العمالقة ، كان يبتعد عن عيونها ، لكن صغارها رأته ، طاردته ، لم يكن يدري أين يختفي ، طوقته بأذرعها ، و قادته إلى حديقتها الخاصة ، و خاطبته :

 

                     - لا تخف ، يا ابن الأرض ، نحن نحبك .

 

        اقتلعت نبتة ، قدمتها له ،و تركته وحيدا ، نط إلى سطح المياه مثل سمكة فضية ، و راح يسبح و يسبح حتى وصل إلى ساحل عامر بالبساتين ، خلاب و جذاب ، لا تشبع منه العين ، و على حين غرة ظهرت صبية من ينبوع أخضر ، تقدمت نحوه ، أخذت النبتة من يده ، و قالت:

 

-    سأغذيها ، سأعتني بها ، ستصبح كبيرة ، و عندما تصبح كبيرة...

    كبيرة... سأقلمها ، هذه عادتي تماما...أن أعتني بالأشجار ، أنا أحبها جدا...

 

         بدت ( همسة ) ساهية كأنها تطوف فوق البحار ، وضعت كفها على خدها ، و سألت:

                     -و بعد...؟!

-الحنين أعادني إلى هنا ، يجب أن نحب أرضنا ، هكذا تقول جدتي...

                     - أمي أيضا تقول يجب أن نحب أرضنا...

 

        أما الآن فقد أراد أن ينام في ليلة تحتضن سماءها كواكب مسيرة ، ناشرة أذيالها المرتعشة فوق عناقيد أزهار محمولة على أغصان ندية ، بعضها تلامس الأرض ، لم تعجز هذه أن تكون جليلة نيرة كما لو أنها لا تمل أبدا ، تتأرجح أشبه بومضة فوق واحة موطنه الدافئة الفارعة العملاقة بطولها ، المحصورة بين الفرات و سلسلة وهاد،واحة متلفعة بليل عذري ، تضيق و تتسع ، و تندفع في بعض أطرافها إلى عرض الفرات ، تعانق جزره المطرزة في وسطه أشبه بكرات خضراء متلألئة كأنها ملجومة في الومضة ذاتها ، أراد أن ينام و يضرب بجناحيه كطائر ليلي لا يغفو إلا في واحته ، أراد أن ينام في إحساس بأنه في صباح غد سيلتقي ( همسة ) ، و يحكي لها حكاية جديدة،تحرك في سريره ، و راح يتطلع إلى الفانوس الذي ينبعث من زجاجته المقوسة ضوء باهت يلتصق ظله بالرف الموضوع عليه ، ثم نقل نظره إلى جدته التي اقتربت منه ، و هي تحدث نفسها كعادتها ، و تفكر ، و تتنهد ، ثم  تتذكر قبل أن تبدأ حكايتها ، و قبل أن توغل في أحداثها ، و أخيرا حسمت الأمر ، أنها ستكون حكاية لا تنتمي إلى زمن محدد ، فقالت : ( كان يا ما كان في قديم الزمان صبي يرعى قطيعه في البرية ، دائما يعزف على مزماره ، دائما يتأمل السحب ، و عندما ينتهي من عزفه الرقيق الصافي ، ترتعش أهدابه ، يجد نفسه ينجذب إليها ، تتحرك السحب ، تتبدد و تلتقي ، تتفرق و تتجمع ، تتداخل و تبتعد ، و تمتد فوق رأسه آلاف الصور البيضاء و الرمادية ، و هو ينتظر أن تبعث شيئا ، أحيانا تمطر ، أحيانا يرغب أن يحلق معها ، لكنه لا يستطيع ذلك ، انه فقط يستطيع أن يحلم ، ما إذا كانت ستحاكيه ، و هي تبدو له كأنها أيضا في حلم ، تحلم بالأرض ، ينديها المطر ، تمطر ، أنها لا تستطيع أن تنزل إلى الأرض ، أنها تستطيع فقط أن تكون في حلم ، تساءل الراعي مع نفسه : ( لماذا لا تحاكيه ؟ ) .ذات يوم ، و بينما هو يتأمل سحبه ، سمع عواء يقترب منه ، أخافه ذلك ، و أخاف غنمه الذي راح يتشتت في البرية ، أنتفض حائرا، و هو يصرخ و يركض كي يلم شتات قطيعه بيد انه لم يفلح في ذلك،بكى خيبته ، مناجيا سحبه لتكون معه ، و تبقى معه طويلا…بللته زخة مطر ، مصحوبة بصوت عذب كأنما يناديه :

         

                           - أعزف...

 

         نظر حوله ، شاهد صبية رائعة في جمالها ، تقف قبالته .ابتسمت ، و أردفت قائلة :

 

                      - أعزف،أيها الراعي .

         عزف الراعي...عزف كل ما تعلمه من جده بينما  راحت الصبية ترقص على أطراف أصابعها كأنها  تلامس الأرض ، و عيناها كانتا معلقتين إلى السحب كما لو أنها تريد الارتفاع إليها ، اختفى العواء ، توقف المطر ، و ظهرت السماء صافية ، و عاد الغنم ، و أخذ يقفز فرحا ، أما الصبية فهرولت إليه ، ورفعته من يده ، و هو يمسك مزماره بيده الأخرى ، ألصقته بجسدها ، و حلقت به شيئا فشيئا في الفضاء فوق البرية ، و واصلا طيرانهما ملتحمين ، سعيدين ، يذوب أحدهما في الآخر ، لكن نظرات ( نيران ) كانت مثبتة إلى أسفل ، إلى ( عانة ) التي بدت بقعة صغيرة خضراء ، متحدة بالأرض كجنينة جذابة ، حرك ذراعيه و ساقيه ، فرفرف جسده مثل طائر منسي ، حاول أن يفصل جسده عن الصبية ، لم يستطع ذلك ، تطلع إلى وجهها ، فسألته مرتابة :

-    لماذا تبكي؟

                       - أريد أن أنزل...

-    ألا تريد أن تعزف فوق السحب؟

                       - لا... أريد أن أنزل.

                      -ألا تريد أن تبقى فوق السحب؟

                      - لا...أريد أن أنزل.

           انتابته دهشة عندما تراخت أصابعه و أنفلت المزمار من يده ، و سقط في الفرات متواريا عنه ، ضائعا في قعره مع الأسماك التي راحت ترقص حوله ، و تنط إلى سطح المياه فرحة ، و منذ ذلك الوقت لا أحد يدري ، أين يوجد المزمار؟! أما الراعي فقد أدرك انه لا يقدر أن يترك ( عانة ) ، لا يقدر أن يعزف إلا في بريتها ، و منذ ذلك الوقت يا ولدي ، لم يعد يحلم أن يحلق فوق السحب…هكذا أنزلته الصبية قرب غنمه ، و فصلته  ، ثم و دعته بالقبل ، و أصبحا صديقين حميمين…في ذلك الوقت صار أهل ( عانة ) يطلقون على الراعي صديق السحب ، إذ وحده كان يستطيع أن يتحدث معها ، وحده يستطيع أن يعزف كلما احتاج إلى الصبية ، فتهب إليه،و تسأله عن طلبه ، و تحقق له كل ما يريد…ذلك كان في قديم الزمان ) .

 

    تفرس( نيران ) في غضون جدته الذابلة ، و أبدى بعينيه تعجبا و انتباها ، فاقترن ذلك بسؤال :

-    جدتي ،كيف استطاع أن يعزف ثانية بعد أن فقد مزماره ؟!

                        - جده صنع له مزمارا آخر .

          غرق في صمته ، مستغرقا في التفكير فيما إذا كان يقدر أن يكلم السحب التي تبدو له بعيدة ، بعد أن أكملت الجدة حكايتها،بعد أن أدخلته في عالم غريب ، مليء بالأسرار ، مليء بتأملات عميقة ، مليء بالمحبة،هذا ما أثار في داخله رغبة حميمة ، متعطشة ،  أن يتعلم العزف على المزمار، و في نفس الوقت أراد أن يعرف ، لماذا تتكون السحب؟! أراد أن يكتشف سرا من هذا الكون ، و كلما كشف سرا ، يزداد حبه لعانة ، يزداد عشقه للبرية ، و توغل نفسه في حياة كاملة ، متألقة في طبيعتها ، متوهجة بجلال في إيقاع حكايات جدته التي لا تنتهي ، لم يدر ( نيران ) كم هو مرهق هذا الزمان لجدته ، لذلك كم هو مفرح له أن ينام والده مع أمه في الغرفة المجاورة عندما يأتي سالما  في إجازته ، و كم هو ممتع أن يغط أخوه الرضيع في سريره الصغير، أما الحزن فينتابه حين يودع والده إلى جبهات القتال ، و هو يحبس في عينيه حرقة و دموعا ، هذا يرهقه تماما لانهمار دموعه الدافئة على وجنتيه المتقدتين حسرة و فراقا ، فيمسك يد أمه ، و يردد:

-    متى يرجع والدي ؟

                       - ... سيرجع بعون الله....

        

        عاد يرهقه سؤال ، يئن في أعماقه قبل أن يغط في نوم عميق : ( ماذا تفعل الصبية الآن ؟ و إذا تعلمت العزف…و عزفت كثيرا…هل ستحملني على ظهرها إلى السحب؟ )…مد يده تحت مخدته المحشوة بالريش ، و سحب ريشة منها ، ضمها في كفه لتمنحه قدرة كي يرتفع إلى الأعالي بأجنحة ملائكية و يتوغل في السحب ، و يقترب من النجوم ، و ليرى واحته فاتنة تتلامع  بخضرتها ، و يصرخ فرحا : ( هذه  عانة ) .

 

         سحبت الجدة نفسها بحذر ، تحسست جدار الحائط ، امتدت يدها إلى الرف ببطء ، و قبضت قاعدة الفانوس ، تلمست آلته الصغيرة الرفيعة التي ترفع و تنزل زجاجته المكورة ، ضغطتها إلى أسفل ، ارتفعت ثم قربت وجهها ، و نفخت ، انطفأت الفتيلة التي تبعث اللون الأصفر ، فساد ظلام غامض في الغرفة ، ظلام قابع في أعماق الجدة عندما انطفأت عيناها المشعتان قبل عدة سنوات ، و انكمشتا في الضوء ذاته ، كانت الجدة تقرع بعصاها أرضية الغرفة بهدوء كي لا تفزز حفيدها ، انحنت على فراشها ، و مدت عصاها قرب حافته ، لتعانق جنبه ، ثم تمددت لتنشد وحدتها دون أن تطلب شيئا من الدنيا ، و لتستسلم أيضا إلى الذكريات ، إلى تلك الأقدام التي تدق الأرض ، و تدبك ، إذ دقات متناسقة مع دوي الطبل تدبك بإيقاع فريد ، الكل يرقصون ، نساء و رجال ، يد تمسك يدا ، كتف يلامس كتفا ، الكل ينظرون إلى أقدامهم إلا هي لم تقدر أن تنزع عينيها عن عازف المزمار بعقاله الأسود فوق (اليشماغ) الأصفر ذي الخطوط العرضية المتقاطعة ، المنتهية بشراشيب رقيقة ، و ردائه من الزبون الذي يلفه عند الخصر حزام صوف أصفر .كان عازف المزمار يتحرك قرب قارع الطبل ، و راقص السيف العجيب حيث يقفز برشاقة ، و حماس ، و سيفه يلوح في الفضاء ، آنذاك هلهلت ، و غنت ، و لم تقدر أن تصمد إزاء قلبها الذي يستبد به الشغف إلى عينيه ، و نظراته التي ، و تلاحق خزامتها التي تشبه الهلال ، و التي تقبع في وسطها شذرة خضراء ، و تتدلى من حوافها وريقات صغيرة ، أجل ، كانت نظراته تلاحق حركاتها ، و تلاحق حركة حلي الرأس لصف ذهبي من الليرات تتهدل فوق جبينها متصلة ببعضها أشبه بعقال ، تتدلى شراشيبه خلف رأسها ، فانطبعت في ذاكرتها ملامح الوجه الأسمر الذي تتجسد فيه رجولة أهل البادية ، بقيت صورته تلاحقها أياما و أياما ، فأصغت إلى قلبها ، و قالت :  (  نعم،أريد الزواج منه ) .كانت الجدة تصغي إلى ذاتها ، و إلى أنفاس حفيدها الذي ينام في سكون الليل ، و في رأسها تدق أصوات أليفة ، تحفر أهازيج و هلاهيل ، و هي تزف على ظهر حصان ، مرتدية ثوب العرس .

              -آه ، كم أحببت ذلك اليوم ‍!

         هذا ما قالته مع نفسها ، و هي تتذكر ذلك اليوم السعيد الذي دخل عليها ( زعين ) ، شاقا طريقه بين النساء وسط أصوات الفرح و الغمز و اللمز و الهمس و صخب آلات الغناء ، و الترديد :

                                   بنية و يا بنية و يا بنية

                                  يويلي مصعب فراكه علي

                                 أخذني و طير بي و ظل طاير

                                و ذبني بين عانة و الجزاير

                                من شفت الخشف ظليت حاير

                                عفت الناس و هدوم العلي

                                حسافة ياخذج غيري يا غرنوك

                                يلفج بالحضن غصبن علي

 

       وقف ( زعين ) مبتسما ، تتشرب روحه ببهجة لا مثيل لها ، انحنى ، ثم امتدت يده الضخمة بترو إلى وجهها ، لترفع البرقع الأبيض عن وجهها...عضت شفتها السفلى بخجل و هي مطرقة مدهوشة حائرة،ينتابها صمت رهيب لم تستطع تجاوزه...امتدت يده أخيرا إلى يدها المزينة بالحناء ، ودت لو يرفعها بين ذراعيه من مقعدها المرتفع ، و ينقذها من هذا الحرج الذي حسبته أعواما ، لرمت رأسها فوق صدره ، و قالت : ( أنقذتني )...بيد أنه أخذ بيدها ، و رفعها إلى أعلى ، و قادها ليسقيها سحر الحياة ، و رمز ديمومة الابتهاج البشري ، و يلتقط من شفتيها بشفتيه الصبغ الأحمر ، و لتطعمه فرحا هائلا ، مقدمة بذلك برهانا على أن السعادة لا تنتهي أبدا بوجودها و حبها لهذا المخلوق العربي الأصيل الذي استولى على قلبها ، و أتقاد وجنتيها المبللتين بزغب صاف ، و تيهها الأول في ليلة منحتها لؤلؤة ناصعة ، براقة ، تدفقت في جسدها الأنثوي ، و انزلقت ألوانا ، و قطرات لامعة ببطء من عينيها تحت ضوء خافت أزرق من سعة السماء تسلل بخفة مائلا على سريرها الجديد المهتز لهذا التألق ، لرنين الطبول ، لصهيل الخيول ، و لصيحات عالية كي يعيشا و يرقصا روحا واحدة...إنها تتذكر ، تتذكر كم اكتأبت في ذلك الزمن بعد مرور عشر سنوات و هي لم تنجب طفلا ، أجل كم فتشت عن سر يكشف لها  عن صرخة وليد ، رغم أن ( زعين ) كان يحاول أن يحول حزنها إلى ابتهاج و تهلل ، قائلا :

                                  -ستهبينني طفلا...

           ذات ليلة ربيعية قفزت من فراشها كلبوة جامحة ، و وقفت منفوشة الشعر تتطلع إلى جسد زوجها العاري الممدود مثل نمر بري، الغارق في نومه.خنقتها العبرة،أبت أن تطلقها فأغلقت فمها بكفها ، و خرجت تتسكع في ( عانة ) تحت رذاذ مطر خفيف،بينما كانت النجوم تلوح في السماء باهتة . اجتازت الدرب ( الجواني ) ، و سارت في طريق ( المشيمش الغربي) ، الذي تتوزع على جانبيه البيوت ، و البساتين المزهوة بالأشجار التي تتمايل ، و تتثنى أشبه بموجات هادئة ناعمة لأريج منعش عذب ينبعث من الوديان .كانت تتطلع فيما حولها ، و يتضوع وجهها برائحة الأرض ، فتسرح النظر في الأشجار ، و تسمع همهمة مبهمة في هذا الهدوء العميق .ثمة طير يغرد بين الحين و الحين ، و آخر يصفق بجناحيه على ارتفاع منخفض .ثم  ما لبثت أن مالت في تيهها على قبر الشيخ (المصري) تتبرك بتوحده .أوقدت شمعة و وضعتها على قبره ، و وقفت وهلة من الزمن تتطلع إلى ضوء الشمعة الباهت الذي أخذ يخفق وحيدا ناعسا في سكون الليل ، لتلمحه كل عين ساهرة ، و أي عابر طريق تتجاوب روحه مع الضياء المرشد لخطاه...تلمست القبر ، كلمته همسا ، و ركنت إلى وعد أثقل روحها ، و أرهقها كثيرا...سلكت طريقها هائمة في وادي ( الدولاب ) ، و وادي ( كسار ) لتختلي أمدا طويلا مع دعائها ، و تفردها مع الدروب المظلمة ، و لتجاهر  بمحنتها في مثل هذا الوقت المتأخر بصوت يتردد صداه خافتا في الوديان .تخبطت في أوحال المطر ، تعثرت دون أن تسقط على وجهها ، تسلقت أحجارا كلسية ، و صعدت إلى صخرة كف الأمام (علي) التي تتبرك النسوة بها و يطبعن أكفهن المدثرة بالحناء على الصخور المحيطة بها حيث قيل أن ناقة الأمام قد بركت في هذا المكان ، مزقت قطعة من ثوبها ، دستها في شق جحري ، ثم خلعت ملابسها،و رمتها جانبا لتقف قربانا تحت قطرات المطر المنسابة سريعا فوق رأسها من حافة حجرية عريضة تمتد في الفراغ ، اغتسلت ، همهمت بنداءات غريبة ، و فرشت ذراعيها لمشيئة القدر بعد أن اعتصمت ، و اقترنت بالماء . ارتدت ملابسها و كورت نفسها قرب أعشاب محشوة بين الأحجار ، ارتجفت ، و تحملت البرد ، و قد تولتها الدهشة من تكسر المياه ، و خريرها اللطيف ، و انسيابها و هي تحفر مسارب في الصخور السابحة في ظلام شفاف ، إلا أن السماء كشفت عن نفسها ، و ذبل لونها الغائم ، و كآبتها ، فترصعت بكواكب متلألئة متحركة ، فلاحت لها الصخور ، ولاحت على وجهها الغبطة حينما رأت أيلا بريا يتسلق مع صغيره إلى الصخور ابتسمت ، و قالت : ( هذا خير ) .انجلت لحظات ، لكنها أبت أن  تكون مأخوذة بالتأمل ، و أبت أن  تبيت ليلتها غائبة عن مخدعها ، رفعت رأسها إلى السماء ، تأكدت أن السماء بلا قمر في هذه الليلة ، خافت أن يتألم قلبها  ،و خافت ألا يتحقق دعاؤها ، فعادت إلى بيتها مؤمنة بأن مطر الربيع يلبي الحاجات .

 

            الآن ، تتذكر الاحتفال الفريد على لسان الجزيرة ، و في خيمتهما المنصوبة تحت أشجار الكمثرى ، و في يوم زاهر ، إذ ازدهرت روحهما بألوان أنيقة ، بسحر غروب اكثر رقة، أكثر عمقآ ، معزول عند فتنة المياه ، عند ابتكار أغنية طويلة تنساب إلى مجذفي القوارب و هم يسمعون ، و يرددون :

                           - هذا صوت ( زعين) يغني للحب...انه مجنون بزوجته العاقر .

  هم أيضا يغنون ، يغنون ما بعد مغيب الشمس ، يغنون لفرح العودة إلى بيوتهم قبل أن يرسل الليل أجنحته ، أما (زعين) فقد قرر أن ينام الليل في خيمته ، قرر أن ينام و هو يحتضن زوجته بردائه المقدس، و قرب خرير عذب  ينساب بسرعة قربهما...غير أن الفيضان فاجأهما و هما في حلمهما المقدس ، و في أرقى وهج ليلي أخضر يزهو في تويج الحياة ، فانزلق الرمل تحتهما ، و سقطت الخيمة ، فهب ( زعين ) بضخامة رجليه و يديه كأسد عربي ، كشبح مدينة كاملة ، كهياج عظمة أجداده القدامى ، فرفع زوجته بين ذراعيه و قلب الخيمة ثم علق نفسه بجذع الشجرة ، و تسلقها حاضنا زوجته بذراعه الأخرى ، و هي تتشبث بجسده ، و تتنفس رائحة صوته :

                     - لا تخافي ، سينتهي الفيضان...

   أن الجدة تتذكر ذلك ، تتذكر الفيضان الذي أفضى لها باب النعمة حين عرفت أن الفيضان رعبها و هز كيانها لتكون مع وليد ، و أنها ستلد ذكرا، و عندما أنجبت تهدجت بكلمات ( زعين ):

                     - ألم أقل لك أننا سننعم بذكر ؟

           

       الجدة لم يعد بمقدورها أن تطرد النعاس عنها ، و لم تقدر أن تطرد عنها تلك الأصوات التي ربطتها بلسان الجزيرة السابحة بالمياه ، فنامت مع الأصوات و الذكريات كما لو أنها متوحدة أبديا معها ، متوحدة مع نيازك الليل،و عباد الشمس ، و حقول القمح ، و قطعان ترعى في السهوب ، و جمال تشق الصحراء ، و هذا ما يسرها ، إذ أن ذاكرتها لا تزال تحف بهدوء الأعوام ، و روحها تسمو إلى أفق بعيد .

           

 

                            

 

                                                   2

 

انه الصباح الباكر...

صباح صاف يأسر العيون  لاكتشاف  منابع الخضرة و عذوبة المياه و ضرب أجنحة الفراشات و التفافات العصافير حول أعشاشها التي تهسهس فيها فراخها ، و هي تزقزق للحب ، و تناجي تغريد القبرات التي ما انفكت تسير وتحرك رؤوسها و تلامس أجنحتها براعم تحررت توا ، و تتخضب ذيولها بندى الأوراق ، و تتماوج عيونها لخفقة آخر نجمة بيضاء لامعة تركها الليل وحيدة بهية معلقة في السماء تسقط غبطتها على كل وجه صبيح ، يتهلل لنداء الديك الأول .انه الصباح في زينة ملونة شفافة تنضح بعبير بداية ربيع ، و يشف برحابة أبدية يسكنه خرير الفرات ، و رفرفة الطيور فوق تيجان النخيل ، فيلتقي العشق هذه الألفة الأخاذة لكل ما يحيط أهل ( عانة ) باستفاقتهم ، و صحوتهم ليطردوا النعاس برعشة البرد...إن ذلك يعني أدق تفاصيل لغة البداية مع ضوء الصبح فوق البيوت الحجرية الذي يتسلل من خلال النوافذ و الأبواب ، فيستفيق ( نيران ) مع سجع أنغام الصبح ، و يظهر من باب خشبية ليبني كيانا خاصا ، و يمضي إلى الحياة اليومية بسهولة و بساطة مع الآخرين ، و يواصل تعلقه بالحكايات ، الآن يقف أمام كوثره الكريم و تتملكه بهجة بلا حدود ، و هو يستنشق بعمق عبق التربة و أريجا ألقا ودودا تمتلئ به حديقة البيت المسيجة بالياسمين و أشجار الفواكه ، و تحتوي نظراته نخلة شامخة ممشوقة تنتصب في وسط الحديقة و قرب شجرة برتقال مثقلة أغصانها بقداح أبيض  ممدود إلى دوالي عنب لم يكتمل نضجه بعد ، و يتفتح أمامه كون يتحد بأزهار الرمان الحمراء الثملة كؤوسها بندى أوراق التفاح ، و مداعبة أغصان الجوري ، فتتشبع روحه بنكهة هذا الجمال العذب الذي يسقي قلبه بالود كما لو أن كل شئ يتوهج له ، و يعانق طيب أنفاسه ، كل شئ يفرش تحت قدميه خمائر بنفسجية كي يواصل حلمه بالمزمار ، و يقف قبالة إطلالة مدهشة لقرص ذهبي ، عاريا مسترخيا هائلا ، مودعا نجمته في أفق لا مثيل له حيث تتخبط فيه فراشة ، فتلوذ بسيقان الريحان المرتعشة رعشة لطيفة أو تلوذ بحلاوة برعم تين ، بل يقف في تكون عالم أصيل نابض في لغته اليومية ، يفرك عينه،تدغدغه نسمة باردة ، ثم يتقدم بخطوات قصيرة إلى أمه ، يقف قربها حيث يطيب له أن يتطلع إلى جلستها على تختة خشبية ، جلسة معتادة متكررة كل صباح ، و أمه تقبض بيديها حلمتي ضرع بقرة  بإحكام ، و تضغط خدها على بطن البقرة كأنها تصغي إلى صوت الحليب في الضرع.اندفع ( نيران ) إلى البقرة ، مسد عنقها، ربت عليه ، ثم أرخى رأسه بهدوء عليه ، و أخذ يراقب كيف تحلب أمه ، لابد أن يراقب  حليبا كهذا ، كيف ينز من ضرع البقرة المسالمة الصبور الساكنة في مكانها ، و هي تحرك ذيلها كأنما تعبر عن رضاها و امتنانها و خضوعها إلى سيدتها ، و بغتة تطلق خوارا عاليا ، و تحني رأسها إلى الأرض بينما ( نيران ) يراقب اندفاع الحليب من ضرعها المملوء الضخم المتهدل ، و يتجمع في قعر السطل الفضي ، انه يتأمل،و يفكر بجدته التي قالت له ذات مرة :

-    يجب أن تشرب حليبا كثيرا لتنمو و تكبر و يقوى عظمك مثل العجل

    ...ألم تر كيف يمص العجل الحليب من ثدي أمه؟ أنت أيضا كنت ترضع

    الحليب من ثدي أمك...كلنا رضعنا الحليب.

           

            الآن ، يشم رائحة الحليب المحببة إلى نفسه ، و يسمع نبضات عروق البقرة ، و أنفاسها ، و يسمع صوت الحليب ، و يرى رغوته التي ترسم صورا مختلفة على سطحه ، ثم تسيل سواقي على حافة السطل لتعانق حبيبات الأرض ، و تبدأ أمه الكلام :

                            -اشرب...

             كان (نيران) سعيدا حين نهضت أمه ، وحين غرف بطاس ، و تأهب فمه للدفء لتترطب شفتاه و لتغدو أحشاؤه منشرحة بطعم الحليب ، رفع الطاس إلى فمه ، و جرع الحليب بسرعة و لهفة ، ثم أطلق صوتا رقيقا ، اعتاد أن يطلقه كلما شرب الحليب صباح : ( إح...إح... ) أعطى الطاس إلى أمه ، و ضرب البقرة على ظهرها منتعشا مبتهجا ، قائد إياها إلى حظيرتها ، و هو يصرخ بها : ( دي...دي...) .كان كلبه يحوم حوله،ثم يركض ، يطارد الدجاج و الطيور ، يقفز ، و يلقي بنفسه على الأرض، ها قد فهم أن ( نيران ) سيأخذه معه بعد أن ناداه :

                   -أشقر…

      ركض وراءه ، و قد ابتهج لأن ( نيران ) ، راح يحدثه : 

                       -هل يمكنك أن تساعدني للعثور على المزمار ؟

          حرك الأشقر أذنيه ، و نظر إليه دون أن يفهم شيئا سوى انه يفهم أن ( نيران ) يحبه ، و يكلمه ، و هو يكلمه دائما بدلال ، و أن صوته دافئ ، حنون …اقترب ( نيران ) منه ، انحنى عليه ، متسائلا :

                -هل تساعدني ؟

   شعر الأشقر أن ( نيران ) يدعوه إلى شيء غريب ، نظر إليه بيأس ، و قد أمال رأسه ، و هز ذيله ، إلا أن (نيران) قال :

                            - هيا لنذهب…

      انطلق ( نيران ) مع كلبه إلى بيت (همسة) الذي يجاور بيته ، دفع الباب الخشبي للسياج الواطئ ، و دلف إلى ساحة البيت ، وجد (همسة) تقف قرب التنور ، قرب أمها تنتظر رغيفا محمصا ، امتدت ذراع أمها إلى فوهة التنور ، أخرجت رغيفا ساخنا ، يتصاعد منه البخار ، تناولته ( همسة ) بيدها الصغيرة السمراء ، و نقلته إلى الأخرى ، ثم رمته إلى الصينية المطروحة على الأرض ، و هي تقول :

                              - انه حار...

       -ألم أقل لك انه حار؟

                            - أنا أحبه حارا ، يا أمي...

            انحنت ، و رفعته،و قلبته بين يديها ، ما لبثت أن تقاسمته مع ( نيران ) .أخذ ( نيران) بيدها ، و انطلق بها على أرض محفوفة بالنخيل ، يلعبان تحت الشجر مبتهجين ، و يشمان عطر الريحان ، و ما تشتهي النفس من طيب ، يهرولان فوق عشب أخضر فارشين أذرعهما في الهواء ، يقفزان من فرط فرحهما الصباحي ، يتبعهما الأشقر ، يقف على قائمتيه الخلفيتين ، يتشبث بقائمتيه الأماميتين بجذع شجرة،يخدشها بمخالبه، فقد أحب أن يلعب معهما،و أحب أن يمسهما،و يشمهما،لأنه يحس بالمتعة معهما،راح يسبقهما ، ينبح ، يتركهما عائدا إلى البيت...ها هما يطاردان فراشات ذات ألوان زاهية،يحبسانهن بكفيهما ، ثم يحرران قيدهن لينطلقن إلى الحرية ثانية ، و هما يتابعان طيرانهن باندهاش و حب ، و إذا بهن يختفين بين تيجان أزهار برية حيث لون الزهرة لون الفراشة ، و يواصلان حضورهما اليومي قرب السواقي التي تتدثر مياهها بالغرين و الطين لتسمد الأرض ، و تخصبها مع رقة الهواء ، فتتمايل أعشاب السواقي ، و تتثنى للنسيم ، يتنهدان سوية لتفتق زهور جديدة في أغصانها ، ثم يقصدان الفرات ، ينحدران إلى أسفل ، و ينطلقان في خلاء رحب ، يمرحان على امتداد ضفته ، و أخيرا يعودان ، و يتوقفان قبالة (راوة) ، و قلعتها التي بنيت في عهد ( مدحت باشا ) ، فراوة تزحف بيوتها من ضفة النهر لتستقر على تل و لتواجه ( عانة ) ، يفصلها عنها الفرات ، فهي تطل زاهية على الفرات ذاته كأنها خرجت من أعماق المياه منذ تاريخ قديم في شكل بيوتها و أزقتها و عمارة موضعها و روعة مآذنها التي تعلو المساجد و التي ترفرف فوقها أعلام خضراء ، إنها تشبه ( عانة ) في صباحها عندما يستيقظ أهلها مع صياح الديك ، فتنهض النساء لتوقدن النار في التنانير ، و ليتصاعد الدخان من زوايا ساحات البيوت ، و هن موشحات بالمناديل البيضاء .

 

             جلسا يستريحان على مقعد حجري تحت شجرة نخيل ، تتأرجح أقدامهما عليها ، يتطلعان إلى صفحة المياه ، يبحثان بنظراتهما في سطحه الضاحك عن سمكة...حقا أجج هذا المنظر نزعة مباغتة في أعماق ( نيران ) حيث بدأ صباحه يحلم بالمزمار ، التفت إليها ، حدق في وجهها لحظات ، امتدت أصابعه لتلمس ضفيرتيها السوداوين المسترسلتين وراء ظهرها ، و قال:

                          - شعرك أسود مثل عينيك...

                          - أنت أيضا شعرك أسود مثل عينيك...

                          - أنت تشبهين ابنة السحب...

-    من هي ابنة السحب هذه ؟

                        - أمس جدتي حدثتني عنها .

                        - قل،ماذا حدثتك جدتك،قل !

 

             كانت الكلمات تتدفق دون توقف و أقل غموضا بينما ( همسة ) تصغي بانتباه و تتابع أحداث حكاية عجيبة و تتصور نفسها ابنة السحب ، تحلق في الأعالي ، و تغفو فوق المطر ، لكنها أدركت إنها لا تقدر أن تطير ، و هذا ما أزعجها ، و أزعجها أيضا تعلق ( نيران ) الحزين بالمزمار ، و سعيه للحصول عليه ، شاركته تصوره و توحده ، و تعاونت معه بنظراتها العطوفة . نهضت من مكانها ، و تقدمت إلى النهر ، و راحت تحدق في ظلها عليه ، انحنت ، مدت يدها إلى حافته ، انتشلت منه عودا طافيا  غضا ، مخضلا بالمياه ، نبشت به الأرض فانبعثت  رائحة طيبة ، و ظهرت حفرة صغيرة في الرمل ، برزت منها دودة رمادية ، أخذت تبتعد عنها ، ثم انبثقت بقبقة ، و إذا بالحفرة تغطيها المياه ، رمت العود في النهر ، و قالت :

          -أين هو الآن...أين المزمار ؟

جاءها صوت ( نيران ) ، و هو يقترب منها :

                - لا أدري...

    مضت ( همسة ) إلى زهور برية ذات ألوان زاهية ، اقتطفت بعضا منها من بين عشب غض أخضر ، ثم جمعت منها إضمامة ، و قالت :

                - تعال...

   اندفع إليها ، و به من السرور ما جعله يلتقطها بسرعة ، و يرميها في النهر ، إنها متعة يمارسها دائما...دائما يقفان معا و يتابعان ابتعاد الزهور،و هن يرسمن صورا ملونة فوق سطح الماء ، أما في هذه اللحظات بالذات فكانا يتابعان رحلة سريعة للزهور ، جلبت سعادة فريدة إليهما لأن هذا مشوق لاسيما و قد حفت في خيالهما كذلك رحلة هانئة مع الزهور إلى عالم لا ينتهي ، يحف بأضواء باهرة على امتداد الفرات و تحت شعاع شمس و قرب قوس قزح و فوق تهدجات سحب السماء التي أصبحت معشوقتهما في أسطورة متقدة ، و في حلم مباغت ، و أنخطاف مباغت إلى جنان بعيدة،تفصلهما عن عالم عجيب في حضوره ليحققا معجزة...معجزة تلتذ روحهما لولادتها في النهار ، فهما يختليان مع فتنة الأرض ، يخلعان أحذيتهما كمخلوقين متألقين يومضان في ينابيع الحياة ، يركضان بفرح ، و يعرضان أسطورة العثور على المزمار لكل طائر يمرق فوقهما ، لكل شجرة تمطرهما بعطرها...وحدهما يغوصان في مراوغة حكايات تتحدى الليل بأجنحة نسر يزعق فوق قمة شاهقة ، وحدهما يتمددان بامتداد الليل الطويل ، قاسيا و رقيقا ، يترك الذاكرة مشتعلة في النهار ، لتتعلق عيونهما الآن في زنابق مائية بعد أن توقفت زهرة بنفسجية بين أوراقها ، ربما- تخلت عن الرحيل ، سجنتها الزنابق بينها ، سجنتها باستقامتها و جمالها ، و ترقبها الدائم لتكثف غيمة ، و مطر غيمة ، و كذلك للمسة زعانف سمكة و عشب وحشى أو طائر نورس يحلق فوقهما ثم  يهبط ليلتقط غذاءه من بينها...ها هو النورس يدهشهما ، و يخلق عندهما أملا لا ينتهي ، فهو يدور ، و يلغط ، و يخفق ، و يلتقط سمكة صغيرة بمنقاره ، فيتناثر رذاذ الماء و تهتز أوراق الزنابق ، و يحرر الزهرة لتواصل رحلتها متأخرة . هكذا تركتهما مدهوشين  بقدرة النورس بالتقاط الأسماك من المياه ، فضحكت ( همسة ) ، و أشارت إلى النورس ، و قالت بصوت عال :

                        - أكلها...

          صرخ ( نيران ) :

                     - انه حط في جزيرة الحضرة...

     كانت الجزيرة أشبه بظل أخضر طاف فوق المياه ، تختفي فيها الطيور ، تبني أعشاشها ، و تضع بيضها في أمان ، و تغني فوق تمايل أغصانها ...و كان هناك غناء آخر يتوقان إلى سماعه ، غناء لا يسكته أحد ، دائم يتواصل ليل نهار ، غناء رقيق و غامض ، حزين و مفرح ، مثل تعويذة سحرية ، يسمعه أهل ( عانة ) عند غروب الشمس ، و عند تأمل النجوم اللامعة ، و قرب وشوشة السواقي أو من خلال النوافذ المفتوحة ، فيناجيه البعض من ملاذه الظليل في بستان بأغنية حب أو يبكيه البعض الآخر لفراق عزيز ، انه خالد بأنغام بطيئة ، يروي الروح مع زقزقة العصافير الخفيفة ، لا ينطفئ مع الزمن ، فياض مشبع بالبهجة ، ينساب إلى الطرقات و الحدائق المفتوحة بإيقاع  تتشابك معه الدموع و الابتسامات،يسلب الصمت أحيانا ، فهرع ( نيران ) و ( همسة ) إلى منبعه ليواصلا تخيلهما في صحبة رحلة الزهور و التعلق بطيران النورس دون أن يجازفا بقذف أنفسهما عاريين بين الزنابق المائية ، فهما يجيدان السباحة في المياه الباردة ، و يجيدان أن يبصرا قعر الفرات ، و يقبلا رمله الناعم ، فتوقفا أمامه بعد أن تملكهما إحساس طاغ بأن المزمار موجود في قعره ، وقفا أمام نبع الغناء ، و راحا يحدقان في الدلو الذي يرفع الماء ، و يليه آخر يطرطق من خندق مائي محصور بين سياج حجري و ضفة النهر أشبه بفم كبير مفتوح ، ثم يصبه في حوض صغير ، يندفع منه الماء إلى ساقية طويلة ، تتفرع إلى عدة سواقي لتروي بساتين الفواكه و المزارع...هذا هو ناعور ( الصينخ ) بدولابه الضخم الذي يناجي دائما  ناعور ( العباسية ) ، والذي يبتعد عنه بمسافة قصيرة ، و على نفس الضفة ، إذ   صنع من أشجار التوت ، التي اشتهرت بها (عانة) دون أن يحركه حيوان معصوب العينين كما هو معروف في أرياف العراق ، فيبدأ بالدوران لوحده بعد أن تسحب منه لوحة خشبية صغيرة أشبه بمفتاح فيمتلأ الدلو بالماء بفعل التيار ، و يستمر صعود متواصل للدلاء التي تغرف الماء من النهر ، لتفرغه في الحوض ، و يبدأ رجع جديد ، دلو مترع يرتفع إلى أعلى و آخر ينخفض في حركة دائمة كأنه متعطش للمياه ، و هكذا تسقى الأرض ، و هكذا يتحرك هذا الرمز برشاقة في مكانه فتنبعث محاكاة دائمة مع النهر ، و تنبعث نباتات حوله ، تنمو و تتسلق جدرانه الحجرية ، و تولد أزهار تتناغم مع مجرات سماوية في الليالي الزرقاء...أما في الأعوام القديمة ، فقد شيد أهل (عانة ) قرب الناعور رحى لطحن حبوب القمح بفعل جريان الماء في الساقية ، إذ كان صوتها يمتزج بأصوات النساء كلحن متكرر،متواصل،تصاحبه ضحكات و نظرات طويلة و همس عن حكايات الليل،و ذلك الطائر الذي ينكفئ قرب عشه لفترة ، مستعيدا طاقته التي استهلكها في الغناء ، لذلك سماه أهل ( عانة ) بطائر الغناء ، أما النسوة فقد أدهشهن بقوة صوته و نغمته الشجية ، و هن في ذلك الوقت البعيد لم  يشاهدنه ، و لم يعرفن عنه شيئا بعد غياب طويل ، و غالبا ما كان يغني مع لحظة سقوط المطر على وجوههن ، و هن يتوجهن إلى المزارع ، و يرن في قلوبهن حب له و خجل منه ، و يسمعن إيقاع المطر على لحاء الشجر ، و على الصخور و الرمل و أجساد الغزلان البرية و الخيول البيضاء و بطون القوارب و الأغصان التي تتمايل أمامهن...لكن اليوم لم تمطر ، و لم يكن وقتا للمطر ، و السماء صافية ، و لا أمل في رؤية هذا الطائر رغم أن ( نيران ) و ( همسة ) لم يفكرا به،فهما دائما يأملان في شئ آخر عندما يرقصان على الحصى الناعمة أو على صدور الأشواك ، دائما يأملان ما لا يأمل به أحد ، يأملان في هذه الأيام الحزينة أن يعثرا على المزمار...كانت نظرات ( نيران )   تفتش في الساقية تارة و تارة أخرى تجول عيناه إلى كل دلو يرتفع و ينخفض ، و هو مصغ إلى دقات قلبه ، مضطرب ، و متوسل إلى هيكل مقدس كي تستفيق لحظة دهشة ، مذعن إلى مفاجئة لتستلقي أنفاسه الدافئة فيها.جلس هادئا ، مرتاحا على حافة الساقية ، و قد علت شفتيه ابتسامة ذاهلة ، انحنى ، و شرب منها ، ثم حرك أصابعه في الماء ، و مسح وجهه بيده...ضحكت ( همسة ) ضحكة قوية ، و اتجهت تهرول محاذية الساقية ، و قد غمر رأسها و وجهها رذاذ الناعور ،  وهي تردد:

                        - لا يوجد مزمار...

   اقترب منها ، و مد يده مترددا إلى ضفيرتها ، تجاوز تردده ، أمسك بها وراح يحلها ، و ينتشل منها شريطا أحمر ، هذا ما فاجأها ، فسألت بصوت خافت :

-    ماذا تفعل ؟

   بدا الارتياح على وجهه ، متظاهرا بعدم الاهتمام بما تقوله ، وواصل حل ضفيرتها الأخرى ، و انتشال الشريط الثاني ، ما لبث أن بللهما بالماء ، و مسح بهما وجهها ، و هي تشيح بوجهها عنه ، وتكرر :

             -ماذا تفعل ؟

   أمسك بشعرها ، مسده ، بيد أن ( همسة ) نهضت واقفة بانفعال ، و قد رفعت صوتها الذي صاحبته شهقة قصيرة :

                - أنا لست ابنة السحب...

      انصرفت راكضة ، فوقف ( نيران ) يشيعها بنظراته ، و تنفس تنفسا طويلا ، عبثت أصابعه بالشريطين ، و أطبق عليهما ، و هو لم يستطع أن يطفئ نبرة صوتها التي استقرت في نفسه...صمت طويلا ، ولم يهدأ من التفكير-ربما لا  يهدأ أبدا. حاول أن يحدث نفسه ، و حاول أن يوقف صرخة في داخله ، تسوقه إلى حب لاذع لا مفر منه ليرتفع و يلامس السماء ، و خياله يمتد ويضئ في وحدة خيال و وجود ، خياله جدير بهذا الوجود ، خيال طفل يمشي و يستريح،تسعفه الحكايات إلى الأمكنة و الأضوية التي أحبها...أخيرا وجد نفسه يغذي ذاكرته لتختفي ثانية في الماء ، و يدفع برقة الشريطين في الساقية ، و هو يصرخ في أعماقه :

-    لماذا لا تصدقني؟

      ثمة شئ آخر، جذبه في وطنه هذا الذي يتسع لحريته الكاملة المنزوية في بقعة من عالم أكبر ، تخترقه قرون من نهار رائق ، و ظلال حادة رائعة ، تذكي طفولته،و تديم نظراته حوله ليس لتفتش عن بريق ضوء بل ليشط خياله ، و يضرب وجه الأرض دون ضباب يحجب عنه سعف النخيل ، دون أن يعلم بأن هذه الدنيا التي يعيش فيها مدينة له بدموع و حب لدفء روحه الحية دائما ، و هو يطارد رمزا قديما ، يخفي كيانه  عن شعاع نائح لوجع النفس العراقية ، لاحتراق سعف النخيل على ضفاف خشنة بعيدة ملتهبة لا توشك أن تنطفئ ، حتى تلك الجمرات الحمراء تحت الرماد لا توشك أن تنطفئ ، لا شك إنها بعيدة عنه ، كلما سأل والده :

                    -ماذا هناك في الجنوب ، يا والدي ؟

      ثمة شئ آخر ، فهناك أيضا توجد نواعير، أيضا توجد غابات نخيل ، لكنها تحترق ، ثمة شئ آخر يسدل ستارا كثيفا لا يتنفس فيه كل مخلوق برئ مثله ، فهناك يفتش المخلوق عن شعاع يتهادى كريما ساطعا لينقشع قرن جديد…شق ( نيران ) طريقه في أغوار أزمنة مقيدة بأطياف أزلية آسفة على فجر شاحب في الجنوب ، فاستوقفته جدائل نخلة ، منحنية بهيبة و أبهة ، فتركزت عيناه فيها ، لم يعرف… لماذا ؟...سرح فيها...لم يعرف...لماذا لم يرغب أن يتسلق كربها ، و يدنو منها حبيبا ، مترنما باسمها ، يغمرها بالقبل ؟...هناك...هناك جدائل تتشظى ، و تغفو في أسرتها شطوط و جداول...تمعن في ذبولها...قابعة في وطنها المروع...إذن ، ثمة شئ آخر يشده إلى وطنه الأكبر ، يتوق إليه ، أما تلك النخلة فتلوح له بجدائلها التي لم تنطفئ بعد...أما عالمه الصغير  هذا الذي يتهلل بين غدائره ، و فيض شذاه ، تجعله يجنح في رحابته ، ثم يطوي جناحيه لكل نداء يسمعه ، ثمة شئ آخر تلمس طريقه في هذه البرهة إلى قلبه كرحمة مترعة مثل الدلو لتنقذه من أطيافه النهارية ، و سهوه الوقور النهم ، المراوح فيه،ففر إليه بقلب سخي معبأ بأمل واسع مأخوذ بنشوة و إنصات تام ، و هو يردد:

                     - أنا هنا ، يا عم (سعران)...

        تلقفه بين ذراعيه ،و رفعه إلى صدره ، و هو يحدثه بصوت رحوم خفيض ، أما ( نيران ) فقد انتزع حذاءه من يد ( سعران ) الذي تركه قرب نخلته المحبوبة ، وهو يكرر:

-             هل ستعلمني العزف على المزمار،يا عمي ؟

-             أجل…أجل…هيا نذهب

 

 

 

 

 

                                                     3

 

 

             اعتصم  (سعران ) في ( قبة علي ) المستقرة فوق التلال على جانب الطريق العام ، ذات البناء المربع الشكل الذي تعلوه قبة صغيرة ، صام و صلى ، اعتزل الحياة منكفئا في صمته أحيانا ...طاف في البرية ، و حاور  الدغل و نبات الحنظل أحيانا...تمدد بجوار نبتة كبر مأخوذا  بجمالها ، متباهيا بترعرعها في موطنه ، ناشرا ذراعيه بين سيقانها الناعمة ، هامسا لتفتح أزهارها البيضاء ، و أوراقها التي ترفل بين أنامله كأجنحة فراشات: ( كلميني أيتها النبتة الجليلة! )...نبتة الكبر لم تشبه نبتة أخرى ، دائما تلوح له بذكرى خارقة ، ذكرى أسلافه حينما كانوا يتغنون بخصلاتها و جدائلها كفتاة خرجت من البرية ، خرجت بهية ترتوي من أنسام  تحت السماء المنمنمة بنجوم وضاءة...رغب أن يطوقها قبل أن ينسل إلى ألف ذكرى ، و تسترخي جفونه ، و تتوثب عيناه إلى النوم ، و يهجع أمدا في ليلة البرية ، و يركب في ذكراه ألف مكان ، لكن النعاس هجره في هذه الوهلة ، إذ ما يراه لم يكن وهما ، يتبدد و يختفي أمام عينيه ، يظهر و يتبدد،بل انه يرى أعجوبة البرية بطبعها ، فلزم الصمت لتتشبع عيناه برؤيتها عن قرب ، و تكبله بروعتها...كانت الغزالة رشيقة أمامه بتقاطيعها الأنيقة ، تهز رأسها،و تلتهم أزهار كبر ، تمضغها،و تقترب منه ، لم يتحرك،و لم يتكلم ، لا مفر من أن يتكلم ، أراد أن يبكي لأنه كان سعيدا في ذلك ، لاسيما لم يبق إلا أن يتكلم ، رغم أن ذلك قد يجعلها تهرب منه ، جازف و تكلم ، و هو يمد ذراعيه مغمورا بحيويتها:

                           - تعالي...

         لم تتكلم الغزالة ، و لم تهرب ، فقط استدارت متباهية بمشيتها ، متلفتة إليه ، و قد تملكته حسرة ، إنها لم تتكلم ، رحلت عنه دون وداع و دون عناق ، و هو يلاحقها بعينيه ، و يكرر: ( أنت بديعة )...ذات مرة   توقف قرب صخرة الحنين كما يسميها أهل ( عانة ) و قرأ الكلمات المنقوشة عليها لعاشق مجهول:

                                  

                                        هلي عز النزيل و عز منزل

                                        و دوم إلهم على الدربين منزل

                                        جان أهلك خشب أهلي كصب من زل

                                       خضر ما يبسه بارح هوى

 

   ترقرقت عيناه بالدموع ، و عبثت أصابعه في حروف الكلمات. ملأ يده بحبيبات رمل متناثر التقطها من ظهر الصخرة...حرثت أقدامه الأرض ، و تابعت عيناه قفزات أرنب هارب ، و أفعى تتكور في أحراش ذابلة ، و ولولت به رياح ليال ظلماء و أخرى لم يكتمل  قمرها بدرا...رغب أن يصبح راعيا عند عشيرة ( الجغايفة ) التي يمتد انتشارها إلى الحدود السورية ، التقى شيخها ، رحب به ، و وثق به ، ذات ليلة قرر أن يقضيها مع قطيعه في البرية.فرش رداءه على الأرض ، و استلقى عليه.نظر إلى الأعلى ، فرأى النجوم.كان ارتباطه بالنجوم حميما منذ أن رآها تسطع .تأملها ، حدثها عن محنة المدينة : ( أيتها المدينة المترعرعة في الصحراء ، الراضعة من الفرات ، أنت التي حملت ألمك بصبر ، يا نجمة لامعة متلألئة فوق الأرض ، يا زهرة تفتقت أكمامها منذ زمن بعيد ، أنت باذخة النظرة ، فتانة ، كيف يغرقك الفرات ؟! لا يمكنني أن أعتاد ذلك ، أن تكوني ساكنة ، نائمة ،متلفعة بالسواد ، تلقي عليك الشمس أشعتها حزينة ، هل أنت خائفة ؟! أجل ، أنت خائفة أن يجري فوقك الفرات ، تنساب مياهه فوق أغصانك ، فوق بيوتك ، فوق بساطك السندسي الأخضر ، أعذريني أيتها المدينة ! أعذريني أن أبكيك بالدموع ، لأنني لا يمكن أن أهرب منك ، فأنا أحملك أينما رحلت ،آه لو قدر لي أن أضرب بيدي سد (حديثة ) لضربته ، دمرته ، أواه من هذه اليد التي لا تعرف التدمير ، إنها تبني فقط ، آه أيتها النجوم أني أشكو إليك كي تنقذي المدينة ! )

    

      رغب ألا تنتهي هذه الليلة ، و لن ينتهي حديثه مع النجوم إلا أن الخراف استيقظت فزعة من شدة المفاجأة . نهض (سعران ) ، و حمل عصاه ، و راح يقاوم الذئاب ، و يصرخ: ( هذا بلاء )…وقف مذعورا ، يلقي نظرات بائسة على خرافه التي نهشتها الذئاب.رجع خائبا في الصباح إلى شيخ العشيرة ، ينتابه الخجل إلا أن الشيخ مازحه قائلا :

                       - أكلتها الذئاب قبل أن تجز صوفها ، يا (سعران ) .

منذ ذلك الوقت لم يرغب أن يكون راعيا ، و راح يتسكع في البرية ، و يبحث عن شئ يأكله .اكتشف أن حياته جزء من البرية .كان مسرورا لأنه عرف كيف يعيش في البرية ، و يتحمل الجوع و العطش . وجد نفسه في خيمة بدوي ، يقص عليه محنته ، قبض البدوي لحيته ، هز رأسه ، و قال :

                    - الكارثة ستقع يا (سعران )…استعد لها .

            خرج من الخيمة ضائعا ، يستبد به طغيان الكارثة التي ستحل به ، جلس على تل ، و غاص في أسرار عميقة ، استذكر الأيام ، و تراقصت في عينيه الأشياء : ( آمنة بالغة الحنان،تتلفع بثيابها السوداء السميكة ، تنزوي في غرفتها الشبيهة بالقبر في كانون مثل شبح يصارع البرد .تشد حزاما من قماش على بطنها كي لا تستغيث من الجوع ، تطوي ساقيها في فراشها الرطب قرب ( كانون ) -و هو حفرة صغيرة دائرية في وسط الغرفة ، معبأة بالحطب ، تستخدمها للطبخ ، و التدفئة ، يتصاعد دخان خفيف منها،فيتشرب وجهها به ، و يثقل جفنيها ، و يدمع عينيها.الغرفة سوداء من أثر الدخان المتصاعد ، و مظلمة بعد أن أطفأ الهواء شمعتها الوحيدة . هي تعرف أن الناس يتحدثون عنها ، و لا تحتاج أن تخفي أنها تأخذ الصدقة سواء أثناء الشمس الحارقة أو الليل الذي لا تخافه ، و لا تحتاج إلى معجزة لتخرجها عن نفسها ، إنها تشعر بمتعة و أمان في حدود غرفتها ، هذا شئ عجيب ! فهي لا تبغي أكثر من أن تسد رمقها،فالأشياء عندها مسرة حالما يحل عليها ملاك الزاد بحيائه المباغت ، تسمع خطاه في عتمة البيت الخرب ، يدنو برفق،و رحمة إلى غرفتها ، ثم لحظة بسيطة ، تستريح عيناها ، و تتهدهد بقايا ضوء على وجهها الدنيوي ، و يتهدهد صوتها :

             - هذا أنت يا حجي عبد الله…

    اقترب زاد الله من خبز ، و تمر إليها ، فنبض دفء دمها ، و امتدت يدها المرتعشة ، إذ بوسعها الآن أن تداعب التمر ، و تمكث لوحدها مع طعمه ، و تتكدس عليها الليالي ، إنها باقية يلتف عليها ألف ليل و ليل ، لتكون مجدولة في غرفتها .

                - أجرك كبير يا حجي ( عبد الله )…

   تحتفظ بصوتها ، ثم يتركها الملاك صبورة ، لا تحتاج أن ترى وجهه في الظلمة ، وجهه حنون أثناء الشمس الحارقة…لكن أسوأ ما حدث لها أن مات حجي ( عبد الله ) ، و دفن بين مكة و المدينة ، و كان أهل ( عانة  ) يزورونه أثناء ذهابهم لتأدية مراسم الحج .

   ( آمنة ) عاجزة ، تائه ، تعاني من برد كانون ، تبحث عن الروث و الحطب ، تأخذ العطية ، العطية غالبا لها ، العطية طاس طحين ، تشعل التنور ، تخبز رغيفا ، ترخي حزامها ، تغمض عينيها ، و تنام في ليلة خالدة )…عاشر (سعران) قوافل الرعاة ، عزف لهم على المزمار، و غنى لهم ، ثم استوضح من منجميها سر  سد (حديثة ) الذي شيدته الحكومة على الفرات ، لاذ بالصمت بعد أن تنبأوا بالبلاء... رجع خائبا مصدوما مطرقا ، هزيل البنية ، ينهش قلبه الوجع ، مرتهنا للمصير ، يودعه لغط ، رفع رأسه فمرقت فوقه أسراب غربان ، أخافه ذلك ، ارتجف ، و غمغم :

                     - انه بلاء...

 جاءه صوت مناديا ، أخرجه من غفلته و غيابه و ذهوله :

                     - العم (سعران )...

  أقبل عليه رجل متعبا لاهثا :

                   - العم ( سعران )...

-   ماذا بك ؟

                   - مهرجان...

                  - مهرجان في مثل هذا الوقت...

-   أجل ، مهرجان موت...

 

     وقف (سعران) منتظرا...يضنيه الحزن ، مشبعا بالارتعاشات ، و منخطفا إلى زمن بعيد ، سابحا في المعجزة الخضراء ، و مدعوكا مع أوراقها الداكنة الخضراء...هاربا ، غائرا في الروضة المنعزلة التى وقعت عليها عينا الملك الأشوري الجبار (آنا)...اندمج الملك معها منسابا ، و متقلبا بجرأة بين زهورها كطائر تدثره الألوان .لم تشهد عينا الملك مثل هذه البقعة الضائعة ، المجهولة من قبل أبدا . إنها تمتد ، و تطول في طبيعة سخية .اندهش عندما رآها للمرة الأولى فقرر أن يقدم ذبائحه ، و يشعل بخوره ، و يرفع ذراعيه إلى أعلى متضرعا ، حامدا آلهته التي حمته في الحروب ، و نصرته على أعدائه الأشداء ، فبنى معبده في هذا المكان ، و أقام مملكته العظيمة ، و أطلق على نفسه ملك الملوك...هكذا شيدت ( عانة ) ، الملتوية في البساتين ، المرتوية من الفرات الذي يمد سواقيه و قنواته إلى عمق غابات النخيل و حقول القمح و حدائق الزهور ، و هو يطلق لحنه مع الرياح ، و اهتزاز أوراق الشجر ، و ارتجاف النجوم ، لذلك خاطبه الأجداد فرحين : ( نحبك يا فرات ، نحب وسعك ، و بعدك غير المرئي و بساتين جزرك التي شيدناها في وسطك من صخر و تراب ) .

 

          أما  ( سعران ) فاحب أن يجلس على الأعشاب المبللة بقطرات الندى بالقرب من حافته يحلق بعيدا ، و يتشرب بحمرة الغروب ، و النسمة المنعشة التي تداعب وجهه ، و يصغي إلى أغاني رجال القوارب و هم يجدفون ببطء...روي أن ساق فرس الأمام ( علي ) نحتت أثرها في الصخور التي وطأتها ، فتركت حفرة في المكان ، فشيدت حولها قبة سميت ( قبة علي )التي مكث فيها  ( سعران ) زمنا قبل حضوره هذا المهرجان .انه يتذكر ، يتذكر جيدا عندما حملت أمه أخاه بذراعيها وسط الهلاهل ، و أدخلته إلى غرفة صغيرة ينيرها شعاع الشمس المتسلل من نوافذ مفتوحة .أجلسته إلى حضنها ، و هو يصرخ باكيا ، وعيناه معلقتان إلى سقف الغرفة المقوس.فجأة كف عن البكاء ، و راح يبتسم ابتسامة بديعة ، و يستجيب إلى مداعبة أمه،و يركن إلى صوتها ، و إلى آلة الحلاقة التي حلقت رأسه دون أن يخاف...كم كان ذلك مفرحا ! و كم أدهش الحاضرين بالتماع عينيه و هم يلمون شعره ، و يزنونه بالنقود كي يوزعوها على المحتاجين ! هذه عادة في ( عانة )...لكن ليست عادة أهل ( عانة ) أن يقام مهرجان موت في مدينتهم . هذا لم تشهده ( عانة ) على الإطلاق ، و لم يفعله الملك ( آنا ) عندما اكتشفها ، فمهرجاناته كانت مهرجانات فرح و غناء و رقص حول مواقد النار أما اليوم فيحدث شئ مروع في تاريخ ( عانة ) .

       

     انتظر  (سعران ) طويلا وسط حشد كبير من المتفرجين الذين جاءوا مرغمين ليشاهدوا هذا المهرجان...انتظر كابتا صراخا مؤلما ، و بكاء خافتا في نهاية ساحة ترابية واسعة في أطراف المدينة ، محاطة بالتلال ، يتوزع عليها أفراد الجيش الشعبي ، متأهبين لاطلاق رصاصهم من أسلحة رشاشاتهم التي يمسكونها بأيديهم خوفا من هجوم مباغت من الصحراء .طال انتظاره،و هو يحدق بقلق في عمود خشبي عار يرتفع من الأرض مترين ، محافظا على توازنه ، و تماسكه معانقا الشمس أشبه بعملاق ضخم ساكنا في مكانه...التفت ( سعران ) إلى عجوز غريب يلامس كتفه كتفه ، رآه محطما مثله ، يئن في داخله عجز فتملكته شجاعة ناقصة تنحدر منه كي تنفذ بصوت خفيض متكسر إلى تجاويفه :

-   لمن هذا العمود ؟

-   …للموت…ألا ترى ؟

-   أرى…لكن من سيموت ؟

-   تقصد…من سيعدمون ؟

                   - أجل...

                  - الجغايفي...

-لماذا ؟

-   كأنك لا تعرف…

-        أعرف...أعرف...الجغايفي لا يأمره أحد ، و لا يعرف معنى الأمر ،

و لذلك يهرب من الجيش .                                                                        -بالضبط...تماما...الجغايفي حر في الصحراء .

       

 و لكن سرعان ما سمع نفيرا قويا لسيارات يضج بها الأذان ، و لينذر الجمهور...خيم صمت ثقيل

 على المكان كأنه يعلن عن بدء المهرجان ، إذ من عمق الوادي ظهر موكب يتألف من ثلاث سيارات ، تتقدمه سيارة مصفحة عسكرية صغيرة خضراء دون نوافذ ، توقفت في الجهة اليمنى من الساحة ، و خلفها توقفت سيارة قيادة ، بينما اجتازت سيارة إسعاف الساحة إلى الجهة اليسرى ، فأثار ذلك تزعزع و غياب الجمهور عن نفسه حين نزل من سيارة القيادة رجال ببدلاتهم الخضراء و هم يتمنطقون بمسدساتهم كأنهم في ساحة معركة ليعلنوا عن بدء هجوم ، فطغى على وجوه المحتشدين تحفظ يحتم عليهم السكوت .كان ( سعران ) تائها ، يبحث عن الجغايفي بينهم ، ينتابه إحساس بعدم الانتماء إلى هذا المهرجان و رموزه و طقوسه ، و كان ما يؤسفه ، و هو في هذا العمر، أنه لا يستطيع أن يفعل شيئا...كان متأهبا أن يغادر المكان غير أن تعلقه برؤيته الجغايفي و هو يواجه الموت أغرته كثيرا ، فوقع تحت تأثير هذه الرغبة المحزنة التي لم يحس بها سابقا . دام ذلك وهلة من الزمن عندما أنزل حارسان الجغايفي من السيارة المصفحة ، و هما يمسكانه من ذراعيه.كان ضخم الجسم ، طويل القامة ، يرتدي دشداشة بيضاء ، حافي القدمين ، مقيد اليدين إلى خلف ظهره ، يغطى رأسه و وجهه و عنقه كيس قماش أبيض يتدلى على صدره...كان هادئا و غير مبال بما يجري حوله . قاداه إلى العمود ، و ربطاه بالحبل إليه ، و احكما وثاقه ، و هو يقف دون حركة أو مقاومة ، و دون أن يتفوه بكلمة كأن الموت لا يهمه .شعر العم سعران بالشفقة عليه و على نفسه ، إذ كل ما يحدث هنا أصبح شيئا غير مفهوم حيث أدخله في فراغ مظلم و هو يرى هذا الانحدار نحو الموت ، و اعتبر كل ما يحدث هنا هو امتداد للسد المشؤوم ، و إن نبوءة المنجمين قد صدقت.

 

    أخذت فرقة الإعدام المؤلفة من ثلاثة أفراد من الجيش الشعبي موضعها على بعد خمسة عشر مترا من الجغايفي ، بينما كان الآمر بقامته الطويلة و جسمه المكتنز ، و سمرته الداكنة ، و شاربه الطويل ، يتهامس مع القريبين منه ، يتحرك ، و يجول بنظره ، ثم يلقي نظرة طويلة منتشية على الجمهور أشبه ببهلوان في سيرك...أطلق صرخة من فمه شبه الحيواني لتخترق الصمت الرهيب ، و روح الجمهور المكبوتة في دائرة المهرجان ، و توقظ احتجاجا أبديا عند الحاضرين ، احتجاجا لما يجري في أطراف ( عانة ) ، و تؤجج عزاء على هذه الورطة في الفوضى و عتبة الهذيان المترسبة منذ أن بدأ صراخ الحكام يعلو ، و يعلو ليدمر كل ما هو جميل على أرض الرافدين...أجل ، الصرخة هيمنت على الجمهور لتسبق الموت ، و تولول كنداء خراب و فوضى ،ليمتد إلى الوادي ، و يتردد من زقاق إلى زقاق ، و من بيت إلى بيت ، و هم يستنكرونه ، و يستنكرون هذا المهرجان الذي لا علاقة لسلالتهم النبيلة به ، يستنكرونه على ألسنتهم ( هذا بلاء ) و الصرخة كأنها ترتطم بالجدران ، ثم تعود بصدى هائل مدو :

                  - ...

                  - ...

                - أرم...

 

   فتصدم بجسد الجغايفي،و يتفجر الدم منتشرا في الهواء ، نائما في تبعثر التراب ، نائما على خيوط دشداشته ، و على ديدان العمود القارضة ، و الكل يسأل :

-   ماذا يحدث على هذه الأرض؟

                      ما هذا الدم الذي يلون الأرض؟

           اندفع الطبيب إلى الجغايفي،فحصه ، و عاد إلى مكانه هازا رأسه بالنفي… الجغايفي يتنفس…انه لم يمت ، ولم يئن…انه يتقدم إلى الموت مطلقا أنفاسه تحت شمس الصباح مثل ضوء يشق طريقه في غابة هاربة مظلمة…من هنا بدأت صرخة ثانية :

                  -...

                 -...

                 - أرم...

          اصطدمت بالجغايفي دون أن يموت...انه لا يهذي...الروح لا تريد أن تغادره...و كأنها تخاطبهم  ( آواه ، يا أبناء وطني ، إنكم تقتلوني ) ...الصراخ لا يتوقف ، ينطلق...ينعقد في صرخة من ذوي البدلات العسكرية : ( طلقة الرحمة،طلقة الرحمة )...اقترب الآمر من الجغايفي ، امتدت يده الوحشية ، سحبت المسدس ، ارتفعت ، ارتجفت،تراكمت في انهيارها ، فانطلقت من فمه المدور صرخته اللئيمة...و نفذت الجريمة .

 

          سحب ( سعران ) نفسه صامتا ، بائسا ، غائبا عن نفسه ، مقهورا على نفسه لهذه الفرجة التي اصطبغت بالدم ، هام على وجهه يضرب سعة الأرض ، مهمهما بكلام المنجمين : ( هذا بلاء )...لم يدر كيف وجد نفسه قرب الفرات ، و كيف امتدت يده لترفع حذاء طفل من الأرض ، و يمضي إلى ناعور ( الصينخ ) ليطرد الحزن و الوحشة عنه ، فأدرك ( نيران ) و ناداه .                                                      

 

 

                                                    4

 

                                    - أريد أن أنام ، يا جدتي .

         هذا ما قاله بصوت خافت حالم ، منتظرا أن يطير بحلمه إلى عالم فسيح ، تسبح فيه مزامير ، كما في كل ليلة تعود أن يحلم قبل نومه  بكل شئ ، أما في ليلته هذه فلم يكن يعرف انه يسير بأقدام بطيئة ، بعيون ملتهبة ليدخل مرتبكا إلى مملكة مجهولة ، و مجد ضائع...تنهدت جدته بحسرة ، و وضعت يدها برفق على كتفه باكية بصمت ، لينطلق صوتها الحزين الخفيض المرتجف :

- لن أتحدث بعذوبة هذه المرة...لن أحكي لك عن الأزهار الطائرة مع الريح ،

و التي   تغني فوق الأنهار...أواه ، العمى اللعين يجعلني لا أرى الأشياء رائعة...

كنت أراها رائعة…أما الآن سأحدثك عن أشياء أخرى...هل تريد أن تسمعها ؟

       أخذته المفاجئة ، فهو لم يألف هذه الكلمات على الإطلاق ، و سيطر عليه ذهول ، أنساه ترقب كلمات جديدة عن المزمار ، لكن الكلمات لم تغمض عينيه تحت ضوء الفانوس الرقيق ، بل دفعته ليرمي نفسه مشوشا في حكاية ليرفع اللثام عنها ، فقال بحماس :

                - نعم...

         ( كان يا ما كان في قديم الزمان ملك شهير يحكم مملكة أجدادنا العظيمة التي تقع على بحر رهيب ، لا نعرف اسم البحر ، و لا نعرف اسم الملك .نعرف فقط أن الملك وحد قبائلنا ، و أن البحر ترسو في موانئه سفن الهند و الصين ، حاملة التوابل و الحرير ، عائدة إلى بلادها بالبخور و العطور و البن والتمور...ذات ليلة خريفية تراءى للملك حلم مزعج في منامه ، فنهض في الصباح و قد انتابه الخوف على مصير مملكته و شعبه ، و ساوره الشك و اعتراه الهم ، فدعا إليه الحكماء و العلماء و المنجمين و الشيوخ كي يفسروا رؤياه،قص عليهم ما رآه...ارتبكوا و اطرقوا رؤوسهم في صمت ثقيل ، و راحت أياديهم تداعب لحاهم الطويلة السوداء .أقلق ذلك الملك و أصابه الجزع ، فصرخ في وجوههم :

- تكلموا...ماذا يعني هذا ؟

 استولى عليهم الهلع بعد أن فسروا الرؤيا في داخلهم ، فقالوا بصوت واحد متكسر خائب :

                   - زوال الملك من بعدك،يا جلالة الملك .

       ظل الملك يعاني ألم هذه الرؤيا ، و ألم الكارثة التي ستحل على أمته ، فانكفأ مهموما ، متكدرا في قصره لا يغادره ، و لا يستقبل أحدا حتى وافاه الأجل...بكاه شعبه ، و حزن عليه ، ثم دفنه بالرثاء و العويل و الحسرة ، مستغرقا بالبؤس ، منتظرا الانهيار ) .

 

       حرك ( نيران ) يده متشبثا بيد جدته ليوقف انطلاق صرخة من أعماقه ، صرخة خائفة ، هاربة من هذه النبوءة، راغبا ألا تتحقق ، فسأل جدته راجيا ، مستعجلا :

                  -ماذا رأى الملك،يا جدتي ؟

- عفريتا هائجا…أسود ضخما ذا حراشف كبيرة بجناحين ، ذو زعانف

حادة انبثق من بستان نخيل ، تحرك بأقدام ذات مخالب طويلة ، فاهتزت الأرض

و هربت الطيور فزعة...أجل ، تقدم بصوته المدوي نحو الملك ، الواقف

قبالته  مرعوبا ، مرتجفا مستسلما ، لم تمض لحظات حتى أصبح الملك بين كفيه

، صارخا دون أن يهب أحد لإنقاذه .

-هل كان معه سلاح،يا جدتي ؟

               - نعم ، كان يحمل رمحه و درعه…انه كان في كامل عدته الحربية .

    -لماذا لم يقتله ؟

-…لأن العفريت شله في مكانه عندما نفخ في وجهه ، فلم يعد الملك

    يستطيع أن يحرك يديه و رجليه .

             - هذا شئ عجيب...

            - أجل ، اسمع ، ستعرف كل شئ .

             - نعم ، يا جدتي .

 

     كانت الكلمات تنطلق من أعماقها الدافئة بأسى عميق ، و بوتيرة مختنقة بينما ( نيران ) يصغي إليها بتشوش ، و بتأثر و شفقة على هذا الملك البائس الذي لم يتمكن من استخدام سلاحه للدفاع عن نفسه...شبكت الجدة يديها إلى حضنها و تابعت الحكاية : ( عندما مات الملك ، ورث ابنه العرش الذي أطلق على نفسه الصنديد .كان شابا قاسيا ، و غير مكترث بشؤون المملكة ، غارقا بالملذات و المجون ، و قد حاول العقلاء أن يرشدوه إلى العدل إلا انه غالى في تهتكه و بطشه بالناس ، فلجأ شعبه يتضرع و يبتهل إلى الرب ، يستنجد به أن يقيه شر هذا الملك ، و ينقذه من ظلمه ، فاستجاب لهم الرب ، و طلب منهم أن يهربوا إلى ضفاف الفرات...هكذا غادر حشد كبير من الناس أرضهم حاملين معهم عذابا و حسرة على وطنهم .استقروا في أرض الفرات ، و بنوا مملكتهم الصغيرة التي ما لبثت أن توسعت بمرور الزمن ، و عاشوا في رخاء في ظل الملك ( آكو ) ، أما الذين بقوا فتعرضوا إلى الهلاك )

 

      في هذه اللحظة التي تعرضت لها المملكة إلى الزوال ، انفجر احتدام يأس في روح ( نيران ) العذبة ، احتدام متردد من هذه النهاية الفاجعة التي مرت بسرعة مما جعلته ينظر إلى الحكاية بشكل مختلف عما سمعه سابقا ، لتنبت في أعماقه صلة مضطربة بالماضي السحيق ، فاعتدل في جلسته و سأل :

                         -كيف...كيف ماتوا ؟

    داعبت رأسه ، و رسمت قبلتها على خده بحنان ، لتوقظ عودة مملوءة بالأسى إلى مملكة لم تعد قائمة ، و لم تعد إمكانية بعثها من جديد موجودة كي ترتقي الأجيال وهدة ، و تصرخ ( هذا ما ورثناه من أجدادنا ) و ليظل ( نيران ) يرتفع بحلمه و حبه  لتلك الوجوه التي لفظت أنفاسها كأنه يحطم صيحة من وهدة أخرى ( لا أريد ذلك أبدا…لا أريد أن يموت أحد ) …الحكاية مقرونة بالحزن و اليأس لتهبه ظلا لم تمحه الأعوام رغم أن ذلك لم يخمد بهجة تتأجج في قلبه ليتابع ما حدث لأجداده : ( كان الرب غفورا ، يا ولدي ، صبورا…إذ أرسل رسولا إلى الملك على هيئة مغن ، فغنى له و أطربه ، ثم فاجأه بحكمة الرب… اكتأب الملك و تطاير الشر من عينيه ، فقأ عيني الرسول مستهزئا مقهقها متغطرسا ، و رماه خارج قصره …غضب الرب… أرسل ريحا عاتية من الصحراء محملة بجراد أصفر ضخم ، التهم المزارع و انقض على المواشي بلدغاته القاتلة ، حاول الناس أن يقاوموه بسيوفهم و رماحهم و نبالهم و صراخهم ، و يتجنبوه بدروعهم ، إلا أن قرار الرب كان حاسما ، فمات الكثير من البشر ، و أنهك الجوع الآخرين ، و تفشت الأوبئة ، و جفت المياه…ذلك دام سبعة أيام بلياليها حتى طمرت الرمال تلك المملكة العظيمة التي لا نعرف موقعها…كل ذلك ، كل ذلك بسبب ملك مجنون مغتر بنفسه )

- و الملك...الملك،هل مات ؟

                 - انقضت عليه جرادة…فقأت عينيه ، و مات  بلدغاتها بين أرجلها الطويلة .

                - هذا شئ عجيب...

                - أجل ، هناك أشياء عجيبة تحدث في الدنيا .

 

        الليل يخص ( نيران ) بحنانه و دفئه ، يقاسمه الاستغراق في وجه جدته الساكن الصامت في صغر الغرفة و أثاثها ، حتى ليكاد يتحد معه الليل بطوله وقصره ، و يجري معه ليمنحه شرودا إلى جنان تجري من تحتها أنهار و سجادات طائرة في الفضاء ، و كنوز مختفية في قعر الفرات . انه يتوارى مع سيف من ذهب تارة ، و يقتل حوتا هائلا في بحر هائج تارة أخرى ، انه يتوارى في مدن شيدت ثم خربت ، و قصور بنيت ثم انهارت ، و حرائق شبت ثم انطفأت ، أجل، انه يتوارى في حكايات متنوعة ، يستحضر أبطالها بعد أن يخزنها في ذهنه...كان وابلا مدرارا من مطر الربيع ينهمر في ( عانة ) ، يدق بعنف نوافذ البيوت المغلقة ، ليندفع ( نيران ) بحلمه مع المطر إلى عهود شائبة بصداها و أناشيدها و أحداثها ليرتبط ذهنه بها ، أنها تخصه ، تخص عينيه مثلما تخصه سحابة ضبابية انقشعت فوق رمال الصحراء...كل شئ يخصه في عالمه الطفولي ، كل شئ يتكاثف حوله في الحكايات ، و هو يحاول أن ينبش في ذاكرته ، و يحاول أن يكتشف أسرارا خفية عليه ، ربما - أراد أن يفهم كل ما يخص انتماءه و وجوده ، لذلك انبعث منه صوت متهدج متلهف :

-جدتي...ماذا حدث للملك ( آكو ) فيما بعد ؟

-إنها حكاية أخرى يا ولدي...هل تريد أن تسمعها ؟

                - أجل ، يا جدتي...

                - ( في زمان الملك ( آكو )...وفي ذات يوم...انهمر مطر غزير ، أغرق المزارع و               الشوارع...حينئذ أمر الملك ( آكو ) شعبه بالصعود إلى السفن و المراكب مع البهائم و الغذاء و البذور و أهم الاحتياجات...فما لبث أن فاض الفرات و غطى بمياهه البيوت و القصور و رؤوس النخيل...جرف الفرات كل شئ ، و حمله بسيله ليلتقي بدجلة و يصبا سوية في شط الملتقى الذي سمي آنذاك بشط العرب...نعم الملك ( آكو )...لقد تحولت سطوح السفن و المراكب إلى أعشاش للطيور و العصافير الناجية...دام الطوفان سبعة أيام بلياليها ، ثم أشرقت الشمس لتضفي الابتسامة على الوجوه ، و الفرح في القلوب ، فانحسرت المياه ، و فرت الطيور و العصافير من ظهور السفن و المراكب دون أن يعود بعضها ، أما تلك التي عادت فكانت تحمل القش و أوراق الأشجار بفمها...استقرت السفن و المراكب ، وهي تحمل أمتعتها قرب المياه الضحلة للفرات ، وهي لا تزال طافية عليه .سادت ضجة ، و تعالى هتاف ، وصراخ : ( انتصرنا على الطوفان ) ، إلا أن يد الملك ( آكو ) المرفوعة إلى أعلى أسكتتهم جميعا...نزل مع قواده بقوارب صغيرة حتى وصل إلى اليابسة ، ثم جثا على ركبتيه و قبل الأرض ، رافعا ذراعيه إلى السماء حامدا نعمة الرب ، فتعالى وراءه صياح ، و هب الشعب يرمي نفسه بالمياه خائضا وراء ملكه العظيم...و هكذا نحروا الذبائح و أوقدوا المواقد فرحين ، فخورين بالأرض الجديدة )

 

 

          هنالك عم الارتياح و تجاوبت الأيدي لتبني و تزرع و تشيد وطنا آخر ، و تستنهض أجيالا ، و تغفو أخرى بأمان ، منعمة بالألفة و بشروق فجر جديد...هنالك كانت الحياة ناعسة منسوجة من نظرات طيبة لكل نجمة تلوح من بعيد...هنالك مرت قرون قرمزية كحجر يتلألأ في الفضاء...و هنالك كان تاريخ كئيب كريح لاذعة تطارد الأسلاف بأطيافها الغريبة...هذا ما أرادت الجدة لحفيدها أن يكتشفه في أغوار الليالي الفريدة...تنهدت،وقالت: ( الحمد لله الذي أنقذ شعبنا من الطوفان ) ، ثم سحبت نفسها منحنية الظهر ، يغطي جسدها ثوب أسود ، تدق الأرض بعصاها ، أسرع إليها ( نيران ) و قادها من يدها المرتجفة إلى الفراش ، ثم أطفأ الفانوس ، و عاد إلى فراشه غارقا في سكينة ، مطاردا مشهد داخل مشهد ليرى وجه الملك ( آكو ) الذي أنقذ شعبه من الطوفان...اختبأ تحت اللحاف و هو يصيخ السمع إلى المطر الذي راح يغسل الأزقة ، و إلى الرعد الذي لا يهدأ ، و إلى صوت ( آكو ) الذي يدق في رأسه : ( هيا...هيا... ) ، غرف الماء بكفيه و رشه على وجهه ، انسل إلى الماء ، سبح ، عام مثل سمكة متألقة مع المخلوقات المائية الأخرى ، أحاطته ، غاصت إلى العمق ، ثم نطت إلى سطح المياه ، أما هو فرجع إلى الملك ( آكو ) ليرفعه من خصره ، و يقذفه في الهواء ثم يتلقفه مقهقها ، و يضمه إلى صدره ، و يقبله بشفتيه الغليظتين ، و هو يطلق صيحة عالية : ( هيا ، يا ولدي...خذ فسيلة النخيل ، و ازرعها...أوصيك بها ، راعيها...آه ، كم سيكون تمرها حلو المذاق...إنها ستعطيك تمرا كثيرا ،كثيرا ) .لم يستطع ( نيران ) أن يغفو في الظلمة ، حاول أن يغمض عينيه ، و يطوي أحلامه ، لكن الحزن تملكه عندما تذكر والده ، و تذكر قفزته إلى القارب و هو يدندن بأغنية تنساب بهدوء و رقة مع المياه ، كذلك تذكر قفزته من القارب إلى جزيرة القلعة ( لباد )التي تشمخ بمئذنتها العالية ، المستقر بدنها الطويل فوق قاعدة مربعة ، ذات ثمانية أضلاع ، و ثمانية طوابق ، مزينة وجوهها بأعمدة ، و طاقات في داخل صفوف مستطيلة ، لبعضها كوات مفتوحة تنير السلم الحلزوني في الداخل ، و تنتهي المئذنة في أعلاها برأس من طابقين أصغر قطرا ، و طولا من بدنها الطويل ….كانت المئذنة التي تعود إلى عصور إسلامية قديمة تدهش ( نيران ) بجمالها ، و علوها ، و تدهشه زخرفة سقف قبتها حينما ينظر إليها من الداخل ، ذات مرة هرول في بقايا حصن القلعة القديمة ، و قصر أزداشير ، و تلولها الأثرية ، فعثر على منحوتة تشبه الحصان ، فرجع بها إلى والده صائحا  :

-بابا ، هذا حصان .

-يجب أن نسلمها إلى مديرية الآثار ، يا ولدي .

      كان والده يقضي جزءا من وقته في هذه الجزيرة عند عودته بإجازة...طال انتظاره... رغب أن يرفعه من خصره إلى أعلى مثلما يفعل كلما يلتقيه عند عتبة الباب ، و مثلما فعل الملك ( آكو ) معه في تخيله ، و رغب أن يهرع راكضا ، صارخا : ( بابا...بابا ) ، و ليأخذه إلى الجزيرة...هناك يرعى والده أزهار الفواكه ، يصيد السمك أما هو فيركض بين الأشجار ، يتسلقها ، يتأرجح على غصن تداعب أوراقه صفحة المياه الضحلة ، يتبلل و هو يتابع طيران البط و اللقالق ، يخرج ، يستلقي على ظهره ليصغي إلى تغريد البلبل الأسود ، يختبئ بين الأشجار ، و  ينظر إلى حمامة الطبن و هي تزق فراخها تارة ، و تحوم حول عشها تارة أخرى...ثم يبحث عن أعشاش القطا المختفية في الأرض ، المحاطة بأعشاب كثيفة ...لم يمسها ، لم يزعجها ، انه يحبها ، ويحب أن  تفقدها ، غير أن طلقة من بندقية والده تفجرت في الفضاء ، فحلقت الطيور فزعة ، هاربة إلى سحب السماء مطلقة الصراخ و الأنين ، أما طيور الخضيري فسقطت تتضمخ بدمها ، راقصة من ألمها .

 

        هدأ الرعد

        انساب ( نيران) في خياله إلى غدران البرية ، و بركها ، و عيون مياهها ، فجأة يتوقف ، و يصرخ من فرط فرحته : ( بابا…بابا…هذا كمأ…كمأ ) ،أجل كان ينساب إلى كل الأشياء الجميلة ، ينساب إلى متعته في ( طينة حجي شريف ) التي تظهر من أرضية النهر عند غياضه في فصل الصيف ، فتزرع بالخضروات ، و البطيخ ، فكانت متعته تزداد حين عودته إلى البيت ، و هو يحمل بيديه بطيخة صغيرة إلى جدته ، تأخذها منه ، تأكلها ، و تقول :

             -  إنها حلوة يا ولدي ، من أين جلبتها ؟

        - جلبتها من ( طينة حجي شريف ) .

       - نعم…نعم…( طينة حجي شريف ) مباركة دائما .

     

      كان ( نيران ) ينساب في خياله المرتعش مثل ظل يهزه الهواء مرتسما على المياه من تحت شجرة رمان ، يسير فوق طحالب كثيفة تحت نجوم براقة و بين زهور برية ناحية قداح يفوح بشذاه لينسج معها مداعبة لطيفة تختفي خلف جفونه ، و ليطوي عينيه تحت أجنحة الليل ، و لينام مجددا عند ينابيع ظل الألوان ، وليبقى وحده كاملا في الحكاية التي تهب للصباح رقة و عذوبة في مواجهة الشمس ، و ليفتح عينيه باحثا عن وردة الجوري الحمراء المختفية في بريق الضوء،يتنشق تفتقها ، يسمع صدى الليل الفائض في حلمه الذي يبدأ ، و يبدأ في ( عانة ) دون أن يسمع صوت والده قادما من جبهة الحرب...هناك لا راحة بال ، و لا رجع نواعير ، و لا طيور فخاتي،و لا يد مستعطفة تقدم له رغيفا حارا ، بل جثث منثورة ، موزعة ، شاحبة ، مرعبة...و يبدأ هنا وقت جديد كل صباح ، و تشع نظرات أهل ( عانة ) في استكانة و ظل الحدائق و الزهور التي بانت نضرة كي تتوحد أساور الليل الراقصة الصادحة مع ابتسامات جميلة لزينة و نعمة النهار .

        

             

 


اللوحة للتشكيلي حسام كاكي