الرصافي بعد ستين عاماً

لا يزال محتجّاً وغريباً في ساحته

 

نصوص عراقية

 

 

العدد 23 -- أيلول 2005

 

تصدر عن موقع الكاتب العراقي

 تحت اشراف القاص  سلام إبراهيم

يرجى ارسال المواد الى

salam54@maktoob.com

 

شروط النشر: لم يسبق نشر المادة في المواقع الألكترونية ويجب الالتزام بعدم نشرها على النت الا بعد نفاد مفعول العدد (شهر واحد).

يجب أن تكون المادة مكتوبة ببرنامج الوورد ومصححة لغويآ ومرفقة كملف


الأفتتاحية

 سلام إبراهيم: أدب عراقي لا أدب خارج وداخل

مقالات في الأدب 
 
 د. عدنان الظاهر:   البياتي 
 محمد مظلوم: الرصافي بعد ستين عاما
 د. إبراهيم الجعفري: في ذكرى الجواهري  
 سلام إبراهيم: كتاب كانوا سوط الجلاد  
 كريم كطافة: من أفشى السر
 عزيز التميمي: كلود سيمون والرواية الجديدة
 طالب عبد الأمير: سحر الشرق

الشعر

 صادق الطريحي: نساء في مقبرة
 مفيد عزيز البلداوي: أرى أنني لا أرى 

 عبد اللطيف الحرز: كتاب الموت
 ترجمة: بدل رفو: قصائد من الشعر النمساوي
 
  نص
 نص مشترك:  نحن مع ( أبو بكر زمال) ضد ساسة
 

 القصة
 
 يوسف أبو الفوز: من سيرسم لي الودرة
 اعتقال الطائي: طقوس
 سلام عبود : ليس مباحا للمرء أن يكون طويلا في بغداد
 صبيحة شبر: محاولة

 رافع الصفار: متاهات الزمن المفقود
 طالب عبد الأمير: في يوم تموزي لاهب
 سلام إبراهيم : رؤيا اليقين
 صبيحة شبر: نقد قصص العدد الماضي

 
 الرواية 
 
 حمودي عبد المحسن:  أربعة فصول من المزمار
 سلام عبود: فصل من رواية زهرة الرازقي
 

 متابعات 
 عنابة جابر: زواج أجمل امرأة
 سناء الموصلي: زهرة الرازقي لسلام عبود

 توفيق التونجي:  المزمار لحمودي عبد المحسن

 شاكر رزيج فرج: طائر الدهشة ليوسف أبو الفوز قصص  
 جمال بو حسّون: سرير الرمل لسلام إبراهيم 
 
حوارات في الثقافة العراقية
 عادل عبد الله :  أدبائنا في المنفى
 علي حسن الفواز:عطالة النخب 
  سلام عبود: ثقافة العنف في العراق
 شاكر الأنباري: منْ يقتل منْ في العراق 
محمد مظلوم: المقهى العراقي ليس مقهى السنترال
 عادل عبد الله :  أدبائنا في الداخل
 سلام عبود: حرب الداخل والخارج

 

مدن وأرياف ووجوه
 زهير كاظم عبود: نبوءة الدكتور شناوة

 
 الحكاية
 سلام عبود:  أبو طبر
 محمد رشيد : حيوان خرافي

 أدب الرسائل
سلام إبراهيم   وكزار حنتوش:  ويمر عمر العراقي خطفا 

 ذكريات ويوميات
 أعتقال الطائي:  إبراهيم زاير ودفاتر البنات
  سلام إبراهيم: قالت لي: أنا عندي حنين
 يوسف أبو الفوز: لابد أن نلتقي
 

 كتاب الشهر
 
 سلام إبراهيم: الفتيت المبعثر رواية محسن الرملي

 
أدب شعبي

جمعة الحلفي: يا بحر

 

 

عودة الى موقع الكاتب العراقي

 

 

 

 

 

محمد مظلوم

 

في منزله بالأعظمية، وحيداً رحل الرصافي في صيف بغدادي عام 1945. رحل ولا عقب له، فهو لم يتزوج بل عاش مفرداً مترحلاً في أمكنة العراق، حواضره وأريافه وبواديه، كما في ترحاله بين الاستانة ودمشق والقدس، وعلى رأسه الطربوش التركي في مرحلة، ومعتمراً السدارة الفيصلية (نسبة للملك فيصل الذي كان أول من اعتمرها، بوصفها تكييفاً محلياً للقبعة الإنكليزية) وأفندياً (التوصيف العراقي لحاسر الرأس) في مراحل أخرى، وارتدى الكوفية المنقطة والعقال العربي في المراحل التالية من حياته لعلها الأخيرة قبل أن ينكشف رأسه مسافراً نحو السماء.
لكن رحلة الرصافي، في الأرض، التي يمكن لغطاء الرأس المتنوع عبر المراحل، أن يلخص جانباً منها، تجد شيئاً من تنوعها في شعره، كما في سيرته. فهو شاعر تعليمي، وصفي، إصلاحي متذمر، منتقد يرصد جوانب الحياة المتعددة، متمرد على العقائد ويبارك كل أنواع العصيانات ضد السلطة، وضد الإنكليز. وهو نائب في البرلمان أيضاً، عن منطقة أسفل الفرات (الناصرية وما حولها) التي كانت تعرف بلواء (المنتفق) وليس عن بغداد التي ولد فيها ومات فيها أيضاً.
لكنه، في هذه الحقب كلها، ظل غريباً في أعماقه يعيش في رأسه دون غطاء، غير سماء المنافي الداخلية والخارجية التي غطت حياته، بعد أن فشل في العثور على صلة ما، رمزية أو واقعية، تعيد مصالحته مع الأرض، الزمان المكان، وما يمر عليهما من أحداث وبشر:
هل الدهر إلا أعجميّ أخاطبه
فما لي إلى فهم الحديث أجاذبه
بالنسبة للأجيال اللاحقة يبدو معروف عبد الغني الرصافي مجرد اسم لشاعر عاش في الفترة ما قبل الحداثة، ولم يبق من شعره ما يفصح عن جرعات تحريضية على كتابة شعر حديث! هو بهذا المعنى ليس أكثر من تحفة جمالية مركونة في المكتبة واسم في الذاكرة التي نهرع إليها عندما يستجد ما يستجد على الأرض ونتذكر أن الزمن ليس سلسلة هاويات متقطعة ولا فترات مجزأة، لكنه حلقة متصلة تشبه الدائرة، خاصة عندما يتعلق الأمر باللغة التي تدور على نفسها، ولا تخرج عن فكرة العود الأبدي غالباً.
ربما لهذا رثاه الجواهري كمن يجدده بقوله:
أهزّ بك الجيل الذي لا تهزه
نوابغه حتى تزور المقابرا
فموت الرصافي، بمعنى ما، فتح الباب لعهد جديد من التحول الشعري، في العراق، ساعد تماماً على بروز حركة الريادة الشعرية، مثّلها شبان في العشرينيات من أعمارهم، السياب والبياتي وبلند ونازك، لا يمكن بأي حال من الأحوال تجاهل صلتهم القوية بشعر الرصافي، وبقوة تأثيره في الذاكرة الشعرية، وفي الشارع العراقي، بشكل عام.
لقد تأسست حركة الحداثة الشعرية الأولى في العراق، من خلال توجهها المبكر للقراءة النقدية لشعر الرصافي بالدرجة الأساس وهنا أهميتها، أهمية تستخلص شرعيتها من حافزها والاختلاف معه، بينما مضى الجواهري إلى تعزيز كلاسيكيته وأغلق الدائرة حوله بجمعه بين قلق الزهاوي الميتافيزيقي المفلسف، والتمرد الأرضي للرصافي.
وحين وصفت الجواهري مرة بكونه ديوان العراق، فلم أكن أقصد أن أشعاره هي القمة التي تنظر إلى ما حولها من سفوح، بل لأن ما ضمته تلك الأشعار يجسد "الديوان" بالمعنى الجامع لأحداث وتاريخ العراق طيلة قرن من الزمن. لنتذكر أن الجواهري ولد في بداية القرن العشرين ورحل في نهاياته. إنه إذن قرن من الشعر الحدثي الذي لا ينقصه تضمين الجمال ولا يقصر عن تدوين الكوارث. لكن الرصافي، وهو المشغول بأغراض شعرية تبدو تقليدية ومستنفدة إلى حد بعيد في الشعر العربي، هو ديوان آخر للعراق، يتماس فيه الحدثي والتاريخي بالشخصي، وتصطدم فيه موجات الأسى العام بسواحل الذات في نبرة اعترافية تبدو مغمورة بمياه خارجية لكنها تصلح أن تكون مرآة عميقة لذات مستلبة بقسوة، مرآة تتطلب الكثير من التدقيق لرصد انعكاساتها.
وإذا ما تجاوزنا السمة الإصلاحية والتعليمية المعروفة في شعر الرصافي، فإن قصائده الريادية في أدب الطفل تشكل غنى إضافياً في الفهم النوعي للغنى الشعري ما بين الحربين. لكن ما يهم في هذا الغنى كله هو أن الرصافي شاعر حياتي أرضي بامتياز، ولعل أغنيته "على جسر مود" قبل أن يطلق عليه اسم "جسر الأحرار"، المثال الطيب للشعر الحياتي الممزوج برؤيا وصفية متقدمة وموغلة في اللحظة إلى حد بعيد.
إنه شاعر الماء بامتياز، الماء المحلي وعلاقته بالبشر. وإذا كان السياب قد حظي بالدراسات الكثيرة التي رصدت علاقته بأنهار الجنوب، فإن علاقة من نوع آخر لم ترصدها الدراسات الأدبية جيداً، أعني علاقة الرصافي بالمياه، وتحديداً أنهار بغداد الميتة. وهي علاقة تاريخية متعددة المصادر، وشخصية مكتظة بالأسى. بل إن عدداً من قصائده يمكن وصفها بأنها مراثٍ نوعية للأنهار. فحين يرصد أكثر من إثني عشر نهراً ميتاً في بغداد وحدها فإن قصيدته التي يجعلها بمثابة رسالة لا تجد طريقاً في المياه تسلكه نحو المنصور باني العاصمة. هي كناية عن مرثية حقيقية لجغرافيا مائية لم تعد موجودة على الأرض بينما انسحبت إلى الكتب ومعاجم البلدان. لكأن بغداد أصبحت سيرة مكتوبة بالرماد، على أرض السواد بعد أن كانت ريشات محابرها تغمس في مياهها اللامعة في كل الجهات.
وقع النقد كذلك، في سوء فهم لجانب أساسي من تجربة الرصافي، وهو سوء فهم متوارث ومرحَّل بنوايا مسبقة تفتقر إلى التدقيق النقدي، عن علاقة شعراء النهضة بالمخترعات، فعد وجود مفردات وموضوعات تنشغل بالسينما والكهرباء والبريد ووسائط النقل الحديثة في شعره نوعاً "من الانبهار الساذج" فيما كان ينبغي الالتفات إلى الأثر اليومي الشخصي لتلك (المخترعات) على الشاعر وهو يجد نفسه معنياً بها كمعطى تداولي مستحدث في حياة مختلفة. أجل كان الرصافي يعتمد الدواب في تنقلاته وفي تجواله، ثم وجد عنصراً جديداً يدخل في رحلاته.
إنها كما أرى توازي طبيعة معالجة السياب التي تبدو ساذجة للأساطير لكن سذاجتها البدئية لا تخلع عنها، صفتها الأساسية في كونها بداية ومقترحاً وليست ثيمة منجزة.
وما يعزز الغنى في تجربة الرصافي، وجود مستويين تعبيريين في شعره، الأول خطابي احتجاجي تكاد المخيلة تنحسر فيه، بينما تحضر السخرية السوداء والتهكم، والآخر وصفي يضج بالصور والأخيلة، وبما هو شخصي في سياق سردي لا يلجأ كثيراً إلى جزالة متوارثة ولا ديباجة منمقة ومزوقة، على النقيض من قرينه الزهاوي في ضجيج عباراته وكراديس عباراته وأسئلته.
الموازنة بين الرصافي والزهاوي
مقارنة الزهاوي بالرصافي هنا قد لا تشبه كثيراً المقارنة الأثيرة بين شاعري مصر شوقي وحافظ، فالأمر هنا لا يتعلق بأمير للشعراء وشاعر للنيل، والقضية لا تنحصر بألقاب من خارج الشعر، وإنما بالشعر نفسه، وبالحياة والسيرة التي تجسد اتجاهين مختلفين في الرؤيا للعصر الواحد الذي عاشا فيه، متخاصمين أحياناً ومتضامنين متمادحين بأشعارهما أحياناً أخرى.
هما أيضاً ليسا جريراً والفرزدق، في نقائضهما التي لم تلتق البتة. فكلاهما كان في المعارضة، وفي البرلمان أيضاً. لكن الأمر، مرة أخرى، يتعلق بموقف شعري وحياتي متداخل، تنعكس فيه صورة عن قلق العصر ومشكلاته الخاصة وهما يريان العالم من حولهما بين حربين، والبلاد بين احتلالين.
لا بد من الاعتراف هنا إنني كنت أكثر ميلاً نحو شعر الزهاوي في فترة مبكرة من قراءتي لهما معاً، ربما بفعل من الكثافة المعرفية التي تحتضنها قصيدة الزهاوي ونبرته النهلستية المتقدمة متمثلاً في العديد من قصائده ذات الأغوار الحائرة:
أريد لو استتبَّ لي الخُلودُ
لكن أين مني ما أريدُ
أو في ذعره الميتافيزيقي:
كلما فكرت في الأمر تولاني ارتجافُ
أنا من مستقبل الناس على الناس أَخافُ
أو
إذا فتح القوم المعادون لي قلبي
رأوه سليماً ليس فيه سوى الحبِّ
أو
يا قَوم مهلاً مسلمٌ أَنا مثلكم اللَه ثُمَّ اللَه في تَكفيري
أو في حيرته في الزمن الدائري المتداخل:
لست أَدري كخابط في ظَلامِ أَورائي سعادتي أَم أَمامي
أو في وصفه للموت:
هو نوم نعم نعم هو نوم هو نوم لكن بلا أحلام

كانت مثل هذه الأبيات وسواها الكثير من شراك الإغراء التي تدفع نحو ملامسة عالم محتدم من القلق الوجودي، والتشاؤم العدمي لدى العجوز الشكاك. غير أنني سرعان ما وجدت نفسي منحازاً للرصافي عندما تعرفت على تاريخ العراق نفسه منقسماً مرة أخرى، جلاداً وضحية. بدا الرصافي هنا وكأنه الحد العريض في تلك المسافة التي لا يمكن معها إعادة اللحمة للمشطور من التاريخ في صيغته الجديدة.
كان الزهاوي مشغولاً، إذن، بمراقبة أهوال الأرض من السماء، متسائلاً: "لماذا تحركت الأنجم" بينما كان الرصافي موغلاً في مراقبة القاع، فقط ليكتشف السماء من حوله، تلك التي تضمها دجلة :
ورأيت من فوقي السماء حقيقة
ورأيت من تحتي السماء خيالا
فكأنما الجسر الذي أنا فوقه
قد مدّ في حوّ السماء مشالا.

وحين يتحدث عن العراق يحمل شعره طاقة تعبيرية متعددة المديات والمصادر:
يا سواد العراق بيّضك الدهر فأشبهت مقلتي يعقوبا

وعندما يتحدث عن الموت يقدم لنا صورة وجودية عن تشكله في الحياة نفسها، سنراها لاحقاً تمثل عصباً أساسياً في تجربة البياتي مثلما شكلتها أبيات عابرة أخرى للفتى القتيل طرفة إذ يرسم الرصافي صورة الموت بقوله:
أرى العمر مهما ازداد يزداد نقصه
إذاً نحن في نقص من العمر دائم

ولعل سيرة الشاعرين تحتاج إلى مقاربة نوعية خاصة، ليس لثنائية الجذور الثقافية ذات الظلال الفارسية/ التركية التي تفصل بينهما بمسافة واضحة، بل في سيرة ظاهرية تجد مضانها في عواصف بعيدة.
فبينما شغل كلاهما مقعداً في مجلس الأعيان، توفي الزهاوي بسبب صدمته بعد خروجه من المجلس، فقضى بقية حياته مُقعداً ومشلولاً، بينما أكمل الرصافي حياته، غير معنيّ بالمقعد النيابي كثيراً، وهو الخاسر سلفاً، فواصل سيرته المحتجة بصيغة أخرى، عاطلاً ومتسكعاً في شوارع بغداد، قبل أن يموت وحيداً في منزله بالأعظمية.
بالنسبة للزهاوي كانت المعضلة الأساسية للبشر تكمن في الجهل، أما الرصافي فذهب إلى أن للجهل نفسه حاضنة اجتماعية تاريخية تتلخص في غياب العدالة وسيادة العنف على الأرض. لعل ثمة الكثير بين أشعارهما ما يعزز هذا التباين في فهم المعضلة، تكشف ثنائية السلطة والسلطان جانباً من هذا التباين إذ يرى الرصافي:
ما نرى سلطة علينا لخلقٍ
غير سلطان خالق الأكوان.

هذا الحس الذي يقرب الرصافي من بيئة شعر الخوارج لا يشبه بالتأكيد النظرة الثنائية القائمة على غنوصية مانوية يقترحها الزهاوي للتفريق بين الأمرين:
لإبليس في الدنيا على الناس سلطة
كما أن للرب المهيمن سلطانا.

وبينما يقدم الزهاوي مدحاً رمزياً مقدساً للعلم، في قصيدته الشهيرة عن العلم:
عش هكذا في علوٍّ أَيها العلمُ
فإننا بك بعد الله نعتصمُ
عش للعروبة عش للهاتفين لها
عش للألى في العراق اليوم قد حكموا

يسخر الرصافي، من هتاف الزهاوي المفتعل في قصيدته الأشهر عن العلم نفسه، ويسخر كذلك من قطعة قماش، تسمى علماً وورقة كناية عن دستور، وأسماء يجري من خلالها التحريف والتضليل، وخلف صفاء العبارة يبدو الرصافي بهلولاً يسرد الحكمة وهو يمتطي قصبة، مقابل عقلانية تجريدية تدحض وتجادل على هدي المناطقة وورثة ديكارت:
ولم أستشر في الناس إلاّ تجاربي
وهل يَصْدُق الإنسانَ إلاّ تجاربه

وفي الوقت الذي اهتم فيه الزهاوي برباعيات الخيام وترجمها إلى العربية، ذهب الرصافي إلى أديب تركي معاصر طليعي منفي هو نامق كمال فعرّب له "رواية الرؤيا". واضح تماماً أن كلاً من الشاعرين ذهب إلى تمثيل صورة قلقه عبر اختيارهما للترجمة، فيما سنجد نموذجاً إضافياً في طبيعة اهتمام كل منهما في نثرهما، فالزهاوي انشغل تماماً بهموم علمية محضة في كتبه "الأفلاك وسيرها" و"الجاذبية وتعليلها" وغيرهما، بينما انصب اهتمام الرصافي في الدراسات الإسلامية والأفكار الصوفية والنثر الفني في التراث العربي.
سنرى كذلك أن تفاعل كل من الشاعرين مع شخصية سعد زغلول في مصر جاء متبايناً هو الآخر. فبينما قدم الزهاوي قصيدة طبيعية عن الشعب المتجسد في شخص، قارب الرصافي تلك الشخصية من شخصية عبد المحسن السعدون المنتحر تحت وطأة الضغط السياسي، مستفيداً من علائقية الإسمين، وكنايتهما.
أما في قصيدته عن "الشيخ خزعل" فسنرى خيطاً يؤدي إلى المتنبي وسيف الدولة، ويجمعهما في عقدة واضحة. بل إن قصيدة الرصافي هذه مبنية بناء يذكر بشعر المتنبي بوضوح. ثمة شكوى ممزوجة بالاعتداد وتوسم في الخلاص. فالرصافي يقول في هذه القصيدة إنه صقر بغداد، ولا ينبغي أن تتقدمه الغربان، أما الشيخ خزعل الذي كان يحلم بعراق موسع تحت حكمه منطلقاً من إمارة عربستان، فقد التقى بحلمه مع حلم الرصافي. بيد أن الحكاية الجديدة حملت في نهايتها عقدة التراجيدية القديمة ذاتها مجسدة في: أمير مخلوع وشاعر معزول.
سنرى جانباً من صورة الشيخ خزعل بوصفه (أملاً تاريخياً) مبثوثة في ثنايا شهادات عدة عن طبيعة شخصيته دونها أمين الريحاني وعبد المسيح الإنطاكي، وأمين الحسيني وسواهم.
لكن الرصافي لم يكن شاعر الأمراء بهذا المعنى، سنرى صورته في الأدب العراقي متجلية لدى العديد من الشعراء ابتداء بالزهاوي نفسه والجواهري من بعده ومروراً بحضوره في سخرية الملا عبود الكرخي من واقع المنافي ـ بشتى أبعادها ـ التي كان يدفع لها شاعر بغداد بين الحين والآخر. لقد وجد الملا عبود هذا الفيلسوف الشعبي، صاحب الملحمة الشعبية الأبرز في الشعر العامي العراقي "المجرشة" وذو النزعة التهكمية التي تقربه من ابن المقفع في نقده للدولة، واستعارته لألسنة الطير والثعالب والديكة في خلق حوار بدخان كثيف يشم منه العامة في بغداد روائح الطبخات الغريبة، وجد في الرصافي الشاعر الذين يدين به واقعاً عاماً في مقطع ذي دلالة:
يا مشافي يا معافي هم رجع طار الرصافي
لو أبو ناجي يحبه كان رزقه اليوم وافي

وبينما تقاسم الرصافي والكرخي صوبي بغداد، على نهر دجلة، في أكثف اللحظات في ثلاثينيات وأربعينيات العراق التي تكاد تتماهى مع الحاضر، بدا الزهاوي منشغلاً بغربة من نوع آخر مردداً على نهر دجلة أيضاً:
أَحمامة غنت بجانب دجلة
لم يبق مستمع إليك فطيري
هل أَنت في بلد أضاعك أهله
أَم أَنت بالإقبال غير جدير.

في مزجه لبلاغة الطبيعة ومقاربتها من حياة البؤس في القاع العراقي، بدا الرصافي أكثر تجذراً في التجربة بينما بدا الزهاوي مؤلفاً مشغولاً بمعان تذهينية متعالية.
فعندما يتحدث عن مصائر البلدان يستعين الرصافي بقدرة تصويرية ممزوجة بنزعة رؤيوية تلوح عبر الأفق:
أرى هَبوة سوداء في الجوّ أسبلت
حجاباً بآفاق العراقَيْن مُمترّا
وأرخت بأرض الشام منها على الرُبا
سدولاً بها جوّ السماء قد اغبرّا
ومدّت على بيروت منها غَيابةً
بها عاد وجه الأفق أسفع مُكدرّا

لكنه لا ينسى في هذا الهباء الترابي الذي يزيف الأشياء ويحتل نفوس الناس قبل أن يغطي رؤوسهم وثيابهم أن يعرض للبشر من حولها:
فكم من خطيب قام فيها مثرثراً
فطرّى لنا من يابس القول ما طرّى
وكم شاعر قد أرخص الشعر دونها
وكم قلم فوق الطروس بها صرّا
تجديد الماضي
ومع أن النزعة الإصلاحية في شعره التي تبدو وعظية في الغالب، تقابلها حيرة تبدو ذهنية ومتعالية لا علاقة لها بالكيان الشخصي والتجربة الذاتية، ثمة في شعر الرصافي ما هو شخصي بحت، وشخصي متداخل بتجربة جماعية مهمشة. وبهذا يبدو الرصافي أكثر إخلاصاً لمشروعه من الزهاوي. فعندما قامت حركة مايس في العام 1941، في أول صدام مسلح بين الجيش العراقي والجيش البريطاني، إنحاز الرصافي للخاسر سلفاً.
صحيح أن اعتماد تلك الحركة من الناحية السياسية على حكاية تاريخ الحرب العالمية الثانية من أن ألمانيا النازية قادمة إلى الشرق لا محالة، جعلها نوعاً من الوهم السياسي، إلا أن النازية، في ذلك الوقت كانت كالبرابرة، نوعاً من الحل في ذلك الوقت، كما في كل وقت على ما يبدو.
لكن البرابرة لم يأتوا هذه المرة. فانزوى الرصافي عن الناس، وعانى من الإهمال حتى إنه اشتغل في آخر عمره بائعاً للسجائر في الساحة التي تعرف اليوم باسمه حيث ينتصب له تمثال يكثر من حوله الفقراء والمحرومون القادمون من مدن الأطراف الفقيرة وهم يبيعون السجائر وأشياء أخرى مستحدثة في مشهد يتداخل فيه اليومي بالتاريخي مجسداً جانباً من محنة الشعر والشاعر.
أما محنة الناس فهي جزء من الحكاية يسردها الرصافي بسخرية معتمة توجز إلى حد بعيد صورة الإنسان بعد أن يتلبس كل ما حوله صورة زائفة فيلتبس عليه كل شيء، ولا يبقى أمامه إلا أن يعطل حواسه ويقينه ما بين حقيقة مصنعة وأخرى مضيعة:
يا قوم لا تتكّلموا إن الكلام محرَّم
ناموا ولا تستيقظوا ما فاز إلاّ النُوَّم
إن قيل هذا شهدكم مُرّ فقولوا علقم
أو قيل إن نهاركم ليل فقولوا مُظلم
أو قيل إن ثِمادكم سَيل فقولوا مُفعَم
أو قيل إن بلادكم يا قوم سوف تُقسَّم
فتحمّدوا وتشكّروا وترنّحوا وترنّموا

وعندما يعود الرصافي بعد أكثر من نصف قرن ليشغل مساحة في السجال الثقافي العربي عبر كتابه الإشكالي "الشخصية المحمدية" الذي طبعته دار الجمل 2002، فإنه يجد نفسه غريباً مرة أخرى، متمتعاً بالصفات والمثالب ذاتها التي رافقته في حياته.
تماماً مثلما كانت قصيدته عن الفلوجة، في الجانب الآخر، مناسبة نموذجية لاستعادة الوجه الدامي للتاريخ في المذبحة التي شهدتها المدينة خلال محاصرة القوات البريطانية للمدينة وقتل العشرات من أبنائها في ذلك الوقت، ومقاربتها إلى ما يشبه التطابق مع ما جرى للمدينة بعد أكثر من ستة عقود.
اللافت أن الرصافي ألف كتابه ذاك في الفلوجة نفسها، دون أن يعلم أن جانباً من صورته الحائرة سينوس أيضاً بين ذلك الكتاب وقصيدته عن المدينة.