سلام
عبود
ما أشبه
الليلة بالبارحة!
ليس شاذا
أو غريبا أن تخلق الثقافة الوطنية لشعب ما, في داخلها, تيارات مميزة,
تبعا لبيئة ومصادر إنتاجها. بيد أن تلك التيارات لا تعد ثقافات خاصة
منفصلة عن نهر الثقافة الوطنية الأم, بقدر ما تعد تنويعا في إطار
الثقافة الوطنية العامة.
إن
المعركة الراهنة حول ثقافة الداخل والخارج ليست معركة ثقافة بالدرجة
الأولى, وإنما هي معركة ضمير. فكما أصر كثيرون على نكران خطورة
الآيديولوجية القومية الشوفينية, وكما أصر كثيرون على تجاهل ممارسات
التطهير العرقي والسياسي والطائفي, التي قادتها السلطة منذ سنواتها
الأول, وكما أصر كثيرون على تجاهل أن تلك الممارسات لم تكن سوى الخطوات
التحضيرية للدخول في الحرب الدموية ضد الجارة إيران, وكما أصر كثيرون
على تجاهل نتائج الحرب العراقية الإيرانية وصلتها بغزو الكويت وما
تلاه, يصر كثيرون الآن على تجاهل الواقع الجديد, المتمثل بظهور كيان
اجتماعي عراقي, يفوق في حجمه حجم دول, يبلغ قوامه أكثر من ثلاثة ملايين
مواطن, يتخذون من الخارج مأوى لهم, نزح القسم الأعظم منهم في موجات
سريعة ومتلاحقة. هذا الوجود الاجتماعي أضحى الآن هدفا أساسيا للسلطة.
وكما تنبه كتاب السلطة أنفسهم الى أهمية التغني بالموت, حينما أصبح
وجود الموت حاسما, تنبه كتاب السلطة, قبل كثيرين من خصومها, الى أهمية
هذا الوجود الكبير في الخارج.
بكل
بساطة, إنهم ينقلون الحرب الى الخارج, بعد أن حرثوا أرض الداخل بحروب
متواصلة على مدى ثلاثة عقود.
فما هو
موقف صناعة الثقافة؟
لكم يشبه
اليوم البارحة!
كما لو
أن تجارب وأحداث ثلاثين عاما لم تقع أمام أعيننا. بعضهم يصر مجددا على
إعادة انتاج حلقة الشر المغلقة, ولكن في الخارج هذه المرة. وإذا كان من
ساهم في أدب الحرب قد أرغم على ذلك, كما يدعون, بفعل جبروت السلطة,
وإذا كان السكوت على القهر والتطهير العرقي والسياسي والطائفي قد حدث
للسبب نفسه, وكذلك التستر على الكوارث البيئية والاجتماعية
والاقتصادية, فلا نعرف ما الذي يدفع البعض الى ارتداء بدلة القتال
والانخراط في معركة الخارج؟
باختصار
شديد: إنها حرب ضمائر لا أكثر ولا أقل. حرب داخلية, لا صلة لها بالشعر
والقصة أو بالفن والعلم. إنها حرب أهلية في دهاليز النفوس. إنها نسخة
مكررة من نسخ تغييب الضمير, ومن نسخ" القصاص الرباني", التي سلطت على
شعبنا في الداخل, يُراد تعميمها على الخارج.
إن
معاركنا, جلها, حتى الثقافية منها, لا صلة لها بالثقافة. لأنها جزء من
المعركة الكبيرة, المدمرة, التي انتهت على جبهات القتال, لكنها لم تنته
بعد في النفوس. إنها انعكاسات أو امتدادات أو نتائج لمعارك سياسية خفية
أو معلنة.
فلا يجهل
أحد أن المعركة من أجل ايجاد ثقافتين للداخل والخارج هي معركة تنشب في
الوقت الضائع من عمر شعبنا. معركة تقودها أطماع شخصية, وتغذيها علنا
وسرا قوى متحاربة تسعى الى استقطاب هذا أو ذاك, وتشارك فيها نفوس عجزت
عن مواجهة خرابها, تتحصن بخيبة هذا أو ذاك, وأخرى أفلست فراحت تملأ
قربها من ماء هذا أو ذاك, إضافة الى جمهرة كبيرة من الذين لم تخفت في
ضمائرهم بعد حدة المعارك, التي دارت على مدار عقود في الجبهات. وكل تلك
شؤون لا صلة لها بالثقافة. فسواء انقسم الناس الى اتحادين ثقافيين أو
أكثر, وسواء تطاحن الناس على هذا النادي الثقافي أو تلك الجمعية
الثقافية, فإن الثقافة الوطنية نفسها لن تنقسم. لأن تلك المعارك هي
أساسا معارك تدور خارج جبهة الثقافة, وإن بدت كأنها تدور على أرضها.
ربما سينزلق اليها هذا المبدع أو ذاك, وربما ستشغل هذا أو ذاك, لكن
الآداب والفنون الخلاقة والفكر الجاد ستظل مشروعا وطنيا دائما. فالأدب
الحقيقي, حتى إذا لم يجد وطنا يأوي اليه, سيتخذ من العالم بيتا له,
وحالما يصبح العالم بيته سيعود الى وطنه الأم من أوسع الأبواب. لهذا,
ستظل الثقافة الوطنية موحدة طالما أنها تحمل صدق انتمائها الى وطن. إن
أبرز عنصر للوحدة هو انتماء المنتَج الثقافي الى وطن الإبداع, سواء
أنتج في منفى ثلجي, يبعد آلاف الأميال عن مسقط الرأس, أو أنتج تحت ظلال
نخلة في بيت الأهل. سواء أنتج في وطن تحت الحراب والخراب, أو في وطن
آخر أقل خرابا. لا خوف على الثقافة, فالثقافة الحقيقية تحمل في جوهر
تكوينها أسباب الوحدة والبقاء.
قد يبدو
المهجر للبعض سلسلة من المعدلات الغريبة والشاذة, لكنها معادلات لها
قوانينها, ولها رقيبها القاسي أيضا, الذي اسمه الموهبة. في المنفى يظل
البقاء في النهاية, كما في الداخل, للأصلح. ذلك هو الرقيب الوحيد الذي
نعترف به كرقيب على ذواتنا. أما الرقباء الرقباء, فهم كثيرون وموجودون
بالخسة نفسها في الخارج والداخل, ولا مطمع لنا بهم. ففي موقع الحرية
على الأديب والفنان تعلم المشي في طرقات الحياة قبل ممارسة الإبداع.
الداخل
يصنع أوهامه من خلال السلطة وبوساطتها, والخارج له سلطاته أيضا. وعدم
إدراك سبل عملها من قبل الوافد الجديد لا يلغي وجودها. ولكن, قد يشجعه
هذا على البحث عن سلطات أكثر ألفة, سلطات عرفها وخبرها ووضع رأسه, من
قبل, على صدرها طويلا. نحن أيها الأصدقاء كالأسماك, تكتسب مذاقها من
طعم الماء الذي تسبح فيه. لقد أرغمنا, نحن معشر كتاب وفناني المهجر,
خلال العقود الماضية, على السباحة في مياه الأرض كلها, فلا يفزعكم تنوع
مذاق لحومنا.
أيها
الأدباء والفنانون والمثقفون: علينا أن ننهي حروبنا الداخلية, وبخلاف
ذلك سنعيد, مرة بعد أخرى, إنتاج دورة الشر. فأنا أرى أشجار الغابة
البعيدة تتحرك صوبنا, وأرى خلفها دخانا يصعد الى عنان السماء.
دعوا
مليون فسيلة تنمو, دعوا البتلات تسرق من الضوء ألوانه!
وتوضأوا
بالخير قبل كتابة نصوصكم, وقبل خروجكم الى حرب جديدة.
|