|
رداً على عادل عبد الله .. المنفى العراقي ليس مقهى السنترال، وهو مستمر طالما بقي الاحتلال.. |
|
|
محمد مظلوم
حسناً فعل موقع ----- حين أعاد نشر مقالة الصديق الشاعر والكاتب عادل عبد الله، التي يبدو من الإشارة التي ذيلت بها أنه نشرها في جريدة الصباح ( الناطقة باسم قوات الائتلاف ) كما هو مثبت في ترويستها ( ولا أدري إذا ما غيرت جلدها بعد ذلك) فعلى الأقل ذاك ما قرأته بعيني الاثنتين في زيارتي الأولى لبغداد بعد شهرين من احتلالها عقب سقوط نظام صدام! مكمن الحسنة في إعادة النشر هنا إنها تتيح ( لأدبائنا في المنفى ) الذين شملهم العنوان دون استثناء أن يطلعوا عليها، أولاً خاصة لمن هم أمثالي ممن لا يتابعون صحافة الاحتلال دائماً، كما إنها تتيح مناقشتها، دون أن يضطر من يريد تلك المناقشة أن يجر إلى الكتابة في صحافة تنطق باسم المحتلين، وأؤكد هنا إن ردي هذا يخص موقع----- وحده والصديق عادل عبد الله ولا شأن لي بجريدة الاحتلال.. يبدو أن لعادل عبد الله مشكلة مع بعض العراقيين الهاربين إلى عمان في التسعينات، لكنه يسحب عقابيل تلك المعضلة لتشمل ( المنفى ) كفكرة أبعد من الحدود الجغرافية فهو لا يستثني بعنوانه وبتفاصيل مقالته أياً من المثقفين الذي يعيشون في منافي متعددة الطبقات والمستويات.. وهو يقول إنه يريد أن يكون منصفاً، ويعني بإنصافه إن الذين عادوا إلى العراق وعملوا في المؤسسات الثقافية تحت نير الاحتلال، هم وحدهم الذين لا يشمله هجاءه الغريب هذا.. قد يصح شيء مما ورد في مقالتك على أعداد كبيرة ممن تعرف واعرف ممن سميتهم ( فارين بلا قضية ) وهو كذلك فعلاً، ولكن الموضوعية والإنصاف الذين لم تقترب منهما هو إن المنفى ليس هؤلاء بالتأكيد وبالتالي هجوت جوهر المنفى الحسن، بمظهر سمج! الإنصاف يا صديقي عادل هو أن تقول إن هناك طائفة من الأدباء العراقيين - لم تشر إليها مع الأسف - رفضوا العودة إلى البلاد أو لم يستقروا فيها، لان لهم موقفاً واضحاً في رفض الاحتلال، وآلوا على أنفسهم أن يواصلوا منافيهم غير السعيدة ولا السياحية بالتأكيد، على أن يعودوا إلى وطن لا يزال مستعبداً بعد أن كان كذلك.. والمنفى العراقي ليس وليد الاحتلال ولا الدكتاتورية، إنه تاريخ من عناد المثقف العراقي وقوته إنه المنفى الممتد إلى ما قبل تأسيس الدولة العراقية، عندما اختار عبد المحسن الكاظمي أن تدور على حياته رحى المنافي منذ أواخر القرن التاسع عشر، ولا يخضع لسلطان المحتلين ولا لتبدل راياتهم بين عهدين! من أجل هذا يستمر منفى هذه الطائفة التي أغفلتها دون مبرر.. لو إنك أشرت إلى هذه الطائفة التي تعرفها بالتأكيد، لأمكنني أنا الذي أعرفك أن أفسر شيئاً منه، فما عدا مما بدا؟ ولماذا لم اقرأ في مقالتك على قصرها، كلمة ( احتلال ) واحدة أو لما يشير إليها أو يرمز لها وإن على بعد؟ ولعلك تذكر هجائيات سامي مهدي لشعراء المنفى، تلميحاً وتصريحاً، والعشرات من الكتابات والتقارير والوشايات التي كانت تتقرب من السلطة بهجائيات مماثلة لا أريد لكتابتك هذه أن تبدو وكأنها تتمة لها! وإلا فإنك تعلم إن سامي مهدي سيشعر اليوم إن منفى سعدي يوسف مثلاً لم يكن عبثاً وها هو يتواصل بينما تموت قصيدته تلك في معناها الملفق! ثم.. أتعلم أم أنت لا تعلم؟ على هدي قول أبي فرات الذي لم يعد هو الآخر.. بان هناك مثقفين هربوا من العراق للحفاظ على حياتهم ليس أكثر، وكانوا ملاحقين حقاً، وهناك آخرون اجتازوا حدوداً وانهاراً وحقول ألغام قبل أن يصلوا إلى الضفة الأخرى وليس بتأشيرة دعوة وجواز سفر، وهناك أدباء انتفضوا على صدام ولم يكن أمامهم إلا الصحراء! ثمة من بين هؤلاء من لا يريد لأحلامه أن تنوس بيت دكتاتور ومحتل! وأن لا ترهن هكذا لأول القادمين، وتبذل تصفيقاً وتبجيلاً بحمد الفاتحين، بل تلعنهم كما لعنت الذين من قبلهم، وتبقى وردية لا يمكن لرماد الحروب أن يشوهها، وإن حدث ، فهي عنقاء الرماد أخرى.. القضية إذن لا تتعلق بدعوتك الكريمة لوزارة الثقافة بتوفير فرص العمل لأدباء الخارج وكأنهم بقايا البعث، أو رموزه فهؤلاء الذين أعنيهم تفخر أهم الصحف والمجلات العربية بالنشر لهم، وهم غير معنيين بوظائف الوزارة التي لم تستطع تثقيف نفسها حتى الآن.. المنفى العراقي يا صديقي ليس مقهى السنترال في عمان الذي انطلقت بإحكامك منه ، والذي لا اعرفه ولا يعرفه الكثير من المنفيين قبلي وبعدي، بل هو في جانب منه مقبرة الغرباء في السيدة زينب حيث قبر الجواهري الكبير وهادي العلوي ومصطفى جمال الدين وعلي كريم سعيد، وحيدر سعدي يوسف ،وسفح قاسيون قرب ابن عربي حيث قبر البياتي وحيث مقابر غائب طعمة فرمان في موسكو وبلند الحيدري في لندن وآدم حاتم الذي تكفلت بلدية صيدا بدفنه في مقبرة الشهداء.. والمقابر الباردة في الدول الإسكندنافية، وضريح القديس جان دمو في هبوب العالم الجديد، والعشرات من المقابر ليس في الأرض وحدها، بما وسعت، بل في البحار أيضاً وفي ما ورائها! منفى يؤرخ لتاريخ قاس من فكرة طلب الحرية التي لا يمكن اليوم استبدالها بدبابة أميركية تجوب شارع الرشيد وتتوقف عند ساحة التحرير!
|