|
عادل عبد الله:
عقب سقوط النظام، رأيناهم يجوبون بيننا، مهنئين
لنا تارة، ومعرفين بابداعهم في المنافي تارة اخرى.
كان الخلاص من الدكتاتورية في
احاديثهم، يومها، شأنا من شؤونهم، او مأثرة
ينسبونها ـ دونما حياء ـ لكفاحهم الطويل
في عواصم العالم الآمنة.
انهم اصدقاؤنا، اولئك الذين فرّ بعضهم على عجل،
حين سمع
اول حادث اغتيال جرى، لم يكن معنيا به بطبيعة
الحال، تماما، كما لم يكن معنيا من
قبل او مستهدفا، حين شدّ في ليلة ظلماء حقائبه
موهما نفسه ان اجهزة النظام القمعية
التي لا حصر لها تعقد الآن اجتماعا لها عاما
ومشتركا لإلقاء القبض عليه في
الصباح!.
بعضهم جاء لزيارة عائلته التي كان يحول النظام
السابق من دون
تحقيق هذه الزيارة له، ثم اقفل عائدا على عجل غير
حانث بوعده لزوجته، اما البعض
الآخر فقد قرأ بعين بصيرة وبحدس نافذ متعال، ان
لا مكان له الآن في مثل هذه الفوضى
السياسية الطاغية، وان روحه العزيزة السعيدة اغلى
عليه من ان تهان هنا في بلد لا
ماء فيه ولا امان ولا كهرباء.
لكن ومن اجل ان نكون منصفين، ينبغي القول ايضا،
ان
فئة اخرى من اصدقاء المنافي هؤلاء، رجعت الى
الوطن رجوع الفصيل الى حضن أمه، واضعة
كل ممكناتها وخبراتها ومصيرها رهن محنه المستمرة
وقيد نوايا اعادة بنائه
العسيرة.
الطريف في امر هذه الفئة الاخيرة، انها كانت تجمع
العمل السياسي الى
الابداع الثقافي ابان وجودها السابق في العراق،
ولعلنا نجد في هذه الملاحظة الاخيرة
السبب لاصرارهم على البقاء هنا، والعلة في صبرهم
على الاذى.
المهم هنا، هو
القول، ان اولئك المثقفين الذين فرّوا من العراق
على مدى ثلاثة عقود، كان لكل عقد
منها ما يميزه من حيث نوع هجرة ابنائه المبدعين،
فاذ وسمت الطابع السياسي الواضح
هجرة عقد السبعينيات بحيث كان ممثلا لعلة الرحيل
والمغادرة، لدى ادباء تلك الحقبة،
انحسر فيما بعد مثل هذا العامل، ليصبح العامل
الاقتصادي المحض هو المقدم على سواه
من اسباب رحيل وهجرة ادباء ما بعد القادسية وحرب
الخليج الاولى على اختلاف اجيالهم
ومواليدهم.
غير
ان لادباء هذه الحقبة ما يميزهم ايضا، ـ اعني مستثنيا هنا
مجموعة لا يتجاوز عددها اصابع اليد الواحدة ـ
فهؤلاء الادباء يلتقون جميعا على
حقيقة، انهم لم يتعرضوا صراحة الى اذى النظام
السابق ولم يجر اعتقالهم او ملاحقتهم
او اكراههم على كتابة اشياء خاصة ارادها النظام
منهم، فضلا عن ان بعضا منهم كان من
اصحاب الحظوة البعثية ومن الناطقين ابداعيا نيابة
عن الحزب القائد
والحكومة.
ومعنى ذلك بجملة واحدة، ان مغادرتهم للعراق لم
تكن لاسباب سياسية قط،
لانهم كانوا ادباء فقط، اعني لانهم لم يكونوا
معنيين بالسياسية ولم يكن الواقع
العراقي شأنا من شؤون وعيهم!. بسبب من معرفتهم
الاكيدة بسوء عاقبة السياسي في
العراق وبالنهايات المهلكة التي سيقودهم العمل
السياسي اليها، كما يخبرهم واقع حال
الاحزاب الدينية والماركسية بذلك، وهي التجربة
التي لا جرأة لانفسهم الانانية
العزيزة على خوضها أبدا.
اما النقطة الاخرى التي يلتقي عليها ادباؤنا
الفارون
ايضا، فهي تبنيهم للمواقف السياسية ونسبتها
لانفسهم حال وصولهم الى معقل الهاربين
(عمان)
او بالتحديد الى مقهى (السنترال) حيث كانت هناك في استقبالهم
مجموعة مأجورة
من الادباء الموظفين تتولى على عاتقها مهمة تقديم
خدمات وتعليمات وشروط تحويل
الادباء الابرياء الفارين الى مناضلين سياسيين
ذاقوا الامرين من بطش النظام وسجونه
العامرة.
الغريب في أمر هذه المجموعة، هو تخليها المعلن
السريع عن أي رأي او
كتابة او عمل يمكن ان يمت الى السياسة بصلة، حال
وصولهم الى احدى عواصم اوروبا او
اميركا، الامر الذي يعني انهم اخذوا من السياسة
ذلك القدر المؤقت الذي يصلح فقط
للبقاء أمام موظفي الامم المتحدة بغية قبولهم في
دفعات لاجئيها السياسيين،
آنذاك.
لكن يبقى السؤال الملح، أنحن، اعني العراقيين بكل
مأساتنا الحاضرة الآن،
بحاجة الى رجوعهم حقا؟نوع حاجتنا هذه؟
أهي
الحاجة الى قصائدهم حين تسرف في مديح
ذاتها، أم هي الحاجة الى ضمائرهم وقدراتهم حين
تهدي لنا من اجل لحظة عمل جماعي نحن
بحاجة لها الآن.
بقي ان نضيف هنا، وهي اضافة تستدعيها موضوعية
النظر الى هذه
القضية، أعني أليس من حق اولئك الادباء العائدين
بالفعل الى بلادهم ان يحصلوا على
فرصة عمل كريم لهم؟
أحسب
ان قرارات لوزارة الثقافة ينبغي ان تعنى وتصدر بشأن
هذه المسألة، بل ان على الوزارة ان تدرس بعمق وان
تراجع مسألة اقصاء بعض اولئك
الادباء العائدين الى بلادهم من وظائفهم. |