نبوءة الدكتور شناوة |
|
زهير كاظم عبودالديوانية ,المدينة الطيبة الهادئة الوادعة في حضن فرع من نهر الفرات..الزاخرة بورد الدفلي و مساكن الفقراء.. مدينة لايميزها شيء سوى أنها تضم نماذج بشرية عبقة ، وبشر بساطتهم ودورهم اللافت في حياة المدينة ، جعل لأسماؤهم موقعاً في قلوب الناس .ولعل الديوانية وهي تزخر بمثل هذه النماذج ، انما تدلل على بساطتها وعذوبة بشرها ، ولعلها أيضاً تشير الى بساطة حياة اهلها وأصالتهم ، كما أن لصغر حجم المدينة جعل أهلها عائلة واحدة يعرفون بعضهم ، كما يتعاطفون مع النماذج التي تزخر المدينة بها من بسطاء الناس . كان الدكتور شناوة يعبر الشارع وهو يرتدي بدلته البيضاء وربطه عنقه الحمراء ، ويرفع يده بموازاة كتفه لتحية الناس مقلدا" التحية العسكرية ، شواربه الكثة التي تشبه شوارب ستالين كانت علامته المميـزة .. أنيق رغم عدم ترتيب شعره الهجين وحذاءه العتيق ، هذه كانت كل عدة الدكتور شناوه . لم يكن طبيبا" قطعا" ولاحتى مضمدا" مجازا" ولكن عمله كفراش في عيادات الأطباء وتردده على المستشفى جعله ملما" ببعض فنون التضميـد وزرق الأبـر وأسماء بعض الأدوية .. من أين أتى ؟؟ وكيف جاء ؟ لاأحد يعرف .. أين ولد وأين كان سابقا" ؟ لاأحد يدري !!لاأعتقد أن احداً من أبناء المدينة كان يعرف أين يقيم وينام الدكتور شناوة ؟ فكل الناس تلمح الدكتور صباحاً وهو يوزع ابتساماته وتحياته ، وكلها تلمحة وهو يترنح ويتمايل نشواناً مع خطابات تختلف تبعاً للمزاج والظرف ، لكنه في كل الأحوال كان محط عطف ومحبة الجميع . كان شناوه يعتقد أن الفكر الماركسي هو الفكر الأصلح للدنيا ، ومع أن شناوه لايفهم الفكر الماركسي أصلا" ولاأسس النظرية ولم ينتم لأية حركة سياسية في يوم ما ، الا انه شديد التعلق بشخص ستالين لأنه صارم وحطم النازية على حد قوله ولأنه رمز للفقراء كما كان يقول ، وان اللون الأحمر ( ويشير شناوه الى ربطة عنقه الحمراء ) دليل على دماء الفقراء السخية التي سالت من اجل حقوقهم . بقي شناوه يعتز ببدلته البيضاء التي لايعرف أحد من أين أشتراها ؟ أو كيف بقي يحافظ على نظافتها قدر الأمكان !! وربطة عنقه الحمراء رغم كل ماعلق بها من أثار الزيت والطعام بعد تناوله ربع العرق المقرر يوميا" . يعيش شناوة بلا عائلة .. لاأب لاأم ولابيت ، ينام أحيانا" في ركن من أركان مقهى ( عوله الكردي ) وأحيانا" في العيادة التي يعمل فيها .. لم يثبت أو يستقر في عيادة واحدة فهو متنقل مثل البدو ، ولهذا فهو يصحو باكرا" . ورغم عدم أرتباطه بأية جهة سياسية ألا أن الحكومة عام 1962 أوقفته وأستدعته للتحقيق وهو يتحدث بفخر عن ذلك ، الأ أن أشد ما يؤلمه ماجرى لــه عام 1963 في مقر الحرس القومي في المدينة ، وما جرى أمامه من تعذيب وأهانة لأطباء المدينة ، والأكثر أيلاما" قيام الحرس القومي بالعبث بمؤخرته والتي تعني شرفه كرجل وبقي شناوه موقوفا" حتى بعد سقوط الحرس القومي ، ولعدم وجود تهمة ضده أطلق سراحه ليعود الى سيرته الأولى ، فلا طموح لديه غير أن يستعيد سيرته الاولى ويعيش حياته بشكل طبيعي . كان ( الدكتور شناوه ) وهو الأسم المحبب له جزء من المدينة ، غيابه يشكل نقص واضح في حياتها ، لايستقر بمكان واحد ولايهدأ له حال حتى يضمن ثمن ربع العرق الزحلاوي بعد ان شح العرق المستكي الذي يشتريه من ( فكتور ) صاحب محل بيع المشروبات والذي يرق قلبه له أحيانا" فيدس له في جيبه ربع العرق مجانا" ، وهو يذكر ذلك بأمتنان . في كل مناسبة ، وكان الدكتور شناوة جرب حظه في بيع الصحف والمجلات ، كانت الناس تضحك وتبتسم له وهو ينادي عاليا" بأسماء الصحف ، أذ لم يكن عمله هذا يتناسب مع ألتزامه بأناقته وربطته المميزة ، يرتبط شناوه بالصوب الأيسر من المدينة وهو الصوب الصغير ، فهو ساحة عمله ومصدر رزقه ومأواه ومستقره الذي لم يفارقه ، لذا كان قليل التردد على الصوب الكبير حتى لاتراه هناك الا في مناسبات قليلة ، حينما يعبر الجسر للوصول الى سوق الخضار لشراء سلعة ما كلفه بشرائها طبيب من الأطباء أو للذهاب الى مطعم بلال لأكل الكباب أو لجلب وجبة من الكباب الى أحد الأطباء أو من يكلفه بها من الصوب الصغير . المشكلة أنه قبل أن يعبر الجسر الخشبي العتيق الذي يفصل المدينة ، يمر على ( مقهى اللواء ) المزدحمة بالنخبة المثقفة من أهل المدينة والواقعة قبالة الجسر يمينا" ، فيقف أمام المقهى يحييهم تحيته المعتادة .. يصّر البعض منهم على دعوته للجلوس في المقهى وتناوله الشاي على حسابهم .. يرضخ أحيانا" ويجلس معهم ويستمعون اليه وهو يوزع الكلمات البذيئة على من لايحب الفقراء وستالين ثم يتطرق الى كرم فكتور أبو العرق وخاصة حينما يربح في لعبة القمار التي يلعبها كل ليلة ، ويعود ليسرد عليهم اخبار المقامرات والسكارى ومن ثم يعتذر رغم ألحاحهم بالبقاء أكثر لكنه يذهب لأكمال مهمته . خلال أختراقه شوارع المدينة تسمع من يحييه ، فيرفع يده بمصاف كتفه مع حركة خفيفة من رأسه دليل العنفوان والقوة والأعتزاز .. كان لايفتأ يربط أسم ستالين بأية مشكلة يتم طرحها أمامه . لوكان ستالين حيا" هنا لما كانت اوساخ هذه المدينة بهذا الشكل ولماكانت شوارعها محفورة وعتيقة .. ولو كان ستالين هنا لهربت كل الشرطة الكلاب .. لوكان ستالين .. يغيضه المشاغبون الصغار بشتم ستالين .. يجن جنونه ، لكنه يبتعد عنهم بعد أن يعبر لهم بأشارات من يده أو يؤمي بيده على ماتحت حزامه فيغيضهم ويخرجهم عن طورهم . وهكذا أصبح الدكتور شناوة جزء من المدينة الصغيرة الحلوة ومع كل ما يعتقده الدكتور شناوة ويمكن أن يشكل له مشكلة أو خلاف مع بعض الا أن الجميع يحبونه ويعطفون عليه ويناكدونه ..ولايمكن لليوم أن يستمر في المدينة دون الدكتور شناوة . حينما وقع أنقلاب 1968 أستمر شناوة على سيرته ولم يتغير ، وبعد سنوات وصل أسماعه قيام ( الجبهة ) فأزداد طرقا" بأنه لوكان ستالين هنا لما قامت الجبهة وظل يثرثر بأنها مصيدة ومكيدة ، ويحذر الناس من النتيجة ,. كان يصطدم بسخرية الناس وتنكيلهم به وأتهامه بالجنون حتى وصل الأمر بالتنكيل بسمعته والتشهير به وأتهامه بالعمالة . وفي أحد الصباحات الشتوية الباردة وجدت المدينة نفسها دون شناوة ، وعبثا" حاولت تعويض ذلك فأفتقدته الناس وسألوا عنه وأشتاقوا لحديثه لكنه غاب طويلا" .. البعض خمن انه هاجر الى مدينة أخرى .. أخرين قالوا ربما انه مريض أو ربما معتقل . حينما شمرت السلطة عن ساعدها وأبرزت أنيابها في محاربة الجهة الأخرى من الجبهة ، وجزت رقاب البعض ، وغيبوا بأساليب كثيرة ومتنوعة .. كان شناوة قد رحل الى المجهول .. ربما مات وربما قتـل وربما جن .. ربما سحقته ماكنة السلطة التي لاتعرف غير السحق لكن نبؤته قد تحققت .. لم ينتظر ليشاهد ما تحقق من أقواله . جاء شناوه من المجهول وذهب دون أن يدري أحد الى أيــن ؟؟ وكيف ؟ لكنه بقي جزء من تأريخ المدينة الصغيرة الوادعة في حضن الفرات . وبقيت الديوانية تحت له وتتذكره بمزيد من الحنين ، مع ان اولادها هاجروا منها وتفرقوا في شتى اصقاع الأرض ، الا ان قاسمهم المشترك الناس الطيبين ممن سجل اسمه في ذاكرتها ومنهم الدكتور شناوة .
|