الكاتب والدكتاتور ـ التجربة العراقيةـ

 

كتاب كانوا سوط الجلاد الثقافي.. وآخرون ماتوا من أجل الكلمة

نصوص عراقية

 

 

العدد 23 -- أيلول 2005

 

تصدر عن موقع الكاتب العراقي

 تحت اشراف القاص  سلام إبراهيم

يرجى ارسال المواد الى

salam54@maktoob.com

 

شروط النشر: لم يسبق نشر المادة في المواقع الألكترونية ويجب الالتزام بعدم نشرها على النت الا بعد نفاد مفعول العدد (شهر واحد).

يجب أن تكون المادة مكتوبة ببرنامج الوورد ومصححة لغويآ ومرفقة كملف


الأفتتاحية

 سلام إبراهيم: أدب عراقي لا أدب خارج وداخل

مقالات في الأدب 
 
 د. عدنان الظاهر:   البياتي 
 محمد مظلوم: الرصافي بعد ستين عاما
 د. إبراهيم الجعفري: في ذكرى الجواهري  
 سلام إبراهيم: كتاب كانوا سوط الجلاد  
 كريم كطافة: من أفشى السر
 عزيز التميمي: كلود سيمون والرواية الجديدة
 طالب عبد الأمير: سحر الشرق

الشعر

 صادق الطريحي: نساء في مقبرة
 مفيد عزيز البلداوي: أرى أنني لا أرى 

 عبد اللطيف الحرز: كتاب الموت
 ترجمة: بدل رفو: قصائد من الشعر النمساوي
 
  نص
 نص مشترك:  نحن مع ( أبو بكر زمال) ضد ساسة
 

 القصة
 
 يوسف أبو الفوز: من سيرسم لي الودرة
 اعتقال الطائي: طقوس
 سلام عبود : ليس مباحا للمرء أن يكون طويلا في بغداد
 صبيحة شبر: محاولة

 رافع الصفار: متاهات الزمن المفقود
 طالب عبد الأمير: في يوم تموزي لاهب
 سلام إبراهيم : رؤيا اليقين
 صبيحة شبر: نقد قصص العدد الماضي

 
 الرواية 
 
 حمودي عبد المحسن:  أربعة فصول من المزمار
 سلام عبود: فصل من رواية زهرة الرازقي
 

 متابعات 
 عنابة جابر: زواج أجمل امرأة
 سناء الموصلي: زهرة الرازقي لسلام عبود

 توفيق التونجي:  المزمار لحمودي عبد المحسن

 شاكر رزيج فرج: طائر الدهشة ليوسف أبو الفوز قصص  
 جمال بو حسّون: سرير الرمل لسلام إبراهيم 
 
حوارات في الثقافة العراقية
 عادل عبد الله :  أدبائنا في المنفى
 علي حسن الفواز:عطالة النخب 
  سلام عبود: ثقافة العنف في العراق
 شاكر الأنباري: منْ يقتل منْ في العراق 
محمد مظلوم: المقهى العراقي ليس مقهى السنترال
 عادل عبد الله :  أدبائنا في الداخل
 سلام عبود: حرب الداخل والخارج

 

مدن وأرياف ووجوه
 زهير كاظم عبود: نبوءة الدكتور شناوة

 
 الحكاية
 سلام عبود:  أبو طبر
 محمد رشيد : حيوان خرافي

 أدب الرسائل
سلام إبراهيم   وكزار حنتوش:  ويمر عمر العراقي خطفا 

 ذكريات ويوميات
 أعتقال الطائي:  إبراهيم زاير ودفاتر البنات
  سلام إبراهيم: قالت لي: أنا عندي حنين
 يوسف أبو الفوز: لابد أن نلتقي
 

 كتاب الشهر
 
 سلام إبراهيم: الفتيت المبعثر رواية محسن الرملي

 
أدب شعبي

جمعة الحلفي: يا بحر

 

 

عودة الى موقع الكاتب العراقي

 

 

 

              

  سلام إبراهيم

  1 

 

 

رؤية الكاتب والموقف من التجربة تحددان طبيعة النص، أبعاده، وبالتالي أغراضه، وتجيب عن سؤال جوهري طالما أثير في السجالات الفكرية والفلسفية والأدبية والنقدية ألا وهو لِمَ يكتبُ الكاتب وماذا يبغي من نشر نصه؟.

الرؤية والموقف هما ركنا النص الأدبي وهما لا يحتملان أي مساومة أو تزييف مهما كانت المبررات كالخوف من السلطة أو محاولة الحصول على مكاسب مادية أو اجتماعية وما شابه. فدوافع مثل هذه تجعل من النص مزيفاً لا قيمة إبداعية له. هذه البديهية الشائعة في الأدب منذ وقت مبكر نجد الكاتب السلطوي في ظل الأنظمة الديكتاتورية يتناساها أو يتجاهلها فيوظف نفسه طوعاً بخدمة الجلاد ليصبح جلاداً على طريقته، فيحاول ملء رؤوس مواطني بلده بالأكاذيب عن طريق النص وهو أكثر خطورة من البيان السياسي والعسكري المباشر، مزيفاً مشاعرهم في التجربة وذلك باحتقار عذاب البشر في تجربة جدية وخطيرة كالحرب.

 هذا ما فعله العديد من الكتاب داخل العراق زمن الحرب العراقية ـ الإيرانية، وبنظره سريعة إلى ما طبع في سلسلة قادسية صدام القصصية والروائية والشعرية يبدو الكلام شديد السطوع. وهنا لا أريد الخوض في تفاصيل ذلك، فقد قام الزميل "سلام عبود" بجهدٍ مميز في كتابه "ثقافة العنف بالعراق" الصادر عن دار الجمل 2002، لكن أود هنا إلقاء الضوء على الصمت الذي لزمه العديد من أولئك الكتاب الذين مارسوا ذلك التزييف الأدبي بمعناه الأخلاقي والإبداعي، وكان من المفترض بهم بعد هروبهم إلى الخارج التكفير عن ذلك الذنب وهو جريمة بحق القارئ العراقي وذلك بالمبادرة إلى الاعتذار العلني في صحف ومجلات العراقية الصادرة بالمنفى، لكن ما جرى هو العكس تماماً، فبدلاً من الاعتذار نجدهم ركبوا الموجة، وبعد أن كذبوا على محققي الأمم المتحدة وحصلوا على اللجوء، صدقوا أنفسهم ونضالهم الموهوم وراحوا يكتبون في صحافة المهجر العراقية عن معاناتهم بظل الدكتاتور. قد يكون "عبد الستار ناصر" أكثر أولئك الكتاب سذاجةً ونشاطاً. فبعد أن كتب قصصاً وروايات يمجد فيها مدرسة العريف في المؤسسة العسكرية، وعن بطولات الجنود العراقيين الذين راحوا ضحية مشعل الحرب، كان الوحيد الذي ردَّ ـ المسلة العدد الثالث نسيان 2002 ـ على كتاب سلام عبود معترفاً على حياء بأنه كتب ما لا يسر بدوافع نفعية تافهة غير جديرة بإنسان بسيط الوعي لا بكاتب أصدر كماً كبيراً من الكتب، لكنه حاول في نفس الوقت التقليل من أهمية الكتاب كونه تجميع مقالات لا غير متجاهلاً الغرض الذي أفصح عنه سلام عبود بوضوح كون الكتاب في الأساس بحث في أخلاقية الكتابة.

أما البقية فقد كتبوا وبحياء أيضاً مبررين تلك الأفعال متحججين بالتقية تارة، وبتحميل معاني ما كتبوا دلالات مزدوجة تصلح مدحاً وذماً. ليس الموضوع محض أخلاقي كما طرحه الزميل "سلام عبود" بل أجد به جريمة مرتكبة بحق الإنسان العراقي، فما قاموا به في كتبهم لا يختلف عما كان يقوم به الجلاد وهو يعذب ضحيته في زنزانة التعذيب. أما ما يصرحون به في مجالسهم كونهم كتبوا لحماية أنفسهم، أو تحت هاجس الخوف والاعتقال ما هو إلا محض افتراء. لو كانوا قد كتبوا لهذه الأسباب لسارعوا إلى التنكر لتلك الكتابات حينما وصلوا إلى بلدان اللجوء. ما حدث بالضبط هو أنهم لزموا الصمت وادعوا زوراً نضالاً وهمياً كما هو حال "جاسم الرصيف" الذي تكلم في مقابلة صحفية عن معاناته عندما سجن دفاعاً عن حرية الكلمة. أما البعض الآخر فقد تسلل إلى صحف المعارضة وغير المعارضة ليكتب كلاماً ممجوجاً لفرط تكراره، يفصح عن ثقافة ضحلة. فمراجعة سريعة لما يكتبه "عبد الستار ناصر" في عموده "المسألة وما فيها" في صحيفة بغداد المعارضة تبين ما ذهبنا إليه. مشكلة هؤلاء الكتاب أنهم يتصورون أن الصمت ولبس دور الضحية وبسرعة بعدما قل الدفع وكادت أن تخلو الجيوب ـ وهذا السبب الحقيقي لخروجهم من العراق والذي لا يصرحون به ـ سوف يجعلهم بين ليلة وضحاها مناضلين أشداء قاوموا الدكتاتور لا مساهمين أشداء في تدعيم سلطته على الجبهة الإعلامية والأدبية. لنأخذ مثلاً عموداً من أعمدة ستار ناصر في صحيفة بغداد. في العدد 494 المؤرخ تشرين الثاني 2002 يكتب تحت عنوان "الرواية والسفاح" عن عملٍ جديد يكتبه منذُ سبعة شهور عن سنوات الخراب التي ساهم هو وأمثاله في تكريسها، متجاهلا شروط مثل هذه الكتابة التي تستدعي الموقف والرؤية وصدق التجربة والإحساس بها، فكيف يكتب من كان وقتها يرتزق بتزييف الواقع نفسه وقتذاك؟!. الكتابة في موقعه الجديد لا تختلف عن كتابته في موقعه القديم، فهو يكتب هنا راكباً الموجة، ومتطرفاً في مزايدة فجة لكتاب عراقيين رفضوا الدكتاتورية قولاً وفعلاً وتحملوا تبعات ذلك سوقاً للجبهات وسجناً وهروباً إلى الحركة المسلحة في كردستان في الثمانينات، ثم دول الجوار ومعسكرات اللجوء بظروفها الصعبة متحملين الجوع والبرد والعوز قبل أن يستقر بهم الأمر ويكتبوا تجاربهم الفريدة في ذلك المخاض العسير، وهذا ما سأعود إليه لاحقاً. كتابة "عبد الستار ناصر عن ممارسات السلطة مع ضحاياها لا تختلف عما ذكره هو في نفس العمود عن تسجيل "عدي" لعمليات التعذيب والقتل بأفلام فيديو يشاهدها مع عشيقاته بلذة. فالشاهد الذي أورده من روايته التي يكتب بها له خصال فلم فيديو، أي مكتوبة دون إحساس لا بل بتلذذ لنقرأ ذلك المقطع الذي أورده "وقفت أمام الكلاب السود وهي تأكل هذا الإنسان الذي كان حياً لحظة أن رموها عليه، رأيت ثلاثة من الكلاب تنتظر دورها، أنها خارج دائرة الطعام، بينما يرفع الرجل المأكول يده اليمنى، لكنها يد بلا أصابع، نافورة دم من خمسة ثقوب تشير إلى السماء، بينما الكلاب راحت تنهش في الجزء الطري من الجسد" بهذا التصوير الذي يبدو فيه وكأنه يجلس جوار ابن السفاح "عدي" ويشاهد هذا المشهد مستمتعاً بعذاب الإنسان المنهوش من قبل الكلاب، يعتقد "عبد الستار ناصر" أنه يكتب نصاً مهماً عن زمن الدكتاتور. أما "جاسم الرصيف" يبدو واضحاً أنه الأكثر تمثيلاً لطبيعة أولئك الكتاب الذين صمتوا. فهو يشتم بين الحين والحين مساوياً بين النظام والمعارضة في موقع المنتقد، شاكياً من أعراض المعارضة وصحافتها عنه، إذ لم تعامله مثلا كما عاملت عبد الستار ناصر، ووجد نفسه معزولاً وموجة معارضة النظام عبرته، لم يجد ضيراً من إعادة أصدار رواياته عن قادسية صدام بالمؤسسة العربية للدراسات والنشر. وهنا أنا أختلف مع الزميل "سلام عبود" الذي تساءل في كتابه "ثقافة العنف بالعراق" عن ماذا فعل الرصيف بحريته في الخارج؟ ليجيب أنه أعاد طبع كتبه عن الحرب!، فأقول عن يقين إن مثل هؤلاء الكتاب كانوا يكتبون بحماس يتساوق مع بنيتهم الثقافية المندمجة ببنية الجلاد. فهم جلادون بالسليقة ومنسجمون مع ذواتهم، فلا فرق بين أن يكونوا في الداخل والخارج إلا بمقدار ما يحصلون عليه من امتيازات. الشيء الوحيد الذي حذفه "جاسم الرصيف" في صفحة إصدارات المؤلف هو قادسية صدام عند إشارته للجوائز التي فازت بها رواياته. فبدت وكأنها فازت بجائزة الرواية العراقية غير المتخصصة بالحرب. في واحدة من هذه الروايات "أبجدية الموت حباً" الصادرة بطبعتها الثانية خارج العراق عام 2000 يقدم نصاً هزيلاً عن معارك الفاو. أقول هزيل بمعنيين فنياً وفكرياً. فالنص مبني أساساً على فكرة الموت السعيد. أي موت الجندي العراقي المسكين سعيداً في تلك الحرب. وهنا تختفي كل عذابات الإنسان زمن الحرب. قسم الكاتب نصه إلى صوتين يتناوبان السرد الأول الـ "أنا" صوت شاب عراقي يدعى للخدمة العسكرية زمن الحرب يحكي لنا تفاصيل سوقه من معسكر التدريب إلى الجبهة حيث سيساهم في معركة "الفاو" ويقتل. والصوت الثاني "هي" صوت أنثى أرادها الكاتب رمزاً للأرض كان فجاً ومباشراً حاول من خلالها أن يعطي لنصه بعداً تاريخيا عن طريق تقسيم أخر داخل هذا الصوت بين الـ "هي" وهي تقاتل مع فصيل يُحاصَرْ في بيت داخل الفاو، والضمير نفسه يسرد بعض الأحداث التاريخية التي مرت على الفاو وقت الصراع الإنكليزي ـ العثماني للسيطرة على العراق. بنية النص في مساراته السردية مشتتة وهزيلة من كل النواحي، فمسار الجندي المساق إلى الحرب عادي في تفاصيله ومبني بكيفية نزعت من الجندي مشاعره الإنسانية رويداً.. رويداً في عملية غسيلٍ للدماغ مارسها الكاتب، ـ هي ذات الوسيلة التي مارسها النظام في إعلامه طوال مدة حكمه في محاولته لغسيل دماغ العراقي وتسطيحه ـ ليحوله من إنسان ذي مشاعر يحس بالخوف والفرح والألم فهو يخاف الظلام في صفحة النص الأولى، إلى إنسان مجرد من المشاعر لا بل يمارس القتل بسعادة، ولا يقيم وزناً لمشاهد الجرحى بل المهم هو العلم الذي يود غرزه على المنطقة التي يستعيدها من الأعداء، وعندما يغرزه يقتل. وثيمة قتل الجندي تكاد تكون الثيمة المشتركة لقصص وروايات قادسية صدام، ففي دراسة لمائة نص قصصي منها وجدت أن من يموت هم الجنود، ومن يحيا ويواصل هم الضباط والمراتب العليا. أما المسار السردي الثاني فهو مرتبك البنية تماماً، فليس ثمة علاقة بين الذات الأنثوية التي تقوم بفعل السرد في بعده التاريخي الذي أشرت إليه، وحاضرها وهي تقاتل بصحبة فصيلٍ محاصر في بيتٍ من بيوت الفاو. فالسرد التاريخي مجرد حشو لا دلالة له، فالصراع بين الإنكليز والأتراك للسيطرة لا يرتبط حتى نهاية النص بالأحداث الواقعية من ناحية، ويفضي إلى نتيجة تخالف ما رمى إليه الكاتب، إذ في نهاية النص ينزل الجيش الإنكليزي إلى الفاو في حركة تتوافق مع سيطرة الجيش العراقي على الفاو مرة أخرى، أي النص يمجد في بعده التاريخي تحرير الفاو من الأتراك على يد الإنكليز في ذروة النص الأخيرة.

يعج النص بأفكار الكاتب الجاهزة المتوافقة مع ثقافة العنف الممجدة لفعل الحرب، حيث يكون الإنسان أرخص من الأشياء. إذ يقوم الكاتب بتزوير مشاعر شخصياته كي تتوافق مع هدفه الأيدلوجي في الترويج للحرب والموت نازعاً تلك المشاعر الإنسانية الصغيرة، بل الغريزية التي تشعر بها حتى الحيوانات. فوالد الجندي المساق قلقاً في حواره مع ابنه المجاز، ليس عليه، بل مستعجلاً ابنه كي يلتحق بالمعارك الطاحنة، ويخاف من تأخره، في مبنى يزيف طبيعة المشاعر البشرية:

"قال بأسف ـ يقصد أباه ـ وهو ينظر نحوي نظرة لم أفهم معناها:

ـ المعارك الأخيرة طاحنة."

وبعد أن يحدق بابنه خوفاً من حماقة ما يرتكبها، والحماقة من منظور السارد هي التأخر في الالتحاق بالجبهة، يسترسل موضحاً:

ـ الجبهة تحتاج إلى مزيد من الرجال، متى تنتهي إجازتك؟"ص68

في تساوق فكري مع ذلك الأب الذي قتل ابنه الهارب من وحدته، والذي قام صدام حسين بمنحه وساماً في بث تلفزيوني حي ظل يعاد بثه لفترة طويلة في التلفزيون العراقي. أما قتلى الحرب من الجنود العراقيين المساكين صوّرهم الكاتب وعلى مدار النص وهم على وشك الموت ذلك الموت الخالي من الألم، لا بل يموتون وعلى شفاههم ابتسامة آسف، توحي للقارئ بأنهم يعتذرون لأنهم لم يكملوا المعركة، بدلاً من الألم الإنساني وعذاب الجرح الجسدي الواقعي وعنفه:

"وجدته مصاباً برشقة رصاص في صدره وثمة خيط قاتم من الدم ينحدر من بين شفتيه، همست بإذنه..لا..، لكنه ألقى نحو عيني نظرة ودودة ورأيت في عينيه المتعبتين ظل بسمة خاطفة. كان يعتذر عن ذنبٍ لم يقترفه"ص27.

وتساوقاً مع هذا المبنى تتحول جثث قتلى الفصيل المحاصر في "الفاو" إلى أجساد حية تفيض بالنور لها شكل البلور وتنبعث منها بدلاً من رائحة العفن رائحة وردٍ، وبذلك يزيف الكاتب ليس المفاهيم الفكرية والإنسانية فحسب، بل حتى قوانين الطبيعة وعلم البيولوجيا ص43. لذلك فعندما تصاب في المعركة تتجلى متحولة إلى شخصية غير بشرية تشبه سوبرمان بطل الحكاية الأمريكية الشهيرة، فهي عكس البشر لا تحس بالألم عقب الضربة بل العكس أنها تحس بسعادة الطير وهو يحلق عالياً في السماء: "نلت ضربة قاسية. ثم نلت أخرى. حلق جسدي بعيداً عبر حقول الورد".ص101.

في مقاطع عديدة من النص يصور مشاهد عن تعذيب الأسرى العراقيين في الفاو، فقئ عيني أحد الجنود ص144. كما يصور في مشهد أخر عملية دفن الأسرى العراقيين أحياء قرب معسكر في الفاو ص128. هذه المشاهد يستقيها الكاتب مما يفعله رجال الاستخبارات العراقيين في الجبهات، أما دفن الأحياء فهو ما أنفرد وأشتهر به حزب البعث في العراق منذُ وقت مبكر في تاريخ العراق المعاصر. إذ قام في أعقاب انقلاب 8 شباط الدموي 1963 بدفن الكثير من معارضي الانقلاب خلف السدة ببغداد وفي العديد من المحافظات، وظل يمارس هذه العملية البشعة طوال تاريخه، راجع كتاب كنعان مكية "القسوة والصمت" وفيها شهادة من طفلٍ كردي نجا من عملية دفن جماعية في صحراء الجنوب العراقي قرب السماوة عقب حملة الأنفال سيئة الصيت 1988.

النص لا قيمة فنية له فهو نص ضعيف يحتشد بالمبالغات فبدا السرد هشاً غير معقول. تكشف عن جهل الكاتب بأدواته وفقر معرفته بأساليب الكتابة الفنية. إذ كان يعتقد أنه بهذه المبالغات  يكتب نصاً يمزج الفنتازيا بالواقع، لكنه في الواقع يكرر نفس المفردات والمشاهد في جزر تطفو فوق السرد التقريري المباشر مثلا ص187. ص181. ص176.

بصدور هذا الكتاب عام 2000 عن الدار العربية للدراسة والنشرـ بيروت. وصمت كل من كتب ممجداً قيم الحرب والموت نصوصاً مارست دورها في تسميم العقول، بل تبوء العديد من أولئك الكتاب المخبرين مواقع في صحافة المعارضة العراقية وفي الصحافة العربية كدعاة للحرية وكونهم معارضين وذوي تاريخ نضالي لم يمارسوه حتى مع أنفسهم، يؤكد ما ذهبت إليه في مدخل المقال حول اختلافي مع الزميل "سلام عبود" كون هؤلاء الكتبة ذوي بنية ثقافية ونفسية متسقة مع سلطة القمع وهذا الذي حدا بهم إلى كتابة تلك النصوص والاحتفال بتلك الحروب الخاسرة وغير الشريفة. يدعم هذا الاستنتاج العديد من الشواهد والنصوص المختلفة. فمجرد تأمل النص النثري العراقي المكتوب في العشرين سنة الأخيرة. نستطيع أن نميز جيلاً يختلف عن الكاتب ذي الموقف السياسي المبكر ممن كانت له علاقة بأحزاب اليسار العراقي الذين هاجروا باكراً قبل الحرب العراقية الإيرانية ومنهم: جبار ياسين، نجم والي، كريم عبد، زهير الجزائري، علي عبد العال، محي الأشيقر، عبد جعفر، سليم مطر، إبراهيم أحمد، صلاح عبد اللطيف، أحمد ناهد، محمود البياتي، لؤي عبد الإله، هيفاء زنكنة، سلام صادق، سلام عبود، فاضل العزاوي، محمود البياتي، سعدي يوسف وغيرهم. وهؤلاء الكتاب أصدروا العديد من المجاميع القصصية والروايات المختلفة في الرؤية والموقف تشكل رافداً من روافد الأدب العراقي. هنالك جيل من الكتاب ممن كان غير مرتبط عضوياً بحركة سياسية. بل كان أميل إلى العيش بسلام في المكان الذي ولد ونشأ فيه، لكن السلطة التي أشعلت الحرب لم تدعه وشأنه بل قامت بسوقه إلى جبهات الحرب وخاض أيامها الصعبة الأولى وبدلاً من الانخراط في كتابة نصوص تمجد الحرب كما فعل كتاب القادسية الذين لا داعي لتكرار أسمائهم فما على القارئ سوى العودة إلى كتاب الزميل "سلام عبود" الموسوم "ثقافة العنف في العراق. هربوا من الجبهات ملتحقين بالحركة المسلحة في كردستان، منهم من بقي معها حتى الأنفال كما فعل كاتب هذه السطور الذي أصيب في قصف بالأسلحة الكمياوية ويعيش بثلث رئة الآن في الدنمارك. ومنهم من عبر الحدود إلى دول الجوار أذكر منهم شاكر الأنباري، حميد العقابي، جنان جاسم حلاوي. وهؤلاء تميزت نصوصهم برؤية للتجربة والحرب مختلفة. رؤية إنسانية.. حية، متخلصة من أوثان الأيديولوجيا اليسارية والقومية ومن هذه النقطة كانت لنصوصهم المنشورة في أواخر الثمانينات والتسعينات أصداء طيبة في الوسط الثقافي العربي من خلال  الاحتفاء بها في الصحافة الأدبية العربية. وتشكل نصوص " ليل البلاد" لجنان جاسم، و "ليالي الكاكا" لشاكر الأنباري، و "أصغي إلى رمادي" لحميد العقابي، و "رؤيا الغائب" لكاتب هذه السطور، مضاف إلى العديد من المجاميع القصصية لهؤلاء الكتاب،  رافداً أخر من روافد الأدب العراقي تشهد على حقبة أصبحت منقضية هذه الأيام. وتجدر الإشارة هنا إلى أن العديد من المواهب ومشاريع الكتاب قتلت في خضم هذه الرحلة العصيبة بين الجبال ومعسكرات اللجوء أما جسدياً في المعارك وأما يأساً من جدوى الكتابة. بالمقابل تمكن العديد من الكتاب العراقيين في داخل الوطن من الخلاص من ورطة الكتابة تمجيداً لثقافة العنف وقراءة لمجموعة جنداري "مصاطب الآلهة" الصادرة عقب وفاته عام 1995 بعد أن سقي الثاليوم في المعتقل تخزي كتبة القادسية لما عجت به من هجاء مبطن للطاغية أتخذ من تاريخ العراق والمنطقة رداء وفي القسم الثاني من المقال سنقدم قراءة لها. وكذلك نصوص المبدع "محمد خضير" والعديد من الكتاب الشباب الذين ظهروا في مطلع التسعينات أذكر منهم "لؤي حمزة عباس" و "نعيم شريف" الذين كتبوا نصوصاً متقدمة تهجو، بشكلٍ مبطن أحيانا،ً وصريح أحياناً ثقافة العنف. وستشهد الأيام القادمة ظهور المزيد من الكتاب العراقيين الجدد ممن سيجعل من أولئك الكتبة الذين مجدوا حروب الطاغية وسلطته، وكانوا يده الثقافية الضاربة عاراً في التاريخ الأدبي العراقي المعاصر.           

         

 

               2

 

فرضت ظروف الإرهاب والقمع، ثم الحرب على المبدع العراقي داخل الوطن ممن لم يلقِ ضميره جانباً، فتحاشى كتابة نصوص تبرر وتمجد الحرب وظروف القهر، على البحث عن بنية قصصية تستبطن ما يجري من أهوال مع المحافظة على سلامة وجوده، فلم يجد غير التاريخ مجالاً حيوياً يستطيع من خلاله القول والتعليق في نصوص بدت ظاهرا وكأنها لا تمت بصلة للحاضر مما أدى إلى ولادة بنية قصصية جديدة أغنت النص العراقي والعربي. وهنا أشير إلى نصوص أبرز كتاب جيل الستينات، محمد خضير في "رؤيا الخريف"، ومحمود جنداري في "مصاطب الآلهة" التي صدرت بعد موته في 14 تموز 1995 مباشرة بعد فترة قصيرة من إطلاق سراحه وكان قد أتهم بمشاركته بمؤامرة للإطاحة بالنظام.

رغم إعلان الكاتب في محاضرة ألقاها في اتحاد أدباء العراق ببغداد عام 1994 بأن نصوصه "تستبعد وتزيح كل ما يوحي بشيء مركزي، حدثاً، أو ثيمة تطغي على بقية الجوانب"(ص11). إلا أن مع القراءة المتأنية سوف تتضح  لبنات النص وثيمته المركزية رغم تخفيه خلف أقنعة التاريخ وأسلوب سرده المختلف الذي يمزج بين السرد والوصف والتعليق الفلسفي في نسق جديد أفضى في المحصلة إلى إلقاء الضوء الكاشف، لا بل الشديد السطوع على طبيعة الطغاة القتلة  المتناسلين منذ فجر السلالات وحتى اللحظة الراهنة وذلك في جميع نصوص الكتاب السبعة. 

تأتي الحبكة والحدث في نصوص "جنداري" عن طريق تراكم السرد المفتوح ولكنه سردٌ يركز على حدث ومكان محدد وموضوع محدد أيضاً لذلك يؤدي بالمحصلة إلى الشيء المركزي الذي أنكره أو لم يعيه الكاتب في محاضرته التي أشرت إليها. ففي أول نصوص الكتاب "القلعة" يحدد عنوان النص طبيعة المكان الذي سيكون مدار السرد، ونتعرف فعلاً من خلال تراكم السرد التاريخي والمازج بين الأساطير القديمة والتاريخ السياسي للمكان منذُ أقدم الأزمنة مركزاً على ما جرى للمكان من أهوال، حروب، قتل، قمع، وتغيير سلطات، منتقياً بعض الوقائع التاريخية بما يناسب تعميق ثيمة النص التي أشرت إليها وذلك بحفر مسار أخر لتلك الوقائع والأساطير كما يفعل في حانة الأسود السبعة وأقفاصها واختلاف الناس على عبادتها مثلاً، كما أنه يحشد عدداً كبيراً من أسماء كان لها دور في التاريخ، كالإسكندر، بطليموس، يافت، إبراهيم، ليجاورها مع أسماء معاصرة كالحمزاوي وغيره من الأسماء العراقية المستخدمة الآن. بعد أن يبني القلعة جوار الحانة، يبني لنا السرد المدينة التي نشأت حول تلك القلعة ومحنة نهرها الجاف " هذا هو نهر اربخا يظل جافاً طوال السنة، طوال القرون، ولكنه صنع لنفسه طريقا عميقا حفره حفراً بالماء مرة، وبالدم مرات عبر آلاف من العصور السحيقة. ابتداءً من السلالات الحجرية الأولى وحتى المسيح. عصر أثر عصر، قتال ودماء وأرواح تزهق، وجماجم وسبايا وزنا ودعارة وأنهار من دم"(ص23). كما أن البنية مشدودة بحبكتها الخفية من خلال الجملة الابتدائية التي تشير أن حانة الأسود السبعة أبوابها مغلقة منذ ربع قرن، في إشارة واضحة للزمن العراقي المتوقف من لحظة استلام الطاغية للسلطة عام 1968 حتى زمن كتابة النص ما بين عام 1987ـ 1995، بجملة الختام التي يعمق فيها دلالة النص من خلال نعت طوابق البناء الأخيرة بالورقية، والكل ينتظر منذ ربع قرن تلك الجمرة التي ستخترق طابق الورق الأخيرة، كي تعود دورة الزمن المتوقف.

في "عصر المدن" يسرد لنا الراوي ببنية نص مفتوح تاريخ الذبح والقتل الذي ترسخ مع نشوء المدن وتطور الدولة الإسلامية مستعرضاً في مدخل النص غفوة المدن القديمة لحين بزوغ الفجر الإسلامي متخذاً من شخصية "طويس" المغني حبكة تضفر السرد وتعمق ثيمته "الطغاة المتناسلين والحروب ميزة الحضارات الجوهرية" فها هو " طويس" الشاب ينهض منذ السطور الأولى للنص ناقراً بدفّه وموقظاً المدن " فاستخرج طويس من راحلته دفاً مصنوعا من جلد جدي، ونقر عليه برشاقة شيطانية بثلاثة من أصابعه، فنهضت مدن/ مدن من الرمل، ومدن من الماء، ومدن من الدم/ نهضت/ بعد يثرب، بعد البصرة،بعد الكوفة، بعد دمشق"(ص28). ومن هذه النقطة تبدأ رحلة النص مع تاريخ القهر والذبح العربي مستعرضاً طرق التنكيل بكل ثوار ذلك العصر من عبد الله بن الزبير، الحلاج، ومصوراً مشاهد قتل تلك الشخصيات المفصلية في تاريخ المعارضة الإسلامية، ثم يستعرض السرد مشاهد الحروب العشائرية، ثم حروب اليهود مع العرب حتى حرب العبور "تشرين" معلقاً على هذه المشاهد الغارقة بالدماء والألم. " طشت من نحاس، أو طبق من مرمر تقدّم فيه رؤوس الصديقين والأنبياء، عن مقاصل الخشب المرنحة أبداً من يوم عيسى حتى يوم القيامة"(38). ليحّكم حبكة النص بشخصية طويس المغني الذي تحول في أخر عمره إلى قاتل أيضاً يحمل فأسه الملوثة بالدم اليابس إلى جوار دف الغناء(ص41).

في "العصور الأخيرة" بنية النص حميمة تقيم علاقتها مع القارئ من خلال خطاب بضمير المتكلم موجه إلى التاريخ، إلى ذات كلية القدرة، وتستعير من بنية الأدعية الدينية في المعابد، والمساجد، ومن بنية القصيدة العامية العراقية الحديثة التي دأبت على مخاطبة غائب مجهول لتبصره بما يجري في زمنها من أهوال وآلام وتعاتبه على ذلك الغياب ولا مبالاته كما في قصائد "علي الشباني" و "عزيز سماوي" المتحولة في بعض مفاصلها إلى صراخ يائس كما هو حال نصوص جنداري في هذا الكتاب، نماذج من الخطاب المستنجد:

" أنتشر الدم فأنقذني يا مولاي/ أنقذني" (ص60). "فك عني هاجس الخيانة/ والتزييف/ انتشلني من الخوف الشديد والهول العظيم ولا تمتحني ولا تبتليني"(ص64).                    

وهذه عينات من خطاب العتاب الذي تكتظ به الأدعية الشيعية:

"شهدنا معاً، أنت تعلم وأنا أرى/ أنت تعلم ولا ترى وأنا أرى ولا أعلم/ شهدنا، كيف تسلخ جلودهم.. الضعفاء/ وأنت لا يطرف لك جفن/ كيف ينقلون من النوبة والحبشة والكونغو/ وأنا لا ترف لي رئة/ هل تعودنا على الصمت؟/ لم نتعاهد على الصمت/ لكننا لم نجد غيره"(ص51).

 ثم يعود في مواضع أخرى من السرد إلى التضرع وطلب العون. والحبكة في هذا النمط من النصوص هي شبكة العلاقات التي تشد النص من خلال الخطاب الطويل للسارد بضمير المتكلم الذي يستعرض أيضا ما وجده في التاريخ وما يجري الآن من قتل وتعذيب وسحق وعبودية ومسخ، وخراب روحي تحت سلطة الطغاة التي يغمض عنها ذاك المجهول الكلي القدرة رغم علمه، وهذه ثيمة جوهرية تتكرر في نصوص الكتاب. وهذه الشبكة الخفية من العلاقات هي من أسرار ارتقائه إلى مصاف الفن وتفرد أسلوبه السردي الذي عرضت لبعض من تقنياته. سأحلل تلك الحبكة الخفية وعلاقاتها في محاولة لإلقاء الضوء  على أسلوب "محمود جنداري". كل جملة في النص السردي ترتبط عضوياً بثيمة النص المنشغل في فضح الطاغية، وهذا يفترض كون السارد لديه رؤية وموقف مغاير ومناقض لما يجري من فضائع ومذابح يسحق فيها البشر الأبرياء، أي بمعنى أخر النص لا يستقيم بنيةً "ولا سيما أنه يفتقد إلى الحدث المتطور في بنية النص التقليدي" إلا بالكشف عن رؤية السارد المغايرة التي جعلته يرى ما يرى فيوجه خطابه الملتهب إلى الذات كلية القدرة لكنها العاجزة أيضاً من خلال عدم تدخلها في كل الفضائع التي يعددها المخاطب على مد التاريخ. مكونات الحبكة الخفية التي أشرت إليها تتوزع في بنية النص بتقنية ماهرة ومحسوبة بدقة، لكنها لتدفق السرد بلغته الطيعة العميقة تبدو وكأنها شديدة العفوية، وقراءة سطحية للنص سوف تصل أن النص مجرد هذيان لغوي غير مترابط. في مدخل النص يقدم السارد للمخاطب المجهول كشفاً بعلاقتهما التاريخية الحميمة، ثم يبدأ العتاب بشكوى السارد من زمنه الصعب " جعلتني أبصر الناس، صامتين ينوسون كما ينوس النمل/ جعلتني أجيد السير بين كائنات بشرية/ حشود هلامية تنبع من الأرض، من الشوارع والأزقة والمساحات/ عارية من الداخل، عارية من الخارج/ أرواحها ملجومة بالحنين إلى الشمس، وأجسادها مكشوطة بالسياط، ومجعدة بالخوف/ لا خارج لها ولا داخل/ لا فرق لديها بين الحياة والموت/ فعلّمني أنني بين كائنات بشرية! كيف؟. طبعاً. فلولا تلك الوجوه الشبيهة بالبشر، لحسبتهم مجرد أفراد مثلما الأرضة والنمل أفراد"(ص48).

وبهذا يؤسس لهيكل النص المخفي العميق قبل أن يبحر السارد العارف المؤرق بالوعي والمحاصر في رحلته في بطون تاريخ البشرية الدامي ماراً بكل الرموز المهمة في حضارات العالم القديم، ثم الإسلامي. رموز الخير التي تُذبح دوماً ورموز الشر صاحبة السلطة التي تَذبح. وفي حمى ذلك السرد المفتوح المتنقل بين الرموز التاريخية في مرحلها المختلفة بطريقة يمزج بينها دون تحديد زمنها، ذاهبا إلى ثيمها ودلالاتها، يلتفت إلى المخاطب محرض السرد وساند بنية النص ليستنجد من هول الطغاة المولهين بالقتل تلك الخصلة التي لم يعلمها المجهول للسارد:

" أغثني من سيدهم فقد سمعته يقول لهم: لا حق لكم إلا بالموت/ افصلني عن الهمهمة الخافتة التي تسري بين الجثث عند اصطفاق أجنحة الطيور، وارتفاع رنين الحديد وانغمار وجه الماء بالرصاص/ وجه التاريخ كوجه البحر، والعالم له دهاليزه العميقة التي تطلق بين الحين والحين طغاة"(ص51).

وبعد هذا النداء يستبطن السارد منتقياً أحداثاً من التاريخ تغور في النص عميقاً في مدلولات تسقط على الحاضر وتكشف موقف ووجهة نظره، عن "علي بن محمد" صاحب الزنج وثورته، شاتماً كل الأباطرة وصاحبي السلطان، ليخلص إلى أن ليس ثمة عدالة في العالم ومنذ أقدم الأزمنة، ولا يتساوى الإنسان إلا في ظلمة الرحم، لا مناص إذن من الثورات والدم والقول

"وأنت تعلم/ من اتونابشتم حتى بولص الرسول/ أن القوانين مثل زبد البحر والبشر في حركة واحدة مرصودة/ حركة الرجل المرفوعة إلى الأعلى والفروج الرطبة المنقبضة، والممرات السرية المحاطة بالعتمة إلى أرحام بلون الأبنوس/ تحاول/ كما حاولنا/ أن نقتنع بأننا لسنا متساويين إلا هناك عند فوهات العالم السفلي/ حيث يشبه العبد سيده، ويشبه السيد السيد"(ص52).

تتضح أبعاد النص مع وضوح وجهة نظر السارد وأفكاره الثورية وبذلك يصبح للسرد غرض أيديولوجي يبرر كل ذاك الصراخ والمخاطبة اللاهثة للمجهول الكلي القدرة الصامت والذي قد يكون الكتلة المهضومة المظلومة نفسها، أي أن السرد في بعدٍ من أبعاده يخاطب الجموع الخانعة التي تحولت إلى هوام كما في المقطع الذي أورده سابقاً. كما أن كل المفاصل السردية الأخرى تصب في خدمة حبكة النص وثيمته مما منح النص لحمة مركزية، فبدا متيناً مترابطاً على الرغم من افتقاده إلى حدث مركزي. ففي خضم السرد يعرض لرموز شديدة الوضوح بالتاريخ العراقي إذ يقيم ليس في هذا النص فحسب بل في كل نصوصه توازنا وتقابلا بين رمز المقاومة التاريخي العراقي "الحلاج" ورمز الطغيان والذبح "الحجاج". يصرخ مخاطبا الذات العارفة كي تظهر حكمتها وتوقف تلك الأنهار من الدم المنهمرة في تلك الصراعات التي تبدو لا نهاية لها والتي جعلته يصرخ " انتشر الدم فأنقذني يا مولاي/ أنقذني(ص60). "فك عني نرجسية الحكومات ونرجسية الثوار/ أرني وجهك ولا ترني وجه الحجاج"(ص56).  والبعد الأيديولوجي للسارد يندمج في ذلك الثائر الفرد الذي لم يسع للسلطة ومفاتنها ولا للحرب، بالحلاج "فأعني يا مولاي/ أنها حلبة صراع مميت فكن إلى جانبي/ كن مع عهدك/ كان الحلاج إلى جانبي!/ هل أمرته أن يقترب مني؟/ هل أمرتني أن أقترب منه؟/ إذن قل له أن لا يفارقني"(ص59). 

ولهذا بدا النص ذا حبكة متينة ومشدودة وله ثيمة مركزية لها الفضل في تفجير قول السارد.

بنية النص الذي حللته هي آلية بناء نص محمود جنداري في هذا الكتاب. والتنويع على الثيمة يأتي من خلال حمولات السرد الفكرية، ففي النص الرابع "زو: العصفور الصاعقة" يعيد كتابة أسطورة الخلق بطريقة تشبه الحكاية المتسلسلة مازجاً بين موروث الحضارات القديمة وموروث الأديان السماوية، فينبثق مع كل حكاية من حكايات السرد ومسيرته سؤال يقود إلى مناحي جديدة في التاريخ وثيمة جديدة تتداخل مع الثيمة السابقة وتعمقها، حتى تصبح تلك الأسئلة الفلسفية التي يعلق بها السارد على حكاياته التي انتقاها من التاريخ هي رابطة الحبكة وفي الوقت نفسه وجهة نظر السارد الذي رتب الأسطورة بما يتناسب مع تجربته المعاصرة وكأن ما يحدث الآن جذوره عميقة في أسلاف الإنسان وحضارته، لنقرأ أسئلة النص المتوالية على الشكل التالي:

ـ"هل الإرهاب علامة؟"(ص70). "هل السؤال علامة؟"(ص73). "هل الصوت علامة؟". "هل المعابد علامة؟"(ص75). "هل النورس الأبيض علامة؟". "هل القتل علامة؟(ص79). "هل المآذن علامة؟"(ص84).

بنية النصوص مدورة تتعمق في ثيمة القتل سواء في الحروب أو على أيدي الطغاة في رؤيا فنية جديدة تحيل دلالات اللغة أفعالاً وأسماءً وصفات إلى تلك المذابح والمقاتل العراقية التي لا تنتهي، فأفعال النص حادة، قاطعة، تنسج في جملتها الفعلية إيقاع النص الطافح بالدم والنار، فلا تكاد تخلو صفحة من صفحات الكتاب دون ذكرٍ للقتل والدم، وبكل الأفعال في اللغة العربية التي تدل عليه أي "القتل" أو مضاعفات الأفعال الدالة على الخراب وهذا عينة من الملاحظة التي ذكرتها "هل القتل علامة؟، من ذبح نبونيدس، وقطع رأس مروان ولسانه، وحز رقبة أبلط، وذبح أهل بغداد في 1258؟، من هدم الكعبة؟. من قتل الكنعانيين وتطيب بدماء الأطفال عند أبواب أورشليم؟(ص79).

هذه الرؤيا العميقة تحيل ليس مدلولات اللغة إلى ما يوحي بزمن القتل والخراب، بل يرى حتى في بنية الأرقام في أشكالها المجردة رموزاً للقتل، مرسومة في أول تخلقها في مخيلة الإنسان لا لتسهيل أموره في التعامل مع تعقيد الحياة وتطورها، بل إنها مستلهمة أصلاً من بنية القتل في رموز أشكالها المجردة، لنقرأ هذا المقطع من نص "ليلة اصطياد الشمس": "1،3،6،7،8،9،10/ الواحد والثاني هنديان والخامس لوطي/ السادس يشبه البلطة التي هشمت جمجمة شيخ المنشقين في منفاه/ والسابع خطاف تعلق به الدابة، أو البشر المذبوح في دكاكين الجزارة في بغداد/ الثامن يشبه مقصلة بصرية أقيمت على مقربة من الحسن البصري تفصل آلاف الرؤوس من أتباع علي بن محمد/ المنشق/ والتاسع مقصلة كوفية جدلت من حبال القنب، وأقيمت عند مدخل المسجد النبوي تحز رؤوس رهط عبد الله بن حنظلة/ المنشق"(ص116).

هذه النصوص المفتوحة تخاطب الطغاة بصريح العبارة، ناقلة صفات الدكتاتور المعاصر بدقة، من حيث كونه ثرثاراً له قدرة هائلة على الهذر والكلام وما خطاباته المنقولة يومياً عبر شاشة التلفاز إلا شاهداً على ذلك القول، كما أن لدية قدرة هائلة على القتل والقتل والقتل. وما القتل إلا صفة للتوحش الجديرة بالثعالب لا بالنمور كما يخبرنا السارد "أهل بابل لا يحبونك ويعتقدون خلاف ما تعتقد فمن أين كل هذه القدرة على الكلام، ومن أين كل هذه القدرة على القتل؟، أين كانت مخبأة وفي أية روح سوداء مقيتة، ولماذا ظهرت الآن ونحن مشرفون على هاوية لا قرار لها"(ص118). ويكمل في مقطع لاحق ملامح الطاغية والبشر الخانعين المتحولين إلى أداة بيده والمتظاهرين بالسرور، وهذا ينطبق في كثير من جوانبه على ذلك الحشد من الكتاب العراقيين الذي هللوا وباركوا حروب الطاغية وحفلات الذبح للمعارضين وللهاربين من الجيش والتي كانت تقام في الساحات العامة وملاعب كرة القدم، وسراً في الزنازين والأقبية. صوت جنداري يفضح  بصراخ نصه عفن تلك النفوس التي تلبس هذه الأيام جلد المعارضة ما أن تعبر حدود العراق، وتحاول اللحاق بالزمن الجديد ما أن أحست بقرب نهاية ولي نعمتها، لنقرأ هذا المقطع لشاهدٍ لم ينجُ من يد الجلاد رغم نصوصه المتماهية في التاريخ فقضى بعد فترة وجيزة من إطلاق سراحه من زنزانة الإعدام بالثاليوم.

"مسرورون!

عجباً من أين تأتي المسرة إلى تلك الحياة التي تعبرونها وأنتم هائمون كالبهائم/ مهووسون ومفتونون بسيول الدم/ فلا مهرب حتى يوم القيامة لمن عشق الدم في صباه وأمتهن القتل في بداية حياته"(ص126).

ثم يبدأ بهجاء رموز الحاضر المتمثلة في أولئك الذين سندوا سلطة الطاغية، مفصلاً صفاتهم البذيئة ونسيانهم الضمير ركضهم خلف المصالح والمكاسب الحقيرة، وهذا ينطبق إلى حد بعيد على رجال الأمن وكتاب تلك المرحلة :

"ماذا يحدث في العالم؟، جواسيس ومنشقون يصعدون سلالم المجد درجة درجة/ خونة ولصوص نسوا تماماً كيف يكون التوقف عن اقتراف المعاصي/ لا يتألمون لا على بابل ولا على النساء حاملات العروش/ سفاحون/ يراقبون الناس وهم مراقبون"(ص128).

ينفرد نص "وليمة الدم" كونه يشكل خطاب هجاء ومحبة وعتب وحزن لبلاد الرافدين في الوقت الراهن. السارد يخاطب في هذا النص تلك التضاريس الممتدة من أقصى الشمال حتى البحر، متوحداً ببقعته الدامية التي لا تموت " أنا وأنت واحد/ يجب أن أردد هذا يومياً. ميت بحي وحي بميت/ أنت الحي وأنا الميت فهلا أعطيتني حبل الكلام، وأصغيت لكلام ميت عسى أن تكون العواقب سليمة/ هات/"(ص134). يرسم النص مناخ ولائم الدم المقامة في شتى أرجاء بقعته الحبيبة، صارخاً في أقصى لحظات الوجد والمحبة مثل صوفي مجنون "هل تعرفني؟ أنا طينك الذي يتكلم!(ص132). الخطاب يخوض هذه المرة بتاريخ العراق المعاصر فيذكرنا بسحق إضرابات عمال النفط في كاورباغي بكركوك بشكلٍ دموي عام 1946 وما جرى في تلك السنة من سحق لجمهورية الأكراد في مهاباد، وظهور أولى تأثيرات ضربة هيروشيما على مواليد نسائها المشوهة، ثم يمزج ذلك بحلبجه العراقية التي سحق أهلها بالكمياوي عام 1988. يمزج في هذا النص المفتوح ذي البنية المركبة والعميقة بين تجربته الذاتية في علاقته الحميمة بالمرأة التي أحبها وتزوجها، مصوراً مشهد سفرهما في القطار النازل من الموصل والذي امتلأ بالدم الذي ساح على خشب العربة، وملمحاً إلى لحظة نقله مع المتهمين إلى محكمة الثورة متخيلاً فرقة الإعدام التي ستقوم بإطلاق النار نحوه (ص 136). وتفاصيل صغيرة عن تجربة السجن ولحظات المواجهة واصفاً النساء اللواتي يملأن باحة السجن ليرين أخاً أو حبيباً أو ابناً، وما يجري في أنحاء أرض الرافدين من قتل وذبح وقصف بغازات الكيمياء لأبنائها في الشمال، وعما جرى في غابر السنين على يد جنكيز خان، نص أكثر إفصاحاً من بقية النصوص، ويبدو من سياق السرد والتجربة أن "جنداري" كتب هذا النص بعد تعرضه لتجربة الاعتقال والتعذيب، أي أنه مكتوب في الفترة التي سقي فيها سم الثاليوم الذي قضى عليه لاحقاً، وكأنه يقول شهادته الأخيرة على ما يجري في ذلك الوطن الذي عذبه حباً، فيرسم في مقاطع من السرد أجواء وليمة الدم المستمرة " إن الوليمة بدأت وإن السماء سوداء مدلهمة/ هل أسألهم؟/ لا بأس ـ هل تريدون أن تقتلوا أحداً؟ رجلاً، شاعراً، طفلاً؟. هل تريدون أن تفقأوا عينيه؟/ القتل تسلية/ وطينك يغطى آلاف الأجساد"(ص137). ويمعن النص في تعرية طرائق القتل على النية خوفاً من كلمة الحق التي يسميها في النص "حجر الحكمة". ويتمنى لو يبقى ليرى نهاية هذه الوليمة، راغبا بسماع أخر قصيدة لابن يوسف، في إشارة واضحة إلى الشاعر "سعدي يوسف"، إذ يجري ضمن سياق السرد ذكر ديوان الشاعر "أخضر بن يوسف"(ص140). كما يفصل لصبر نسائه ومقاومتهن في ظروف غياب الرجل في السجن أو القتل ذبحاً في الجبهات، ليصرخ السارد في لحظات تصاعد الخطاب الدامي:

" الموت/ كل شيء فيك مآله الموت.. وأسفي عليك!"(ص149).

هذا الشاهد الصارخ المعاتب الفاضح يعشق رغم كل شيء تلك البقعة التي خرج من رحمها، يعشقها في وجدٍ صوفي دفع من أجل ذلك العشق الدامي حياته ليحول هذه النصوص المبتكرة إلى نصوص مكتوبة بدم القلب، لنصغي إلى ذلك الحب والحزن على تلك التضاريس الغارقة بالدم:

"أنت تعرف الطرق كلها، بل أنت الطرق كلها/ وأنا لي طريقة واحدة: أضع وجهي على ترابك المحموم وأصغي لنواحك الرهيب، يتسلل إلى روحي عبر شقوق طينك/ لهفي على نفسي فأنا لا أنفعك بشيء/ مشلول ومقعد ومقتنع بأنني من خرافك الوديعة/ خرافك الذكور التي خلقت للذبح"(ص133).

نصوص الكتاب متضامنة، موضوعها واحد، وبنيتها تنوع على نفس الأسلوب المختلف والجديد في النص العراقي والعربي والذي سوف يكون مقروناً باسم "جنداري" وحده، إذ من المستحيل تقليد هذه الطريقة الفريدة في السرد حيث ينبثق النص من ذات مبدع شديدة التعقيد عميقة الثقافة بدفق وكأنه عفوي لبساطة تركيب جمله السردية العميقة الأفكار. نصوص لا تفضح زمن الدكتاتور بل تفضح أيضاً أولئك الذي كتبوا ومجدوا حروب الدكتاتور طمعاً في المكاسب، ثم جاءوا إلى بلدان الجوار واضعين نصب أعينهم مصالحهم في المرحلة الجديدة.