|
الراقص
|
|
|
تأليف: صلاح حسن
معالجة درامية : حازم كمال الدين
المشهد الأول
راقص عراقي في اليابان يتابع دروس الرقص المعاصر (بعد نهاية المحاضرة ينفرد المعلم مع الراقص)
المعلم: حسنا.. لقد ذهب الجميع. لدينا ساعة للعمل لوحدنا. أنا أصرف وقتا خاصا لكل طالب جديد... قضينا الاسبوع الماضي في تمارين السترجنك وقد كان واضحا أن جسدك استجاب لها بسرعة. اليوم سنبدأ تمارين مختلفة.. الراقص: شكرا لك.. لكنني اتمنى ان نعيد تمارين السترجنك مرة اخرى. المعلم: لا تقلق.. سنعيد هذه التمارين حتى تصبح عادة يومية. في هذا الاسبوع سنأخذ وضعيات جسدية أولية ونبحث عن الانتقال من وضعية الى اخرى بطريقة تخلو من الزوائد الحركية. الراقص: أستاذ.. أشعر أنني سأنسى ما تعلمته اذا ما بدأت معي في موضوع حركي جديد قبل أن أتقن الموضوع السابق. المعلم: لا تخف! حتى اذا نسيت فهذه ليست بمشكلة. الراقص: كيف؟ انها مشكلة كبيرة؟ معنى ذلك إن زمن التعلم سيتضاعف. المعلم: ستفهم ما أعني لاحقا وليس الان. الراقص: ولماذا ليس الان؟ اشرح لي يا أستاذ! أنا أريد ان أتعلم. المعلم: العمل مع الجسد هو عمل عضلي وحسي وميتافيزيقي. انه ليس عملا عقلانيا يشرح بالكلمات. الراقص: مع ذلك انا اشعر انني سأنسى بعض التفاصيل اذا لم اتقن العمل بشكل جيد. المعلم: أنت تنسى؟! تعني دماغك ينسى. نعم. بيد أن جسدك يتذكر كل شيء. الراقص: هل هذا معقول؟ أنا أنسى وجسدي يتذكر؟ انه شيء يصعب تصديقه. المعلم: سأقول لك شيئا: انتم تتعاملون مع الجسد باعتباره أداة تتحرك بناء على متطلبات واوامر الدماغ. هنا علينا ان نتعلم أن الجسد حياة قائمة بذاتها. الراقص: بعيدة عن العقل؟ المعلم: حاول أن تنفتح على تجربة جديدة ولا تتقولب في تجربة واحدة. الراقص: لكني حقا لا افهم ماذا تعني. المعلم: في الاسبوع القادم سنركز مرة أخرى على تمارين السترجنك. الان حاول ان تنسى ما تعلمته في الاسبوع الماضي. الراقص: انسى؟؟ طيب. (بعد تردد وحيرة) انا جاهز. المعلم: حسنا. قف وسط الصالة. أغمض عينيك. تخيل انك تقف في غرفة ضيقة جدا. ثمة ضوضاء مرعبة في الخارج. (صمت) ما هذا؟ أين ردود أفعالك؟ الراقص: هل علي أن أريك ردود الأفعال؟ المعلم: لا. عليك أن تشعر بها. الراقص: لقد شعرت بها. المعلم: انا لم أر شيئا. الراقص: لكنني شعرت بها! المعلم: اجعل ردود أفعالك مرئية لكي أشعر بها.... لاتنسى.. أن تكون صادقا. لا تعيد انتاج رد الفعل عبر الحركة. اغمض عينيك واقفز! (المعلم يطرق على احد الابواب فجأة بقوة) الراقص: (يقفز بغضب بأتجاه الباب) المعلم: جيد. غضبك يعجبني! لقد غضبت حقا لانك شعرت بسطوة المعلم عليك ثم قفزت الى الباب لكي تتخلص من أوامر المعلم. صحيح؟ الراقص: هذا صحيح. المعلم: أترى الفرق بين الصدق في الحركة والتمثيل في الحركة؟ ما فعلته في المرة الاولى كان احساسا أوليا أحاديا غير متحول الى حركة. كان فعلا يوميا. وعندما اظهرت الحركة صارت الحركة خارجية تشخص رد الفعل ولا تكبّر الفعل تكبيرا عضويا. وعندما أضفت على الفعل موقفا شخصيا من المعلم تحول الفعل الى فعل كبير ومركب ذي عدة أبعاد. الراقص: هذا رائع. المعلم: عندما غضبت، في أي جزء من جسدك كنت تشعر بالغضب؟ الراقص: لا ادري. او بالاحرى لا اتذكر. ربما.. ربما.. اصابتني حالة كمثل من يريد ان.. يتبول. المعلم: عظيم! هذا يعني ان رد فعلك كان حركة داخلية صافية لا تدخل فيها للعقل الواعي. الراقص: هذا شيء لم أجربه من قبل! هل انت معلم ام ساحر؟ المعلم: حسنا. نعيد التمرين من جديد؟ الراقص: نعم ولكن أرجوك.. لا تكثر من المصطلحات الغريبة على اذني!
المشهد الثاني
الراقص بعد عودته من الدراسة
(الراقص يؤدي بعض التمارين) الكوريوغراف: توقف! ماذا تفعل؟ ما هذا؟ هل هذا هو الرقص الحديث؟ هل بعثوك للدراسة كل هذه السنوات لكي تعود بهذه الحركات الخرقاء، تتلوى كأفعى فقدت عقلها؟ اذا أردت أن تقدم هذه الفظاعات فاذهب وقدم ما تريد في مكان اخر. أنا لا اريد ان اتهم بالعولمة. الراقص: ما هو الخطأ؟ لماذا لا تنتظر حتى أنتهي من المقطع؟ الكوريوغراف: حتى تنتهي؟ تنتهي من ماذا؟ انت تتلوى وتتحرك كشخص معاق. الحمد لله أننا لوحدنا في القاعة، ستكون في تصور الاخرين مهرجا غبيا! هذا ليس رقصا، ماذا اقول؟ انه.. انه فضيحة! الراقص: لقد درست هذا في اليابان. ارجو ان تفهم. الكوريوغراف: وهل يرقص اليابانيون هكذا؟ هل تريد أن تسخر مني؟ اليابان بلد عظيم. الراقص: نعم. هكذا يرقص الناس اليوم. يتركون أجسادهم تتحرك. أحيانا تقود جسدك قوى غامضة فيخرج جسدك عن السيطرة، وأحيانا تسيطر عليه قوى داخلية، سمّها اتصالا كونيا، طاقة مجهولة المصادر، خيالا اذا شئت أو سمّها انفعالات أو أي شيء آخر. الكوريوغراف: نحن هنا في مسرح للرقص ولسنا في قبو للسحر والشعوذة، لسنا في عيادة التنويم المغناطيسي. الراقص: هذا ليس تنويما... الكوريوغراف: اسمعني جيدا! أنا لا يهمني ما تقول! ما يهمني أداؤك. وما تؤديه الان أخجل من النظر اليه أنا فكيف بالجمهور المسكين الذي سيأتي لكي يشاهد شيئا جميلا. الراقص: حسنا. دعنا نتفق اتفاقا لطيفا. أنت تعرف مواهبي وتعرف أني لا أقوم بهذه الطريقة في الرقص لاني غير موهوب. دعنا نقوم بتوليف ثنائي بين طريقتك في العمل وهذه الطريقة. يمكننا ان نتعاون.. الكوريوغراف: حسنا ولكن بشروط.... أولا عليك ان تنفذ ما اقول. ثانيا أن لا تتلوى وتريني تلك الحركات الخنثوية التي أخجل أن أسميها! المشهد الثالث
الرقص يتدرب لوحده مع المرآة
الراقص: (يرقص امام المرآة ثم يتوقف) لا يجوز الرقص بهذه الطريقة.. (يتوقف ثم يعود للرقص ويتوقف ثانية) لا اريد. جسدي لا يستجيب الى هذه اللغة العمياء، واطرافي تخطئ في تهجي الموسيقى. هذه يدي، كلما مددتها في افق تصبح سوداء. اليد التي تصبح سوداء لا تشير سوى الى العدم. (يشغل الموسيقى ويرقص ثم يتوقف) قبل عشر سنوات عندما ذهبت الى اليابان لتعلم الرقص والموسيقى لم يكن يطلب من شخص ان يرقص بطريقة معينة. (يقف امام المرآة وينظر الى جسده) كان المعلم يعطينا مهمة ما ونستطيع من خلالها أن نرتجل. ولكن هنا ينبغي على الجميع ان يرقصوا بنفس الطريقة وكأنهم وحدة في الجيش. (صوت موسيقى بدوية.. الراقص يمشي المارش وكأنه يرقص. يصاحب الرقص اطلاق نار وأوامر عرفاء. يتوقف الراقص) الراقص: الا تشعر بالخجل؟ هل هذا ما تعلمته في اليابان؟ انت ترقص مثل جلاد.. انني اشعر برغباتك السوداء في هذه الحركات العمياء.. بأي شيء يمتلئ رأسك الاحمق هذا؟ لا تكن عدو نفسك.. انظر الى اين تقودك قدماك؟ (موسيقى عسكرية) لا تنفذ ما يريدون منك فأن فعلت مرة فأنهم سيجبرونك على فعل ذلك مرة اخرى. سيجبرونك على أن ترقص بالطريقة التي يريدونها. ان طريقتهم في الرقص قديمة وتحتاج الى تجديد. لم تعد الحركة منذ زمن طويل تعتمد على الرجولة والذكورية. إنهم كما ترى لا يرقصون، بل يستعرضون بطولات فارغة.. الا ترى انهم يتجمعون بطريقة عسكرية ويصطفون إلى بعضهم البعض والأسلحة النارية في أيديهم ويبدأون بترديد أناشيد تمجد الجماجم والدم ضد عدو دائم الحضور ثم يقومون بإطلاق النار في الهواء. هل تريد أن ترقص هكذا!
(صمت)
انتبه لذلك.. انت عائد من اليابان بأفكار رائعة وطموحات كبيرة بإنشاء مدارس للرقص الحديث. انت مشغول بدراسة اضاءة جماليات الجانب المعتم من الجسد والروح بهدف تقويض الجماليات الكلاسيكية، لا تستمع الى أولئك القادمين من العدم. أولئك القادمين من أعماق جهنم! أولئك المسلحين بالقسوة والكراهية ولا يرقصون الا على ايقاع الرصاص. (موسيقى عسكرية. الراقص يرقص. نسمع فجأة صوت يردد مقطعا من كلكامش. الراقص يرقص على موسيقى المقطع الشعري) الصوت: يا صاحبة الحانةاين الطريق الى اتونابشتم؟ دليني، كيف اتجه اليه فاذا امكنني الوصول اليه فانني حتى البحار سأعبرها واذا تعذر الوصول اليه فسأهيم على وجهي في الصحارى(يظهر الكويوغراف وكأنه كان يتنصت على الراقص) الكويوغراف: لقد قررت ان اقدم مسرحية كلكامش وستقوم انت بدور كلكامش. الراقص: حقا؟ انا احب هذه الشخصية جدا انها مدهشة ومختلفة تماما. الكويوفراف: في البدء عليك ان تقول كلاما قليلا وان ترقص كثيرا. الراقص: انا سعيد بذلك لان الرقص هو كينونتي في التعبير عن ما تعجز اللغة في التعبير عنه. الكويوغراف: حسنا سيكون التمرين مجهدا.. ست ساعات في اليوم. وربما سنبقى احيانا الى ساعة متأخرة من الليل. عليك ان تطمئن زوجتك كي لا تقلق. الراقص: (كمن يتأمل) سأعود متعبا الى زوجتي، لا بأس. سأجدها متوترة وخائفة لكني سآخذها بين ذراعي واداعبها حتى تهدأ ثم اذهب بهدوء الى غرفة الاطفال خشية ان يستيقظوا. الكوريوغراف: سأمنحك الحرية في ان تقدم بعض الفنون التي اتقنتها في اليابان، وسأدخلها في سياق معين، لكننا عموما سنلجأ الى ترجمة الحوار الى حركات وصور. الراقص: سأحاول ان أوفق بين الاسلوبين بكل سرور. الكوريوغراف: ارجو ان لا تتعثر في العمل. فكر جيدا بما قلته لك. (موسيقى. مقطع من كلكامش بمصاحبة الموسيقى. يرقص الراقص. الراقص يرتدي أثناء الرقص زي العرض. الكويوغراف يراقب الاداء. بعد قليل يتسلل شخص ويجلس الى جوار الكويوغراف) الصوت: انكيدو.. يا صاحبي وأخي الأصغر، الذي اقتنص حمار الوحش في النجاد والنمور في الصحارى، تغلبنا معا على الصعاب وارتقينا أعالي الجبال، ومسكنا بالثور السماوي ونحرناه، قهرنا خمبابا الساكن في غابة الارز، فأي سنة (من النوم) هذه التي غلبتك وتمكنت منك؟ طواك ظلام الليل فلا تسمعني؟ (يوقف الشخص المشهد عنوة) الشخص: توقف.. توقف.. لحظة. ما هذا؟ انتم تعرفون ان البلاد في حالة حرب.. وتعرفون ايضا ان عليكم ان تقدموا عملا يمجد بطولات جنودنا والشهادة من اجل الوطن. لكنني لا ارى ذلك في العمل الذي تقدمونه. ولا أعتقد أن هذا سيسعد القيادة اذا ما رأته! أنا صديقكم ولهذا أنصحكم قبل أن يأتي غيري ويسوقكم الى السجن. الراقص: يا استاذ هذا عمل فني وليست له علاقة بالحرب ثم لماذا السجن هكذا دفعة واحدة؟ الكوريوغراف: (يداري الموقف) بل انه عن المعركة وعن الانتصار ايضا.. الم ينتصر كلكامش وصديقه انكيدو على الوحش خمبابا؟ الشخص: صحيح. ولكن عليك أن تحذف المشهد الذي يموت فيه انكيدو. إن جنودنا لا يموتون. الراقص: كيف يستطيع الكويوغراف ان يحذف مشهد موت انكيدو؟ هذا تدخّل غير ممكن بالنص. الشخص: لماذا غير ممكن؟ هل النص آيات قرآنية أم مجرد خيالات موجودة في كتاب؟ الراقص: سيفشل العمل يا أستاذ. الشخص: بل سينجح إذا ما كتبت له المخرج الحياة ومنعه من الموت. الراقص: نحن لا نستطيع أن نمنعه من الموت. أنكيدو ينبغي ان يموت.. لان موته هو الذي سيدفع كلكامش الى البحث عن الخلود. هذه هي الفكرة الرئيسية.. الشخص: دع جلجامش يبحث عن الخلود بسبب ضياع الابل في الصحراء. ما الضير في ذلك؟ الراقص: ضياع الابل؟؟؟؟ سيفشل العمل يا أستاذ. أرجو أن تفهمني. الشخص: احذف المشهد الذي يموت فيه انكيدو، وهذا الراكوص الكلب أعطه دور منظف تواليت بدلا من دور جلجامش. (يردد الكوريوغراف أثناء خروج الشخص) الكوريوغراف: ولكن لا يوجد في جلجامش دور منظف تواليت؟!
المشهد الرابع
(يظهر شخص مدمن على المخدرات وبجانبه أشخاص آخرين. شخص ملثم لا يظهر منه سوى عينيه)
الراقص: فصلوني من الفرقة الوحيدة في العاصمة. أقفلت على نفسي باب غرفة النوم ومكثت هناك ثلاثة اسابيع. وعندما خافت زوجتي من أنني قد أجن اقترحت علي ان اسافر الى شمال البلاد. لدي هناك اصدقاء يمكن ان يرتبوا لي عملا في احدى الفرق. الحشاش: كانت فكرة جيدة، خصوصا ان الشمال كان خارج سلطة الحكومة. الراقص: بعد اسبوع من التفكير المضطرب وافقت على فكرة زوجتي وقررت ان اسافر. وصلت صباحا الى السليمانية. في الرابعة والنصف عصرا، وبينما كنت اجلس في صالة الانتظار لمحت صديقي القديم كاميران يدخل الى نقابة الفنانين. تعانقنا. واذ كنا نشرب البيرة اخبرته بالقصة. الحشاش: تشرب البيرة يا ملحد! الراقص: أقصد ماء شعير. بيرة شعير.. خالية من الكحول. الحشاش: اكمل.. واذا تفوهت بكلمة بيرة مرة أخرى ساذبحك. الراقص: في آخر الليل ذهبنا الى بيته. لم يعد كاميران يعمل في المسرح رغم انه ممثل مشهور. انه يعمل بالتجارة الان. ليس لان الجمهور لا يحب المسرح، بل لان المسرح ببساطة غير موجود. مكثت شهرين في بيت كاميران وحاولت خلالها ان أجد لي فرصة للعمل دون طائل. وبعد أن اصبت بالخيبة قررت العودة الى العاصمة. واذ وصلنا الى مشارف العاصمة اوقفتنا مفرزة تفتيش وصعد الى الحافلة ثلاثة رجال مدنيين بدأوا يفتشون الوجوه والحقائب. طلب مني أحدهم بطاقتي الشخصية. اعطيته البطاقة. اخرج ورقة من جيبه وراح يبحث فيها. اعاد الورقة الى جيبه بسرعة وصاح: ـ انهض!! وادخلني الى غرفة صغيرة تشبه سجنا مؤقتا. الحشاش: وبعد نصف ساعة جاءت سيارة نوع لاندكروز مظللة الزجاج ونزل منها شخصان قيدا يديك الى الخلف وعصبا عينك بقطعة قماش سوداء. الراقص: (مندهشا) نعم؟ الحشاش: وانطلقت السيارة الى مكان مجهول. كانت السيارة تنعطف الى اليمين وتارة الى اليسار وكانت احيانا تدور دورة كاملة في المكان نفسه. الراقص: نعم.. لكنني لم اعرف بالضبط الى أي جهة كانوا يأخذونني!! الحشاش: طبعا ولكن بعد اكثر من خمس وعشرين دقيقة توقفت السيارة ثم قادك الشخصان الى ممر طويل. بعد ذلك انزلوك درجا قصيرا وساروا بك في ممر طويل اخر. فتح احدهما بابا حديديا وقام الاخر بدفعك بقوة فسقطت على وجهك على الارض واغلقت الباب خلفك. وبعد ثلاث ساعات تقريبا فتحت الباب ودخل شخصان، رفسك احدهما في بطنك وسحبك الى مكان ما. رفع احدهما العصابة السوداء عن عينك وهو يقول: ـ هذا هو الراكوص المأفون! الراقص: كيف عرفت كل ذلك؟؟الحشاش: لدي هنا في هذا الملف كل شيء عنك وعن علاقاتك واتصالاتك.. كل شيء، حتى عدد المرات التي تذهب بها الى الحمام... عد الى الموضوع! ماذا كنت تفعل في شمال البلاد؟ الراقص: كنت ابحث عن عمل. الحشاش: اكمل. الراقص: ظللت ابحث عن عمل لمدة شهرين دون طائل، ثم عدت الى العاصمة. الحشاش: واين كنت تسكن؟ الراقص: لقد اخبرتك.. في بيت احد الاصدقاء.. كاميران. الحشاش: ما هو عنوانه؟ الراقص: السليمانية.. نقابة الفنانين. الحشاش: ماذا يعمل صديقك هذا ومع من؟ الراقص: انه يعمل في التجارة. (ينهض الحشاش مقتربا من الراقص وهو يحرك العصا بطريقة لولبية) الحشاش: اسمع.. استطيع بهذه العصا الصغيرة ان احطم رأسك المليئ بالاكاذيب. اخبرني وبالتفاصيل الدقيقة عن الشهرين اللذين قضيتهما هناك. بمن التقيت؟ ومع من عملت؟ الراقص: أنا حاضر ياسيدي. اسأل وسترى أني لا أكذب. الحشاش: ما اسم صديقك هذا؟ الراقص: كاميران!!! الحشاش: (يشير الى احد مساعديه يخرج الاخير مسرعا. بعد قليل يعود وبيده ملف عن كاميران ويسلمه اليه. يقلبه بسرعة، ثم يعود مرة اخرى يقلبه بهدوء. يتوقف قليلا ليقرأ.. ثم فجأة يبتسم ابتسامة عريضة) الان لا تستطيع ان تنكر.. لقد قضيت شهرين في بيت واحد من العصاة. شهرين في بيت شخص عميل. هذه التهمة وحدها كافية كي تقودك الى الاعدام. الراقص: (يبدأ بالارتعاد من الخوف) الاعدام؟!! ماذا فعلت كي اعدم؟ صدقني يا سيدي انني لم افعل أي شيء يزعج الحكومة.. لقد ذهبت ابحث عن عمل.. هذا كل ما في الامر. (يغضب الحشاش ويبدأ بضربه على يديه واقدامه) والله يا سيدي لم افعل شيئا يسيء الى الحكومة.. (الحشاش يواصل الضرب) دعني اقبل يديك يا سيدي.. دعني اشرح لك.. دعني اقبل قدميك.. حذاءك.. ارجوك يا سيدي توقف.. (تعذيب. يخلع الحشاش اللثام ويتبين انه الشخص نفسه الذي كان يلعب دور رجل الامن في المسرح)
المشهد الخامس
(الراقص في الزنزانة لوحده)
الراقص: لابد ان يصدقوني.. اظن انهم صدقوني لان التعذيب قد توقف ما عدا هذا الشخص المكلف بأيصال الطعام الذي يبصق في الطعام قبل ان يقدمه لي. الجو بارد هنا، لكن لا بأس!! أحسن من التعذيب العجيب! الجو بارد بشكل لا يوصف.. ليتني استطيع ان انام ولو ساعة واحدة كي انسى آلامي؟ جرب على هذه الجهة من جسدك. هنا توجد اورام قليلة. البرد جيد للاورام. انه يقلص العضلات ويمنع انتشار الاورام! هاهاها! فلسفة حركية! البطانيات ممزقة والفراش رث.. رتب الفراش ونم!! (يعثر على سجل كبير جدا تحت الفراش) ما هذا؟!! سجل؟!! (يتصفح السجل). من اين جاء؟ وماذا يضم بين دفتيه؟ هل يعقل أن يكون سجلا بأسماء السجناء؟ أم سجلا باسماء الموتى؟ ربما هذا هو كتاب الموتى حيث ان اسمي مكتوب فيه. ليتني امتلك شمعة تسمح لي بالنظر لكي اعرف سر هذا الكتاب. (يغفو من جراء التعب وبعد قليل يصرخ في نومه) كل من انادي بأسمه يذهب الى الجنة. احمد جاسم، الجنة! كاظم موزان، الى الجنة! عباس وادي، الى الجنة! علي محسن، جبار صخي، حسين علي، محمد مرتضى،.. لماذا انتم واقفون؟؟ اذهبوا الى الجنة.. اسماؤكم موجودة في هذا السجل.. اذهبوا بسرعة قبل ان يغلقوا الباب الا تسمعون؟ اقول اذهبوا الى الجنة.. ايها الاغبياء الى الجنة.. تحركوا بسرعة قبل ان تغلق الابواب.. بسرعة.. هيا بسرعة. (يستيقظ من الكابوس) الجنة؟ اين هي الجنة؟ (يتفقد السجل) يا ربي هذه جنة للعذاب! (يدخل جلاد على أثر سماع صوت الصراخ. الراقص يتراجع مذعورا وهو يعتقد أن القادم هو واحد من أشباح جهنم) الجلاد: لا تخف.. ماذا تشتغل؟ الراقص: فنان! الجلاد: كيف تشعر؟ الراقص: مرهق.. ساقي تعطلت. الجلاد: (يوجه كلامه الى احد ما) هل عذبتم هذا الرجل الطيب ايها الكلاب؟ ألم أقل لكم لا أحد يقترب من هذا الرجل! انه رجل وقور وواضح انه من عائلة محترمة ومستعد أن يدلي بكل ما لديه لمساعدة الدولة. اخرجوا جميعا من هنا. سأعاقبكم عقابا شديدا لتجاوزكم على هذا الرجل. (يعود الى الراقص) عليك ان تعتني بساقك جيدا والا فأنك لن تستطيع الرقص بعد ذلك. الراقص: عيني ايضا.. الدموع تترقرق منها انني لا ارى شيئا. الجلاد: بسبب الظلام.. سأطلب منهم ان يوفروا اضاءة كافية. الراقص: تطلب منهم ذلك لي؟ الجلاد: نعم! ألا تثق بي؟ الراقص: كل شيء ضدي.. حتى الله يعمل ضدي. الجلاد: لا تكفر.. كل شيء موجود بحكمة الله.. لو كنت مكانك لفعلت اي شيء من اجل ان اتخلص من هذا العذاب. الراقص: فصلوني من العمل أولا لاسباب سياسية وأنا ليس لدي اي علاقة بالسياسة، ثم اعتقلوني لاسباب سياسية. كس أخت كاميران. ما ادراني انه يعمل مع العصاة! الجلاد: الصبر. الصبر. اذا قدمت معلومات كافية عن كاميران سأنقذك بنفسي من هذا الجحيم. الراقص: وانا وحدي. وزوجتي وأطفالي لوحدهم. الجلاد: كان الله في عونك! (ظلام مفاجيء) ماذا حدث؟ هل انقطعت الكهرباء عندكم؟ صوت: نعم سيدي. لحظة. (يعود الضوء) الجلاد: حسنا. لقد عادت الكهرباء. الراقص: يوميا اتذكر الاطفال واتذكر امي. لقد أنشأتني على أن لا أمد يدي لاي بشر ومع ذلك ها أنا أتعذب وغير قادر على فعل اي شيء. في الزنزانة ابكي بكاء مرا لكن هذا لا يجدي. الجلاد: الله يكون في عونك. أنا أيضا لدي اطفال واشتاق لهم. أليس لديك اقارب او اصدقاء؟ هل زوجتك وحيدة.. انه امر صعب للغاية؟ الراقص: لا. والله لقد تركت لديها 60 الفا او 80 الف دينار وانا بدون راتب وليس لدي أي مبلغ. الجلاد: ان شاء الله حالما تعترف ستتغير الامور نحو الاحسن. الراقص: انا اشكر مساعدتك لي بالسؤال عني يا سيدي واطلب من الله ان لا يجعلني في عوز لأحد.. أرجو أن تعتني بزوجتي اذا مًت.. ليس لديها أي عون.. الجلاد: لا تتشاءم.. سيتحسن وضعك ان شاء الله.. الراقص: لن انسى تعاطفك معي. الجلاد: لا تهتم.. سأجلب الاوراق بنفسي لكي اكتب اعترافاتك! الراقص: اعترافاتي؟ ولكنني ليس لدي ما أعترف به يا سيدي!! الجلاد: لا تهتم. لقد امرتهم ان يهيئوا لك الحمام وملابس جديدة. سيكون كل شيء على مايرام. الراقص : اشكرك يا سيدي. الجلاد: سمعت انك كنت تنوي تأسيس فرقة للرقص الحديث.. سوف اطلب منهم ان يوفروا لك كل الامكانيات. بمجرد ان ننتهي من كتابة الاعتراف ستكون في بيتك وقرب زوجتك واطفالك. كل ما اريده منك هو اسماء الاشخاص الذين قابلتهم وماذا يعملون. الراقص : لقد اخبرتك يا سيدي انني لم التق الا بكاميران وان كاميران يعمل بالتجارة. الجلاد: هذه القصة اعرفها.. أي نوع من التجارة؟ الراقص : استيراد وتصدير ربما. الجلاد: وهل تعرف الشركات التي يتعامل معها؟ الراقص : هناك شركات كثيرة. الجلاد: هل هي شركات تركية.. اسرائيلية.. امريكية؟ الراقص : سيدي والله العظيم لا اعرف.. كل الذين يزورونه يرتدون نفس الملابس ويتكلمون نفس اللغة وانا لا اجيد الكردية؟ الجلاد: لقد وعدتك انني سأخرجك من هنا اذا قدمت لي اعترافك، ولكن يبدو انك تريد ان تتفسخ هنا. الراقص : سيدي.. اقسم انني لا اعرف أي شيء اخر. الجلاد: صاحبك كاميران من العصاة.. ولابد ان الذين يتعاملون معه من الخونة واذا لم تعترف فأنك تصطف الى جانب الخونة وهذه خيانة عظمى وعقوبتها الاعدام. الراقص : سيدي.. انا رجل فنان ولا اعرف هذه الامور ولو كنت اعرف أي شيء خطير مثل هذا الذي تقوله لاخبرتك فورا. الجلاد: لقد امضيت شهرين هناك.. هل كنت تقوًد ؟ اسمع.. امامك خياران.. اما ان تعترف بكل شيء وتخرج من هنا معززا مكرما.. او اهشم عظامك واحدا بعد الاخر حتى الموت. الراقص : سيدي.. اكتب ما تراه مناسبا.. اختر اية قصة تعجبك ودونها على لساني.. اقسم لك انني... الجلاد: هل تجيد الكردية؟ الراقص: لا يا سيدي. الجلاد: اخ الكحبة! بأية لغة كنت تتآمر مع كاميران على الحزب والثورة؟ ومن كان ينقل المعلومات من بغداد الى كاميران الكلب؟ أمي؟؟ (الجلاد يفقد اعصابه وينهال بالتعذيب على الراقص. ظلام)
المشهد السادس
(الراقص مرة اخرى في الزنزانة)
الراقص: كيف يمكن ان يحدث هذا؟ ولكن، هل حدث هذا فعلا ام انني في كابوس ؟ انني في الزنزانة نفسها. كيف يمكن ان يحدث هذا؟ لقد هربت خارج البلد منذ سنوات وما زلت اذكر ان الحاج جاسم دخل الى الزنزانة مساء وكان مكلفا بتعذيبي حتى ينتزع مني الأعتراف بأنني متعاون مع العصاة. ولم يكن يعرف حين دخل الزنزانة أني صديق ابنه منذ الطفولة وأنني جارهم حتى سألته اذا كان هو نفسه العم جاسم!! فصفن قليلا وتوقف عن التعذيب ثم قال لي من أنت. فأخبرته بكل القصة. عندها صفن. جلس في زاوية الزنزانة ساعة كاملة وبدا مشتت البال. بعدها همس لي: جاسم: اصرخ! (الراقص يتردد. جاسم يحثه بهمس) اصرخ قلت لك! اصرخ أعلى وكأنني ضربتك ضربة قاضية (الراقص ينفذ ما يطلب منه جاسم). اعلى. اعلى. اشتمني. (الراقص يشتم بتردد) الراقص: يا حقير! جاسم: هذه شتيمة مثقفين. جرب واحدة أخرى! الراقص: اللعنة! متخلّف! جاسم: (بهمس) لك يا ابن الناس اشتم بطريقة اخرى. استخدم الكس والعير والطيز والدين (الراقص ينفذ) الراقص: كس امك جاسم: (بهمس) لا الراقص: راح انيج امك واخوك وابوك جاسم: (بهمس) اشتمني شتيمة شنعاء!! الراقص: (الراقص يشتمه شتيمة شنيعة فعلا) جاسم: (يصرخ) يا كلب! يا منيوك! يا عميل! (جاسم يهمس) احمد!! (بعد صمت) سأكفنك ببطانية وادعي امام الجنرال أنني قتلتك وانني ذاهب لدفنك وسأقدم الاعتذارات للعقيد لانك سقطت ميتا بين يدي اثناء التعذيب قبل أن تعترف ولانك كنت كلبا ابن كلب غليظ الطباع واللسان وقد تجرأت على أن تبصق في وجهي بدلا من ان تتوسل الي. بعدها سأرميك في سيارة بيك آب واخرج من مقر مديرية الامن العامة أخذك الى مكان ما. ستبقى تنتظر في الخارج. ساعود بعد نصف ساعة. سأعطيك جواز سفر وبعض النقود!! (تتغير الاجواء وكأنها شارع وكأن الزنزانة صارت شاحنة) أنت مثل ابني ولم أكن أعرف انك أنت المعتقل في السجن، فنحن لا نعرف اسماء المعتقلين حتى يبدي السجين استعداده للاعتراف حينها يسلموننا ملفه ونعرف من هو. أنا اعرف. انت لا تربطك اي علاقة باولئك الخونة العصاة في الشمال، أما ضباط المديرية فهم يعتقدون أيضا انك بريء لكنهم لا يستطيعون تحمل مسؤولية تبرأتك لان لدينا أوامر واضحة: لا يوجد بريء بين أولئك الكلاب حتى لو كان أحدهم قد ولد في السجن. ولهذا راحوا يعذبونك تعذيبا جنونيا هدفه ان تعترف حتى لو كان اعترافك كذبا! سأخرجك في شاحنة لنقل النفط الى احد البلدان المجاورة. لدي شاحنة نستخدمها لتهريب النفط الى الخارج أنا وابني محمد صديق طفولتك. الجواز الذي بين يديك هو جواز سفره. فنحن نسافر كل اسبوع في هذه الشاحنة الى خارج البلد، واخر ختم فيه كان قبل اربعة ايام. ستمثل انت دور ابني.. المسألة بسيطة، عليك ان تكون شجاعا فقط. الراقص: وماذا لو سألوك في المديرية أين جثتي؟ أين دفنتها؟ جاسم: لا تخشى علي من هذا الموضوع. توجد آلاف المقابر السرية التي نرمي بها كل من نريد ان نقطع اثره نهائيا....... لقد وصلنا الحدود تقريبا.. ما هذا؟!! لا ترتجف يا بني! تماسك!! اذا ما أثرت شكوك رجال الحدود فقد قضي علينا انت وانا.. لا تتحرك! ابتسم! نعم هكذا. هذا جيد! دعهم يفتشون السيارة وانت تبتسم. لا تستعجل باخراج جواز السفر. تصرّف بلا ابالية. الراقص: عمي جاسم! أكاد ابول على نفسي! جاسم: اصرف بطنك وقلّص خصيتيك.. تنفس ببطء. ابتسم! ضع مئة دولار في جواز سفرك واعط الجواز للشرطي. ابتسم بصبر! والان امش بهدوء. لقد انتهت أعقد مرحلة. جواز السفر ما زال بيدك، ضعه في جيبك. الراقص: عمي جاسم! هل خرجت من الجحيم؟ جاسم: نعم يا بني! اصعد الشاحنة. (الراقص يرقص داخل الشاحنة رقصة جنونية) سأنزلك عند اطراف مدينة البو كمال. من هناك يجب أن تتجه الى دمشق حيث مكتب الامم المتحدة واطلب اللجوء السياسي. عليك أن تريهم آثار التعذيب. ولن يمر عليك شهر حتى ستسافر الى امريكا كلاجئ. الراقص: اذا كنت تعرف كل هذه المعلومات يا عم جاسم فما الذي يدفعك للبقاء في جحيم العراق؟ جاسم: يا ابني. أولا انا لدي هنا مصلحة من ذهب: تهريب النفط. ثانيا: كل معتقل يعترف على يدي تأتيني مكافأة ضخمة لا تقدمها حتى امريكا لك. ولكي تعيش في امريكا عليك ان تتبنى ثقافة مجتمعهم وتقاليدهم ولغتهم حتى وان كانوا كلابا.. عليك ان تنسلخ من هويتك وثقافتك.. عليك أن تبدأ من الصفر (الراقص ينزل من الشاحنة) الراقص: أعرف ذلك. لقد تعلمت هذا يا عم جاسم. فقد فعلت ذلك حينما ذهبت الى اليابان قبل عشرين عاما. وفعلت ذلك حينما عدت من اليابان قبل خمسة عشر عاما، وفعلت ذلك حينما دخلت الى معهد الموسيقى والرقص قبل خمسة وعشرين عاما. (الراقص يبتعد في الصحراء بينما جاسم ينادي عليه بالتعليمات) جاسم: الله يكون في عونك يا ابني! حاول أن تعمل في امريكا مع احدى الفرق التي تليق بخبراتك. يقال أن الراقص في أمريكا يحصل على نقود من ذهب! (الراقص يبتعد) واذا لم تجد آذانا صاغية لك قل لهم أن مواهبك لم تتقادم مع الزمن، وانما قد جففتها المعتقلات العراقية. اشتم العراق ما شاء لك الشتم فكلما شتمت اكثر تزيد حظوظك بالحصول ما تريد! انتبه. امريكا تأكل البشر اكلا. أعرف واحدا بقي ثلاث سنوات هناك مرة يعمل في مطعم ومرة يعمل منظفا.. وكان دائما بانتظار سقوط الحزب والثورة. الراقص: لن أصدق أن الحزب والثورة سيسقطان. وحتى اذا ما سقطا فسأبقى على الاقل لمدة عامين قبل أن أقول لنفسي لقد تغير النظام ولا خطر علي الان. واذا ما عدت فاعلم أني سأعود وسأقنع اصدقائي الفنانين بالعمل ثانية. وسأسامح ذلك الكوريوغراف الجاهل.
المشهد السابع
الحشاش: (يطل من احد جوانب المسرح وجه الحشاش وهو يقول) وما أن تجاوزت الحدود حتى ظهرت سيارة لاندكروز بيضاء مظللة الزجاج. أوقفتك فأنزلونك وتركوا السائق. قيدوا يديك الى الخلف وعصبوا عينك وانطلقوا الى مكان مجهول. نزل من السيارة شخصان قيدا يديك الى الخلف وعصبا عينك بقطعة قماش سوداء. الراقص: (مندهشا) نعم؟ الحشاش: ثم انطلقت السيارة الى مكان مجهول. كانت السيارة تنعطف تارة الى اليمين وتارة الى اليسار وكانت احيانا تدور دورة كاملة في المكان نفسه. الراقص: نعم.. لكنني لم اعرف بالضبط الى أي جهة كانوا يأخذونني. الحشاش: طبعا ولكن بعد اكثر من خمس وعشرين دقيقة توقفت السيارة ثم قادك الشخصان الى ممر طويل. بعد ذلك انزلاك درجا قصيرا وسارا بك في ممر طويل. فتح احدهما بابا عتيقا وقام الاخر بدفعك بقوة فسقطت على وجهك على الارض واغلقت الباب خلفك. وبعد ثلاث ساعات تقريبا فتحت الباب ودخل شخصان، رفسك احدهما في بطنك وقال انهض وسحباك الى مكان ما. رفع احدهما العصابة السوداء عن عينيك وراح يقدمك الى الاخر: ـ مولاي هذا هو الراكوص المأفون! (ينهض الحشاش ويقوم برسم دراجة هوائية على الجدار المقابل للجمهور) الراقص: قبل يومين عروني من ملابسي وطلبوا مني ان ارقص.. كان احدهم يحمل شيئا مسننا ويحاول ان يغرسه في استي كلما ابطأت.. كانوا يطلبون مني ان اهز مؤخرتي.. كانوا يضربونني على قدمي وساقي.. كنت عاريا تماما والدماء تسيل من جسدي. آه.. اذني.. انا لا استطيع ان اتحرك.. يا إلهي.. لقد ثبتوا اذني بالمسامير. (الحشاش بعد ان ينتهي من رسم الدراجة) الحشاش: هيا.. اركب الدراجة وستطير انت واذنك.. عليك ان تقودها دون ان تسقط.. تسلق الجدار يمينا، يسارا، الى الخلف.. اقول الى الخلف يا كافر.. لا تسقط.. كيف تتجرأ وتسقط؟ وكيف أرسلك هؤلاء الامريكان الكلاب لكي تدرب الناس على الرقص والزنا والكفر والالحاد وأنت بهذا الغباء؟ الراقص: انا لست كافرا.. انا فنان، ولم يرسلني أحد ما لكي ادرب العالم على الكفر. لقد عدت بنفسي.. اذا كنت تريد مني مالا فليس لدي سوى بضع مئات من الدولارات لكي أدفعها لك ولا أي شيء آخر.. انا راقص، أعني فنان مثقف. (الحشاش يخرج حشيشة من جيبه ويصنع سيكارة) الحشاش: خذ سيجارة. هذه تخفف الالم وتفتح الخيال. الراقص: شكرا.. لا ادخن. الحشاش: اذا قلت لك دخن فعليك أن تدخن. مفهوم؟الراقص: ينبغي ان ادخن؟؟ يجب ان ادخن؟؟ (الحشاش يعزف أغاني دينية والراقص يحاول ان يرقص)الراقص: موسيقى جميلة.... توقف.. هذه الموسيقى تافهة.. الحشاش: ماذا قلت؟ هذه الموسيقى تافهة؟ هذه الالحان الصوفية العظيمة.. تافهة!! الراقص: اعزف شيئا حديثا.. الحشاش: (العازف يعزف لحنا دينيا آخر. الراقص يدخن ثم يرقص) الراقص: لا تكرر الايقاع بهذه البشاعة.. هل تفهم؟ الحشاش: (يعزف لحنا دينيا بطيئا)الراقص: اريد ايقاعا حيويا!! (الحشاش يتوقف عن العزف وينظر الى الراقص) الحشاش: هل تريدني أن أذبحك الآن؟ لقد ذبحت قبلك تسعة واذا ما ذبحتك الان سيمنحوني لقب أمير جماعة. الراقص: انا آسف. لقد تصورت أنك أمير. شكلك شكل أمير. وسلوكك سلوك أمير! الايقاع جميل.. حيوي.. (يرقص) جميل.. رائع. (الحشاش يرقص ايضا ويعزف الموسيقى. بينما يرقص الراقص والموسيقي يدخل جنود المارنيز ويطلقون النار على الاثنين)
المشهد الاخير
(الراقص يرقد على سرير في مستشفى وهناك قنينة من المغذي مربوطة في يده. الحشاش الملثم في المستشفى أيضا. الراقص يرقص رغم شلله الجسدي والحشاش يعزف ايقاعا على السرير. ظلام)
|