|
نص مسرحي من التراثرؤيا
|
|
|
الكاتب: د . شاكر الحاج مخلف
الشخصيات:
عبد الله بن الزبير عروة عبد الملك بن مروان مصعب بن الزبير عاتكة زوجة عبد الملك بن مروان عائشة زوجة مصعب بن الزبير محمد بن سيرين عبد الله بن قيس بن الرقيات وزير في خلافة عبد الملك بن مروان وشخصيات أخرى .
1- أمام دار عبد الله بن الزبير في مكة
الظلام يحيط بالدار من كل الجهات والرعد والبرق متواصل ، عبدالله بن الزبير متقلداً سيفه يتحرك مبتعداً عن الدار يلحق به تابعه " عروة " الذي يتوقف غير بعيد عنه وهو يتابع البرق والرعد . عروة: سماء غاضبة وأرض ترتعد من ضوء البرق ،كل ذلك يتحول خوفاً في النفوس . " عبد الله بن الزبير ينظر في جميع الجهات " عبد الله بن الزبير : سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته . عروة : رأيتك تغادر الدار في هذا الهزيع من الليل فلحقت بك ، هل الرعد والبرق أطارا النوم من عيني الأمير .؟ عبد الله بن الزبير : كلا يا عروة .. ثمة أمر أخر . عروة : هل يسمح لي الأمير بمعرفته ..؟ عبد الله بن الزبير :هي رؤيا غريبة . عروة : رؤيا ..؟ عبد الله : نعم .. المشكلة أنني لا أعرف تفسيرا ً لها . عروة : إذا رغبت قص ّ علي ّ تلك الرؤيا . عبد الله بن الزبير : " مع ازدياد صوت الرعد " رأيت في منامي كأني أصارع عبد الملك بن مروان " يتوقف عن الحديث مستذكراً ، عروة يلاحقه لمعرفة التفاصيل " عروة : ثم ماذا ..؟ عبد الله بن الزبير : تصارعنا طويلاً .. وأخيراً صرعت عبد الملك وسمرته على الأرض بأربعة أوتاد . عروة : بأربعة أوتاد ..؟! عبد الله بن الزبير : هذا هو مكمن الأرق والقلق .. بماذا تفسر ذلك يا عروة ..؟ عروة : " متلعثماً " ليس لي أن أقول شيئاً . عبد الله بن الزبير : كذلك تحاصرني الهموم والهواجس ، فقد انقطعت عني أخبار أخي مصعب في العراق . عروة : أفهم ذلك يا أمير مكة . عبد الله بن الزبير : سمعت أن عبد الملك بن مروان يجهز جيشاً كبيراً لملاقاة مصعباً في حرب فاصلة . عروة : وهنا في مكة أيضا تأخر إعلان الثورة ضد خليفة بني أمية ، لو حدث ذلك لقلل من حجم الضغط الكبير على قوات الأمير مصعب . عبد الله بن الزبير : ماذا تراني أن أفعل ، أنا هنا أحاكي العقول لكي تقف سيوف أهل مكة معي ، كما لو كان موتاً بطيئا نسير إليه دون رغبة ، هكذا الرأي في الناس ودعوتهم إلى الجهاد ضد الظلم ، ولكن هذه الرؤيا تثير في نفسي قلقاً لاحدود له ،آه يا عواصف القلق من يوقف تلك الهواجس التي تنطلق من مكامن الروح والعقل ، من ..؟ عروة : ليس سوى أبي بكر محمد أبن سيرين عالم تفسير الأحلام الذي لا يشق له غبار في ذلك . عبد الله بن الزبير : أبن سيرين .. عروة : هو مرآة العقل الذي يصنع الأحلام ، ليس لك يا أمير سواه . عبد الله بن الزبير : من أجل أن تظل الروح تسبح في أجواء الآمان والهدوء لابد أن نعرف رموز هذه الرؤيا . عروة : وماذا يقترح الأمير ..؟ عبد الله بن الزبير : ليس كثيراً علينا يا عروة أن نسرج خيولنا نحو دار أبن سيرين ونسمع ما يقول في ذلك . عروة : عين الصواب يا أمير . عبد الله بن الزبير يتحرك مبتعداً عنه وقد راح يفكر في الأمر ، عروة يتابعه ولكنه يظل في مكانه متسمراً " عبد الله بن الزبير : أنت يا عروة من يذهب إلى دار أبن سيرين ويأتيني بالخبر اليقين .
عروة :سأفعل . عبد الله بن الزبير : إذن تنطلق إلى البصرة وتعمل على أن ترى العالم الكبير محمد بن سيرين وتقص عليه الرؤيا ، ولكن حذاري أن تذكر له من الذي أرسلك إليه ، يجب أن لا يعرف أن هذه الرؤيا هي رؤيا عبد الله بن الزبير . " يتحرك عبد الله بن الزبير نحو الربوة التي تطل على مكة القديمة متابعاً البرق الذي يكشف جانباً منها ثم يتلاشى ويتركه تحت سجف الظلام ، عروة يقترب منه " عبد الله بن الزبير : مكة حبيبة الروح ، وتلك الصور الكريمة التي مازالت تدور في دروبها ، أحباب القلب الذين رحلوا وتركوا لنا الأشرعة المقدسة وسراج النور الأبدي ، هل نترك تلك النيازك الشيطانية تضرب وتدمر كل شيء جميل ، أن خوفي كبير ولكن ليس في اليد حيلة، هي مواجهة وقد فرضها علينا الغي والظلم ، ولكني لن أرضى لمكة أن تصاب في مكمن يجعلها تهرب من مواجهة الآتي ، على الله نتوكل ..
2- دار الخلافة
إيوان الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان ، أنه يتهيأ للخروج من الإيوان بملابس الحرب وقد تقلد سيفه وتحف به أركان حربه ، يسمع صوتاً ينطلق من خارج الإيوان ، الصوت يكشف عن لوعة وبكاء ، هو صوت زوجته عاتكة ، يشير إلى الذين معه بمغادرة المكان وقبل أن يعود إلى الداخل تقتحم عاتكة المكان ، ينظر إليها معاتباً " عبد الملك بن مروان : عاتكة ..! عاتكة : نعم يا مولاي . عبد الملك بن مروان : هكذا تكون لحظات خروجي إلى الحرب . عاتكة : ليت هذه اللحظات لم تدرك عمري ، أنها والله قاسية تنتزع الصبر وتثير في النفس الجزع والحزن ، أما من ذلك بد يا خليفة المسلمين . .؟ عبد الملك يطرق لحظة نحو الأرض ، ثم ينظر إليها جزعاً " عبد الملك بن مروان : أبناء الزبير ، عبد الله وأخيه مصعباً دفعاني إلى ذلك ، والله ما أردت هذه الحرب أن تقع ولكن ماذا أفعل لقد ركبا متن الشطط ، وصارت هذه الحرب القادمة حرب مصير . عاتكة : لماذا لا تسند أمر قيادة الجند إلى أحد قوا دك ، هل أستفحل أمر مصعب بن الزبير في الكوفة وصار لزاماً عليك أن تخرج لملاقاته ، لماذا لاتبق هنا في دمشق . عبد الملك بن مروان : أنا الخليفة الأموي الذي لا يملك قرار التراجع ، أما خلافتي أو تصير الخلافة إلى آل الزبير بن العوام. عاتكة : هكذا الأمر كما يبدو في غاية الخطورة . عبد الملك بن مروان : هكذا ياعاتكة هي الحرب ، وهكذا أبدا الدفاع عن الوجود . اعذري قسوتي وقراري ، عاتكة : أنت الخليفة والحبيب والزوج والابن والأب والولد والمال وكل الدنيا . عبد الملك بن مروان : أخائفة أنت ..؟ عاتكة : نعم .. لا أريد أن أنكر ذلك ، ليتك تفعل كما .. عبد الملك بن مروان : " مقاطعاً " لا مجال لسماع رأي جديد ، لقد فرضت الحرب عليّ ، عبد الله قد أعلن نفسه خليفة في مكة وسلخ من الدولة الأموية الجزيرة والعراق ، هو وأخوه خنجرين قاسيين يستقران الآن في خاصرة الخلافة . عاتكة : " تتنهد باكية " يا ويل حظك يا عاتكة . عبد الملك بن مروان : وفري دمعك يا زوجتي ، هل تعلمين أن مصعب بن الزبير يعدُ العدًة ويتباهى مع جنوده بأنه سيطرق أبواب دمشق ، ، هل تريدين يا عاتكة أن يكتب التاريخ عن عبد الملك بن مروان أنه ظل جالسا قرب زوجته بينما يقاتل جنده دفاعاً عن خلافته وحماية بوابات دمشق ، قراري يا عاتكة لا تراجع فيه سأحمل سيفي وأخرج لملاقاة الخوارج ولن تكون الحرب نزهة . عاتكة : أخشى عليك يا أميري وسيدي . عبد الملك بن مروان : عليك أن تخشِ على خلافة جدك وأبيك .. وداعا يا عاتكة بنت يزيد . عاتكة : وداعاً يا أميري وسيدي . " يتحرك مغادرا ً المكان تظل عاتكة متسمرة في مكانها تحجب وجهها بكفيها ويسمع صوت بكائها تبدو وحيدة حزينة بينما يتعالى صوت نفير الحرب في الخارج ممزوج بصهيل جياد "
3- دار الخلافة في الكوفة
عائشة زوجة مصعب بن الزبير تنظر من شباك الدار إلى الخارج بينما يقف زوجها مصعب ليرتب لباس الحرب ، ترتد نحوه قلقة مذعورة ، مصعب ينظر إليها وقد أدرك مكمن قلقها الواضح " مصعب بن الزبير : هل أنت خائفة ..؟ عائشة : هي الأقدار يا زوجي .. ولكن .. مصعب بن الزبير : ماذا تريدين أن تقولي ..؟ عائشة : يكفيك أن ترسل الجيش لملاقاتهم بعيداً عن الكوفة ، وتبقى أنت هنا أميراً . مصعب بن الزبير : حتى تصل إلى هنا خيول الأمويين وتأخذني أسيراً .معاذ الله أن أفعل هذا يا عائشة ، إذا كان عبد الملك بن مروان قد خرج على رأس جيشه ، فهل يجلس أبن الزبير على أريكة في قصره ، فيقال ترك مصعبا الحرب وقعد عند عائشة وسكينة ، لا يليق الهروب بالفرسان وطلاب المجد . عائشة : تتنهد بحزن مكتوم " أحس أنها ستكون حربك الأخيرة . مصعب بن الزبير : أنها والله كذلك يا عائشة ، رؤيا سكينة بنت الحسين تقول هذا ، وقد جهز عبد الملك بن مروان جيشا كبيرا يفوق عدد جيشنا ولن تحصل غير مشيئة الله . عائشة : " بهياج وحزن واضح " لن أكون أقل صبرا وشجاعة من سكينة بنت الحسين ، التي قالت لك أذهب فقد أختار القرشيون أن يرموا بأنفسهم على صهوات الخيول ، نعم أذهب مجاهدا فإن عدت ستجدني في انتظارك . مصعب بن الزبير : بارك الله فيك . تعود عائشة لتنظر من ذات النافذة إلى ساحة الحرب ، وبعد فترة وجيزة تلتفت تجد مصعب بن الزبير قد غادر المكان ، يعلو في الخارج نفير الحرب وأصوات غير واضحة تمتزج بتكبيرة الحرب .
4- دار بن سيرين
العالم محمد بن سيرين متكئاً على جدار شبه مهدم وهو ينظر إلى النجوم والكواكب في السماء ، عروة رسول عبدا لله بن الزبير يتابعه غير بعيد عنه ، يتوقف عن الرصد وينظر إليه متسائلاً " أبن سيرين : من الذي رأى هذه الرؤيا ..؟ عروة : " مراوغا " أنا رأيتها .. ابن سيرين : في من ..؟ عروة : في رجل بيني وبينه عداوة . أبن سيرين :" يتأمل الكواكب من جديد " ليس هذه رؤياك .." مبتعداً عنه وعروة يلحق به " عروة : ماذا تريد أن تقول ..؟ أبن سيرين : هذه رؤيا أبن الزبير أو عبد الملك بن مروان ، هي لأحدهما في الآخر . عروة : " مبتعداً عنه ومقترباً من الجدار محدثاً نفسه " ماذا أقول لك يا أبن سيرين ، ليته يعلم أن الأمير هو الذي أراد كتم الحقيقة عنه . أبن سيرين : لن أفسر هذه الرؤيا حتى تصدقني القول .
5- أرض خالية جرداء
عبد الملك بن مروان بالقرب من ساحة المعركة ، يحف به بعض القادة والجنود . عبد الملك بن مروان : " يحدث نفسه منفرداً عن الذين يرافقونه " مصعب بن الزبير تدفعه الرياح ليركب مركباً مهلهلاً يتآمر فيه ضد دولة الخلافة ، ظن أنه أستحكم بعقول أهل العراق وصارت دعوته لمناهضة ملك آل أمية تدور كما الرياح القاسية تدور ،ملأ الأسماع بتلك الأكاذيب التي كان يرددها في خطبة الصلاة ،أراد أن يلحق بدولة الخلافة دماراً كبيراً ، هي الحرب يا مصعب ولن تكون إلا ضارية فلتهلك فيها ويلحق بك عبدا لله لقد أقسمت أن يكون مصرعك مماثلاً لمصرع الحسين ، أفجع موت ، أيسره قطع الرؤوس والأطراف وحرق الأفكار أو الصلب على جذوع النخل " يلتفت نحو القادة " لتكن هذه الأرض ساحة المعركة الفاصلة بيننا وبين جيش مصعب بن الزبير .
6- أرض المعركة من الجهة المقابلة
مصعب بن الزبير : " متفحصا المكان " هذه أرض مسكن وتلك حافات الدجيل والكوفة صارت خلف ظهور قواتنا . الشاعر عبد الله بن قيس الرقيات : سيكتب الرواة عن هذه المعركة الفاصلة التي تدور فوق هذه الأرض . مصعب بن الزبير : " بحسرة وحزن " كلا يا ابن قيس الرقيات ، هذه معركة غير متكافئة نخوضها قسراً ، أنا أرى هؤلاء الناس الذين أشد بهم عضدي هم أقرب إلى الفرار من ساحة الوغى ، أرى معالم غدرهم واضحة لقد غدروا بالحسين بن علي ولن يواجهوا الموت من أجل مصعب بن الزبير وعبد الملك بن مروان يعرف ذلك ، أسمع يابن قيس الرقيات . الشاعر قيس الرقيات : نعم يا أمير ، كيف لي أن أقول ..؟ هي رؤيا شربها دمي قسراً من ذلك الحلم الذي نصب خيمته السوداء في سريري . مصعب بن الزبير : وماذا رأيت فيها ..؟ الشاعر قيس الرقيات : رأيت فيها سيوف رجال عبد الملك بن مروان تقترب من عنقي وتكتم أنفاسي . مصعب بن الزبير : هي النذير الذي أطلقه العقل ، أنطلق حيث شئت فإني مقتول . الشاعر قيس الرقيات : معاذ الله يا أمير ، والله لا أبرح حتى أرى سبيلك في هذه الواقعة .
7 – دار عبد الله بن الزبير
عبد الله يقرأ في كتاب الله ، يدخل عروة ، يتوقف عن القراءة وينظر إليه مستفهماً . عبد الله بن الزبير : عوداً محموداً . عروة : عدت يا أمير بالخبر اليقين لتفسير تلك الرؤيا كما نطق بها أبن سيرين ، بعد أن أصدقته أنك رأيتها في عبد الملك بن مروان . عبد الله بن الزبير : وماذا قال في تلك الرؤيا ..؟ عروة : قال أبن سيرين : أبن سيرين : " تحت حزمة ضوء في جانب من المسرح " قل لصاحبك الأمير عبد الله بن الزبير ، أن عبد الملك يغلبُك على الأرض ، ويليّ هذا الأمر وَلده لظهره أربعةٌ ، بعدد الأوتاد التي سّمرته بها على الأرض ." يختفي أبن سيرين " عبد الله بن الزبير :" مولولاً بحزن " ويحيّ ، ، أية رؤيا تلك التي دارت في بؤبؤ العين والعقل . عروة : أنها الحقيقة يا أمير . عبد الله بن الزبير : أنطلق واجمع لي الأخبار عن أخي مصعب .
8- أرض المعركة
حرائق وعويل وحزن يقطع نياط القلوب كل ذلك توشح به أرض مسكن والدجيل ، عائشة زوجة مصعب بن الزبير عند جثته المقطعة الأوصال والتي تبدو وقد فصل الرأس عن الجسد ، لا حدود لحزنها وانكسارها ولوعتها، تقترب من الجثة بشكل مقدس " عائشة : آه يا مصعب يا أميري الحبيب ، فوق أرض مسكن هويت ، وعند ضفاف الدجيل المحزونة كنت تجود بنفسك من طعنات السيوف الغادرة ، آه يا زهرة شبابي التي أصابها العطب ، تمنيت لو كان لي من العيون عدد ما بك من الجراح والطعن كي أذرف بها الدمع الغزير ، أي حزن يعتصر قلبي ، آه يا مصعب المخضب بنجيع مصرعك . " تنهض من مكانها وكأنها تبحث في الأفق الأسود الحزين عن بارقة أمل ، فترى أعداد من الأسرى يتم تجميعهم وقطع رؤوسهم ، تندفع لتواجه عبد الملك بن مروان " عائشة : أي عبد الملك بن مروان ، أو تزعم أنك خليفة المسلمين وتحكم بما أنزل الله في كتابه العزيز ، ألا يروعك أن يهتز ميزان الأرض لكثرة الدماء التي تراق ظلماً . مروان بن عبد الملك : " محركاً سيفه في وجهها ، عائشة غير مكترثة به " لقد شهدت تلك الحرب كما لو كانت ناراً تزحف من كل الجبهات ، هي نارك التي أمطرت بها ما
يحيط بأرض مسكن والدجيل ، لقد نشرت خيمة الحزن والموت فوق كل الأرض ، لم تجد في انتظارك سوى النساء الثكلى الموشحات بالسواد كما الأشباح ينخر قلوبهن الذعر والخوف ويحيط بهن الموت من كل جانب ، بخٍ بخٍ يا خليفة المسلمين أستحم وتمتع ببركة الدماء الحارة . عبد الملك بن مروان : من أنت أيتها الطالعة من بئر الحزن والفجيعة . عائشة : أمراءه مسلمة مؤمنة أثكلتها وجعلت بقية أيامها تدور في مدار الحزن والموت والفجيعة ." أحد الذين يقفون إلى القرب منه يهمس له بصوت مسموع " الرجل الواقف إلى جواره : هي زوجة الذي تشرف سيفك بقطع رأسه ومداواة حقده وتمرده الشيطاني . " عبد الملك بن مروان يدور حولها متفحصا ً، ثم يقول للرجل " عبد الملك بن مروان : هذه من غنائم الحرب ، أحملها إلى قصري لتكون جارية تلعن ما تبقى من أيامها . " يدفعها الرجل نحو جموع الأسرى بينما هي تقاوم ، لكنها تجد نفسها أخيراً مع الأسرى الذين تبدو عليهم علامات الهزيمة وقد غطت وجوههم الدماء وبعضهم يعاني من الجراح في جسده ، يدفعها الرجل لتقع فوق الأسير عبد الله بن قيس الرقيات ، الذي يسندها ويساعدها على أن تجد مكاناً لها بين جموع الأسرى ، عائشة تنظر إليه وقد عرفته رغم الدماء التي تعلو جبهته من جرح ينزف " عائشة : "بفزع ولهفة " شاعر الأمير ، بن قيس الرقيات ..؟! عبد الله بن قيس الرقيات : أنا هو يا مولاتي ، عظم الله مصابك الجلل . عائشة : الحمد والشكر لله على ما كتب لنا ، والحمد والشكر أنك مازلت حياً . عبد الله بن قيس الرقيات : لا قيمة لحياتي بعد كل الذي استوطن النفس من فجيعة وهزيمة لا حدود لها ، كل أسير منا يحمل صورة موته ، وتدور حوله المنية سوداء مرعبة ، يا زوجة الأمير كلما يجوب بصري الأفق أرى ليس هناك من حدود لفجيعتنا، انظري إلى ذلك الخليفة الأموي المتجبر بالظلم والطغيان ، لا أدري يا مولاتي أية ضفاف يبحث في الوصول إليها. عائشة : نطفة الشيطان لا يريد سوى الموت ونشر الخراب لكي تظل أعمدة الظلم قوية، لقد مضى مصعب إلى حتفه من أجل الحق وغداً يمضي عبد الله وآخرون وهكذا ستكون حالة المواجهة بين الحق والباطل دائماً . عبد الله بن قيس الرقيات : أجل يا مولاتي هذا ما كان يقوله الأمير مصعب بن الزبير . عائشة : هل كنت تلازمه قبل مصرعه ..؟ عبد الله بن قيس الرقيات : نعم .. عائشة : صف لي الحدث الجلل . عبد الله بن قيس الرقيات : رأيته راسخاً في ساحة الوغى كما لوكان نجمة الجدي التي تعودت أن لا تبارح مكانها ، كان ينظر إلى الموت بقلب مطمئن إلى مصيره ، دون وجل أو تردد ، كنت أصرخ في أثره رويدك يا أمير ، فيلتفت نحوي ثم يلكز فرسه ويبتعد ، وأنا أصيح بقوة في أثره رويدك يا أمير أنك تدخل مجرة الموت ، نعم لقد دخل مجرة الموت ، لم يفرّ بل أندفع غاضباً شجاعا باسلاً يشق الصفوف ويتوغل ومجرة الموت تتوسع ، بعد ذلك لا أدري كم من الوقت القصير الطويل قد مرّ حتى انغلقت تلك المجرة المزروعة بالأجساد ، ويح تلك اللحظة القاتلة التي فارقت بيني وبينه لم أرى غير السيوف تعلو وتهبط وتتوغل في دائرة ضيقة هي جسد الأمير مصعب ، عندها صرخت والحزن يقطعني : لقد ابتلعت مجرة الموت أميرنا الشجاع ، أيتها الأقدار ماذا تخبئين لنا بعد هذا اليوم الذي طوى المجد الذي كان . عائشة : أحسنت يا أبن الرقيات كنت شاعراً في حياة الأمير لا يضارعه أي شاعر وكنت راوياً للحظة استشهاده .
9- مسجد مكة
عبد الله بن الزبير فوق المنبر ، يتجمع الناس من حوله ، هو مطرق بحزن كبير ، ينظر إلى الوجوه ، عروة من بين الرجال ينفرد ويقول كمن يحدث نفسه " عروة : هاهي كلمات بن سيرين ترى النور فتمتد منها خيوط المصيبة. رجل يقف بجواره : ماذا يريد أن يقول عبدا لله بن الزبير لأهل مكة .؟ رجل أخر : انظروا إليه الكآبة على وجهه وجبينه يرشح عرقاً . رجل ثالث : " يكلم عروة " ماله لا يتكلم ..؟ رجل رابع :أتراه يهاب المنطق ! فو الله إنه لخطيب .. فما تراه يهاب ..؟ عروة : أراه يا رجال يذكر قتل مصعب سيد العرب ، وهو بفظيع تذكره غير ملوم . عبد الله بن الزبير : أيها الناس ، أنه قد آتانا خبرٌ من العراق ، بلد الغدر والشقاق ، فساءنا وسرنا، أتانا أن مصعباً قُتل – رحمة الله عليه ومغفرته ! " تتصاعد أصوات متداخلة بحزن وأسف شديد " ، فأما الذي أحزننا من ذلك فإن لفراق الحميم لذعة يجدها حميمهُ عند المصيبة، ثم يرعوي من بعدُ ذو الرأي والدين إلى جميل الصبر ، وأما الذي سرّنا منه فإنا قد علمنا أن قتلهُ شهادة له،وأنه عز وجل جاعل ذلك لنا خيرةً إن شاء الله تعالى ، أن أهل العراق أسلموه وباعوه بأقل ثمن ، لقد قُتل أبوه وعمهُ وأخوه وكانوا خيار الصالحين ، أنا والله ما نموت حتف أنوفنا ، ما نموت إلا قتلاً قعصاً بالرماح وتحت ظلال السيوف ، وليس كما يموت بنو مروان ؛ والله ما قتل منهم رجلٌ في جاهلية ولا إسلام قط ، وإنما الدنيا عارية من الملك القهار ، الذي لا يزول سلطانه ولا يبيد ملكه، فإن تقبل الدنيا علىّ لاآخذها أخذ الأشر البطر ، وإن تدبر عني لا أبكي بكاء المهتر ، جيش آخر يقوده الحجاج يقترب من الحمى ويريد بنا وبكم الذل والهوان ، ولقد قلبت الأمر ولم أجد أمامنا سوى القتال والموت من أجل الحق ، ولاحول ولاقوة إلا بالله . 10 – مجلس الخليفة عبد الملك بن مروان
المغني يغني في مجلس الخليفة يرافق غناءه عزف عود ورقص جواري " المغني : ذهب الشباب وليته لم يذهبِ وعلا المفارق وقعُ شيبٍ مُغربِ والغانيات يرُدن غيرك صاحباً ويعدنكَ الهجرانَ بعد تقرّبِ " يتوقف الغناء عند دخول الحاجب والوقوف بين يدي عبد الملك بن مروان " الحاجب : مولاي .. عبد الملك بن مروان : ماذا عندك من أخبار ..؟ الحاجب : هل تعلم من يقف بباب أمير المؤمنين ..؟ عبد الملك بن مروان : من..؟ الحاجب : عبد الله بن قيس الرقيات .. عبد الملك بن مروان : شاعر مصعب بن الزبير ..؟ الحاجب : نعم . عبد الملك بن مروان : " متشفياً بالمصير الذي وصل إليه " جاء إلى بابي .. الآن .. الحاجب : " بشكل إنساني يقلل من حجم العداء بين الخليفة والشاعر " مولاي .. الرجل جاء تائباً مستغفراً ومادحاً لك ، وهو يا مولاي شاعر مبين .. عبد الملك : هلا جاء وقت الحزم الأول ..؟ كان ذلك أولى به بدل أن يذهب إلى مصعب بن الزبير فيمدحه ويعلي أمر الزبيرية ويحرض على قتال أهل الشام . الحاجب :يا أمير المؤمنين أنت أحسن من عفا وأصلح وقبل العذر وضم إليه النادمين ، لقد هلك مصعب وانقضت دولة آل الزبير ومحا لك الحجاج الثقفي أمر عبد الله بن الزبير في مكة ، وصرت وحدك الحاسم المهاب ، فجاءك الآن شعراء مصعب أنفسهم يطلبون رضاك ، وهي يا مولاي فرصة وسياسة . عبد الملك بن مروان : " متأملاً باهتمام " سياسة ..! الحاجب : نعم . عبد الملك بن مروان : كيف ..؟ الحاجب : الآن يقول الناس أجمع .. هذا شاعر مصعب بن الزبير نفسه قد جاء يمدح عبد الملك بن مروان . عبد الملك بن مروان : " مفكراً لحظة " أدخله .. فقد عفوت عنه وليسمعني مدحه .. " الحاجب يتحرك مغادراً المكان ، بينما يظل الخليفة مفكراً ويقول بصوت مسموع للذين من حوله " وأخيراً عبد الله بن قيس الرقيات ، لنسمع شعره ، هي لحظة حاسمة ماذا سيقول بعد أن كان مع عدوي ." يدخل عبد الله بن قيس الرقيات في رفقة الحاجب ملابسه بسيطة تنم عن حالة العوز وفي عينيه بريق انكسار ملحوظ ، يلقي بالتحية على الخليفة بوقار ويقف معتدلاً كما لو كان جبلاً " بن قيس الرقيات : السلام على أمير المؤمنين . عبد الملك بن مروان :" بعد برهة صمت مقصود وببرود تام " وعليك السلام .. .. أعندك ما تقوله أمامنا ..؟
بن قيس الرقيات : " ينشد كما الشعراء الفحول ": عادَ له من كَثيرة الطّرَبْ فعينهُ بالدموع تنسكبْ كوفّيةٌ نازحٌ مَحلّتها لاأمَمٌ دارها ولا صَقَبُ
عبد الملك بن مروان : " متململاً في جلسته " مطلع غزلي جميل .. من كثيرةٌ هذه .. أهي صاحبتك ..؟ بن قيس الرقيات : هي امرأة نزلت بدارها عندما هربت من الأسر فآوتني وأصبحت أذكرها في شعري تقديراً لموقفها معي .. عبد الملك بن مروان : أكمل يابن قيس . بن قيس الرقيات : أن الأغرّ الذي أبوه أبو المعاصي عليه الوقارُ والحجبُ يعتدل التاجُ فوق مفرقهِ على جبين ٍ كأنه الذهبُ عبد الملك بن مروان : " ينبري له غاضباً وصارخاً فيه " ويحك يابن قيس .. ما هذا ..؟ بن قيس الرقيات : عجباً .. هل أخطأت في شيء ..!!؟ عبد الملك بن مروان : " بذات الغضب " تمدحني بالتاج كأني من العجم ،، وتقول في مصعب بن الزبير : إنما مُصعبٌ شَهابٌ من الله تجلت عن وجههِ الظلماءُ ملكهُ مُلك عزةٍ ليس فيهِ جبروت منه ولاكبرياءُ بن قيس الرقيات : مولاي .." كمن يريد أن يقول شيئاً لكن الخليفة لا يمنحه الفرصة " عبد الملك بن مروان : " حازماً "أما الأمان فقد سبق لك ولكن لا تأخذ مع المسلمين عطاءً أبداً ..يا أهل الشام أتعرفون هذا ..؟ أنه عبد الله بن قيس الرقيات . " أحدهم ينشد بغضب واضح ": أليس هو الذي يقول :
كيف نومي على الفراش ولما تشمل الشام غارة شعواءُ تذهل الشيخ عن بنيهِ وتُبدي عن خِدام العقيلة العذراءُ
" استلال سيوف والغضب على أشده لدى رجال الخليفة ، بن قيس الرقيات مذعوراً، يصرخ من حوله كالمحموم أو الذي يكاد يقطع رأسه " بن قيس الرقيات : هي الرؤيا .. هو الموت قادم .. أنا في حماك أيها الخليفة .. رجل 1 : " مندفعا نحو بن قيس الرقيات " اسقنا دم هذا المنافق .. رجل 2 : دعنا نقتله .. رجل 3: " مقترباً من بن قيس الرقيات وقابضاً على رأسه والسيف في يده " نقتله ونقطع دابر الفتنة . " يحيط به رجال الخليفة الغاضبون " " ظلام تام تسبقه صرخة قوية مدوية من قيس بن الرقيات يعلو فوقها صوت ضحكة مجلجلة للخليفة...
.. ستار النهاية ..
|