|
ذكرياتي عن الأديب عبد الغني الخليلي
|
|
|
ثائر صالح - بودابست
رحل الأديب الشاعر عبد الغني الخليلي (1920-2002) في 7 تشرين الثاني 2002، دون أن يدرك تحقق حلمه في رؤية نهاية حكم الطاغية الذي سقط بعد أن تسبب في دمار هائل للعراق وأغرق شعبه ودول الجوار في بحار من الدم وبدد ثروته. وكانت مأساة التهجير الذي طال عشرات الآلاف من أبناء شعبنا واحدة من جرائم النظام الساقط، والتي كان الخليلي أحد ضحاياها. فقد رماه المجرمون على حدود إيران مع امه الطاعنة في السن، فلم تحتمل هذه السيدة في تسعينياتها المأساة فتوفيت هناك. وقد وصف الخليلي رحلة العذاب هذه في نثر بديع رقيق نشرت فصوله الصحف والمجلات في الخارج. عاش الخليلي في ستوكهولم بعد أن وصلها من إيران يملؤه الألم والحسرة على مفارقة وطنه وأحبابه، لكنه لم يفقد الأمل في العودة الى داره للحظة واحدة حتى بعد تفاقم مرضه الطويل الذي أنهكه. حرر الخليلي من منفاه في السويد مجلة نادي 14 تموز الديمقراطي، التي كتب فيها الكثير من ادباء وشعراء وكتاب المهجر في السويد وغيرها، وكان يكتب فيها بين الحين والحين، ونشط في الكتابة الى الصحف والمجلات العراقية المعارضة والعربية وجمع بعضاً من كتاباته الجميلة المؤثرة في كتابين، صدر أحدهما عن دار المنفى في السويد، والآخر عن دار المدى في دمشق، بعنوان ”سلاماً .. يا غريب“. تعرفت الى الخليلي في العام 1971 وكنت وقتها زميلاً لابنه فارس، وأمضيت سنوات طويلة أتردد على بيت الخليلي الأليف الجميل الواقع في كرادة مريم خلف قاعة الخلد، الدار التي لم تخلو يوماً من جلسات الادباء والشعراء والفنانين والمثقفين العراقيين والعرب وحتى الأجانب، من كل الأديان والطوائف والمذاهب والأعراق والاتجاهات السياسية، يجمعهم بأبي فارس الحس الانساني واحترام الرأي. كان حديثه ممتعاً عذباً، تعلمت منه الأسماء المهمة في عالم الأدب والثقافة والتقيت بعضهم عنده. كان يحدثنا عن الجواهري الذي رافقه ردحاً من الزمن، وشولوخوف وتولستوي، وحمل معه كتاب مذكرات نيرودا حتى تهرأ، وسمعت منه عن المشروطة ومدرسة الخليلي في النجف والشهيد حسين مروة الذي تحول من شيخ درس في مدرسة الخليلي إلى منار في الفلسفة العربية الاسلامية، وحكى لي عن كدح الفلاحات عاملات المطاحن على الفرات، ورحلاته فيه، وأعجبني عشقه للنخلة والفرات وهديل الحمام وصياح الديكة وقت صلاة الفجر. لكن رحلتي لزيارة هذه الدار الكريمة غداة منتصف السبعينيات، بعد أن بدأ النظام المنهار يستحوذ على دور المنطقة الواقعة خلف قاعة الخلد، باتت محفوفة بالمخاطر. أذكر مرة أنني جريت بعد خروجي من بيت الخليلي لبضعة أمتار كي ألحق بالحافلة (رقم 15 التي كانت تمر بالقرب من مسبح بغداد الذي ابتلعه القصر منذ زمن بعيد)، فتبعني رجال الأمن في سيارة فولكسفاكن وأنا في الحافلة، وأوقفوني عند نزولي منها في الحارثية لتبدأ حفلة السين والجيم المعتادة. تحضرني هنا حكاية الشاعر فوزي كريم الذي سكن في نفس المنطقة عن لقائه السريالي الغريب بصدام حسين وهو يتريض وقد أحاطت به حاشيته في 1976 على ما أعتقد، وتهديد حماية صدام للشاعر بالويل إن هو تلفت أو تحرك. بعد مغادرتي العراق زارني الخليلي في بودابست ربيع 1980 وأمضينا سوية وقتاً جميلاً. كانت حملة التهجير قد ابتدأت فكانت سفرته إلى المجر نوعاً من انتظار ما ستسفر عنه الأمور. وهنا تعلق قلبه بمطعم متواضع هادئ يقع على سفح تل من تلال بودا، لم ينسه وظل يذكره حتى مماته. لكن الشاعر لم يحتمل فراق وطنه وبيته ومكتبته، فعاد الى العراق رغم معرفته بما يبيته له النظام الفاشي، وبعد مرور أشهر قليلة على عودته ارتكب النظام جريمته بحقه وحق أهله، فرماه على الحدود الإيرانية. واليوم وقد تخلص العراق من طاغية امتص دمه ردحاً من الزمن، آن الأوان لتذكر الخليلي، والتذكير بهذه الشخصية الوطنية وأدبها وفضلها ونضالها الطويل. وليعذرني استاذي الخليلي إن قمت بنشر بعض المقاطع من رسائله الرقيقة البديعة التي أرسلها لي خلال عقدين، وهي قطع نثرية رائعة، عباراتها متينة البناء أنيقة وكلماتها مختارة بعناية فائقة. وقد اخترتها رغم بعض خصوصيتها لأنها مرآة لروح الأديب عبد الغني الخليلي وخير تعبير عن حسه الإنساني الراقي. وفوق ذلك فهي مليئة بعاطفة وحنين للوطن الذي ارغم على مغادرته. أرفقها كذلك بقصيدة ارتجلها في دقائق عند لقائه بالشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي في بودابست، وهي تنشر لأول مرة.
مقاطع من رسائل الخليلي
ستوكهولم
10/1/1991
لا تنس ياعزيزي أسألك؟ هل تمر بتلك
الخمارة المستريحة على صخرة معشوشبة من صخور بودا.. إذكرني إذا صادف أن
مررت بها مع عروستك البغدادية العراقية .. لا تنسَ أني من عشاق المكان
وإني شديد الالفة له .. أرجوك من أجلي زر هذه الحانة واشرب دم الثور
الهنغاري.
عبد الغني الخليلي: ترنيمة الى الطفل تميم مريد البرغوثي.. الشاعر الثائر
تميمُ لو يحملُني إليكَ طيـرُ النــورسِ
ولا أهابُ حاكماً يزهو بثوب الدنــسِ
فقِفْ على البابِ قُبيـل دقِّ الجــرسِ
يحملُ من حيفا عبيرَ زعتــرٍ ونرجسِ
يُطلعُ لي وجه غدٍ حلواً بثـغرٍ مؤنـسِ
بودابست 16/6/1980
|