|
راشد عيسى
سرعان ما تخلى رعد خلف عن مشروعه في <<أوركسترا زرياب>>
(قدمنا لها في حوار معه في <<السفير الثقافي>> بتاريخ 29 تموز 2005)،
والذي بدأ يكرس فيه أسلوباً خاصاً في البحث الموسيقي والمسرحي، يعود
عبره إلى الحضارات القديمة، بما يعنيه ذلك من عناء مضاعف ومكلف.
أخيراً، وعلى نحو مفاجئ، قدم خلف مشروعاً مختلفاً في إطار <<زرياب>>،
قفز فيه إلى المستقبل (لا يريد مبدعونا أن يطمئنوا إلى أن للمستقبل
مبدعيه)، حين اختار هذا العنوان: <<آخر حكاية: من ليالي شهريار عام
2057>>. لا أحد هنا ولا حتى مشتغلو العرض بإمكانه أن يحزر ماذا يعني
هذا التاريخ، وماذا تعني ال<<آخر حكاية>>، وما علاقة ذلك بحكاية العرض.
تقول الحكاية إن طاغية، تاجر أسلاك شائكة (يا لضحالة الترميز!)، يحلّ،
بشكل مفاجئ، على قرية وادعة وجميلة، كي يستجم ويتعافى من كآبة مزمنة،
وحينما تعقد القرية كرنفالها لاختيار صوت يسليه، في ما يسميه العرض عيد
المواعيد، يصل الغناء إلى مسامعه ولكن من غير أن يبدد كآبته. لكن
شهريار، وهذا هو اسمه، يطلب من شهرزاد، التي استمع إليها تغني لحبيبها،
أن تغني من أجله أيضاً، وحين ترفض يأمر الطاغية رجاله بخطفها ليرغمها
على الغناء. تظل الصبية على رفضها، وتعود إلى ساحة الضيعة لتكمل الغناء
هناك.
لا الحكاية هنا تليق، ولا علاقة للأمر بشهريار وشهرزاد كما نعرفهما في
<<ألف ليلة وليلة>>، كما لا نعلم سبباً للتقافز عبر الزمن. صحيح أن
للحكاية خصوصيتها في هكذا نوع من العروض، حيث يحدد المعجم المسرحي أن
<<للحكاية خصوصيتها في هذا النوع، فهي غالباً بسيطة تأخذ شكل حبكة
مشوقة>>، ولكن لم يقل المعجم إنه ينبغي أن تكون الحكاية سطحية وساذجة
إلى هذا الحد. نفهم أيضاً أن لا أحد في محيطنا العربي يمكن أن يقدم
ميوزيكال، أو عرضاً غنائياً، من دون أن يتأثر بالرحابنة، لكنْ، حتى
التأثر والتضمين هذان يمكنهما أن يكونا أصيلين أيضاً. وهنا فإن خلف،
راح يقلد بصورة هازلة، كما لو أنه يتقصد السخرية من الرحابنة: الضيعة
وساحتها، وعيد المواعيد، والتقديم الذي ينبغي أن يصاغ شعراً ويلقى على
مسامعنا بأسلوب شعري وصوت جهوري، وبالطبع دائماً مع فارق أساسي؛ أن ما
كتبتْه جمانة نعمان (وهذا الاسم يحيّر كثيراً من المثقفين السوريين إلى
حد يتخيلونه منتحلاً، حيث لم يسبق لهم أن سمعوا به في مكان آخر، فقط
عبر أعمال رعد خلف) نص مفكك، إنشائي، بحوار جدّ سطحي، ويمكن القول إنه
اعتباطي أيضاً.
ما يعلق في الرأس
بإمكان رعد خلف أن يجيب، كما يجيب الجميع في هذه الحالات، بأنه لا
ينبغي محاكمة عمل غنائي <<ميوزيكال>> بمعايير الدراما والمسرح، وهذا
صحيح بالطبع، ولكن أليست الحكاية هي العنصر الأساس والحامل الذي ينبغي
أن تتأسس عليه بقية العناصر؟ يريد خلف أن يقول إنه ينبغي العودة إلى
مختصين موسيقيين لتقييم عرض موسيقي كهذا، ولا نحسب أن الرجل، حينما
يقول ذلك، جاد في تلك الدعوة، فهو يعرف جيداً أن لا نقاد للموسيقى في
بلدنا، ثم من يجرؤ على نقد هذا التحالف الضخم والهائل الذي يقف وراء
عرض <<آخر حكاية>> ويرعاه؟ ونعني به: واحدة من شركتي الخلوي التي تأخذ
بيد الكثير من جيوب السوريين، لترده إليهم كنوع من فتات الثقافة باليد
الأخرى، ودار الأوبرا الوليدة حديثاً والتي تبدو كأنها تعهدت تقديم
الرديء، وكلتاهما تتحالف في النهاية مع هذا الجسد الهائل للفن الهابط
مسنوداً بقوة الإعلام الفاسد. الموسيقيون الذين أحالنا عليهم خلف قالوا
هامسين إنه عرض ولا أسوأ، وأشاروا إلينا بقاعدة ذهبية تنجينا من حجة
الاختصاص تلك <<هل علق برؤوسكم لحن؟ أغنية؟>>، قلنا بلى؛ لقد علق مقطع
من أغنية لصباح فخري، وبصوته، حُشر في العمل حشراً، وبدا مجاملة للفنان
الكبير، ولكنه كان فضّاحاً بشكل لا يصدَّق، جعل الناس يصفقون طويلاً
لصوته، لم نستطع تفسير الأمر إلا على هذا النحو: كم كان الناس يعانون
مما حول صوت صباح من ضجيج لا يحتمل. مع أننا لا نشك بموهبة المغنين
الذين قدموا العرض. ولكن إذا أردنا أن نتحدث عن شروط <<الميوزيكال>>
فعلينا أيضاً أن نذكّر، حسب المعجم المسرحي أيضاً، بأهمية الجانب
المشهدي، وما يعنيه ذلك من تدريب المغنين على الحركة والتمثيل، غير أن
العرض استعار راقصين طلاباً لتقديم بعض اللوحات بشكل يملأ فراغ اللوحة
التي يتوزعها المغنون. لكن ما يعلق في الرأس ذلك التناغم الجميل بين
الديكور (صممه حسن سليمان) والإضاءة (ماهر هربش)، ويمكن القول حقاً إن
شيئاً من البهجة أضفاها ذلك التناغم على العرض. الديكور بسيط وموح من
دون أي ثقل، اعتمد على خطوط بسيطة معبرة، مفسحاً المكان واسعاً لحركة
الراقصين والمغنين، وهو قد استفاد كثيراً من الإضاءة في رسم الديكور.
يذكرّنا رعد خلف، وهو الفنان العراقي، السوري الإقامة، بما تردده
الأجيال الشابة القادمة حديثاً من العراق إلى دمشق، يقولون لنا من هم
أولئك عراقيو دمشق الذين تتحدثون عنهم؟ إننا لا نكترث لهم في العراق،
ولا نحفل بالأسماء التي تأتون على ذكرها هنا، مثل جواد الأسدي، وباسم
قهار، أو رعد خلف، وغيرهم. إنهم صنيعة سوريّة، يقولون. ونقول أكثر:
إنهم صنيعة سوريّة رسمية، راجعوا ملفات المسرح القومي والمسرح العسكري، وسواهما.
(دمشق)
|