|
في الطريق الى غابة النخيل
|
|
|
جبار ياسين *
في الطريق الى غابة النخيل كانت النجوم تتهاوى على الرمل كغزلان مذعورة أما م فخاخ الصيد . البحر بعيد جدا ، في الطرف الآخر من المجرة كما القمر الذي أكله حوت على غفلة منا . لا تبتهجوا بسعادة غير كاملة فبدايات القصص دائما جميلة بينما الأحزان تتخفى بين طيات الفصول كأن نقول"كانت فارسة ممشوقة القوام تتنزه ممتطية صهوة جواد في غابة بولونيا"**
لكن النهايات حزينة دائما فالموت خاتمة لكل القصص حتى تلك التي لم نكتبها بعد .
هذه بلاد انهار ومدن من الطين لا يصلح المشي فيها في الظهيرات القاتلة فالغبار سيد الموقف والشمس كافرة وملحدة بالبشر لا أمل هنا الا بسقيفة مثل سقيفة يونس وشجرة خروع مسحورة تنبت مع الشروق وتبلغ مداها القصي في انتصاف النهار عسى ان تمر سفينة فتنقد من شعاع الشمس نبي يصرخ بالنوتية المنهوكين على الساحل وبالبحارة المخمورين بعرق هبهب : ان ارموني في البحر هذه العاصفة الهوجا ءتهب عليكم بأثمي انا الغريب على شريعة النهر الذي تصورته بحرا متخيلا سفاسفي حكما وجوعي صوما وعنتي صوفية مطلقة . انا الغريب في مشرق الشمس ابحث عن العين الحمأة عن جوج وماجوج في خرائب نينوى المنهوبة لكن لااثر لحجر كريم لا اثر لعبارة قيلت بعد محنة لا اثر لضرع حلوب لا اثر هنا غير رائحة عظام الموتى و ظلال الغائبين ترسمها الشمس كما يرسم الاطفال المنغوليون رسومهم .
في الطريق الى غابة النخيل خوذ من حديد مصفح تشبه سلاحف طائرة عربات همفي مزركشة وديناصورات معدنية تشخر و جذوع نخيل محترقة تخفي مجنزرات معطوبة وقطعان ماعز لامرايا هناك غير صدف الرمل الخائفة من العاصفة غير قصب تائه في صيهود ضفاف الانهار حيث لصوص يتلثمون قبل ان ينقضوا على عربة عائدين غير رمادي يخيف المسافرين وفلوجة تسرح على اطرافها الكلاب الضالة للصحراء احكامها الازلية التي لم تغيرها كتب الله كما للفجيعة سيرورتها وللطيور اعشاشها التي لم تغير طريقة غزلها الحضارات النخل مورف الظلال في صور الرسامين المحليين لكنه اليوم بلا سعف والعدادات لايغيرن في البكائيات غير اسماء القتلى فالمتون هي ذاتها والصدور اللاطمة هي لعراقيات يشبهن جذوع نخيل محروقة لااحد يذكر جنة الله فلم يعد احد ، بعد ، من هناك ليصفها في قصيدة. ................................ على ارض الشمس دم يسيح على الجدران المتآكلة على مشبكات المجاري على حديد السيارات الصدئ على اوراق ورد الجوري على مكنسة من جريد النخل على لافتة سوداء تعلن وفاة سيدة و دعوة لمأتم في حسينية و وجوه العابرين صدفة في طريقهم الى جحيم آخر الناجين من المذبحة يروون الصدف التي غيرت طريق الذهاب او الاياب حيث يتخفى ملاك طيب هو الآخر سيموت غرقا جارفا معه ذكرى الجسر الذي تهاوى بعابريه اين الغمامة التى انقذت الرسل من لفح الشمس اين خروعة يونس ؟ اين ناقة صالح لتمضي بنا بعيدا عن المذبحة ؟ هل ترانا سنمكث خلف نجمة العنكبوت دهرا آخر ؟
في الطريق الى غابة النخيل اوقفني جندي محتل وراح يبحث في عيني عن احزان بعيدة كانت جواز سفري عند حدود مشرعة للجميع تلال من الحصى كانت هناك حيث سربا من اللقالق المهاجرة في " بكنك " ابيض وكنت مثل تلك المرأة المفتوحة العينين في لوحة مانيه بليدا في عري غير مسبوق احدق في الكثبان وشاحنات الذهب الاسود التي تعبر الحدود والفارـ ويست الذي انبثق من الطريق لم ار غير قافلات الدفع الرباعي التي يقودها البدو فأنكفئت الى صورة الهيذبى والخيزلى والنجاة البجاوية وانا اردد بلغة فصحى : اين ارض العراق ؟ لم يجبني احد حينها بـ " ها " فأنحنيت على اصابع يدي وبكيت مستنجدا بالهواء اللافح للظهيرة وبيد فرنسي مرتبك من مشهد مدينة بائرة في جمهورية عقوق اين نسوان الحي ليزغردن لهذه الاعراس الدموية ؟ هل لسيدة الوركاء حرمة بين هذا الدخان ؟ اين عيونها التي كانت من كحل خالص؟ غير هدير السيارات لم يأت من جواب وفي الليل مرت الاباتشي ليبتهج الاطفال بالحرية التي لم يفهمها الكبار صفق ، صفق يا ايمن ويا يسار ايها الطفلان صفقا للصحون الطائرة فالمريخ هو الارض التي ولدتم عليها .
في الطريق الى غابة النخيل انكسر الضوء في البرك الاسنة في الف حي من الاحياء الفقيرة وفي احلام الف الف من العائدين يا اورنمو ، خرسباد ، فارة ، النواويس يامدنا تنام في الكتب وكنوزها في الخزانات المنهوبة : في الهواء الطلق تبخرالتاريخ مابقي منه هو التوابيت التي تتنقل ين الغري والمحاويل وعين الصخر وعين زالة وعين نوح وحلبجة والدجيل وغماس والكلبدون و الرزازة ومئات الاسماء التي جعلت العراق اشبه بقنفذ جريح على قارعة طريق وليس الطريق لبغداد غير نهر من الذكريات فالمربديون واشباههم مازالوا يرفعون رؤسنا على اسنة الرماح ولا اخيل بيننا ليغضب وتغضب معه جحافل المرميديون امام اسوار المدينة المحاصرة ليكتب الاعمى بيننا عشرة آلاف ارجوزة للغضب مازال العرابيد يحتفلون بمولد زرقاء اليمامة وينصتون لرفة اجفان عينيها كما ينصت الهنود الحمر لرنين عظام اسلافهم سوى ان الهنود يعشقون الشجر وخرير ماء النهر مازال الطريق محض ذكريات بعيدة مازال اهل السواد في حزنهم مازلنا نصفق اليدين آسفين مازلنا نخنق عبرة ، صامتين امام ايقونة طريق الآلام سلام ، سلام ، سلام بهدوء جناحي ملاك على غابة النخيل .
* كاتب عراقي يعيش في فرنسا ** رواية الطاعون . البير كامي
اللوحة للتشكيلي العراقي العالمي صادق طعمة
|