بنية الكتابة   

اقتفاء الأثر لمستويات السرد في  الرواية العراقيــة 

 

نصوص عراقية

 

 

العدد 25 -- تشرين الثاني  2005

 

تصدر عن موقع الكاتب العراقي

 تحت اشراف القاص  سلام إبراهيم

يرجى ارسال المواد الى

salam54@maktoob.com

 

شروط النشر: لم يسبق نشر المادة في المواقع الألكترونية ويجب الالتزام بعدم نشرها على النت الا بعد نفاد مفعول العدد (شهر واحد).

يجب أن تكون المادة مكتوبة ببرنامج الوورد ومصححة لغويآ ومرفقة كملف


الأفتتاحية

 الرواية العراقية المعاصرة والتاريخ:  سلام أبراهيم

مقالات ودراسات

 شعراء الحجاج:  د. عدنان الظاهر
 
الشعور القومي لدي هالة الفيصل ـالتعري العربي جهارا : قاسم علوان
 الدين والماركسية ـ القسم الأول
و الثاني محمد حنفي
العلمانية في عراق اليوم شاكر الأنباري
 نساء النبي:  عماد فؤاد
رسالة إلى امرأة شرقية الهوية ـ الذكورية إلى أين؟:  شادية عارف العارف
 لا محروقات لأجساد الأدب المثلي في الغرب سليفانا الخوري

الشعر

 في الطريق إلى الغابة:  جبار ياسين
 
حين! أمشي تساقط جراحي:  سهيل نجم
زرقاء اليمامة بين يدي المعري:  عبد اللطيف حرز
 صورة:  أحمد الكعبي
بقايا الأحتفال في منزلي الصغير : آزاد أسكندر
 الطائر الذي لم يكلمني:  إبراهيم قهوجي
 قصيدة أنكليزية مترجمة:  ترجمة آزاد أسكندر

 من الشعر النمساوي الحديث ترجمة:  بدل رفو المزوري

 القصة

 أرق ونحيب:  صبيحة شبر
حظر تجوال:  حسن الفرطوسي
المراهقة والساحر:  فؤاد ميرزا
وهم الخريف:  أعتقال الطائي
 أحقاد ! هوارد غوردن. ترجمة: رافع الصفار
 العجوز المشينة:  برتولد برشت. ترجمة: حسين الموزاني
 أبي عن المجرية ترجمة: أعتقال الطائي
 وجهك المأمول حجتي:  سلام إبراهيم

مسرح

 الراقص:  صلاح حسن
 
رؤيا:  د. شاكر الحاج مخلف

من المسرح الكوردي المعاصر:  زياد عبد المزوري
 من التراب إلى التراب (من مسرحياته الأخيرة ) ترجمة: بول شاؤول
مسرحيتان قصيرتان ترجمة: جهاد الترك
التجريب وتقاليد الكتابة المسرحية جوليوا سيزار ترجمة : سمية مظلوم
آخر حكاية للمسرحي العراقي رعد خلف:  راشد عيسى

سينما

السقوط أول فلم ألماني عن هتلر : ريما المسمار

مقالات في الثقافة والأدب العراقي

مقال في الرواية العراقية علي لفتة سعيد
كيف يحيا الكاتب في هذا الجو القاتم:  شاكر الأنباري
الدكتاتور يروي سيرته:  سلام عبود

الرواية

مواسم الأ صطرلاب ـ القسم الثاني:  علي لفتة سعيد
 رؤيا الغائب ـ النص الثاني (في متاهة الأعماق السحيقة):  سلام إبراهيم


متابعات

 العراق في القلب:  لعلي قاسم عبد الرحيم العلام
 بلاد تتوارى لعلي عبد الأمير محمد شمس الدين
حارس المهدي المنتظر:  لحسين الموزاني وضاح يوسف الحلو

توثيق

الجادرجي والسيرة المحمدية:  قاسم علوان

ذكريات ويوميات

ذكريات و يوميات: توفيق التونجي

 مات بحسرة حفنة تراب من النجف: اعتقال الطائي

رسائل

رسائل الخليلي:  ثائر صالح

مقالات قصيرة!

 ثلاث مقالات:  كاظم الحجاج

أدب شعبي

 قصيدة غير  منشورة:  لطارق ياسين

كتاب الشهر

رؤيا الغائب:  راسم المدهون
 


البرمجة الالكترونية الشاعر آزاد اسكندر

عودة الى موقع الكاتب العراقي



 

 

علي لفته سعيد *
 


تعرّف الرواية كما أصّلها جيريمي هوثورن في كتابه/مدخل لدراسة الرواية/على أنها (فن خيالي نثري أو حكاية ذات طول معين تصور فيها شخصيات وأفعال تمثل الحياة الحقيقية للماضي أو الحاضر على شكل حبكة ذات تعقيد ما)"1" تبدو الرواية تبعا لهذا على أن مكوناتها التدوينية خاضعة لعناصر السرد ومستوياته لأنها الكاشفة عن الموضوعة وبالتالي عن القصدية0 فما من عمل  يعتمد على الكتابة من دون قصد له أبعاد فلسفية يستخلصها القارئ بالنتيجة0 فالحصول على(المغزى) القصدي وتملك مفاتيح النص تتطلب من الكاتب تهيئة تلك المفاتيح إلى القارئ لانْ يفتح الأبواب ومتابعة حر! كة الإنتاج واستلام الشفرات(لان الرواية سرد، أي إنها بعبارة أخرى تُحكى أكثر مما تُمثل)"2 " كما يقول الناقد ذاته0
لكنها من جانب آخر شأنها شأن أي إبداع آخر خاضعة إلى التطورات الحاصلة في التقنيات السردية مما جعل ثبات هذا التعريف يتعرض إلى زعزعة في الشكل رغم ثباته كمرتكز لابد من المحافظة عليه0 فالتطورات التي  طرأت تجاوزت قوانين السرد( المثالي) لتكون  قوانين جديدة تترك آثارها بعد حين0 ما دام التطور يصاحب دائما الصعوبات التي تواجه الانسان0 والكاتب الروائي واحد من الحاملين لهموم ذاته والمحيط0 فتكون إنتاجيته الجديدة خاضعة لمبدأ التنافر أو التلاحم بين الذات/الداخل والآخر/ الخارج0
إن التطور الحاصل في عالم الرواية يكون داخل البنى السردية، كتهشيم العلائق المتوارثة، تجاوز أساليب السرد( المثالي ) ، التعاقب الزمني وتداخله، وغيرها حسب انصهار الذات المبدعة أو تنافرها مع العصر/ الزمن الذي يواكب عملية التدوين0 فالروائي يمتلك وعيا متأثراً بالمحيط، باعتباره كأديب يتعامل مع( الخيال) حتى في حالة اندماجه مع الواقع فهو أي الروائي جامع لكل الإبداعات الأخرى من فنون مختلفة وحتى علوم متفرقة00 فيقوم بإظهار المقدرة المتخيلة الخارجة من رحم اللاوعي الإبداعي من اجل ال! وصول إلى تصوير الواقع أو تفسيره وفق رؤيته الخاصة0 فالروائي وسائله القوية والتي يطمح من خلالها إن يكون في  نقطة متوازية أو متقابلة لرؤية القارئ ليكون مؤثرا وفاعلا في العقل الجمعي00 داخلا  من بوابة العاطفة الى  فضاء العقل الباحث عن نقطة وهمية يريدها أن تكون حقيقية حين يجد النص قد توصل إلى ضرب تلك المنطقة المندسة في عقله الباطن0 فيقترب القارئ منه ويتفاعل معه حين الحصول على فهم العمل واستخلاص القصدية ليرتفع بمكانته0 لان الرواية ( لا تقتصر على كونها مرآة   تعكس ذوق الجمهور ، بل هي تخلق هذا الذوق)"3 "   
من هنا تأتي أهمية البناء الداخلي/ الهندسة الكتابية/ لأنه حلقة الوصل بين التقبل والرفض إذ إن الرواية ما عادت طريقا للتشويق أو التسلية بقدر ماهية استحصال اكبر كمية منتجة من فلسفة متخيلة ضاربة في جذور الواقعية0 والبناء الجيد هو الطريق الموصل إلى الهدف ، المعتمد على الأنساق المؤلفة لوحدات السرد0 فان مقدرة الروائي تثبت إضافة لاختيار الموضوعة/ الفكرة/ الحبكة / الشخصيات /الزمان / المكان/الصور المتلاحقة برمزيتها أو واقعيتها البحتة/ الحوار/00 وهذه كلها تثبت من خلال كيفية إدارة كل ه! ذه العناصر الداخلة في الانتاجية00 أي منهجة التدوين لإنتاج الرواية بشكل ها النهائي 00 باعتبار إن العمل الأدبي هو أيضا عمل إنتاجي ( رغم فرديته وفرادته)0 لذلك فان البنية الكتابية هي

 ( المصنع ) الذي تدخل فيه كل أدوات الإنتاج الاولية0  وأية خلخلة في منهجة العمل ستكون ( الصناعة) مخلخلة أيضا وغير مرغوب فيها من قبل المستهلك / القاريء .


     مفهوم بنية الكتابة


    إن البنية الكتابية ليست مصطلحا علميا بل هي اجتراح لرؤية خاصة أخذت جانبين،هما الجانب التحليلي للنسق المنتج للنص،وكذلك الجانب الساكولوجي الذي اثر في انتهاج ذلك النسق 0ونعني ببنية الكتابة أنها عملية تنظيم العمل وفق أنساق سردية، تشير إلى نمطه ، ومن  ثم إطلاق التسمية عليه، على أنها رواية  تنتمي إلى إحدى المسميات المعروفة0 ومن خلال ربط الأجزاء أو المستويات السردية المكونة للعمل يكون الإنتاج قد برز بشكل ناضج،  قابل لقطاف القاريء0
    إن ما نقصده بالبنية الكتابية وفق ما ذكرناه 00هي متابعة اثر ما يتركه المبدع في عملية ترحاله التدويني لفعل الكتابة الذي أنجزه الكاتب وقدمه إلينا باعتباره منجزا ابداعيا00واستخلاص الأدوات بعد تفكيك مستوياته السردية من اجل الوصول إلى فهم العملية الإنتاجية / ط! ريقة الكتابة  التي سار  عليها الكاتب ، بعيدا عن المدلولات الفكرية (الموضوعة) المستخلصة مما تطرحه الأفكار من حيثيات العمل(الحكائية ) أو لنقل بعيدا عما جاء في الرواية من ( قصة) أدت إلى ترابط المستويات لان الفكرة متروكة إلى القارئ في تقبل واقعيتها ورفض خيالها أو العكس0 بمعنى إن البنية الكتابية هي مراقبة الأنساق التدوينية والمواد الأولية كمستويات داخلة في إنتاجية الكتابة وبالتالي رسم حدود الاشتغال وفك ارتباطاته المعلنة ، داخلين إلى بنيانه عبر الدلالات والمدلولات لاستخراج العلائق السردية التي انطلق منها المبدع في كتابته0
وقد توصلنا في قراءاتنا المتعددة للنتاج العام 00 إن المستويات السردية المستخلصة في البنية الكتابية بعد كانت كالآتي:
1-    مستوى تصويري
2-    مستوى إخباري
3-    مستوى تحليلي
4-    مستوى  قصدي
5-    مستوى تأويلي
6-    مستوى فلسفي 

      
إن هذه التسميات التي ارتأينا إطلاقها على المستويات السردية واضحة لا تحتاج إلى تعليق أو شرح لتفهمها0 وأردناها عملية وصل بين وجودها في كتابتنا وقربها من فهم المتلقي السريع لها وان درجة الاختل! اف والتفاوت بين النتاجات لهذه المستويات تأتي حسب مقدرة الكاتب والشكل ا لمناسب لنتاجه وكذلك قدرة الملفوظات على استمالة المستوى المنتخب لان يكون متواجدا حسب تسلسله كلا أو جزءا من هذه المستويات0


  حدود التطبيق


      أردنا من هذه المقدمة التي تبدو إنها معنية  بكل النتاج الإبداعي  لكننا سنحصرها كمجال تطبيقي على بعض الروايات العراقية التي تجمعها عدة عوامل متزامنة ومشتركة مما يوفر لنا وقتا بعدم الخوض في شرح تفاصيل  ثيمها0 ومن هذه العوامل00 إنها اتخذت من المكان لمعلوم نقطة انطلاق 0 ومن الزمن/ زمن الحروب وما تفرزه من متناقضات/ كفضاء0 والموضوعة00 هو ما أحدثته هذه الحروب في بنية المجتمع العراقي ، على الرغم من اختلاف  طريقة التناول ، وكما قلنا فهذا تابع لرؤية الكاتب الخاصة00 ففي  بعض هذه الروايات التي أنتجت وحداتها وفق عناصر فنية خاصة مخالفة فيها طرق السرد التقليدي لاعتمادها على  الكل المتخيل والمقارن المركب للوصول إلى القصدية0 وبعضها أنتجت وحداتها اعتمادا على الموضوعة الواقعية تماما فلم تخالف الشكل الروائي المتوارث إلا في بعض التفاصيل على أن الموضوعة ذاتها من جانب آخر هي التي أخرجت الشكل الروائي بين غلافين وما نعنيه بالموضوعة هو إن الروائي ا! ستلهم وحداته ( المتخيلة) من ارض الواقع وليس بعيدا عنه كمكان دال على  رقعة جغرافية محددة في الخارطة ،وعلى  هذا المكان امتدت خيوط الأحداث بأزمانها حتى تلك الخارجة قليلا لكنها تعود إليه وكان الموضوعة  ذاتها حددت مسارات التدوين للبنية الكتابية0
إن هذه الروايات الأربع هي مجال تطبيقنا0 ولم نتخذها لأنها تشكل المناخ العام للفن أو المقدرة الجيدة00 بل لأننا درسناها فحسب لحصولنا على نسخها00ومن هذه الروايات:
 أولا- رغوة السحاب لمحمود عبد الوهاب "4 "
في  هذه الرواية انطلقت البنائية من محاولة استدراج الواقع عن طريق رؤية الكاتب من خلال لعبة فنية حددت نقطة الولوج إلى عناصر المكان والزمان وتأثير وجودهما ضمنا0 عندما يستنتج القارئ إن دفتر دليل الهواتف الصغير المدون فيه أرقام هواتف الشخوص هو مصدر القصدية، وهو المسؤول عن انتظام الحكاية المستخلصة ومن ثم الإقامة في برج التفكير0 فقد اعتمد الكاتب على إمكانية الإفادة من هذا الدفتر لدمج  مجموعة حكايات أو أقاصيص كما جاء في المتن مع بعضها تحت خيمة المكان وفضاء الزمن00وكذلك اتخاذه مسارا لإيضاح ما تعنيه الثيمات على وفق بنائية انطلقت على ! لعبة أرقام الهواتف00 ليكون الدفتر هو القاسم المشترك الأعظم للحكايات ال تي اتخذت من إطار الحرب أجواء داخلية لبث الصراعات وتوحيدها للوصول الى الهدف0 فكانت البنية الكتابية قد انطلقت عبر اتجاهين00 أولهما :السرد السريع المتقطع الذي يبث صورا متفرقة لدواخل الشخصيات عبر ملفوظات تصورية أضحت محملا للمستوى الإخباري الذي يقود إلى المستوى القصدي لربط الضربات السريعة مع بعضها بما تعطيه مقدرة  الملفوظات للنهوض بالانزياحات الدالة بين التخيل القصصي والواقع، وثانيها00هو استخدام المستوى الوصفي الخارجي عن طريق استخدام ملفوظات إخبارية تكون محملا للمستوى التاويلي الذي يقود إلى فلسفة القصد0ومن اندماج  هذين الاتجاهين تكون الأقاصيص قد أظهرت مفاتيحها عبر نهاية غير خاضعة لنهاية القصص داخل الحكاية الواحدة، ما دامت هذه الحكايات متفرقة من الخارج لكنها غائرة في عمق الرؤية الخاصة للكاتب0 فيكون المناخ العام لصراع الشخصيات قد حددته تلك الانزياحات التأويلية التي  يغلفها دفتر دليل الهواتف ،أنها بنائية فنية مقصودة، لعبة شكلية لثيمات متفرقة بأحداثها وشخوصها وأماكنها وصراعاتها وهمومها، لكنها تنتظم تحت مناخ واحد ، بزمن يحيط إطار المعرفة القرائية00أي إن ما يوحد الأقاصيص هو ارتباطها ! الوثيق بما تمنحه الحرب من أفكار وما فعلته بالسارد لان يدون عبر أرقام هواتف أصدقائه حتى انه كان معنيا برسم أرقام الهواتف ذاتها00 كبدايات للحكايات00لاعطاء المكان شكلا مموها لا يبرز إلا من خلال النتائج بهذه الارقام00وكذلك كانت لعبته الفنية هي النزول تدريجيا كفصول، بادئا بالرقم (16 0000) ومنتهيا ب(000002  ) ليكون الفصل الأخير عبارة عن فصل معنون ( في الصباح أي الرقم (000001 ) وكأنه  بدأ من النهاية ليصل البداية والرقم (16 ) تحديدا في متوالية تنازلية تنتج نصا متفرعا الى عدة أقاصيص كما جاء في الدليل0          
 ثانيا: رواية كراسة كانون لمحمد خضير"5 "
تنطلق بنية من العنوان لأنه الحاضنة التي تجمع كل مستويات السرد0 فإذا أردنا أن نزيح الكلمة الثانية ( كانون) التي تحدد الزمان كفضاء فان كلمة ( كراسة) تحيلنا إلى دفتر الرسم وستكون  هي خيمة المكان الواسعة 0وعبر أوراق الكراسة تكون الملفوظات قد رُسمت لتوضيح الدلالة الكانونية وبالتالي فان فهم العنوان سيعطينا فهم المعنى لثيمة الرواية والعكس صحيح0 ومن هذا الفهم أراد الكاتب محمد خضير لروايته أن تأخذ قالبا مغايرا للسائد وبطريقة النص الرو! ائي المعتمد على قصدية متعددة الوجوه بدأً من قصدية العنوان وقصدية السرد وقصدية اللعبة الفنية وقصدية التأويل وقصدية الفهم المطلوب من القارئ ليصل إلى إنتاج قصدية مقاربة مما يريده الكاتب0 ومن اجل هذا احتاجت الرواية الى رؤية خاصة وصياغة جديدة  أوكلت خطوطها إلى التنسيق في المرحلة الشفاهية ووضع آليات الاشتغال التي انطلقت باتجاهات سردية محسوبة المستويات محملة بصنعة التخليق لواحدة من أصعب المواضيع لان زمن الرواية ( وهذا   ينطبق على الروايات الأخرى) ما زال في دائرة النظر بالنسبة للقارئ وفي مركز الرؤية كإحساس وتعايش0 لذلك فان محمد خضير تناول الحدث المركزي معتمدا على اتجاهين مكملين لبعضهما وقادرين على إظهار البراعة الفنية في عدم ملامسة الخارج التصويري والإيغال في الداخل الفلسفي المتاثر، وأولهما اتجاه الاعتماد على لوحات الرسامين العالميين كتشكيل تناظري منتخب0 وثانيهما00 تخطيطات الكاتب المقاربة لما جرى من أحداث وكأنه يقوم بتركيب الأشياء للوصول إلى  القصدية 0ومن اندماج هذين الاتجاهين ( التاريخي/ اللوحات الفنية العالمية00الآني/ تخطيطات الكراسة) أنتج لنا مزاوجة سردية تنسج في الفضاء الزمني روابط ستراتيجية لها ملفوظات شعرية اقتربت من كتابة النص لقيادة موجهات ال! قراءة0 فكان القاص معنيا بأخذ يد القارئ وسحبه إلى منطقته بدلا من  وضعه في قالب الأحداث بصورة مباشرة وبالتالي التعريف بما توحيه رسومات الفنانين من تأثير واضح في  ثقافة القاص وقدرتها التأثيرية التي أينعت وأثمرت استنباط أسلوب كتابي يعتمد على تحفيز العنصر الدرامي كمدونة مرتبطة بما تحاكيه الدلالات الأخرى لكراسة الرسم وتخطيطاتها ومن اجل ذلك خرج على مبدأ مثالية البناء وإزاحة المألوف عبر تحليق دال لمدلول سينتج الدليل القصدي0 فان القطع واللصق والانتقال عبر ملفوظاته الشعرية المحملة بالمستوى التحليلي جعلته يبني أسسه على أساس فصول ستة لها ازاحات ست جعل لها عنوانات لا تخرج على القصدية المبيتة في الذهن لمعالجة الثيمة المركزية بكل أبعادها الدرامية على  وفق رؤيته التي  أكدها في المتن ( الفنان ينعكس في أكثر من شيء في كل شيء يراه ويدخل وجوده وانه يرسم ما لا يجمع في مكان واحد ويرى ما لا تستوعبه العين)"6 "وتلك هي القصدية التجميعية لكل ما تمناه لأنه تمنى أن تكون الكتابة كذلك ايضا0       
 ثالثا: الخروج من الجحيم لناطق خلوصي"7 "
يبدو لنا العنوان وكأنه مركز البحث عن ثيمة قادمة ستأتي ك! اشفة عن معناها0 ومن دلالة العنوان الذي أعطاه بعدا مأساويا لايمكن التفك ير بشيء آخر غير الواقعية0وسيكون دالا لمدلول الأحداث المتسارعة في المتن الروائي0 المبتدأ بتعريف الشخصيات الرئيسية ليقود السرد عبر الانطلاق بخطوط متوازية ومتصاعدة للوصول إلى الذروة0 إن العنوان قاد السرد لتوضيح معالمه معتمدا على بنية كتابية قادرة على احتواء الأحداث وتأجيج الصراع بهدوء كمن يلعب بأوتار رفيعة0 وهو ينطلق بمركز الحدث/ المكان/  الحافلة وهي تبحث عن مكان للخلاص من جحيم القصف0 ان بنية الكتابة راحت تنزف ملفوظاتها بطريقة السرد المتصاعد إلى الأعلى معتمدا على مقولة ( تاريخ الرواية مرتبط بالواقعية)0 وكذلك كان السرد يعتمد على المستوى الإخباري والمستوى التصويري لمجرى الاحداث0 ومن امتزاج هذين المستويين كانت لغة السرد تأخذ في بعض مفاصلها حالة التعبير عن الأشياء الداخلية00  عن المكنونات السايكولوجية للشخوص 0تارة عن طريق إحداث أسئلة مبثوثة على لسان الشخصيات للتعبير عن ذات الروائي ورؤيته الخاصة بما جرى كطريقة للتعبير عما أحدثه ( الجحيم) في النفوس وفي الوقت نفسه يجيب القارئ عليها لأنها واضحة امامه0 وكأنه يساعد على تحفيز الذاكرة المتلقية لان ترى من خلال الخط العمودي ما لم تكن قد رأته! في الواقع وأيضا كانت الأسئلة ذاتها عبارة عن انتقال من زمن إلى آخر أو من حدث إلى حادثة، فكانت المقاطع التي تكونت منها الرواية تعطي دليلا آخر على هذا الانتقال التصاعدي المتناوب بين الزمان والمكان وتارة أخرى كطرفي المعادلة الانتقالية إذا جاز التعبير يكون الحوار كمكمل للسيناريو التصويري الموضح لحركة الشخوص0 فيكون الإنتاج قد أقام ركائزه على ثلاثية المنتوج00 الفكرة/ التدوين/ إدارة الصراع0 فيكون عندها المستوى القصدي وهو المستوى الثالث قد برزت ملامحه بوضوح0 لا تحتاج إلى جهد مضاعف من القارئ بل إلى ملاحقة التدوين باعتباره صورة متحركة على الورق كانّ الكاتب قد حرك خطوطها وخيوطها على مساحة الرواية0
 رابعا:عطش على ضفاف الدانوب لعبد الستار البيضاني "8 "
أولى العلامات التي تصادفنا في هذه الرواية هي العنوان0 إذ تتشكل لدينا صورة مراوغة لمرحلة التلقي الاتي0 فيتساءل القاريء0 النهر هو الدانوب، فكيف يكون العطش؟0 وعليه كان البيضاني معنيا برسم أبعاد العطش00 فكانت البنية الكتابية قد اعتمدت على مبدأ التراسل الحواري بين نقطتين لا تلتقيان في الظاهر00لكنهما كانا ضمن اهتمام الكاتب ومصدر رؤي! ته في أن يجيب عن كيفية ومعنى العطش على ضفاف نهر اوربي0 من هذه القصدية الأولى كانت البنية الكتابية في الرواية قد بنيت على أساس الدوران حول الإجابة، بخطاب موجه وموجع ومجيب على السؤال، بين صديقين أحدهما معني بقصدية الانتماء والآخر معني بقصدية الاغتراب 0 من هذه المعادلة كان السرد يأخذ طريقة التقاطع في الأزمنة والتداخل معا0زمن الماضي وزمن الحاضر00زمن القصدية الثانية وزمن القصدية الأولى عبر صيغة المخاطب من قبل الراوي المتكلم لإرسال شفرات قصدية مختفية مع السرد إلى المروي إليه وتكوين فلسفة قصدية ناتجة من التقاء القصديتين المذكورتين0
إن البنائية كمستويات سردية انطلقت بمستوى إخباري وبزمن آني لقيادة الحدث الذي اختاره الكاتب كنقطة انطلاق للوصول الى السؤال ومن ثم اجابته0 وفي هذا المستوى يتداخل مستوى آخر هو المستوى القصدي للوصول الى عقدة الحدث ثم يأتي المستوى الإخباري متعلق بالزمن ماضي الماضي ومستوى تصويري متعلق بالزمن الماضي وعليه فان المراحل الزمنية قد تحركت وفق اتجاهات ثلاثة  زمن ماضي الماضي/ ما قبل السؤال وزمن ماضي / زمن السؤال وزمن آت / زمن الإجابة
>لينتج لنا زمن الحصار00زمن المرحلة التدوينية للمتن الروائي00 محمولة على لغة آخذة لحريتها 00لان! ّ صيغة المخاطب تعطي انثيالات أكثر حرية وقدرة على الانتقال من زمن إلى آخر0 لأنها تبدو عملية محاكاة وتقابل بين شخصيتين متعاكستين في الرؤى والافكار0

 

* روائي وقاص وناقد عراقي
 

___________________________________


  الهوامش
1 – مدخل لدراسة الرواية ،تأليف جيرمي هوثرون. ترجمة غازي درويش عطية.دار الشؤون الثقافية 1996
2 – المصدر السابق ص6
3 – عالم الرواية،رولان بورنوف وريال أوئيليه، ترجمة نهاد التكرلي. دار الشؤون الثقافية 1991 ص 11

4 – رواية محمود عبد الوهاب.دار الشؤون الثقافية 2001
5 – رواية محمد خضير .دار الشؤون الثقافية 2001
6 -المصدر السابق ص 24
7 – رواية ناطق خلوصي ..دار الحرية للطباعة 2001
8 – رواية عبد الستار البيضاني.. دار الحرية للطباعة  2001