مواسم الاصطرلاب

القسم الثاني

نصوص عراقية

 

 

العدد 25 -- تشرين الثاني  2005

 

تصدر عن موقع الكاتب العراقي

 تحت اشراف القاص  سلام إبراهيم

يرجى ارسال المواد الى

salam54@maktoob.com

 

شروط النشر: لم يسبق نشر المادة في المواقع الألكترونية ويجب الالتزام بعدم نشرها على النت الا بعد نفاد مفعول العدد (شهر واحد).

يجب أن تكون المادة مكتوبة ببرنامج الوورد ومصححة لغويآ ومرفقة كملف


الأفتتاحية

 الرواية العراقية المعاصرة والتاريخ:  سلام أبراهيم

مقالات ودراسات

 شعراء الحجاج:  د. عدنان الظاهر
 
الشعور القومي لدي هالة الفيصل ـالتعري العربي جهارا : قاسم علوان
 الدين والماركسية ـ القسم الأول
و الثاني محمد حنفي
العلمانية في عراق اليوم شاكر الأنباري
 نساء النبي:  عماد فؤاد
رسالة إلى امرأة شرقية الهوية ـ الذكورية إلى أين؟:  شادية عارف العارف
 لا محروقات لأجساد الأدب المثلي في الغرب سليفانا الخوري

الشعر

 في الطريق إلى الغابة:  جبار ياسين
 
حين! أمشي تساقط جراحي:  سهيل نجم
زرقاء اليمامة بين يدي المعري:  عبد اللطيف حرز
 صورة:  أحمد الكعبي
بقايا الأحتفال في منزلي الصغير : آزاد أسكندر
 الطائر الذي لم يكلمني:  إبراهيم قهوجي
 قصيدة أنكليزية مترجمة:  ترجمة آزاد أسكندر

 من الشعر النمساوي الحديث ترجمة:  بدل رفو المزوري

 القصة

 أرق ونحيب:  صبيحة شبر
حظر تجوال:  حسن الفرطوسي
المراهقة والساحر:  فؤاد ميرزا
وهم الخريف:  أعتقال الطائي
 أحقاد ! هوارد غوردن. ترجمة: رافع الصفار
 العجوز المشينة:  برتولد برشت. ترجمة: حسين الموزاني
 أبي عن المجرية ترجمة: أعتقال الطائي
 وجهك المأمول حجتي:  سلام إبراهيم

مسرح

 الراقص:  صلاح حسن
 
رؤيا:  د. شاكر الحاج مخلف

من المسرح الكوردي المعاصر:  زياد عبد المزوري
 من التراب إلى التراب (من مسرحياته الأخيرة ) ترجمة: بول شاؤول
مسرحيتان قصيرتان ترجمة: جهاد الترك
التجريب وتقاليد الكتابة المسرحية جوليوا سيزار ترجمة : سمية مظلوم
آخر حكاية للمسرحي العراقي رعد خلف:  راشد عيسى

سينما

السقوط أول فلم ألماني عن هتلر : ريما المسمار

مقالات في الثقافة والأدب العراقي

مقال في الرواية العراقية علي لفتة سعيد
كيف يحيا الكاتب في هذا الجو القاتم:  شاكر الأنباري
الدكتاتور يروي سيرته:  سلام عبود

الرواية

مواسم الأ صطرلاب ـ القسم الثاني:  علي لفتة سعيد
 رؤيا الغائب ـ النص الثاني (في متاهة الأعماق السحيقة):  سلام إبراهيم


متابعات

 العراق في القلب:  لعلي قاسم عبد الرحيم العلام
 بلاد تتوارى لعلي عبد الأمير محمد شمس الدين
حارس المهدي المنتظر:  لحسين الموزاني وضاح يوسف الحلو

توثيق

الجادرجي والسيرة المحمدية:  قاسم علوان

ذكريات ويوميات

ذكريات و يوميات: توفيق التونجي

 مات بحسرة حفنة تراب من النجف: اعتقال الطائي

رسائل

رسائل الخليلي:  ثائر صالح

مقالات قصيرة!

 ثلاث مقالات:  كاظم الحجاج

أدب شعبي

 قصيدة غير  منشورة:  لطارق ياسين

كتاب الشهر

رؤيا الغائب:  راسم المدهون
 


البرمجة الالكترونية الشاعر آزاد اسكندر

عودة الى موقع الكاتب العراقي



 

 

                                 علي لفتة سعيد

 

                                  ( 7 )

 

المسافات تعبث معه.. تحيله إلى ساحة مضيعة للوقت ..تنهش بأعصابه، فيبدو أمامه السراب كأنه صفحة ماء  تتلألأ بتموجاتها الشذرية اللامعة المتصلة في حركة مخاتلة.. فتبتعد عنه كلما اقترب منها.. ممنيا نفسه بشربة ماء حالما يصل إلى تلك المنطقة البراقة التي تدعوه أن يركض إليها و يقطع المسافة. ولكن السراب بقي أمامه.. ومازال يركض باتجاه الماء ولسانه امتد خارج فمه.

كان الصيف يرسل أشعة شمسٍ  لاهبةٍ، تصفع رأسه بشعره المنفوش. والنهارات الطويلة تتحرك ببطء شديد ليزداد عطشه. ولا سبيل آخر للتشبث غير إصراره لأن في نهاية المطاف اللاهث سيكون الماء بانتظاره.

ظل يتخبط في الصراع المحتدم في رأسه ، مواجها البراري .مفعما بالشكوك واليقين. يركب أرجوحة تصعد به إلى قناعاته وتهبط تارة أخرى إلى درك مخيف. فهو لا يريد تسليم نفسه نادمة لتمضي إلى حتفه.. الموت من اجل الماء،لأن حلمه المعلق مثل سراج يلوح له ان يمضي.. وليعتبر الأحداث المأساوية ما هي إلا اختبارات يجب اجتيازها. بعد أن أتعبه اللهاث الذي قطع سبل أخذ شهيق مريح.. و كان زفيره اكبر من صدره. مكث في مكانه. يلتقط نواة أوكسجين هارب من رئتيه. يشكو الصداع القاتل واليباس المتناسل. وقف، وقد أسبل جفنيه وتراخت يداه وانثنت ركبتاه وانحنى رأسه الى الثرى، لعله يشم رائحة ترحيب ليستكمل دوائر الانتظار. فمزقه الضجيج الدائر في جوفه والمستغيث لقطرة ماء ان تدنو. لكن وجهه تحول الى عدسة مقعرة لامتصاص حرارة الشمس، وقد تقشع جلده وتحولت بثوره الى موضعٍ لتوهج الألم. وفقد هيكله شكله الذي اعتادت روحه أن تمرح به. وأحس انه كسول. بل انه تحول الى أبله لا يقدر على فك ارتباط الشك من اليقين. لا يهم. فالماء ليس الطريق الوحيدة للحياة فحسب وليس السبيل الأوحد للموت ..أغمض عينيه، لعل رؤى خاطفة تمرق في الظلام، فتعينه على الإمساك بتلابيب القوة. عليه ان يعتاد العذاب وان يكون حذراً من أي مجهول. وان يعاود توجيه إصراره لشق الطريق. لكن هذه الحرقة في لهاته، وتكلس لوزتيه، وتشقق شفتيه، وتجعد جلده.. والتهاب بثوره التي تنز جراحاً. لا تمنحه فرصة للتأمل. لان التأمل يحتاج الى هدوء.. والهدوء بحاجة الى إشباع الرغبات، والرغبات مرهونة بتوفير عناصر الوجود. فأخذت عيناه تدوران في اتجاهات النهار الصاخبة والضاجة بحرارة الشمس.. يبحث في ضباب الرؤية عن خرم يرى فيه بصيص ضوء فقده في سراب أفكاره المتضاربة في رأسه و يبتعد قليلاً عن التشكي حتى لا يصاب بالصم. وأن يقلل من لهاثه. حتى لا يزداد غباء.. فترك يديه تحكان مكان عورته  بأظافره. جعلت نفوره يستفز من جديد بعد توقد الحرارة اسفل بطنه. وتذكر انه لم يتبول منذ إشراقات شمس عديدة.

وقف في دائرة قلقه مسيطراً على عموده الفقري باستقامة مؤلمة.. كمن خرج لتوه من أصفاد قفص صغير. ليحدد اتجاه سيره. فالمكوث في المكان لا يبعده عن المخاطر ولا يجلب له المبتغى. فهو الآن أسير عكاز مكسور.. يتكئ على عوزه لقطرة ماء. وعيناه الذابلتان طلاهما الملح. سار بتقتير أنفاسه حتى لا يتعب أعماقه أكثر. سرعان ما طواه نعاس اخافه، فربما يسقط الدود في منخريه.. فتهالك في مكانه. وفي آخر لحظة تفكير قبل الإغفاءة تعكز على اجتراح الأمل ، حتى لو كان فيه حرق .

ضربته شمس نهار غاضبة حركت البثور من سكينتها. بينما الحزن أخذ يطرق أبواب عافيته بلا أجراس، وهو يتفحص المكان.. ففقد الحيلة في كل تصرف جيد خاصة وان الأيام صارت خالية الوفاض. وان تنقله صار عبثاً وعبئاً عليه.. دارت الأرض به وأخذت تميد تحت قدميه.استنجد برأسه. وجده وقد التحف الذبول.. وتحول ضوء النهار الى سباق في اختلاطات الظلام. فهتف بداخله بحروف يسمعها  تسقط في مستنقع راكد. الى متى هذا اللازمن؟. متى تخرج لي أيها الساكن أضلعي وأحلامي وأفكاري.. يا محول حياتي من السكون الى الفوران؟. أين كلماتك أيتها العرّافة لتفكّ هذه الأقفال الصدئة وأتحول الى كائن يعرف ما يريد؟

تحايل على ضعفه. صانعاً مظلة بكفه المتهالكة. مقلّلاً من رؤية الآفاق. فاتحاً فمه اليابس لحبات الرمل.. لم يكن لمرفقه القدرة على حمل ذراعه فسقطت يده، وخارت قواه، وأقعي مثل كلب مجروح. أخذ يزحف بلا أثر.. وراودته فكرة الوصول الى الفشل. فقطرة الماء أضحت بعيدة المنال. تراءت له كارثة حياته تلوح له بصور مرعبة. حاول التخلص منها.. لكنها كانت ملتصقة بشدة. رأى أفواه مدينته تضحك عليه. رأى سبابات اكفهم تشير.. هذا مجنون. رأى أطفالا تركض صارخة (مْخبّل.. مْخبّل). وغائطه يكشف عن خذلانه أمام أنظار زوجه الواقفة على مبعدة بلا حراك. لا تضحك مع الضاحكين أو تهزأ مع الهازئين أو تصرخ مع الصارخين. مكتفية بالتحديق الحزين. تجدف تعابيراً في غاية الخيبة والإحساس بالمرارة. دون أن تبالي بإشاراته المستغيثة. سمع عن قرب ضحكات قوية، خارجة من فم كبير يتوسع كلما طالت ضحكاته بقهقهاتها العالية. عرف انه الرجل  الحكيم الذي كان يخافه ويحسب لكلماته ألف حساب. كان معارضاً له كلما تكلم أمام الآخرين بضرورة تجميع الألسن للانبثاق من جديد. وكان الرجل الحكيم ينبه عن هذه الأفكار التي لا تخرج عن كونها تصب في بعثرة العقول. اغمض عينيه هرباً من هذه الصور المرعبة التي تزيد من إحباطه. لكن الأصوات صمت أذنيه. وتكور كما القرد الأجرب. فارتفعت هراوات وفؤوس وسواطير وسياط تلوح فوق رأسه. وبانت المدينة كلها تكرهه.. وانها ستنهال عليه ضرباً. افتضح أمره. لم يكن أمامه خط  مستقيم غير زوجه الواقفة بشعرها المنفوش. فتوسل بها أن تنقذه.. أن تبعد الأكف عن رأسه.. أن تخرس الألسن. فوجئ بأنها تقف على صفحة ماء عذب..له ألوان قوس قزح.. تخرج من رأسها نافورة ماء الورد.. وحبات لؤلؤ وماس تحيطه أوراد الياسمين. زحف إليها لتسقيه جرعة ماء تعينه على النهوض.. ليقاومهم، فربما استغلوا خواره وخواءه. كانت تبتعد عنه.. تتبعها خيوط الماء. بينما هو ظل في مكانه كما المجرم.. ينتظر الإعدام  أمام الشعب. واكتشف ان غضب الناس تحول الى استهزاء وضحك. وعرف ان مكان عورته مفضوح الرؤية. فتعالت أصوات النساء. بصق عليه الرجال وقذفه الأطفال بالحجارة والحصى، ودارت به الأرض.. فعاد يستغيث بزوجه المبتعدة التي راحت توزع الماء على الآخرين.. تاركة إياه يلعق خيبته. وضاق به المكان وشعر بالاختناق.. دفن رأسه بذراعيه محاولاً إبعاد ذاكرة ملعونة توقظ فيه شجون موحشة مرعبة. صرخ برأسه.. أن يلعن العرّافة الشمطاء التي لم تدله على الوجهة الصحيحة.. وانه سيموت.. سيتعفن إن بقي يلاحق سراباً وضباباً. فالفصول كلها توقفت عند أبواب الصيف اللاهب. ولا شيء في الأفق يهبه الأمل المنشود. بل ما يراه عبارة عن مياه آسنة. وهذه الأحلام المزعجة أخذت تلاحقه كلما حاول الإغفاءة لتعصمه من إغماءة محتملة. ولم يدع للشك مجالاً ليوسوس في رأسه من انه أخطأ تشخيص ذاته.. فأوثق نفسه بحبل يقينه، من ان المخلوق سيد نفسه. يستطيع أن يفعل ما يشاء لو استغل استنطاق دواخله. وانه بحد ذاته ما هو إلا جسد متحرك. وما بداخله ليست روحاً بل قدرات خارقة تتحكم بالانفعالات. رفع رأسه إلى السماء.. خلصني مما أنا فيه.. اجعلني قادراً على الاعتقاد بوجودك، بخلاصي من هذا العطش القاتل برؤوسه الحادة التي تمزق أحشائي. لم أكن إلا مسحوراً. خلصني وإلا سأعود إلى نكرانك.

زحف على ركبتيه.. إذ ان البقاء أوحى له البداية الأولى لعملية الموت.. حتى إذا ما جاء الليل.. اختلطت عليه الطرق.. كأن الأرض قد نبذته وهو يعود إلى نفس دائرة الإرهاق  وأن قلبه لم يعد ينبض إلا نبضة واحدة كل عشرين شهيقا.. تساوت أمام ناظريه الأرجاء وأخذ يقح كمن أصيب بموجة ربو مفاجئ. وكان بلعومه يابساً.. فشعر بتشقق لهاته. لا نفع للتقتير.. قال لأنفه.رطب شفتي.. قال للسانه اليابس .تفحص طريق الدلالة.. توسل بأذنيه.اسمعي رنين الخطوات و صدى الأنفاس.. استغاث بعينيه. وقبل حنجرته لعلها تخرج حرفا واحدا طويلا يسمعه تائه أو راعي غنم.آه.. تعبت.. لا أدري  ماذا أفعل.. أما زلت في خطوات الامتحان.. أم شارفت على الولوج الى غابة الموت؟ قد أكون في دوامة.. عجبا.. كم مرة أكرر هذه الهلوسات.             

فرك عينيه لإزالة حبات الرمل و الملح.فتصادم الظلام و صدف الضوء ليولد حركات متداخلة.أهدته رعبا جديداً.فبرز وجه امرأة يعرفها.أخذ يتوسع بين جفنيه وباطن كفيه. أنت!!. لماذا تنظرين الي هكذا؟ لا تبحلقي بأجزائي المفتتة؟ سرعان ما تلتصق وبقوة اعظم. سيعود رأسي الى التفكير الصحيح.لن أتخاذل. وسأبتسم عنوة.. لأنك لن تدخلي رعشة الفشل.. ولكن أسمعي كلامي. أنا الذي يتكلم، وعليك الاستماع.. أعرف ما يجول بداخلك. لا نفع مني ومن أفكاري. لا نفع لرجولتي. الرجولة ليست جهاز بول و نكاح.. أعرف ان الرجال يحاورونه اكثر مما يحاورون عقولهم.. ولكني سأحتفظ بحاشية إصراري وأكون سيد نفسي.. نعم سأكون.

نفض رأسه من حلم أبله.. مازال يكابر على فراغ لا يمنحه إلاّ التفتت والسراب. ففي لحظات الشعور بالانهزام تنبع المكابرة. وينطلق العناد.. لعل السبيل الى النجاة يبرز من ثنايا الأعاصير. هل حقاً انه أخذ يهذي لتراوده صور غاية في السواد. وانه مازال قادراً على المطاولة ؟.. ربما أصابه الجنون. نعم.. أنا مجنون. شعر برغبة عارمة للبكاء. يسمع حواراً يصف حالته التي فقدت الشيء الكثير من وسامته. فانطلقت من تذمره رغبة بالغناء. وزاحمت حاجته للبكاء. قال: أأغني أم أبكي؟ أبكي أم أغني؟. أم أبكي وأغني معاً؟ شيئان اجتاحاه دفعة واحدة و أزعجاه في نفس الوقت.. وانحاز للغناء. ففيه عناصر المكابرة والشعور بالانتظار والإحساس بالانشغال.. أكثر من رغبة البكاء التي تشعره بالخيبة والخذلان والخسارة. غنى.. بمواويل حشرجته الباقية في أسفل البلعوم. فكانت آهة طويلة بلا كلمات.. جعلت شرايينه ترقص على بقايا صوته المبحوح. ولكنه في نفس الوقت حصل على جرعة  جاءته في الوقت الضائع ليشعر ولو لوقت قصير بالأمل، والصبر. فتراءى له جسده مفعماً بالحيوية.. وان باستطاعته صقل الأفكار من جديد وإزالة الصدأ. لكن آهاته تقطعت.. ولوحت بداخله ألحانا جديدة .مرّ بغنائه على أطوار أخرى أكثر خفة.. راقصة.. لوحت له بغيمة سوداء حبلى بالمطر الذي سيحيل الرأس الى أرض خضلة.. لماذا لم أغنّ من قبل عند الشعور الأول بالخيبة والعطش؟ تذكر طريقته المثلى مذ كان طفلا. كلما أصابه الضجر. كان يضحك ويغني.. يرقص في الخفاء.. ليزيل كدراً أصابه حتى لا يترك الشيب يغزو رأسه الذي مازال فرحاً بسواده. غنّ.. غنّ يا نصف مخلوق. غنّ.. غنّ بأعلى صوتك.. أنطلق بإخراج حروف متعبة.. محرّراً أعصابه من سجن الخوف. وتحركت ذراعاه تمايلاً وطرباً. مخترقاً بغنائه ظلام الليل.. يلهو كطفل على قدم واحدة وتارة يدور كغجري متمرس.. اخترع حوارات وحضور.. وتصفيق.. كأنه أخرج سكاكين حادة ليقتل وحشته.. لقد وصل إلى رقص يحتاج إلى جهد مضاعف لجسد لم يتعب منذ أسبوع. دار دورات متصلة. فأختنق بحشرجة آهة طويلة كخاتمة مغن محترف ليعلن لجمهوره بانتهاء الأغنية. شعر ان صوته لا يتعدى شفتيه.. لم يسمع تصفيقاً.. لم يسمع إلاّ خفقات قلبه التي كادت تخرج عظام صدره.. فعرف انه بحاجة إلى رأفة. بكى على حاله.. وتحولت دقائقه الراقصة إلى بكاء، لم تكن في عينيه دموع..انزوى حاضناً ركبتيه. وتخبط كثيراً.. ناسياً كيف تخرج الدموع.. عصر جفنيه حتى اصطدمت جبهته بوجنتيه. حاول البكاء.. ليخفف مرارة ألْقت القبض على إرادته.. تخاذل في صحراء روحه..راح يتابع قصر تأملاته الذي تهدم شيئاً فشيئاً.. راقبها من نوافذ مطلة على أطلال خربة.رأى مشاهد مقطعة.. لا شك انها ذات المشاهد المكررة التي أنزلته من لحظة التوهج إلى عصر الوهم. ولم يستطع البكاء. ففي اللحظة المرة التي انتابته فيها حالة البكاء. أفرحته الفكرة. لأن في البكاء بعضاً من ترطيب الخدين المقشرين. ولعل ماء الدمع إذا انساب يصل إلى فمه اليابس. وفكر وهو يواصل الضغط على عينيه في عملية البكاء الميكانيكية. ان في الدموع وسيلة لغسل العيون من القذى المتراكم المنبعث من رماد يأسه المتطاير.. تمنى لو انزلقت دمعة.. نصف دمعة لتصل إلى لوزتيه المتورمتين. إلا ان عينيه أطلقتا قرقعة فارغة.. خفية.. حملت في طياتها زوابع انهيار.. كأنها مرّت بأعاصيرها على أكواخ آيلة للسقوط.. أرهق رئتيه من محاولاته لعصر معدته وصدره. أتعب قلبه في طلبه بضرورة تجهيز القدرة المنهارة إلى العقل.. دحا جسده لكي يعيد قوته.. حاول الغناء مرة أخرى..لم يكن ينفعه أي شيء. اخترق ضمور أمنياته .صرخ مزمجراً، فاقت زمجرة قطيع من الكلاب.. رافعاً بالكاد رأسه إلى السماء. فخرج صوته كنهيق حمار.. محتجاً على ربه لأنه لم يسمع دعاءه.. ولم يساعده في العثور على الماء على الأقل. باءت دعواته بالفشل. انك لا تريدني أن أحبو من أجل الصلاة إليك. بل لمواصلة نكرانك.

جثا على ركبتيه. لا يلوي على فعل شيء يمنحه فرصة للتفكير.. ويمكنه من مجابهة عواصف الانهيار الجارفة. كان يدور في كهف مظلم.. أدخله الخوف في تفاصيله.. ليختبئ في روحه المطفأة. ضرب جبينه كما النساء، ولهاثه يتصاعد من أعماق تبخرت فيها كل معالم الأوكسجين. سمع صوت ارتطام الغازات. دفع باب عجزه ليلج إلى إحساس بأنه مازال في متسعه أن يشعر بوجوده ومازال قادراً على إعطاء دواخله ولو مجرد غازات. فقام بمجهود لإمالة مؤخرته على أحد جانبيه. ليريح انتفاخات بطنه.. عصر نفسه.. ضاغطاً على كليتيه، ورئتيه ليحرز نصراً ولو صغيراً في إثبات وجوده.. لكن الهواء لم يخرج.. لم يسمع صوتاً أو يشم رائحة. أرتاب من ألم معدته الخاوية. وأحس بنار وهمية متقدة. تغزو تقرحاته وانها ستحرقه.. قرص نفسه. فوق ثديه الأيسر. أمسك خصيتيه الكبيرتين المتدليتين. عصرهما. ليتأكد من حركتهما مع تنفسه. أو ليشعر بألم يريحه. فبوله صار أشبه بشتاء لا مطر فيه ولا غيوم.. وأزعجه التفكير هكذا. فقد القدرة على التحكم بانفعالاته. خاصة وانه دخل غابة النسيان في عملية حساب الزمن. لا يدري كم من الشموس أشرقت وكم دورة لحركة القمر مرت عليه، وكم مرة ردد في داخله أسماء الخوف، وكم مرة حبل قلقه بأشياء مخيفة. له جوقة تردد في داخله ألحان الهلع. ازداده توتره. وانخفاض إحساسه في مقياس إسطرلابه الذي لا يدري إلى أي اتجاه يريد. ومن خلف نصف إغماضة.. تراءت له خنازير ودببة وذئاب وأسود ونمور وأفاع وقرود.. أفواه شرهة.. شرسة.. جائعة.. فتحت أشداقها لتأكله.. استفز محاولاً تشديد الحراسة حوله.. فوجد نفسه لا تقوى على إعطاء أوامر إلى قوته لأن تستنهض. فقرفص كرجل عار.. شاحباً.. ترن في صدغيه.. خشخشة أوراق خريفية.. وان صوره المشوهة تبرز له في ثناياها أشكالاً تتقدم له، تتبادل أماكنها.. فتارة تتقدم الأفعى ومرة الذئب.. ليزأر الأسد ويكون في مقدمة الركب القادم للقضاء عليه. جرجر قدميه، ليتخلص من مكان ضايقه بأحلام تشاركه الصراع بين اليقظة والإغماء. وكل المعطيات التي أمامه تعطيه شأناً من نبأ لا مفر من الاعتراف به أنه تحول إلى وهم.. وان قدرته باتت أشبه بكيس منفوخ لا يستطيع الضغط عليه. بل ان الأشباح حولت اتجاهها إلى مكانه الجديد. مقتربة من روحه المتشبثة ببقايا هيكل يتنفس بصعوبة.. بالكاد حرك حاجبيه. بعد أن سقط للمرة العشرين. ربما. ثم أسدل جفنيه ليهرب من الأشباح.. فهو وحيد أعزل.. لا الله استجاب لدعواته.. ولا من دخل في رأسه قبل عقود برز له.. لم يبق فيه غير حطام.. لهث بقوة.. محاولاً ألاّ يتخيل شكل الموت. لقد باءت كل محاولاته في التدخل لإنقاذ عطشه بالفشل. فلم يكن يرى غير ما أبصره في اللحظة التي سبقت إغماضته.. سمع صوتاً يرن في رأسه، يوجه إنذاراً يشوبه التحذير من مغبة الاستسلام بانتظار الموت.. وانه أُنجب من أجل إحياء الانبعاث الدنيوي سيكون ذا شأن في توطين أواصر ما يكرهه الناس سراً وعلانية. وانه تفرغ من أجل هذا.. ولا يجوز التفكير.. مجرد التفكير بالاستسلام.. فمعنى ذلك.. انه غير مؤهل لأن يستلم عصا الانبعاث من مكتشف قدراته الذي مارس معه لعبة التحويل في  تكويناته الجسمانية والعقلية. حرّك رأسه وهو يستمع إلى ذبذبات أشبه بشفرات مرسلة إليه وان بإمكانه تحليلها فوراً إلى معاني غاية في جمال القوام. لكنه كان قد سلم أمره تحت الضغط المكتوم في صدره. وضغط العطش القاتل الذي صار أثقل من جبل صخري. فهناك أسباب كثيرة تجعله في منأى عن تمكنه باستلام فرصته لهذا الصوت الذي تأخر إلى حد كبير في الدوران داخل تجويف رأسه. فأجزاؤه المفككة هربت منه تباعاً وأعلنت رفضها البقاء في جسد ليس بإمكانه إيجاد قطرة ماء. إلا رأسه الملتصق عنوة برقبة مرتخية.. ثم من أين له القدرة على تصديق كمية التحذير هذه وتحويلها على الأقل إلى عزاء للإفلات من قدره وان عليه مقاومة العطش. وأن يستدل على طريق جديدة تصفه له هذه التحذيرات التي تحمل في طياتها عناصر إلهامه التي تشبه قيثارات كانت تعزف له لحن الانبعاث نحو عالم جديد يحوله إلى كائن آخر. غير هذا الذي كان أشبه بمهروس يرتدي ملابس الآخرين ويأكل كما يأكلون. لقد هزل جسده. وها هو يخرج لسانه كما الكلب.. وقد ضاعت مفاتيح الاطمئنان أمام أقفال رفض قدره العثور على الماء.. شاعراً ان الصباح الآتي، ربما المساء القادم.. لا يدري.. أبعد ما يكون عن التكون. بل ان موسيقى متداخلة مع عزف القيثارات الأنيقة أخذت تعزف موسيقى جنائزية، وأصوات طبول عزاء. وقد وجد جسده معلقاً في سقف رأسه. فرآه أشبه بالمسجى وثمة سكين تلوح له بأنها ستطعن رقبته في لحظة قادمة ستحدد فيما بعد. فتداخلت الأصوات، وتشابكت الصور، وكونت مولوداً مشوهاً لأفكار لا تمنح نفسها فرصة الوضوح. رفع جذعه.. متذكراً ربه مرة أخرى. لعله يعطيه فرصة ثانية للبقاء. لم يجد ما يمكنه إطلاق دعائمه. ولكنه تذكر.. ان الله لا يحتاج إلى دعاء بكلمات مسموعة. فتراءى له الله قريبا. لكنه لم يدرك سر الاقتراب منه واسترضاءه والتوجه إليه ليوليه عنايته. ولكن من قال ان صدري يحتفظ بكلمات يحتاجها الله ؟. وقد أقر مع نفسه وربما للمرة العشرين أيضاً. وبدون شك انه ماضٍ إلى الموت. فأوعز إلى رأسه أن يستغيث بالله. أن يتذكر كلمات الآخرين الذين تعاملوا مع إلههم. فقد نجح الخوف بالاستحواذ عليه. إلهي.. من جزع الروح.. من بثور الموت. أتضرع إليك. أن تقبل توبتي. لم أكن إلا مخلوقاً مسكوناً بالأفكار. ذاكرتي لا تحتفظ إلا بالانغماس في وهج الهلوسات التي جعلتها العرّافة تسطع في رأسي وتستحوذ على كياني. لأجد نفسي وكأنها في لحظات الخلوة ما هي إلا شيء آخر لا ينتمي إلى عالم البشر الساكنين وسط اختلاجات الروح التي تناديهم إلى مضاجعة النساء أكثر من مناجاتهم إلى التمسك بالانطلاق نحو عوالم لم يرونها.. إلاّ أنا. كن رحوماً واعتقني من هذا الهلاك.

هبت ريح خفيفة.. سرعان ما لفت صدره وانطلقت بما يحمله من كلمات الى مجهول. فعرف ان ربه بعيد عنه.. لا يستجيب الى من سكنته المعاصي. من قال إنها كذلك؟ سأغني وأشدو.. ولتكن بعيداً عني. هذا لا يهم. سأبقى أقاوم انهياري بهلوسات تقودني حتماً الى البقاء اكثر من الركون والخضوع الى الاستسلام.

ظل يتخبط في هلوساته. يرتجف من الحمى التي صاحبته طوال نهارات وليال عنيدة.. كشفتا عن عيوبه وشيخوخته.. وصار مثالا للشفقة.. وماتت رغبته كأنه تجرع الكأس الأخيرة ولن ينهض غداً. وسيطير عبر شياطين او جان الى سماوات بعيدة.. ولن تحمله الملائكة.. وصار حجمه أشبه بجنين متكور. بثوره ازدادت تقرحاً  تشقق جلده وتحول الى جروح مالحة تحت بقايا ملابس معفرة بالرمال والأشواك.. لا عرق تحت إبطيه أو بين فخذيه.. ليلحسه.. رغم الحرارة المتقدة في جسده.. لم تنفعه كل المحاولات التي قام بها للحصول على قطرة ماء ليجرب مضغ الأشواك اليابسة..ان يمص غذاءها. لكن خيبته أخذت تستنسخ نفسها. وتمنع عنه الحصول على قطرة ماء. كأنها تعرف ان قطرة واحدة تجعله قادراً على استعادة وعيه على الأقل. فقد علمته الحياة وهذه المصاعب أن يعتمد على نفسه.. كما نبهته العرّافة. ان طلب أي معونة من أي مصدر أو جهة معناه اضمحلال الآمال وسيغيب من يتقمص هيكله عنه نهائياً وسيكون أشبه بمجنون وألى الأبد. لذلك فقد أحال غياب الإدراك الذي هو عليه الى عدم قدرة وعيه على استيعاب التأمل.. فقد كان من الأجدر أن يواصل جلساته.. ليس من  المعقول أن ينتبه الى الخطوات الجديدة دون جلسات كما السابق. ولكن كيف لعقل أن يتفاعل مع جسد متهالك تتكاثر فيه الأمراض ؟ زحف باتجاه حزمة أشواك كانت تميل برؤوسها  باتجاهه. فتح فمه بشفتيه المشققتين..نبتت الرؤوس الدبوسية بلسانه وشفتيه.. سقط رأسه على الأرض متألماً لهذه التعاسة الجديدة. التي تمنع عنه أن يطال قطرة ماء ينحني أمامها إجلالا وإكبارا إن وجدها. بل سيرقص لها حتى يتهالك قبل أن يبتلعها.. وبخ نفسه على هذا الحرمان.. وهذه المشكلة الجديدة في كيفية استخراج هذه الرؤوس الشوكية. بغتة انتابته حالة من التفكير المفرح. عليه ان يستخرج الرؤوس.. لعل دماً يخرج فيبتلعه.. لا فرق بين الدم والماء في مثل هذه الحالات.. شيء سائل افضل من العدم. مد إصبعين نحيلين.. واخرج أول رأس شوكي. فسحب جزء من جلد شفتيه.. وكاد يصرخ ألماً.. منتظراً خروج أول قطرة دم. عاود الكرة.. أخرج الرأس الثاني والثالث والرابع حتى انقضى نصف النهار الجديد، أخرج كل الأشواك.. ولم يخرج الدم. كأن جسده قد تفسخ.. ترك الألم يغزو مكان الرؤوس الذي سرعان ما تلاشى بعد لحظات. فاستهوته اللعبة.. أو خطة البحث عن الدم في جسده. فحفر بإصبعه أحد الجروح في ساقه.. ولم يخرج الدم. أوسع جرحاً في أخمصه.أأعيش الآن بلا دم؟

ترك جسده عرضة للريح.. لحظات المقاومة التي كانت تنتابه والتي سرعان ما تتخاذل أصبحت متلاشية نوعاً ما. وانه تحول الى رمال.. فهاجمته النيران المنتظرة لحظة الإيقاد ، لتشحذ غور جروحه. حاول التقلب على التراب ليطفئ النيران. رفع مؤخرته وسقط مغشياً. يقاوم صوراً جديدة سطعت له.. وتوضحت.. فكان وجه زوجه ماثلا أمامه لتذكره بلحظة خيبتها وهي ترجوه ان يبقى وان لا يزيد نيران خذلانها إشعالا.

- هنا تدبر أمرك. لأنك ستضيع في بحر الخوف وقلق الوحدة القاتل.

كان يضحك. وهي عارية تنتظر سحب رحيق وردتها وقد حدد سببين لحالتها التي لا تخلو من عدم الحياء. أولهما لإطفاء شهوتها المتوقدة مثل نار المجوس. والتي تركها تلعق بكارتها وتلعب بأوراق الوقت وأصابعها. وثانيهما لإغراقه في لذة الجنس لتفقده صواب تأملاته. ولأنه لم يجد القدرة في جسده وفي عضوه على الانغماس فيما تريد. فكانت أول امرأة تفضح رجولته وستكون آخر امرأة يرى جسدها وهي تفتح له نوافذها لفحولته المعطلة من آخر الأزمنة.

 قال لها.

- لم أولد لكي أضاجع و لابد لي من بلوغ قمة الانبعاث.

        - إذن لماذا ورطتني معك بحب تحول الى كابوس لا أستطيع التخلص منه؟.

- أنا المتورط وليس أنت. لأنك سبب من أسباب أخطائي التي يجب أن لا أقترفها.

- أنت تحلم أن تدار لك الرؤوس.

- ما الضير في ذلك.. لا شئ مستحيل.

انزلق في دوار وهو يرى شبح زوجه يطارده الآن. ويمد إصبعا الى انفه.. ليوقظه من غيبوبة هو أحوج ما يكون إليها الآن  للتخلص من اللهاث لعله يستيقظ فيجد حلا بين يديه. أنتبه الى ان هيكله كان مغطى بالرمال وان العطش مازال يفتك به. والجوع المرير أخذ يهدده هو الآخر بقطع رقبته.. فتصور انه داخل لحد يضيق مدماكه عليه والرمال مدلهمة. فأستنفر قواه الملدوغة. يا صاحب الرؤيا. أخرج لي الآن. أما أنت أو صوتك. امنحني القدرة.. استجب لي، لتوسلاتي وخنوعي وقلة حيلتي. انني أتعهد إليك بأن أصون ما تأمرني به. ولكن لا تتركني أتغرب هكذا.

كانت عيناه باتجاه إشراقة الشمس. لا يوجد له جفنان ليغمضهما. وجسده أخذ يصغر وانه في طريقه الى التلاشي. رفع سواد عينيه الى اسفل جبهته واستسلم أخيراً. فربما هو ذاهب الى الموت أو ان الموت قادم إليه.

من بعيد كانت الزوبعة تصعد الى عنان السماء. تقترب بسرعة كاسحة.. يصاحبها رعد مكتوم وسحابة من حصى.. فاتحة نوافذها لحمل كل ما يصادفها الى داخلها.كانت هائجة.. عندما فتح عينيه في آخر رؤية له. أخافه ما رآه. حد الارتعاش كما الطير. لم يكن لديه الحق في اختيار طريق التفكير. ان كانت الزوبعة جاءت إليه لتقتله أم انها تحمل في طياتها المطر.لكنه فكر.. في آخر تفكير له.من انه سيموت حتماً. اختناقاً لا محال. تمسك بالأرض. قابضاً بأصابعه حفنة من الرمال الهشة.. سرعان ما تساقطت ذراتها.. أدار رأسه بالاتجاه الآخر. فرأى الزوبعة ذاتها. فعرف انها التي قتلت حماره. وجفّفت البحيرة وهربت المياه واقتلعت الزرع ورمته في متاهة السراب.


 

                                                      

 

 

 

                                    ( 8 )

 

ينادمها الحزن متسلّلاً كلما أحاطت نفسها بشيء من اللاأبالية.. أو حاولت أن تتدرب على النسيان  لتلج الى راحة البال. الظلال ظلت كثيفة تخفي بين طياتها ذرات الألم المتسارعة كعناصر جذب مغناطيسي للحزن. خطواتها القصيرة في الغرفة لا تمنحها الاطمئنان والخارج صار لها أشبه بالنار وجسدها أصبح قشة.

لا أريد الخروج. أخافه صرت. كمن تستحي من شئ يراه الآخرون ملتصقها بها. لم تنفع كلمات أمي المواسية. لم تكن جرعة العلاج لمرض استأصل في الروح وأكل من رأسي ما يعجبه. لم تدخر وسيلة لتهدئتي إلاّ واستخدمتها. تريدني ألاّ أتذكر. وأنا أدخلت نفسي بمصيبتي بمحض إرادتي. بعد ان رسمتها في مخيلتي.. صورة زاهية واضحة المعالم بأبعادها الأربع.تنضح سعادة لا تكفي لجسدي الغض أو بيتي الجديد. كأي فتاة أحبت لتكون قدوة لكل من تتزوج،أن تختار الرجل الذي رفرف القلب له. وجعلها لا تنام.. تتمرغ على عطر الياسمين والقرنفل وتوزع في ثنايا ليلها الياس والبخور.. وتمضي بقية الليل حالمة بغناء يصدح بصوت رخيم بعد أن يفارق مرحلة الهمس تحت الغطاء. والآن.. صرت أخاف الألسن.. الألسن التي أذابت جليد صمتها أمام أذني ولم أكن أصغي.. وضعت فيهما وقراً يصدّ أي ذبذبات تخالف ما أسمعه من همس القلب الذي يستغيث أن لا أستجيب لأي عرقلة تمنع الالتحاق مع من أحببته. فكانت كلماتهم مثل أمواج متلاطمة في بحر رأسي. كلماتهم الواضحة الآن في عزلتي.. تتشعب الى عشرات الأسئلة المندفعة مثل أسهم نارية لاسعة. باحثة عن ابتكارات جديدة لتعذيبي.. وتزيدني متاهة وإحساسا مرعباً بسوء الطالع. وأنا امرأة صارت عزلاء كأنها في شيخوخة الشباب لا تعرف من أين تغرف لتصل الى قناعة مفادها ان الذي مضى مضى. جسدي خريف وعقلي كذلك.. لم أفهم أي شئ بعد.. صرت مذعورة.. من كل حركة أقوم بها.. وأعتبرها مصيدة جديدة فأرتكب الأخطاء. لقد تركني للعيون التي تترصدني باشمئزاز. أو الأفواه المستفهمة عن وجهته ومآله وغاياته.. والجميع أطلقوا سراح ألسنتهم المطمورة في زنزانات الخوف.. لتكون حرة فيما تريد قوله. وأنا عرضة للاستماع.

قالت أمها الحائرة من أفعالها. ان الانعزال عن العالم سيزيدها حزناً وقلة تدبير. في الشمس تكون الحلول بينما الظلام يكون مسرحاً للخفافيش والصراصر. لم تجبها.. اكتفت بنظرات تعبر عن مقدار الحصى المتكوم في الصدر. رغم حاجتها للخروج.. رغبتها أن تزيح عن كاهلها بعض المأساة. أو على الأقل ان ترفه عن نفسها من لواعجها المرة ولو بصيغة كاذبة. لعل باب الانفراج يفتح مصراعه لبضع سنتمترات وتشم هواء لا تدخله الذكريات. لكنها ما أن تمد رأسها داخل كومة الحزن. حتى تجد نفسها وقد أحاطتها الغربة من كل جانب. ففي المرات القليلة التي سحقت تراب الشارع  بخطواتها المرتعشة.. رأت الناس المتجمعين في الأسواق، تحت مظلاتهم السعفية.. في محلات الصفيح.. على جادة الطرق.. في المقاهي.. الذاهبين الى أعمالهم،ينظرون إليها.. فتخنقها العيون، الباثة لأسئلتهم المنزلقة المتدحرجة حتى هوة رأسها،وتضعها في زقاق البؤس وشوارع التيه. العيون في كل مكان، تعرقل حركتها..توازي، بل تزاحم خطواتها.. فغدت علامتهم الفارقة.. كأنهم اكتشفوا شيئاً جديداً. أخذ يدور معهم كاختراع جديد دخل حياتهم ليعالجوا به صمتهم الدائم. أنى توجهت، ترصدها العيون السود والزرق والعسلية والحولاء والعوراء، وربما حتى العميان. بل باتوا يحاكمونها.. صاروا بالنسبة لها الخصم والحكم. لا لشيء. إلاّ لأنها تزوجت من مهووس.. ثم لماذا لا ينظرون الى جمالي كما في السابق. أو على الأقل ليتظاهروا بذلك؟ أزعجها هذا التفكير. فقدت تلك الجاذبية الساحرة.. أوراقها تساقطت تمامًا. لم تسمع  إشارة واحدة تدل على ان فيها خميرة الجمال. مما ولد لديها بؤساً آخر يضاف الى السلسلة المعقدة التي أحاطت معصمي حياتها. كلمات الغزل لم تطرق أذنيها.. سقطت رغبة الشباب في متابعة خطواتها.. كانت تعود أدراجها الى البيت لتقف أمام المرآة. تمارس طقوس الإحساس بالجمال من انها مازالت يافعة خضراء. وتضحك على نفسها. كانت واعية لهذه الأسباب. ولكن ما بيدها لتفعله. وماذا في حنجرتها لتقوله. ودت لو أخبرتهم..أنها أخطأت ..كانت غلطة.. وانها غير مسؤولة عن أفعاله. وانها كانت أسيرة حب صار تافهاً. لم تكن تعرف كيف تبدأ خطواتها الأولى الى عالم  الانفراج.. رغم معرفتها ان الجميع لا يكرهونها إطلاقا.. لكنهم لا يحبونها كما في السابق. إنهم يزدادون ابتعاداً عنها. لأنها لا تتكلم عن وجهته. ولا يصدقون انها لا تعرف شيئاً. فهي الزوجة التي نامت معه على فراش واحد. وهذا وحده يكفي لشرب أسراره كلها. حتى النساء القريبات ابتعدن عنها.. الصديقات، الحاسدات لجمالها،العانسات، السائلات عن أسرار الزواج لم يصدقنها وهي تحاول ان تشرح لهن الحقيقة. قالت في لحظة جزع.

- اسألوا الثرثار.. هو الذي وجد السر وأحرق البيت.

- لكنك تعرفين أشياء أخرى.

- والله العظيم لا أعرف شيئاً.

- على الأقل  بعض أفكاره.

- مثلكم لا أعرف شيئاً.

نظرت في وجوه بعضهن.. وأطلقن نظرات الى وجهها المحتقن.. وبادرت إحداهن.

- هل صحيح انه يريد أن يكون ساحراً ؟.

- …….

- يقولون انه يبحث عن المجد الذي يوصله الى الخلود. وانه لا يؤمن بالله.

- ……….

- بل يريد السيطرة على كل شئ.

- ………

- زوجي يقول.. انه ليس بإنسان إطلاقا.

- ……..

   سمعت ضحكاتهن وقد شبت النار في داخلها.

   - أخي قال. انه ينتظر الحصول على شئ يمنحه القدرة على امتلاك مفاتيح السحر التي تطيح بالعروش .

- ………

صرخت إحداهن وقد همت واقفة تريد الخروج.. وتبعتها الأخريات، قبل أن تكمل المتحدثة الأخيرة قولها.

- ألا تريدين الكلام؟ دعينا نعرف الحقيقة.. لنحدد ما نقوله للرجال.. ربما تغزلين معه أشياء قد تكون وبالا علينا . هكذا يقول أبي.

تطحن أفكارها. تلم شتات أوراق خريفها المتساقطة تحت قدميها لتغوص في ثنايا وارتباكات رحيله. لا شئ يسعفها غير حفنة من ذكريات مالحة وكلمات مبهمة. توخز القلب المجروح.وكلمات النسوة معلقة في السقف تتدلى أمامها فتدمي لسانها اليابس، المتحول الى عظلة ممسوخة.. الى عقرب يلدغ استقرارها.. صارت الشوارع عبارة عن أشواك ومطبات عميقة ومياه آسنة. فتهرع الى البكاء لتضع الملح على جرح أنوثتها الملتهب. متمنية أن يقودها الى الموت. مخبأها هذا لا يقود إلا لجحيم أكثر غلياناً. رغم تيقنها ان ساعتها مازالت بعيدة.. وان دقاتها ما زالت أقوى.. فالهواجس المخيفة تبخر لها وساوسها وأفكارها من انها صارت امرأة مكروهة.. ودخان البخور لا يعبق في انفها.. لم تعد ترى شيئاً.. إلاّ ذرع المسافة القصيرة في غرفتها.. السجن. أسيرة حرب خاسرة. تتلقى نظرات ابيها وتأنيب أمها المغلف بالمواساة.. والأسئلة المكررة ذاتها.. فتحاول الابتعاد قدر المستطاع،لإعادة ما هو مألوف.. لتحافظ على بعض الأشياء الباقية من حنين والديها بصمت.. فربما للكلام شظايا زجاج ناعمة تجرح بدون قصد. هنا أفضل في هذه الغرفة. فالخطأ يقود الى تحمل النتائج. هذا ما تؤكده لنفسها.. لأن قدرتها بالية على النفاق واختلاق الذرائع والحجج . فليست هي المرأة التي تقتنع بالكذب ليكون شرفاً لها للتخلص مما يكدرها. فصرخت..آه . ضربت قفا رأسها بالجدار باحثة عن حلّ في صدى آلام الذي استغل رخوة الجسد ليدور في أنحائه. فعادت للصراخ ..آه.. دبابيس الأشهر الملتهبة، بصورها المرعبة لا تنفك عن البروز أمامها. متوغلة مع الصدى. ترمي جسدها تحت شرشفها.. حاضنة كفيها بين فخذيها لتأخذ نوبة ارتعاش.. لعنة الله عليك. حتى في رحيلك لم أرتح.. تركتني أرض بور حتى الأوراق الخضر التي جئتك بها سقطت في ثلمة زواج عقيم.. تركتني بلا نسيم أسير عليه. وصرخت متأوهة .. لعنة الله عليك. سمعتها أمها التي سارعت اليها لتجدها متكومة كقطة خائفة.. هزت رأسها لتوقظها من حلم انتابها في نوم قلق. وعندما تبادلتا النظرات عادت الأم الى مطبخها.. وقبل ان تهم بإغلاق باب الغرفة وهي تهز رأسها حسرة. سمعت ابنتها تهذي.. ستعود.. أعرف ذلك وسأراك. ستطأطئ رأسك لي حتماً وسأفرغ كل مآسي العالم فيك.

اقتربت من ابنتها.. تسحب أدعية وتحوقل بارتياب. رفعت الشرشف عنها. وضعت باطن كفها على جبهتها. لم تكن ساخنةً جداً.

- وإذا عاد ماذا ستفعلين ؟.

- ربما أحرقه وأضيفه الى خريفي.

- وقد تسامحينه. فهذه الربما معناها في عينيك.. وهي ذات النظرات التي جعلتك تحبينه.

- لا ادري.

لطمت الأم على خديها. وراحت تولول مثل امرأة منكوبة بمقتل ابنها.. فمسكت ذراع أمها بقوة. لتهرّب تعاستها في هذه المسكة المحكمة. وبكتا معاً.

-       لماذا تزيدين عذابي؟

          - أنت من تزيدين عذابك وعذابي وعذاب ذاك الرجل الطريح الفراش.كأنك المرأة الوحيدة التي خذلها زوجها .لو كان لي ولد.. لأعاننا في كبرنا.

غادرت الأم تسحب نحيبها.. وفي الوقت نفسه تسحب نَفَسَها من فخ لسان ابنتها التي لا تستطيع مجاراته .لجأت الى مطبخها،متفادية نظرات الأب وأسئلته. تاركة ابنتها تلوك أسئلتها وأفكارها في الغرفة.. نفضت الغطاء.. تريد ان تفعل شيئاً. سمعت أباها يقول.. أين دخاني ؟. وسمعت أمها وهي تهرول الى غرفة الأب. من أين آتي بالدخان لأخفف من غلواء أعصابي. بالتأكيد إن أبي عندما يدخن يستفيد مرتين. مرة لراحته ومرة للتفكير. في المرة القادمة أسرق دخانه. هزت رأسها أسفاً لهذا التفكير. فليس بالدخان يفكر الإنسان.

وقفت أمام المرآة تتفحص شكلها.. صورتها تواسيها.. تبين لها القعر المظلم .. ومن الصعوبة التسلق للوصول الى بعض ما كانت عليه على الأقل. ضربت جبينها، حيوان التعاسة سكن في الأعماق واستطاب له المقام.. ولن  يستلم الأوامر أبداً. نسيت كيف يكون الطريق الى راحة البال. الى شكل الابتسامة.. وهذا الهارب حديث الناس. جاهدت لرسم ضحكة لإزالة بعض التجاعيد.. حركت ثغرها.. فرأت طيف بكاء ورغبة تألم، سمعت حروف الناس تطاردها حتى داخل الجدران.. مفسرين ما لا يفسر .. ينطقون على أهوائهم ويثيرون الشائعات.. كانوا بحاجة الى تأويل يلوكون به دقائق ضجرهم. يتحلقون حولها.. يسطرون رذاذ ألسنتهم الثقيل على أرصفة الشوارع والأرائك وبطون العربات وظهور الأنعام. عادت وكّورت نفسها ولا تدري كيف تسلّل إليها النوم.. وهي كذلك في كل ليلة.. تتعب من الهواجس والأفكار.. فتنام لعلها لا تحلم بشيء يزيد تعاستها.

في الصباح.. عندما ضربتها الشمس الداخلة من النافذة الوحيدة، استيقظت مذعورة.. تتنفس بسرعة وبصعوبة.. كمن قطعت عشرات الفراسخ بركضة واحدة. كان شعرها المنفوش يزيد مظهرها وحشية. حاولت أن تتذكر بماذا حلمت.. لم تستطع ان تمسك بصور متداخلة ومختلفة الأماكن .عرفت ان الزوج الهارب كان يلاحقها.. محاولا خنقها.. ماداً لها لسانه القذر الطويل.. وبيده سكينة طويلة أشبه بسيف صغير.. ملوحاً خلفها ومتوعداً بقتلها.. وكانت تركض.. لتتخلّص من شبحه.. دخلت مدناً وقرى ومراعي.. وأزقة وشوارع وصحارى ..وكان خلفها. وتمكن اخيراً من الوصول لها وجهاً لوجه.. ليطعنها اسفل بطنها.. كانت مذعورة لمنظر الدم. لا تدري ان كانت قد ماتت أمْ بقيت على قيد الحياة. نفضت رأسها. ان مشهد الدم، يجعل حلم فاسداً..خرجت الى باحة الدار. بعد ربع ساعة.. قضتها  بإعادة التوازن الى ضربات قلبها. منصتةً لنأمة تأتيها من الخارج أو من داخل الدار. كان الصمت يعم ما حولها. لم يكن الوقت فجراً. فالشمس تسلّقت ربع السماء.. شعرت بضيق شديد. وتحولت الأرض الى جمر متّقد. سياط الفوضى تضرب رأسها. ودوائر الهواجس لم تتجانس هي الأخرى مثيرة غباراً من الأسئلة. فاجأها الصمت.. إذ ليس من المعقول أن لا تسمع شيئاً جديداً عنه.. لا تسمع حتى سؤال واحد،أو تعليق أو تحليل. مما زادها نفوراً. فاليوم الذي لا تسمع فيه شيئاً لا تعده من قائمة الأيام. كأن المدينة وجدت شيئاً جديداً تلوك به ألْسنة المستيقظين. اقتربت من أمها في المطبخ وجدتها تعد وجبة الغذاء.أخذت سكيناً وراحت تقطع البصل. نظرت إليها الأم بطرف عينيها، لم تتكلم معها. كلمة واحدة منها ستعيدها الى الغرفة لحياكة عزلتها. فقررت الصمت منتبهة الى ان ابنتها التي اختارت البصل كانت  تقطعه بعصبية ظاهرة. ولأن الأم مازالت على صمتها. انهمكت ببكاء صامت.. فتّته سحب ما تساقط من منخريها.. مزيلة حرارة البصل الأحمر. كادت تجرح نفسها. فسارعت الأم الى تقديم قدح شاي وبيضة مسلوقة. لكن الاثنتين بقيتا حائرتين فيما تقولانه لبعضيهما. بانتظار المبادرة من إحداهن.. وعندما استطال الوقت نظرت في وجه أمها.. وجدتها حزينةً.. متوسلة بها ان تأكل. رمت السكين وعادت الى غرفتها تمسح حبات العرق المتصّبب..ضربت بقدمها حافة الباب فأحست بألم شديد في إصبعها الكبير. عندها وجدت شيئاً تعالج به الوقت.

في غرفتها .. ظلت تعصر أصابعها.. عرفت انها بحاجة إلى   الاستماع لكل نأمة تصدر من أفواه الناس.قلقها هذا دليل على ذلك. وان سر تعاستها لا تكمن في الكلام. بل في الصمت.. ولأن الوقت أخذ يأكل ساعاته.. تدحرجت إلى الزاوية لتطعم نفسها شيئاً من الصبر الخريفي.. وسمحت لأسنانها أن تأكل أظافرها وشفتها السفلى. وقبل انتصاف الشمس في سمت السماء.. طرق سمعها كلام جديد. أحسّت بحشد من الدود يحفر أذنيها لكي تسمع بصورة جيدة. هذه النافذة هي إطلالتها على العالم القريب من السوق. مسحت وجهها لتصيخ السمع. انه مازال على قيد الحياة. رآه بعض رجال البدو هائماً في الصحراء. بينما قال البعض الآخر ممن دخلوا المدينة صباحاً أنه يسكن الصحراء.. ينتظر شيئاً لا أحد يعرفه كأنه يتعبد!! ضحكت في سرها.. يتعبد. كررت الكلمة في داخلها. وأضافت انها مجرد إشاعات مادام الأمر يتعلق بالعبادة. فالناس يعرفونه جيداً. ما ذكر في يوم ما أمامهم مسألة العبادة. كان يتكلم عن المصير الذي يجب أن يختلف عما هو متعارف عليه. ولم يفهم قصده أحد حتى هذه اللحظة. انها مجرد إشاعات يا لغباوة المتحدثين وبلاهة المستمعين. تعرف ان مثل هذه القصص كثيراً ما أطلقوها سابقاً، حولهما. فقد ذكروا.. ان هذا الرجل اكتشف ان زوجه لم تكن أنثى كاملة. بكت حينها. حتى شربت دموعها بمذاق  المياه الجوفية. مدّت إصبعها لتتحسس غشاء بكارتها الذي لم ينفجر . سمعت أيضاً انها هي التي اكتشفت انه لم يكن رجلاً. ضحكت حتى لحست دموع ضحكتها.. ودت لو خرجت إليهم وأخبرتهم بأنه قطع إحليله في باحة الدار.. وان لم تصدقوا فأذهبوا إلى البيت وابحثوا عن لحمه المدفون، إن لم تأكله الكلاب.. لعله يقضي على عاقراتكم. اكتفت بالنظر إلى أمها المستفسرة عن إجابة لهذه الأقوال التي تربطها بسر هروبه. أخبرتها الحقيقة و رجتها أن تدفنها أسفل بطنها. لا تخرجها حتى مع الهواء.

 فقالت لها الأم.

        -أمن المعقول ما تقولينه ؟

- وهل اكشف لك عن نفسي لتفحصيني ؟.

- ليس عنك. فلا توجد امرأة في أصلنا كذلك. ولكن عنه هو.

- كلا.. كان رجلاً. وكان عضوه قد أنتصب في ليلة العرس ساخناً لكنه ماع في لحظة احتراقي كما الزبد.

- لا إله إلا الله. انه رجل ممسوس.

وتذكرت ان الرجل الثرثار قال لأبيها. انه هرب ليحقق غاياته بالسحر. فكل الدلائل تشير إلى ذلك. يهلوس كما المجانين وهو ليس بمجنون ..لا أدري ما يكونه لكنه سيكون شيئاً فضيعاً .

عادت لتسمع.. البقاء في دائرة تشويش المدارك يعني عدم التقاط الأشياء الصحيحة.. فهي نفسها لا تعرف لماذا هرب.. فتناهى إلى سمعها ان هناك من يجمل صورته.. وانه قادر على مغادرة الوجع.. وانه هرب من جور الصمت ليصنع الكلمات. وتذكرت حواراته العنيدة. عن الموت والبقاء.

- كل شيء محاصر هنا.

اقتربت منه ليفيق من غيبوبته.

- وأنا قلقة عليك.

- قلقك بسيط.. لكن قلقي أصعب.

- من أي شيء ؟

- من وجودي بينكم.

- أنت الغريب بيننا.. وأنا التي جعلتك ذا صلة..

- أعرف ذلك. فأنا نفسي لا أفهم كيف ولدتني أمي ومن هو أبي.

- إذن عليك أن تبدأ معي.

- لا ينفع.

- سأتحول إلى خريف.

- خريفك يأتي بعده الربيع في أية لحظة عندما يمطر الصمت حروفاً.

- إنك تريد أن تحرك المياه في الاتجاه الذي يفيدك.

- ولماذا لا أكون ؟

- أنت مجنون.

- إذا كان كذلك فمرحباً بالجنون.

- هذا كلام الناس.

- هم المجانين.. يضعون الوقر في آذانهم.راضين بخنوعهم للقدر

    -  وماذا بعد ؟

- أنا أسير رؤاي.. وأنت أسيرة شبقك.لن أكتفي بما أنا عليه .. لابد من تحريك المركز باتجاهي .

سمعت أمها تناديها.. أن تأتي للغداء. لم تعد الأم تلح عليها لتأكل. اليأس ينطق بالأخبار وكثرة الإلحاح يولد شدّة الرفض. وقد نجحت في ذلك. وجيب البطن أخذ يتعالى أمام وجه الهزال فراحت تتقدم بخطوات خجلة.لتأكل ما يشد عظمها ويعينها على البكاء .

قبل أن تجلس لتلبية نداء الجوع . أصيبت بالذعر. سمعت من نافذتها المطلة على المأساة من يؤكد وجوده.. بيقين لا يقبل الشك. ومن الصعب الافتراض ان ما تسمعه محض إشاعة جديدة، يغلفها الكذب المقصود والتهويل المبالغ فيه. آه.. كل هذه الشهور الطويلة جداً.. في زمن هروبه ليكون ما تسمعه الآن. انه المنقذ الآن من ويلات الزمن.. صار له أسم جديد.. يطوف به.. له سمات ولدت معه. لكن الذين رأوه.. أكدوا انه هو نفسه من كان في هذه المدينة يهذي ولا أحد يصدقه. لكنه الآن. له

 

 صحة حيوان.. وفم لا تسعه الكلمات.. كل شيء تغير فيه إلا الذين تمرسوا في رؤيته سابقاً.. يعرفونه بعد التدقيق من خلال عينيه الضاجتين.. واستدارة وجهه التي لم تزل كما هي..

ما الذي أسمعه الآن ؟ هل أسمع خرافات مفضوحة الغايات ؟ هل أرسل رجالاً يناصرونه لتلميع صورته المهزوزة ؟ أم لزيادة تعاستي!! كلامهم يشرخ القلب ويذيب ما تبقى من الجليد الذي أحاط صبرها حتى لا تنهار تماماً. صعد في رأسها دبيب القلق من جديد وصارت تعصر أصابعها وتضرب بقدمها الأرض محاولة إخراج الأفكار من رأسها لتحليل الأمور. أهذا الزوج المتهتك الخائف.. الجبان، ينقذ الناس.. ومّم ينقذهم ؟ أمن الممكن توزيع ما يبثه على الناس لتكون سعادتهم؟ هذا اللاهث البائس. تأوّهت. وضربت جبهتها بباطن كفها وعصرت نهديها حتى برزا من شق ثوبها..جاءتها أمها راكضة.. التقت العيون الأربعة. قالت  الأم.

-                             أسمعت ؟

فكرت قبل أن تنساق وراء رغباتها ألاّ تعطي اهمية لما تسمعه عندها تكون في مصيدة التوبيخ مرة أخرى.

- ماذا سمعت ؟

- نعم!!.. إذن لماذا صرخت ؟

- لأني أريد أن أخرج جن التعاسة من جسدي.

- وهل الجن يخرج بصرخة..؟

- لا أدري من الجن في هذه الحياة.

- لا عليك بأولاد الشيطان.. وانتبهي إلى وجود الرحمن.

استدارت الأم خارجة. تعودت في الفترة الأخيرة ألاّ تطيل المكوث في غرفة ابنتها ولا تزيد النقاش ولا تجيب عن الأشياء أكثر مما يجب. فقد اقتنعت ان كل حوار وزمن يعني تشبث البنت بتعاستها وأحزانها.

- ماذا سمعت أنت ؟

عادت الأم لتقف قبالة ابنتها.. وعرفت من عينيها انها تريد إيضاحاً يريح عقلها

- أهذا يريحك يا ابنتي ؟

- ماذا سمعت بحق أبي ؟

- يقولون.. يقولون..انه الآن.. يبحث عن الموت في أجساد المرضى ويشفيهم.. لمسة واحدة منه فقط. لقد تحول المعتوه إلى حكيم تتصاعد من أصابعه أبخرة الشفاء.

أي شفاء وأية حكمة ؟ من أين أتته هذه الحيل.. لابد في الأمر سر. وإلا فهذه خيانة للوجود. رفعت بصرها إلى السماء. لم تكن الشمس في المساحة التي تحتلها النافذة. ارتبكت.. مستحيل هذا.. هذا الخائف من الموت كيف يواجهه. حركت ذهنها لتتمكن من الطواف في دهاليز رأسها. أهذا الذي تسمعه صحيح؟. هل خرج من حضيض أفكاره إلى ظلمات جديدة كأنها نهارات ساطعة؟.. هربت إلى المرآة. وحاورت فرصتها الوحيدة.. لتحدد قيمة الرهان داخل نفسها. بدت تالفة المنظر كمستيقظة من مقبرة.. تنصت إلى حالها السريع اللهاث. فلم تجد شيئاً سهلاً.. وكان الافتراض صعباً لتحلل الأشياء وتسميها بأسمائها. وهذه البطن الخاوية إلا بما يجعلها تزداد كآبة وحزناً وإهمالاً. تراءت لها أمها خلف صورتها تمسح دموعها بدلاً من استحضار بداية تعينها. رأتها ترفع يداً برزت عروقها الزرق. ولم يبق من جسدها إلا هيكل ناحل، يكسوه جلد يخفي بين طياته لحماً يابساً.. ومن خلفها.. كان الأب يقح ليزداد ربوّه . جسد بلا لحم.. وجدته كعمود طويل منحن. أدركت انها تعذبهما. رغم انهما الوحيدان القادران على جعلها تعيش كامرأة مازالت أنثى نافعة. عدّلت من خصلات شعرها. وسارعت إلى أمها مع هبوب نسمات عذبة خلف ظهرها.. كانت الأم مشغولة بشرب شاي وهي صافنة. نامت في حضنها مثل طفلة صغيرة. وراحت تجهش ببكاء مرّ شاعرة بحنو عظيم. وبعينين تراقبانهما بهدوء رغم الدمع. رفعت كف أمها لتضعها على رأسها. ملّبية طلب الرجوع إلى الطفولة..والأم تهّز ركبتيها..بدأت تغني كامرأة تريد لطفلتها أن تنام؟ بينما هي مستقرة في حضنها والخدر اللذيذ بدأ يسري من قدميها.. وأصابع الأم تدور في فروة الرأس. بينما هي تحاول أن تجعل النوم يحتل كل جسدها سمعت جلبة في الخارج.. وعصا تضرب الباب..أطل وجه الأب المصفر.. فأعادها إلى واقعها المرير.

- ماذا تفعلين هنا يا امرأة. إلا تسمعين صراخي؟

كانت نظراته أكثر حزناً فلا تستطيع الهرب فتلّبس جلدها دبيب الخوف من كلماته الموجعة.

- ماذا تريد يا رجل ؟

- أما زالت هذه المجنونة مشغولة الأفكار ؟

- دعها وشأنها. يكفيها ما بداخلها.

تعرف ان أباها يقول الحقيقة.. وانه كثيراً ما حذّرها وقال لها ان نهايتها على يد هذا الرجل ان تزوجته. قال لها انه ليس كالرجال. فأغلقت عقلها ساعتها، واعتبرت زواجها جزء من حقها. نهضت واحتضنت قائم سرير أمها. ودت لو احتضنته.. واعتذرت منه.. فمأساتها زادت من أعراض مرضه.. واستمعت مرغمة للكلام

    - نصحتك منذ البدء. وها أنت أشبه بالميتة ونحن في طريقنا إلى الموت.

- أتركها يا رجل.. الذي صار.. صار..

        -  يا ليتها تعرف ان الذي صار.. صار وتنتبه إلى نفسها. ماذا تقول الناس عنا ؟

أخرجته الأم.. سحبته إلى الغرفة الثانية..تركاها وحيدة مذعورة لا تسمع شيئاً غير الإحساس بالمرارة.. وان حطام روحها مازال ينتظر الانهيار.. فهذا البيت دخله المرض.. وأصاب الجميع والسبب انها أصبحت هي الداء.. نهضت مسرعة إلى سريرها ولم تستطع الخروج من مصيدة الفشل الذي سبب انهيار صحة والدها. وبين هذه الأحداث التي تتوالى عليها بأخبارها المحزنة المخيفة،هذه الأعاجيب التي ترمى لها من فوهات كبيرة.. لتنفجر إلى شظايا تصيبها بالهلع. انها تسمع الآن. من انه صار واهب الحياة.. طارد الموت وان المدن الأخرى صارت تعلن أسمه الجديد.. ويعلن مواطنوها تمسكهم به. لا يمكن أن تكون هذه الأخبار محض افتراءات وخرافات.. تنظر إلى المرآة وتسأل: هل حقاً انه كان يريد الوصول إلى أفكاره الشيطانية ؟ أعترف الآن انني كنت جاهلة.. غبية. فحالته المتناقلة للأنباء.. أخذت تحرك سواكنهم وتدير رؤوسهم وتغيير أفكارهم. لعنة الله على الزمن. كدت أنسى. بل انني كنت قاب قوسين للخروج إلى جادة الحياة. لعبة الحياة أعادتها مرة أخرى إلى حالة الفوضى. فتصورت أن لا موضوعة في المدن الأخرى إلا حكايته.. مادام هو كاشف أسرار الموت وواهب الشفاء. فغطى على سمعة كل المشعوذين والدجالين وقارئي الكف الذين لم يصلوا إلى ما وصل إليه. أصابها الدوار.. وشعرت ان الغرفة ضيقة. أضيق مما تتصور.. فنامت ليلتها دون عشاء ولكن بعد منتصف الليل بكثير.

في الصباح الجديد كانت الشمس تشرق نصف أشر أقة.. لم تحلم بتعاسة الأشياء أو سعادتها .. شعرت انها نامت مجهدة التفكير. واستيقظت على غير عادتها لأنها تريد الاستماع الى أحدث ما وصل من أخبار. وضعت أذنها قرب النافذة. تناهى الى سمعها انه صار درويشاً يجوب الشوارع.. في القرى البعيدة والمدن. طاوياً بقدميه المسافات بحثاً عن المرضى الذين لا شفاء لهم. يحمل عدته في كيس وعرفوا انها مرآة سحرية. لا أحد يراها غيره. ليكتشف الموت. ويكون الشفاء حليفه بلمسة واحدة ونظرة وحيدة ليكون العلاج الحقيقي للأجساد المنهكة. تساءلت أية مرآة؟ أتحول الى ساحر !! مسكت صدغها لتعصر الإجابة. أو تقتنع بإجابة شافية.. لتكون يقيناً للتصديق.. هي تعرف انهم يتحدثون عنه. فالقادمون ينقلون أخباره.. صارت سمعته أشهر من أي رجل عرفته المدن. ويوصون من لديه مريض لا شفاء له، الذهاب إليه أو استدعاءه.. بعضهم عرفه وحدد ملامحه.. إذن هو نفسه لا غيره من يتحدثون عنه. آه يا رأسي. أكل هذا يخرج منك أيها الخائف؟ كنت خائفاً أمامي.  تخاف ملامستي. ولكن مهلاً.. مهلاً. ليس بجبان. فالذي يقطع عورته دون ألم. يفعل طبعاً ما يشاء. آه.. لعنة الله عليك.

أنقذتها طرقات الباب من الغموض في تفكير لا إجابةله. سمعت أمها ترحب بالضيف. وعرفته من صوته. انه الرجل الثرثار.. تقدمت خطوتين الى باب غرفتها. تمسك غضباً تصاعد في داخلها.. هي تمقت هذا الرجل. يذكرها بفشلها وخريفها. لكن قواها الخائرة وخوفها من أبيها جعلاها تقف عند فتحة الباب. حسن لأسترق السمع.. فهذا القادم لديه الأخبار الصحيحة. وبدأت نقضم أظافرها. سمعته يتحدث عنه.. انه يدخل بيتاً فيه مريض عجز الطب عن شفائه والسحر عن اكتشاف دائه، ومات الأمل في دواخل ذويه. وجفت عيونهم قبل الأوان. وبقدرة خارقة.. يشفى المريض حالاً. كأن روحاً جديدة دخلت جسده المتهالك. وقيل من بعض المستطلعين ان المريض يعود شباباً كذلك.

المرضى كثيرون. قالت في نفسها.. ولكنه تركني  أصارع أرقاً وخمولاً ونحولاً. أصاخت السمع. لا تريد الكلام مع نفسها حتى لا يفوتها حرف من فم الثرثار. كان صوت دوران الملاعق في أقداح الشاي يدخل في نفسها الامتعاض. وصوت الثرثار أخذ بالهبوط.. سمعت.. ما هي إلاّ لحظات بعد الاختلاء بالمريض. حتى يقول له. انهض.. فتتعالى الزغاريد وتوزع الحلوى وأقداح العصير. ويخرجونه محمولاً على الأكتاف.. هاتفين بحياته.. وقدرته العظيمة.. طالبين شفاعته. مقبلين يديه. بل كما قالوا.. أخذوا يقبلون قدميه. ومن لم يستطع يقبل أثره.. لا أدري ما الذي أقوله يا عمي. الناس هناك اعتبرته المنقذ.. وأنا أقول. لقد بدأت اللعنة بالنزول لتحل في كل البيوت.. لأنه لن يتوقف عند هذا الحد. سمعت أباها يسأله. وما الذي ستفعله أنت. قال له .. واجبي الآن، أن أجمع الناس المثقفين الطيبين المؤمنين لنقول لأهالي مدينتنا ان الانزلاق خلفه يعني الوصول الى الرذيلة وما بعدها يكون الموت.

لا تصدق ما يقوله هذا الثرثار. جاء ليراها.. ويسمعها.. ويخبرها انه هو الوحيد العاقل وانه ما زال يحبه.. عليها الخروج لتتأكد. فربما هناك من الكلام ما لم يصل الى النافذة. خلسة خرجت بعده.. مزقت شرنقة المكوث. وسارت على هدى صدى يتردد في داخلها من أجل المزيد من المعرفة. أخفت وجهها بطرفي عباءتها.. وتركت عيناً كنافذة مطلة. سمعت رجلين يقفان عند بائع الشاي على جادة الطريق. كل المدن تلهج باسمه.. تنتظر إطلالته المجيدة. لان فيها خفة من نسيم.. تشفي كل مريض بسرعة لم يشهدها العالم في سواه. سارعت بخطاها لتلج السوق. سمعت امرأتين.. انه يشفي حتى النساء العاقرات. يمرر أصابعه فوق بطونهن وفوق.. همست إحداهن في أذن الأخرى. ولاذت المستمعة في استيحاء واضح..المهم انها تحبل من أول ليلة. سارع الغضب في داخلها.. انه يجعل المرأة العاقر قادرة على الولادة بينما تركني أعاني ثقل أنوثتي. أتلذذ وأنا معه بأصابعي. تقدمت إلى عمق السوق. سمعت جزاراً يتكلم بصوت عال الى زبائنه.. صار الناس يحبونه.. هناك له مؤيدون.. كيف لا، وهو يمنحهم ما لا يستطيع صاحب الرعية توفيره..وان ما يحتاجه من الآخرين هو التأييد له.وسيخلصهم من كل ماضيهم المريض القذر. فازدادوا تعلقاً به. قال له أحد الواقفين.. ونحن.قال الجزار، نحن مازلنا بانتظار الأخبار الأخرى.. فالرجل الحكيم يقول عليكم التمسك بأيمانكم.. لأن هذه خرافات. ونحن نثق به أكثر مما نثق بهذا الذي كان بين بيوتنا أشبه بالمجنون. سمعت امرأة تسأل.. ألا يموت مريض بين يديه؟ سمعت أخرى تعرفها بقلة حيائها. ماذا يفعل لو اختلى بامرأة جميلة في غرفة موصدة ؟..

هربت شطر البيت. مزدحمة القلق.. مشتتة. خطاها متسارعة كأنها ارتكبت إثماً لخروجها.والكلمات التي سمعتها تدور كطنين في رأسها.. حاولت أن تبعد ما سمعته وأن لا تذكرها مع نفسها. لكنها كانت تلاحقها بلهاث.. مما زاد من حنقها على نفسها. لقد سمعت من امرأة عوراء. إنها هي التي ساعدته ليكون هكذا. وصارت الآن داخل سلسلة شعوذته. وسمعت الرجل الثرثار.. عرفت  صوته.. ففيه رنة لا تخفى على سامعه دون أن يراه. الناس هناك بحاجة إلى أنبوب للتنفس من  كدر المرض الذي حلّ فيهم بلا هوادة ولم يعالجوه بالصبر. كما نحن. أنه الطاعون الجديد.. جاء بأثواب جديدة. لذلك استغل الهارب تذبذب الأفكار. وعلينا أن لا نسقط في دائرة الترويج لأن بعدها نكون في مركز الحضيض. إن مرض الجسد أهون من مرض العقل. لأنه المصيبة الكبرى. إياكم والانجراف خلف متاهات الترديد لأفكاره لأنكم ستصنعون مجده على حساب ثوابتكم وإيمانكم.

يا للفوضى. رددت في دخيلة نفسها. يلاحقني أنى أكون. سارعت تجرجر قدميها المتعثرتين. تلاحقها الحكايات الغريبة التي حفرت في رأسها أخدوداً يجري في داخله الصداع. طنين هائل كاد يفجر طبلتي أذنيها. لتتلاشى كلياً. كأنها غير موجودة، غير إحساسها أن تصل الآن إلى البيت.

     عندما دخلت قدمها اليسرى باحة البيت. لم تنتبه لأبيها ولاستفسارات أمها المستغربة من خروجها المفاجئ. كانت مشغولة ببكائها واستذكار سحنته. وإن عليها أن تصدق حتى الشائعات. قال لها أبوها وهو يقف أمام فتحة باب غرفتها. ويتكئ بذراعه ليتحاشى السقوط ويعالج اختناقا دهم صدره.

- هل ارتحتي الآن ؟

- …

- هل صدقت ما يقال ؟

هربت بوجهها. لا نفع للكلمات. فقد سقط الفأس بالرأس.

- تصدقين أو لا تصدقين. انها الحقيقة. بعلك المقدس أوهمك.. وتركك عرضة للخريف.

تقدمت إليه. وقفت أمامه..كانت امرأة ضعيفة. ودت لو نامت على صدره لتعتذر، ويغفر لها. مسحت مخاط أنفها.

- وماذا تريدني أن أقول ؟.

- عليك أن تعرفي خطأك.

- ولماذا تقول لي هذا.. ماذا ينفع ؟

- لأنك الصفاء. يجب أن تحافظي على صفائك. احمدي الله انك لم تنجبِي منه.

نزلت ذراعها على بطنها. وتحسست النار المتوقدة تحت الملابس.

- أنا الآن. خريف كيف تريدني أن أزهر ؟.

- سيكون الربيع قادماً عندما تتزوجين، وقبل أن أموت.

- لن أجني غير الملح.

- هذا الخطأ بعينه. عطرك مازال مخبوءً في أعماقك الطاهرة.

- وأين لي أن أرى الطريق، وأنا أزداد ظلاماً.

- عندما تؤمنين انك كنت صيداً سهلاً للفشل. عندها تدركين النجاح.

- ماذا تقصد !!

- الرجل يحبك وأنت مازلت متعلقة بالمأساة. إلى درجة الانفجار.

هرعت إلى فراشها باكية. دفنت رأسها تحت الوسادة لتستنشق بين خيوط الحزن رائحة الضياع. وهي في حيرة من أمرها. تعرف ان أباها يرمز في كلامه إلى ذاك الثرثار. كيف لها أن تعارض طلبه. فربما يموت، وحبال أوتارها مرتخية وهذا الثرثار يحمل من الكلمات ما يملأ براميل ضخمة.

دار بها السرير والجدران والأرض.. لم تستطع التخلص من هذا الدوار اللعين.. انه وحل ملتصق ومعزوفة تنقر نشازها بأعصابها. تمتد الألسن أشباحاً راقصة لتمتص دم الهدوء، محيلة مخلوقاتها البارزة إلى تشوهات مخيفة.. تجلس منزعجة، لتتخلص من تنافر الأصوات. تنتحب بصمت، لا تدري لماذا لا تلبي طلب والديها، بالزواج من هذا الرجل الذي يريدها. فقد أخبروها ان الطلاق سيكون لها إذا أرادت تغيير اتجاه سفينة حياتها. وانتبهت إلى صوت تسلّل عبر الباب. انه هو. يكلم أباها. عن أخر الأخبار المتواردة. الأخبار التي لا غبار عليها. مختومة بوشم الصدق الذي لا يقبل الجدل أو الطعن.تيقنت ان ليس لها القدرة على مطاوعة والديها.. فاصطدمت بغضب عرّش في أنحاء جسدها.

 

 خرجت إليه، لتواجهه صراحة. مستعيدة بعض قدرتها. لم تعر أهمية لمناداة أمها بضرورة التوقف. فمظهرها لا يليق بها. فقد رأت في عيني ابنتها غضباً سيحرق ما تبقى من هواء في صدر والدها.

وقفت أمامهما.. الأب الصامت الذي صُدم بمنظر ابنته، والرجل المندهش من إطلالتها المفاجئة.. فتسارعت دقات قلبه. ونسي انه في مكانة رائقة في المدينة. لكن الحب الذي لا يستطيع مغادرة مناطق الضعف جعله مثل طفل تائه أمام آخرين غرباء. سمعها تقول.

        - من أين لكم هذه المعلومات. كأن دوائر خاصة أنشأتها لتنقل أخباره ؟

بلع الرجل ريقه. وهو يرى عينيها كجمرتين متوقدتين.

- أي فعل، حسنا كان.. أم سيئا.. ينتشر.. مثل رائحة..الشواء.

- لكن المدن الأخرى فرحة به كما تقولون.

- لأنهم سقطوا في فخاخه. لا يعرفون ماضيه كما نعرفه نحن.

- لكنهم يصدقونه.

- مثلما صدقنا الذين جاءوا قبله بحيل وأوصاف ووعود مختلفة.

- لكنهم يزدادون تعلقاً به.

- من الذي يصنع الواهمين غيرنا. من الذي يستطيع أن يقف على الرقاب دون أن تنحني له القامات.

لم تستطع الإجابة. تعرف انها تتكلم عن قاتلها لكنها تريد أن تخبر هذا الجالس بأية طريقة انها الآن غير مستعدة للقبول إلا بالحزن.

- لكن الأمور صارت له الآن.

- لأن ما جاء به أقوى من كل من له سطوة في تلك المدن.

أزدادت تلعثماً.. فلكل سؤال جواب حكيم. لاذت بحيرة لا تعرف كيف تخرج منها، وماذا تجيب. وعينا أبيها المتوجستان مندهشتان من جرأة هذه المعتوهة المجنونة. رأت ارتعاشة شفتيه.. وحركة كفه الملمومة. وعرفت انه لو استطاع النهوض لصفعها.

خرجت تجر خيبتها وكذبها على نفسها.أغلقت باب الغرفة بقوة. وأخذت تبكي بصوت مسموع. وصورة الرجل الثرثار تحاصرها بالوقائع المرة. وصوت أبيها يطاردها. من انها إذا كانت تحبه فعليها أن تقتفي أثره.

جلست على حافة السرير، ثم وقفت. كمن وجدت شيئاً. لن أجعل خطواتي مبعثرة.. لن أساير الوجع.. لن أشجع نفسي على الانخراط في لعبة الخريف.. صرت أصدق كلمات هذا الرجل. سأنظر ما حولي بعينين جديدتين. لأحافظ على طراوة جسدي.

هل أنا قادرة على النسيان ؟

هل أملك القدرة ؟

ولكن.. من أين يبدأ الطريق ؟


 

                         

 

 

 

                                 ( 9 )

 

أدرك تماماً انه ممسك بعصا الشفاء.. يحّركها كيف يشاء، وتأتيه النتائج مثلما يريد. مما جعله يرمي شيئاً فشيئاً ذلك الحذر القلق في تنقلاته، بل ان ما أخذ يشغله ويتفانى من أجله هو أن يحافظ على هويته وينمي فرضية وجوده على الآخرين. فكان أشبه بكتلة مغناطيس كبيرة.. تجذب الألباب لها والعقول المعتقدات. كانت العيون تستقبله، تميل إليه الأفكار وتدار من أجله الرؤوس. سكنه الاطمئنان تاركاً مهد وجوده الجديد يتسع لانبهاره .. لينقلب بعد آن الى كرسي يدور بدوران الأرض .. عندها سيكون نحر الكبش لا يحتاج الى كثير من العناء ، فهويته الجديدة بان ختمها وسال لعاب الأفواه اللاهجة بأسمه وبمرآته.ها هو إسطرلاب أفكاره يتجه نحو الطريق المرسوم لحصد المزيد من النتائج. وان جسده المشوه إلتحمت تشققاته، والتأمت جروحه، ونبتت له أسنان جديدة، وكبر أنفه، وطالت أصابعه، وبرزت وجنتاه.. كمن له هالة تحّف به. ضاعت تلك الملامح التي ما أن يتذكرها حتى يشفق على نفسه من تلك المصاعب الكبيرة التي واجهها في طريق نضاله المرير، المحفوف بالموت، والخوف والجزع والعطش القاتل. ها هو يعبّ الهواء بملء رئتيه. وطريقه يزداد وضوحاً.. النوافذ والأبواب تفتح له، والعيون والقلوب. صار قبلة الناس، يبيع لهم الشفاء ،مقابل السير خلفه وتأييده .كانوا يهبونه ما غلا ثمنه، وعّز عليهم. حتى كرامتهم ،قدموها له رهناً بين يديه لتطهيرهم مما هم فيه. وجدوا مآسيهم وقد ذابت برمشة عين. وكان يقول لهم.. إن القادمات من الأيام ستكون أفضل حالاً.. وأن الخير قادم لهم وسيعمّ النفوس. فقط الصبر.. فقط التأييد..سنعبر المستحيل كما ينبغي ، فقط السير خلفه.أن يكونوا قريبين منه كما هو قريب منهم. وأن يجعلوه واحداً منهم. فجعلوه أولهم. فقط أصبروا ريثما أزيح الغبار عن زجاج حياتكم. فقط توحّدوا معي.. فأخذوا يشمّون عطره.. يسمعون صدى صوته وهو يرتد إليهم من الأرجاء. إنكم صانعو حياتكم، وما أنا إلاّ مخّطط لطرق الوصول الى مبتغاكم. أنا خادمكم وهذه رسالتي.. هي أن أنقذكم. صارت لغته أكثر إشراقاً. وأيقن إن لسانه دخلته كلمات جديدة لم تكن موجودة في قاموسه اللغوي. وأن حنجرته قد تبّدلت أخذت تقرع أجراساً ناعمة الصوت.. خفيفة الملمس.. قويّة الموقع. قادرة على سلب العقول. والتنزّه باللّب.. فتخرج الحروف من رقبةٍ بدت له طويلة، حسب المناسبة والمكان. كان يدور حيث يأتيه النداء للتوّجه.. يفعل ما اعتاد عليه بلا فشل. لا شيء غير شفاء وعافية.. وسيرته أضحت خارقة على كل لسان.. كبير الناس وصغيرهم.. النساء والفتيات.. العوانس والعاقرات.. إنه حديث المدن كلها. نعم.. أنا الشافي.. والهادي والمخلص من أوراق الماضي وما علق في العقول. أنا زارع الأشياء الجديدة في الحياة. أنا مبدل الأحوال ومغير الأفكار. وأنا الذي يقرر من يموت.. ومن يحيا.. لأنني أملك مفاتيح كل الأقفال.. أنتم صورتي وصوتي.. هذا حصاد صبري.. نتائج تأملي.. لا يوجد مستحيل أمامي.. تباً لكل ماضىٍ رديء لا يوازي ما أتمناه. هذه هي الخطوة الأولى في الدرب الطويل.

يجوب المدن. العالم المحيط المتسع لخطواته حيث امتلاك النواصي. فتغمره السعادة حد أظافره. يحمل على كتفيه اتجاهات التحّرك. يوجّه إسطرلابه منذ البداية. فيتوهّج خيط الضوء الموصل من غيبيّاته إلى المكان المقصود.. يسير حيث حاجة الناس إليه.. يستقبلونه بالهتافات.. طالبين منه تلبية رجائهم وحلمهم بالدخول إلى بيوتهم. لكنه كان يلوح لهم ويطلب منهم فقط إفساح المجال له. فهناك من المرضى ما يستدعي الوصول إليهم. صارت الهدايا تأتيه من كل المدن. يحملون النذور المقدسة، ويقدمون القرابين، متوسلين محبته ورضوانه. أما الذين لا حول لهم ولا قوة. فكان يربت على ظهورهم ورؤوسهم. ليس المهم أن تقدموا هداياكم أو أموالكم، بقدر كونكم معي دوماً. فكانوا يرفعون أيديهم ويلهجون بأسمه. موجهين أكفهم إلى نظراته. ولا يعرفون ماذا يقولون عنه.كانت دعواتهم تختلط مع بعضها.. لكنه كان يفهم إنهم يريدونه دوماً. طويل العمر أطول من قامته. أنا باق.. لا تخافوا.. لن أموت.. وعندما يجد الدهشة على الوجوه.. والتساؤل عن عدم فهم ما قاله. يضيف .. لن أموت.. حتى أشفيكم من أمراضكم كلها. أمراض الجسد والزمن والحياة والاعتقادات وكل مرض لا تعرفونه. ولأنهم لا يفهمون ما يقوله. يلغون تساؤلاتهم ويرمونها جانباً. فلا نفع لما يقولونه. هو الأدرى والأعرف والأقدر. مادام هو الذي يمنحهم مباهج الحياة.. منتظرين إنجازاته القادمة.. لا يمكن لوعوده أن تؤخر أو تكذب.. كان يسمع إأن العمر له. يضحك في سره. كل العمر الذي لا ينتهي.. ولن ينتهي مادامت المرآة معي. ذاكرته الساطعة بوجه الزمن، والعاكسة لنور الاستمرار. أنا الآن في حالة اطمئنان.. لأعود وأنام بهدوء.. مغتبطاً حد الارتعاش.. فكل ما حوله يشي بالمباهج. عليّ أن أفكر بطريقة أكون أنا الأوحد الذي لا نقاش عليه. وعليّ أن يكون لي مكان يتسع لمشرق الأرض ومغربها. 

ولأنه لم يهتد بعد، ظلت هذه الأمنية عالقة في تفكيره. رغم إنه في كل عودة إلى مكانه يفكّر في أي مكان سيكون غداً. صباحه أو عصره. مساءه وليله.. زياراته إلى المدن والقصبات صارت وفق مناهج مرسومة له. يستلم كل شيء في مكانه الأثير.. حيث الانعزال التام. مكان استراحته.. يشمّ الهواء المعفر برائحة البنفسج.. محاطاً بالراحة والهدوء.

لم تأته النتائج، طائعة كلقمةٍ سائغة. أو نضال معروف الطرق أو برسالة يحملها ليناصره الآخرون كتابعين له. ويعتقدونه صادقاً ..إنه صراع نما في داخله وحده. صحيح إنه الآن يحتاج إلى التابعين وإلى المصدقين والمعجبين ليكونوا له الأداة للنصرة على ما جاء من أجله. فقد بدأت الخطوة الأولى كحالة طنت في أذنيه ليلة حلم. ولم ينفك منه. قرعت أجراس البدء لتعلن إنه يجب أن يلتفت إلى تكوينه العقلي لا الجسدي. وصارت الحالة مشاركة له حتى في طعامه وكلامه. حتى دهمه شعور بدا غامضاً لأوّل وهلة حتى صدقّه بمساعدة العرّافة التي فكّت له طلاسم هذياناته من إنه يجب أن يكون على غير ما هو كائن. حتى تحولت الحالة إلى صراع مرير. ظلّ يحمل حجر بنيانه متناسياً ما حوله كأنه بلا قلب. يعتصر أحلامه المتينة كصفائح حديدية.. كل الوقت الذي مضى. راح يلوك كلماته ويهضم تفسيرات العرّافة.. لم تكن الأشياء طوع أمره كما هي الآن على أساس إنها هبة نزلت فجأة من إله. لقد إشتعلت النيران في داخلي حتى ضاقت الدنيا وتكورّت بين حاجبي حدّ الارتجاف.. حدّ الهلع.. حدّ التنبؤ بالألم الذي اجتاح كل مفاصلي وتكوينات جسدي.. حد الموت الذي رأيته بأم عيني.. أعذريني أيتها العرّافة.. أعرف أنكِ تتابعين خطواتي. وربما أنتِ من توجهين إسطرلابي.. ولكن لا أدري كيف استسلمت للموت وأنتِ من حدّد طرق الانتباه إلى العقل.

عاد مبتسماً.. يرفرف بجناحين من اللذة.. يحسب ريح عمله المضني ، مصفقاً لحاله .. يجذف بالتعب خارج حدود طاقته . تمتعه بأضواء الليل تشعره بسكون الشمس لحظة الإشراق.. آه.. من أسعد مني الآن. أسقط رأسه على ذراعيه المسنودتين على جذع الشجرة. أخذ نفساً عميقاً ليشمّ عبق النسيم، الذي رافقته في جولته النهارية مسترجعاً هتافات الناس الذين راحوا يزدادون أضعافاً مضاعفة. تهتدي بطريقه السهل موفّراً لهم ما لم يوفر في كل العهود. وهو الحق الذي لا عجفة فيه. ضحك بصوت حتى خامره شعور إن صدى تردد ضحكه اندمج في جذع الشجرة. لقد طالبوه اليوم أن يكون ولي أمرهم. حسن.. فليذهب الشؤم،بجوقته خلف البحار. فللمرّة الأولى يسمع مثل هذا الكلام العذب.. سألبّي ما ترغبون. ولكن لم يحن الوقت بعد. كانت أصواتهم العالية الصاخبة المتداخلة أشبه بترنيمة نوم.. كطيور مزقزقة. رفع يده لتحيتهم.. فأجابوه بمثلها. لم يتعودوا أن يرفعوا أذرعهم حتى ترى آباطهم، إلا له. فهذا الكائن الذي يحمل الأعاجيز لهو أفضل من نحني له الرؤوس دون خوف وليس لتحّيته. فازدادت دواخله رقصاً لهذه الترنيمات. أغمض عينيه خجلاً لهم. وبدا متواضعاً للغاية أمامهم. حسن.. هذه المدينة الأولى وستتبعها المدن الأخرى.. تصّور في لحظة انشراح مغرورة. إنه إلههم المنقذ ولا أحد سواه. لأنم قليلاً.. عليّ أن أحتوي مدينة أخرى. فصوتي ستذروه الريح ، لتجمعه الآذان في وهدة الخواء ، ميمّمين شطر أحلامهم بإزالة وصب تعاستهم .

مدّد ساقيه  ليأخذ قسطاً من النوم. لكن فرحته قد سبقته في اليقظة مما جعلت من عينيه ملاذاً لصور حاول بجهد قليل أن يراوغ عنها.. رغم تعلّقه الدائم من إن التذكر حالة جيدة لاستنباط القادم. فبقدر الصعوبات تولد النتائج. وبإمكان الأماكن المهجورة أن تبدو أكثر ازدحاما ونظافة وقدرة على احتواء التيه وطيّه في جنبات التأمل.. فلم يكن أمامه والحالة هذه إلا أن يراجع ملفّاته التي فتحت أوراقها أمامه، ليشعر بالكفاءة. وهذه هي الحقيقة.. كانت صورة الزوبعة هي التي برزت له عندما كان ينظر إلى أغصان الشجرة. كانت تقترب منه فجعلته كسابقاتها المجهولات بلا حراك. بهيئته الكالحة. وعجزه الذي يشبه المشلول.. وانهياره التام.إنه في الطريق إلى الهلاك. هذه الزوبعة ستزيد من عطشه القاتل وستدخل الذرّات بين اللثّة واللسان والشفتين المتشققتين. كانت عيناه وحدهما تتحركان بحرية صحّية قليلة.رأى الزوبعة تتشكل أمامه بصور مختلفة هذه المرة. إضافة إلى اختفائها وعودتها بسرعة عجيبة. قرر البقاء في مكانه بلا حراك. لن يفعل شيئاً. كانت أقوى مما كانت. أخذت تقتلع وترفع أي شيء يصادفها حتى الأحجار. وتحمل معها أشياء غريبة لم يتبين أنواعها. فحسب إنه الآن قيد الجمود. وإن الخوف الذي بزغ من جديد قد ركب ثوراً أرعن هائجاً، وراح يطارد سراباً في أحشائه محصوراً بين مطرقتين لا تمنحانه إلا العجز والذهول. والزوبعة كأنها تنظر إليه..إنها هي ذاتها.. أيتها العرّافة.. إنك تسمعين الآن. فأمثالك لا يفارقون أمثالي.. ساد الظلام الرصاصي حين غطت الزوبعة قرص الشمس نهائياً.كانت الكارثة التي أمامه تصعد إلى الأعلى ثم تهبط بسرعة فائقة لتصطدم الأصوات كما الصاعقة. لتحيله الارتعاشة إلى سعفة في مهب الريح. تتحرك مثل دبيب يمتص دم جسده الناشف. إنها هي، هي نفسها. فمعرفته بالزوابع تؤكد إنها لو حدثت فانها تأخذ اتجاهاً واحداً.أما هذه فأنها تغير الاتجاهات. وإنها أشد نهماً. فترسخ اقتناعه بهذا الاعتقاد المعرفي. توسل بتنفسه أن يمنحه فرصة لايقاظ صدره اليابس. لن أخاف مهما كنت أيتــها الزوبعة. ها أنذا قوي رغم خوار يظل يتشبّث بعناد يعرف زيفه .. وعيناه بلا حول ، تتنقلان في رأسه المفطور وما حطّتا على إدراك أبدا . أصيب بهلع استجاب لقوّته، وانتصبت عيناه وهما تريان الزوبعة مفتوحة الأشداق وقد جمعت كل أطرافها المتسربلة في الاتجاهات وكورت نفسها وانطلقت نحوه. غاص في الأرض. أو هكذا بدا له المشهد وهو يتذكره الآن بوضوح ويبتسم في سره ويصفق لنفسه على قدرته الطويلة في الصبر والمقاومة. فمن حركة الرمال تصور إنه غاص عميقاً. وابتلعت أطرافه السفلى، ثم نزل نصف جسده.. إنه يغوص.. يغوص. وإنه سيموت. لن أخاف فقد رأيت الموت ولم أمت. قرر حينها أن يخاطب صوته ليخرج محاججة تعينه على فك بعض قيود الهلع. صرخ برأسه. إنه لن يموت. لأنه لا يؤمن بالموت. لم آت إلى هنا لأموت. ولم أفكر قط بالموت. فلتكن هذه آخر نشاطات الزوابع ولتخرج لي أيها المسكون في داخلي.

ظلّ يشعر إنه دفن بالكامل والزوبعة تحولت إلى شكل مخروطي يتبين رأسها الشره . بينما استأنست ذرات الحصى الناعمة وهي تدخل فتحات جسده الذي صار الآن مركز الحزمة المخروطية. لقد أحاطته من كل الجهات. وصار الظلام حوله أحمر. وضغطت على أجزائه. وكاد يصل الأمر به إلى حالة التفتت بعد الانفجار. وسيتناثر في البراري. لتأكله الحيوانات المفترسة المحبة للجيف. تباً لقوتي المستسلمة ولعطشي.. تباً لك أيها الماء ولكني سأقاوم.

ولفّته الزوبعة.. حتى لكأنه يطير بلا جناحين. صاعداً بأرجوحة الرمال التي أخذت تولول وتزمجر.. أغمض عينيه مستسلماً في تلك الظهيرة الزوبعية الخالية من الشمس. واضعاً نفسه رهن النتائج ..ملغياً من قاموسه فكرة الاستسلام نهائياً للموت. بل جعلها في حالة إفصاح عما ستؤول إليه حالته الجديدة.. فثمة صعوبات جمة وعصية وفي غاية الخطورة ستواجهك فلا تيأس ولا تستسلم. هكذا تذكر قول العرّافة وهي تنظر إليه نظرات مبهمة وفي غاية الثقة. ثم قالت له.. إنهض ولا تعد لي مرة أخرى. عليك أن تفكر بطريقتك.. لم تعد تحتاجني. ولأنه الآن وحده. لم يتدخل بضرورة المقاومة.

لفّته خيوط ضوءٍ سطعت فجأة من بين حزمة الرمال التي تشابكت مع حزمة الظلام الموغلة في سمك رهيب. فظل يدور مع دوران الزوبعة المخروطية.. لكن طول الزمن جعل قلبه يخرج من صدره هلعاً. وقدماه ظلتا مكبلتين بأصفاد لا يراها. ومازال يصعد إلى الأعلى.. ولا يعلم إن كانت روحه هي الطائرة أم إنها  تحمل جسداً لا حراك فيه. طيري بأي اتجاه تريدين.. فمكوثك جسدي لا محال.

في لحظة.. بعد طول صراع الانتظار.. شعر إن جسده قد شق عمود الحزمة ليرتفع معها بصورة أفقية.. لتزداد سرعة دورانه.. أصابه دوار حلزوني ودهمه خوف لم يكن بحاجة إليه. عندما أيقن إنه سيسقط من علو، ويرتطم بأي شيء.. ليحيل جسده إلى حطام. طار خارج الزوبعة إلى المكان المشمس ذات الريح الخفيفة.. برز له ذلك الضوء الضبابي الذي تابعه لمرتين. وكان يطير إلى مسافات بعيدة.. فعرف أن السقوط الصلد هو المحطة النهائية.. فلا شيء يحمله الآن.

تحسس جسده ورأسه المسند على جذع الشجرة.. والمساء رطّبه بنسيم منعش.عالج به بعض إرهاقه وذاكرته. مثلما تحسس في تلك اللحظة وهو يفتح عينيه غير مصدق. بعد زمنٍ غائب لا يعلم كم لبث فيه.. عندما رأى جسده في ضباب الوعي إنه مازال حياً. وإن مسافة الارتفاع الهائلة لم تمنحه إلا الرجوع إلى الوعي تدريجياً. تحسس صدره، وجده يعلو ويهبط. فخضع إلى نشوة الإحساس بالزمن الطافي وبالصفاء الرمادي. وإن النسمات العذبة التي هبت على جسده الملتهب حرارة قد أنعشته قليلاً. قام بفحص أحشائه وهو المشدوه ببقائه حياً.. طبع على جبهته لحظة متيقنة.. إيمانه بصدق ما كان يلازمه. خاصة عندما توضح له درب النور. رفع حاجبيه عن عينيه ليستوضح دقة مكانه.. شاعراً بألم مازال يتلوى، يسمع طقطقة عظامه.. حاول زحزحة جسده ليتأكد أكثر من وجوده. بلع ريقه على مضض.. وخزه اللعاب الغائب. فأطلق ابتسامة من ثغره المتشقق لتوعز لعقله أن يستيقظ من فوره ليبدأ بترتيب أنفاسه. لقد دغدغته الشمس بابتسامة المنتصر.. خاصة بعد أن عرف إن التجاعيد البائسة ولحيته الكثة قد غابتا وعاد الى شبابه نشطاً رغم العطش الذي مازال ساكناً بثبات في جوفه. هل هو ذاته أم مخلوق آخر؟ جلس أمام حالته الجديدة ليتأمل بوضوح يصاحبه الاستغراب. لكن رأسه فاجأه بكلام العرّافة: عندما تشعر ان الزمن قد توقف ومنحك متغيرات عظيمة لا تُمنح الا في ساعة ثبات البرهان. عندها إعلم إنك في بداية طريق الأمان، خارجاً من نفق العذاب الى ساحة الضياء الساطع.. فسقط في بركة الفرح حقاً. وهاهو ذا يسمع أصواتاً تختلط فيها زقزقة العصافير مع صوت الريح. هذا من أهم الأشياء لديه.. انه يرى ويفكر ويسمع. ضحك.. لم أمت.. لقد صبرت.. أيتها الحياة التي تملأ هذا الرأس.. عودي اليّ بأحلام سرمدية.. لا تقطعي أحرفي ولا تبتري أحلامي.. فالحروف واحدة لا تتجزأ .. ياه ما أطول العذاب. تنهد بقوة، أزال بها انصرام الخوف. وأخذ يعب في داخله الهواء المنعش.. والعطش مازال يحفر أخاديده في جوفه كما الجوع.. رغم ذلك.. شعر بسلطة مفعمة بالتفاؤل.. سلطة خرافية تلك التي تحملها روحه.. وضع كفّيه على الأرض ليستند ويعين ظهره على النهوض. هدأت رئتاه من اللهاث نهائياً. وعاد بعض البلل الى لسانه. بلع لعاباً لزجاً.. حرّك ساقيه. طقطق رقبته.. من أين لي أن أهضم الفرح؟ حاول أن يصرخ، لينبه نفسه إلى إن العالم بأسره لا يسع فرحته .

جال بنظره بعد أن أطلق زفيراً مراً كأنه يخرج من جوف التعفّن.. واستوى بجلسته على مؤخرته، ليتأكد من مأمن  المكان وإن لا زوبعة أخرى قادمة. رأى بقايا ضباب يغادر في الاتجاه الآخر للأفق البعيد.. وإنها تحمل معها آخر ذرات يراها تغطي جهة الغروب. سأفتح نافذة أطّل منها على عالمي الجديد. لابد من ذلك وسأكرر القول حتى أقطف ثماري. سأضع خطواتي الأولى في الطريق الطويلة جداً. سأقبض على أشعة ذهبية لا يستطيع أحد النظر اليها إلا أنا. سأنحت للحروف أشكالاً جديدة وأضع النقاط وفق ما أشاء.

قبّل جذع الشجرة بينما كانت كفه مكوّرة ليعلن لنفسه أن يمسك كل شيءٍ وستكون كل الأشياء القادمة طوع أمره.. اعرف أنني لن أنام.. لايهم ليس للنوم معنى.. ليس هو الراحة.. هذه الأشياء لم تعد تهمني فربما يكون في النوم جزء من تعاسة فهو أيضاً محض هراء. سأنام في أي وقت. أغمض عينيه وراح يسترسل بذاكرته التي تشعره بالسعادة.

عندما تأكد من وضعيته،غافله النعاس.. نسي العطش تماماً.. مدّد ساقيه ونام،كما لم ينم من قبل، حتى دغدغه النهار. فاستيقظ ليجد نفسه كائناً آخر، أكثر حيوية ونشاطاً. لمّ ساقيه. ووقف ينظر الى قرص الشمس..مستقبلاً الخيوط الفضية بانتعاش واضح. فقرر أن يسمى هذا النهار، نهار الاحتفال الأول. والذي صار يحتفل به كلما مّرت ذكراه في عالمه الجديد.. بل أعلنه يوماً للاحتفال العام.. تقوم به الأنشطة الفرحة الراقصة.. تنحر فيه الخراف والجمال.. وترقص النساء أمام رجالها.. والرجال تصفق بحرارة لنسائهم المائعات الفرحات بنهار الاحتفال الأول. عصر رأسه ليطرد ما تبقى من صداع.. عليه أن يفعل شيئاً.. هل يركض أم ينتظر؟ يصرخ أم يصمت؟ لابد من وضوح الأشياء. فكل شيء يدعوني الى التفاؤل،إلى الشعور بالنجاح.. أيتها الشمس أطلقي ضوءك باتجاه ما حولي لأرى. فأنت شمسي أيضاً.

رأى جبلاً وحيداً. ناصع البياض.. في أعلاه طبقة ضوئية كجليد بلوري.. تنزل منه شلالات بديعة تشبه مرايا صغيرة تتقافز بحركة ثابتة متناسقة. على سفوحه وسهوله المفتوحة ثمة أشجار من فاكهة لا يعرف أصنافها. لا يوجد في هذا الكون جبل وحيد وسط الرمال.. كأنه أنتصب من أجلي.. تتراقص حوله الطيور والعصافير والفراشات. غزلان تمرح وأرانب تتقافز.. حيوانات أليفة تتواطأ بنشوة وحرية. أين أنا؟ في حلم!!. قرص نفسه ليشعر بالألم. ركض الى الحشائش الندية وشم رحيق الورود. طارت الفراشات وهبت نسائم عليلة لا تحرك خصلة شعر. أين أنا؟. موسيقى هادئة تنبعث من  خلف الجبل. أين أنا؟ طبول لرقص شعبي تدعوه لحلقتها.. وتعيد لأعصابه قوة الترابط. أين أنا؟. أصوات ببغاوات مرحبة به. أين أنا؟. طواويس برقاب طويلة وألوان زاهية. أفاعٍ مختلفة الأطوال والألوان تتحرك بلا خوف ولا تثير رعباً. كل شيء ساكن. لم يستطيع ملاحظة كل الموجودات..اختلطت الصور في عينيه.. ركض ليتمرغ فوق الحشائش الباردة، محافظاً على إدامة فرحته. مرايا.. مرايا.. يدور رأسه في كل الاتجاهات. والمرايا لصقة في كل الأشياء. أين أنا؟. أين أنت يا منقذي وغايتي ودليلي.. يا ساكن رؤياي..أناديك بصوت عال.. لا أريد أن أكون في ضياع جديد. فقد سكنتني منذ دهور وأنت متوار.. وقد أكون أنا من سكنتك بصمت.. أخرج لي يا سيدي.

على بعد خطوات.. رأى عين ماء تجري. تذكر عطشه اللعين. قفز بمرح كقفزات قرد. غطس رأسه،أدخل وجهه داخل تموجات المرايا. وتسرّب الماء لوحده في جوفه.. أخرج رأسه منتشياً، تضاربت خصلات شعره ، ناثرة الرذاذ..أعاد رأسه..بقبق كطفل صغير. رأى لوناً جديداً قد صبغ شعره. فعرف إنه الآن يغتسل. سارع الى رمي جسده كله.. وراح يضرب الماء بيديه وقدميه.. نظر الى جسده، فانعكست خيوط الشمس..أعجبه لون جلده المائل الى الحمرة. اغتسل وأرتوى.. والماء دار في جسده معيداً دمه الى جريانه الطبيعي. استوى واقفاً.. ليس الآن وقت التفكير المباشر. عليه أن يعيد توازنه المفقود. مازلت جائعاً.. هذا أول شيء أفكر به. كانت يداه تقطفان من كل صنف حبتّين. والحيوانات تنظر اليه على مبعدة منه. فكان يرمي لها القشور.. كأمير مطاع. ركب أرجوحة نسيمية مشدودة بين الجبل الوحيد وعين الماء.. كان على صهوة جواد يلوح بسيفه ذي الوجه المرآتي. ثم كأنه طير بجناحين كبيرين محلقاً فوق المكان ذاته. هز رأسه. لقد شرب فارتوى وأكل فشبع.. وها هو يشم الروائح الذكية.. ملء منخريه النظيفين. الحقيقة واضحة أمامه لا لبس فيها. لم تكن كما كان يتصورها. بل إن مثل هكذا مكان لم يكن يخطر بباله أو تنبّؤه الجلسات الطويلة به. ولم تخبره العرّافة. هل هذه نهاية رحلتي. أهنا سيكون انبعاثي؟ أين أنت يا سيدي؟. لم يسمع الا صداه. طوى انتظاره وفكر..إن النوم الآن أسلم له. فكل شيء مرهون في القادم من الزمن.. المهم إن العواصف والزوابع لن تعيد نفسها.

وقبل أن يتمدد ليأخذ غفوة المنتعش. مخفياً نوما ما كان ليتجرأ ويفعلها في الماضي عندما كان الألم يترصده. والمرارة تسابقه. فزّ مرعوباً.. عاجلته مفاجأة جعلته متصلباً في مكانه. انعكاس جديد لم يكن يتوقعه في هذه اللحظة. لقد سمع صوتاً يرتجّ قربه. هربت أذناه بحثاً عن مصدر الصوت. وعيناه راحتا تلتقطان ما يريده رأسه.. والصوت يعاود بحروف منادية مكرورة ،منبعثاً من بطن الجبل. ثم باغته من مكان آخر. يلتفت يميناً ليسمعه يساراً.. أسند جسده على كفيه. وأغمض عينيه.. ثم فركهما وهو يرى الجبل وقد بدا له كحزمة ضوء ضبابية. نفض رأسه لعله طنين ودوار.. رغم إنه في دخيلة نفسه يتمنى أن يكون الصوت حقيقياً. وليس غياب الوعي أو فقدان الذاكرة أو هلوسات الفرح. أو تخلخل الاتزان. وقف منتظراً ما بعد النداء.. في حالة تأهب لكل طارئ.. ملحّاً على نفسه أن يكون في حيطة وحذر ومراقباً ما حوله.. عندها، رأى شيئا أبيض يقف على مبعدة منه.. خلف عين الماء..لا يقف على الأرض ولا يطير فوقها. تحركت قدماه لثلاث خطوات، وفرائصه بدأت ترتعش. لابد من الارتعاش. فليس كلّ ارتعاشة معناها الخوف. لقد هرب الخوف مني.. تقدم خطوتين أخريين. فتوزع الضوء أمامه وأصاب عينيه بغشاوة.. في لحظة أدرك إنه لو بقي هكذا في حالة صراع فربما تكون النتائج عكسية.. لكنه انبهر بصورة جعلته يفتح شدقيه.. فهذه الصورة التي أمامه.. كثيراً ما كان يراها في جلساته التأملية وهو مغمض العينين. رقص قلبه وغنت أعصابه.. هذه الحقيقة هي ما كان ينتظرها.. أوضح سيدي مكامن رؤياي وصدق أمنياتي وحقيقة تكويني. لا تعذبني مرة أخرى. سمع الصوت يتوزع من كل الجهات.

 - إنك كائن مزروع بالنزاعات التي لا يمتلكها الناس.. لذلك سأمنحك بركاتي. لأنك مكافح في سبيل أهدافك.. لقد عرفت طالعك.. وإنك ستمثلني في هذه الدنيا.

رقصت في دواخله طيور الفرح.. ورافق أذنيه لكي يسمع.

- سأعطيك ما حلمت به.. ولكن خطوة .. خطوة.

       -  سأكون عند حسن ظنّك.. طائعاً مطيعاً.

ارتج المكان من صوت ضحكات انطلقت من خلف الضباب.

- لا تخف.. سأجعلك الباحث عن الشفاء ومحرك الألسن المطمورة. الناس بحاجة الى شيء يصدقونه ليتعلقوا به

        -  كيف السبيل؟

كان جسده يدور مع دوران الصوت. وعيناه تزجّان بؤبؤيهما داخل حزمة الضوء الضبابي. لم يستطيع معرفة الشكل.. إلاّ إنه كان يشبه من يرتدي جلباباً أبيض.. ووجه يشبه الثلج.. له خيوط مارج النار لكنها بيضاء. تتصاعد الى الأعلى. بينما هو كذلك في حالة معرفة الذي أمامه. سقطت بين يديه كتلة ساخنة، لها لون الزجاج. تفحصها مبهوراً.. وضعها أمام عينيه. رأى وجهه لأول مرة. لم ينشغل بهيكله، إن كان قد تغير نحو الأفضل أم تراجع.. لأن الصوت عاد اليه.

- إنتبه.. عليك تتبّع الخطوات الآتية.. وانتبه أيضاً.. الى أنني أعرف خطواتك.

تشابكت الفرحة مع ارتعاشة الاستماع.. ثمة شروط وخطوات لابد من التقيد بها.. والتعاقد معها .. سأعرّش بالثبات وأمنح نفسي سلطة التعسف مع من يفكر باستلابي ، وسأكون آمراً لا عسيفاً .. مادت الأرض .. كأن الجبل قد ارتجّ والسماء قد احمرّت والأرض قد اسودّت .. لم يكن يعي شيئاً ، غير انبلاج لغة الانصياع كي يمسك بالتلابيب الى حيث يكون .

      -  ستسأل عن المرضى.. لتدخل بيوتهم.. هذه الخطوة الأولى. ستشفي الناس. لتكون بعدها سيدهم. فبهم من المرض ما تئن له الجبال .

كانت عيناه على المرآة الطافحة بين يديه. اعتدل في جلسته.. مبتعداً عن جذع الشجرة... قبلها.. آه أيتها المرآة.. أنت حياتي.. وسأكون أنا حياتك أيضاً. وعاد مسنداً رأسه على الجذع.

-       عندما تدخل بيتاً. كن وحدك مع المريض. لا ينبغي أن يراك أحد. وانظر الى المرآة. سيتوضح لك جسده  داخل المرآة. عندها ستراني أحوم حوله. إن توقفت عند قدميه.. سيشفى فوراً. وإن توقفت عند رأسه. فلا فائدة.

كانت حواسه مشغولة. لا يريد أن يسقط حرفاً واحداً. عليه أن يدخل جميع الكلمات الى مضيق الفهم. وأن يمضغ رغوة سعادته بشيء من الارتعاش.

-ـ ستكون أنت صاحب القرار بعدها. وستكون صاحب السلطة.. سيتبعك الناس وسأكون معك. فأنا أحاول أن أشغل الناس جميعاً بما أريده وأنت أداتي. ولكن أحذر.

    انصهر الصدأ، والتمعت صورة العرّافة .. عليك أن تكون مطيعاً لأسيادك .. لا تفكر أبعد من ظلك فيما لا يعنيك . وكن ما تريده من خلالهم .

  ـ إحذر.. فأنا أعرف حتى دوران دمك. وبوصلة تحركاتك.      إحذر أن تغير اسطرلابك في الاتجاه المعاكس.

بلع ريقه وخمدت للحظات عصافير الفرح. وتجرأ بسؤال وقف في بلعومه

-ـ  وهل الأمر. يتعلق بالمرضى.. أم بي؟

 ـ وهل تعتقد إن المرض جسدياً فقط؟. عليك أن تغير العقول لتكون قبلتهم عندها تحتويهم وهذا هو المهم.

حاول أن يخرج لسانه لشكره، فوجد حروفه مشطورة، تتصادم مع بعضها، والريح تشتت معاني الكلمات. انه في حالة ارتباك واضح. حيوان دُجّن لتوه.. عليه أن يطلق شعائره الجديدة وأن يدقق جيداً فيما يريد قوله. أخيراً.. استطاع أن يمسك عصا السيطرة فلا مجال للمقاطعة وتقديم الشكر والولاء. ظلّ يصغي الى ما يخرج من جهة الضوء الضبابي .

- كنت تتبع التعليمات بصورة جيدة. وكنت أتابع ما يشغلك وأنا ابحث دوماً عن أمثالك. لذلك منحتك بركاتي.

نزلت أصابعه تحت بطنه لتتحسس مكان عورته. سمع ضحكة مجلجلة.

- لا تهتم لهذا الأمر. فأنت لم تخلق لتنكح النساء.. بل لتكون لي.

تنفس بعمق. وتذكر تلك المرأة التي أحبها.. صفع وسواس صورتها ويمّم بصره الى ما حوله.. لأن الصمت عاد لدقائق بدت له طويلة، وفي داخل رأسه أسئلة تتقافز.. من أين يبدأ الطريق؟ السفر متعب. كيف له أن يصل المدن والناس والمرضى. سمع الصوت مرة أخرى.

- لا تستعجل الأمور. سيحين الوقت.. الناس سيمهدون لك الطريق.

-  متى ؟

       -  كل شيء في أوانه.. لابد من المرور في اختبارات جديدة.

- وهل هناك مثل هذه الاختبارات؟

- لا تخف.. ليس مثل سابقاتها. ولكن أهميتها.. هي إنك لا تخالف أوامري. إياك والغرور بنفسك. أوالتعالي.. كن كما أريدك لان الغرور يعني هلاكك. 

اختفى الضباب.. واختفى كل شيء أمامه له صلة بصاحب الجلباب الأبيض. وبقي داخل لوحة هادئة من الصفاء، بعثت في نفسه الاطمئنان.. احتضن مرآته بين ذراعيه ونام على قفاه مبتعداً عن تدنيس مآربه بحلم أبله.. وفي أول صباح وجد نفسه يتجه الى أول مدينة، كأنه يعرف دروبها.. ويعرف من أين يبدأ.. دخل بيتاً فيه مريض.. بعد أن عرّف عن نفسه لساكنيه.. وإنه القادر على شفائه. فابتهج لما آلت إليه الخطوة الأولى. عرف إنه لن يكون محدداً بزمان. إن بإمكانه الرحيل الى المكان الذي يريد قصده.. لم يصدقني أحد. حتى المرأة التي أحببتها. لقد أصّروا على إنني مخرّف بحت.. وأطلقوا حكمهم بجنوني.

نهض الى عين الماء المتراقصة الشذرات. وقف باتجاه حدده كأنه يولي وجهه شطر المدينة التي غادرها. لابد أن يأتي اليوم الذي يسمعون به صوتي وقوتي وحكمتي ويعرفون أخطاءهم. فها هم المرضى يتكاثرون.. مجانين.. شيوخ.. عجزة.. فقراء.. مشلولون.. معاقون.. أصحاب عقم.. أصحاب عاهات.. كلهم، تحولوا مع ذويهم الى ما أريده. وصاروا ينادونه بأسماء شتى.. وينتظرونه على الأطراف. لم يكن ينزعج أبداً. ظلّ يرى صورته ويسمع الكلمات التي سبقت خطواته وقد أفرحه الأمر كثيراً. حتى نضح الفرح حول عينيه.. أن لا أحد يموت بين يديه فالجميع يشفى. أمسك عصا صغيرة وحرّك الماء الساكن.

      - لابد أن أكون أنا الراعي.. أنا المسؤول عنهم.. لن يشاطرني أحد. إذن لابد من وجود مكان يتوجه اليه الناس.. يكون قبلتهم وعنوان مجدهم. ومركز قوتي وسلطتي.

بعصاه. رسم أشكالاً على الماء.. حدّق جيداً في الدوائر المتداخله. دائماً هناك مركز. ليكن لي مركزي.. أخذ نفساً عميقاً وبدأ بتحويل أفكاره الى جهةٍ ستكون فيما بعد مدينته التي يؤمها القاصدون. وعاد لجذع شجرته ينتظر سيده.. وأسئلة تحفر في رأسه في كيفية الطلب.هل أبقى هكذا باعثاً الحياة في أجساد الناس؟

هل أنا في الطريق الصحيح؟

رغم ذلك.. أنه عمل يبعث على النشوة والقوة والانتعاش.

 

 

 

 

 

 

                                ( 10 )

 

لم تزل المحكمة قائمة.. ومازال التحقيق مستمراً.. هكذا رأت نفسها المتخاذلة بعد ان استأصلت كل حالة تقودها الى راحة البال على الأقل. لذلك بقيت في كدر مستمر.. في داخلها تتلألأ النيران اشتعالا، تأكل غلّة اخضراها مثل ذئاب هائجة، دون أن تترك لها أية فجوة يمكن من خلالها أن يسقط مطر يسقي عطش أرضها المتشّققة. كانت كما لو إنها ولدت هكذا، تترنّم مع المكيدة. وعدتْها الحياة باقتصاص سعادتها في أول خطأ ترتكبه. ولم يظهر بعد ما يغير هذه القناعة التي ترسخت أكثر.. فكلما سكنت نيرانها وتحولت مواقدها الى رماد اشتعلت مرة أخرى في أول نفخة تأتيها من مصادر لا تريد الالتفات إليها. لتبقى مستعرة داخل تنور مسجور دوماً.. كأن الله لا يريد لها راحة البال أو يمنحها فرصة للتفكير عن خطئها فيبقيها تتكبد عواقبها، لتتحول الى امرأة ساذجة لا ترى من أبواب الحياة أي شئ. كمن أطلق سهماً في لحظة ضياع نحو قلبها، وتركه يسيل دماً بلا توقف. وهاهي النفخات تتوالى عليها. لتعيد تسجير التنور.. إنها لا تريد أن تصدق الحقائق الجديدة، رغم تحلّق الأخبار حولها. وهي سجينة.. بإرادتها.. تصارع فيض حمّى تنتابها في فترات متقاربة.. رامية كل حاجة الى الحب مثلا، حتى لو كان حبّ  والديها. ولأن السجين يتوق الى الحرية .. إلى أمنية يسمع فيها صوت إطلاق السراح.. الى انتهاء محكوميته.. إلاّ هي.. كلما حاولت الانتصار على خيبتها.. أو تقرر مع نفسها على إنها يجب أن تعطى فرصة أخرى لأن تطلق عينيها نحو رؤية الشمس بدلاً من الوقوف أمام المرآة المكسورة والتحديق في وجه المرأة المشوّه. عادت الى قاعدتها في زاوية السجن آمرة بإلغاء فكرة التمني . لتقف مرغمة أمام مرآتها. لا تتذكر في أية لحظة كوّرت كفها وضربت المرآة. لكن الذي تعرفه إنها هي من شرختها في لحظة غضب.. ليكون شرخاً نازلاً من أعلى الزاوية اليمنى الى أسفل الزاوية اليسرى. ترى الآن وهي تقف حائرة التصرف، صورتها.. أنفها يشطره الزجاج، فتتوحد العينان كعين واحدة. ونصف أنف، أو يستطيل جزء من وجهها ليبدو وكأنه من عصر الخرافة.. وجدتها لعبة أن تمارس تغيير ملامحها. مرة لاكتشاف قشور غلّتها.. ومرة لقتل الوقت. لكنها، من الاثنين لم تحقق شيئاً.. كانت تزداد اشمئزازاً. هاهي تقف الآن في منتصف الشرخ. عينها اليسرى في جبهتها. تتحرك قليلاً باتجاه اليسار فتسارع عينها اليمنى لتنقسم قسمين غير متساويين.. فتذوي ألماً.. وتتبطن آهات خارجة من جوف ساخن.. لم تأتها فرصة الوقوف أمام فسحة تطل منها على قرص الفرح. أو دغدغة الراحة. بل إنها كلما حاولت ان تضع عيناً في كوة تصنعها بنفسها في جدار الحزن.. كما هي فاعلة الآن. محاولة أن تنسى.. أن تثور على حالتها.. أن تستقبل الابتهاج بشيء من الإصرار.. تأتيها كلمات الناس. تضرب جبهتها.. هكذا أنا.. تثلم أشيائي في أول الطريق.. عند الانحناءة الأولى.. بطريقة ماكرة، محرضة لذاتها لتبقى مشتعلة ومستعرة .. تأتيها الكلمات دائماً.. كلمات مسوسة.. يعشّش فيها فيروس التوبيخ.. مثيرة ركود الجمرات.. ليس لها موعد. مع صياح الديكة.. في نشوة إغفاءة الهواء العليل.. الكلمات تدور في الأفلاك.. تتأرجح في مساحة رحبة.. لا يصدها مانع عدم الإصغاء. كأنها تعاقر العقول. وتجعلها في حالة انتظار الاستماع.. وهي تبقى في حالتين متضادتين.. النفور من الاستماع والرغبة في المزيد من الأخبار.. أمها لم تعد تجلس معها.. أو تناديها لمساعدتها في إعداد الطعام مثلا.. حتى ملابسها.. لا تغسلها بنفسها. فقد أهملت كل شيء. جسدها لا يلمسه الماء. وإن ذهبت الى الحمام تعاقب جسدها وأنوثتها.. وتخرج غير مبالية بتسريحة شعرها. والناس لا تمل من نقل الكلمات. يبثون تقاريرهم كل ساعة. مع كل قادم من المدن التي أصابها الاسترخاء. استطاع المهووس أن يحول العقول الخاملة أصلاً والمقوقعة في الصمت.. أن تكون عدساتها ومجاستها واتجاهات الأفكار باتجاه إسطرلابه أينما يكون. هل يكفي أن أسميه بالمهووس؟ هل هو ساحر أم مجنون؟ لا تعلم.. فمرآته صارت مركز توحيد التأييد لسلطته الجديدة ومدينته التي يبنونها له ليكون مدارها حول الشمس. متطوعون كثيرون شمروا عن سواعدهم ليبنوا له المدينة.. بلا أجور.. إسهاما منهم لإعلاء شأنهم. لقد تمكن من إدارة الرؤوس والحناجر لتهتف له بأشجع الكلمات وأعذبها، مضحّين له بالروح والدم. تنهدت لهذه الأخبار ونزلت دموعها. كيف تعمل هذه المرآة؟ أطلقت سؤالها.. بعد أن تناهى الى سمعها الوصف.. إنها تأخذ من الشمس وهجها، ومن القمر صفائها، ومن النجوم لمعانها، ومن النسيم عطرها، ومن الورود ألوانها، ومن الحكمة قوتها، ومن زجاجها تخرج سلطته.. عجباً لهذه المرآة. إنه والله لساحر ماكر. كفر بدنياه وكفروا معه. إنهم يصبغون أفعاله صدقاً ورونقاً وتعظيماً.. وكان الرجل الحكيم يحاول قدر استطاعته السيطرة على عواطف أهل مدينته. لئلا ينساقوا في تحليلاتهم. إنه كافر.. ملحد.. صدقوني إنه شيطان على شكل بشر وإلا.. أتصدقون أفعاله؟ وكان القادم يرمقه بنظرات.. فيقول له متوسلاً.. راجياً، أن يكف عن هذا الكلام. لأنه ربما يسمع. فيقهقه الرجل الحكيم.. ويدور رأسه حول المتحلقين.

- أتسمعون ما يقوله هذا المصدق الفقير. من الذي يسمع على بعد هذه المسافات.. غير الشياطين.

- أصمت أرجوك. إن لم تخف على حياتك.. على الأقل على حياة الآخرين.

- لو كان حقيقة ما تقول. ها أنا بانتظاره. لا يقترب للرجال إلا الرجال.

- لماذا أتكلم معكم ؟.

- قل له. إن وصلت إليه. عليه أن لا يقترب من هذه المدينة.. فكل أناسها أذكياء ويعرفون إن الطريق الموصل إليه.. مهلك في الدنيا والآخرة.

لا تدري ماذا تقول عن هذا الرجل الذي يصدّ كل الأقاويل بالحجج الواضحة.. ولكن.. لماذا صدقوا المعتوه في المدن الأخرى. وأخذوا يبايعونه.. ويقتربون منه حتى صار سيد الموقف.؟

خرجت من غرفتها.. لا تدري ما تفعله.. اشتعلت نيران أخرى تختلف عما في داخلها. عليها أن تمارس دورها الحقيقي.. وأن لا تبقى في البيت تلوك الألسن سيرتها وسر صمتها. وقفت أمها قبالتها وعيناها تدمعان من البصل.

- إلى أين ؟

- الناس يصدقون كل شيء.

- وما أنت فاعلة ؟

- نحن المسؤولون عن زيادة مأساتنا.

- لا تخافي على أهل مدينتك.

- عليّ أن أخبرهم بأني مازلت صافية ولن أسير خلفه.

- وما دخلك أنت.. بأمور الرجال ؟.

- لأنهم ربما يصفقون للكذب على إنه حقيقة.

 - ومن قال إنه كاذب؟.

        - هذا ديدن المسيطرين على العقول والرقاب.

- تقولين هذا لأنك تحملين جرحك تحت إبطك.

- بل لأنني أعرفه جيداً.

- وأين كنت عندما بدأت سيرته بالسطوع وسيرتك في الشكوك.؟

- كنت نائمة على حزني.

- لا نفع لهذه الكلمات. وعليك الانتباه إلى نفسك.. فإن لم تغيري ما بداخلك فلن تتمكني من تغيير الآخرين.

لقد صدمتها الأم.. هل حقاً إنها تعرفه ؟ تبعثرت خطواتها.. وعاد الاصفرار إلى وجهها وتركت يدها تمسك أكرة الباب. بينما توارت الأم في مطبخها. تاركة عينيها تراقب خلسة ابنتها الدائخة الممسكة بطرف ثوبها، تفكر. إن كان ما بداخلها غيرة أم كراهية.. والاثنان كانا يتسلقان أغصان وحدتها. عادت أدراجها لتدخل غرفتها.. ذاهلة.. كيف تستطيع إقناع الناس بعدم اللهاث. إن هذه المهمة تحتاج إلى امرأة قوية.. ناضجة العقل والعاطفة. وقفت أمام المرآة. عادتها في الحوار وفي الضياع. لم تجد إلا صورتها المشطورة. هل حقاً إن هذا الرجل الثرثار هو الوحيد الذي يحذر الناس من عواقب التمرغ بالتفاهات ؟ هل حقاً إنه مازال غير مصدق لما آلت إليه أمور بعلي المجنون ؟. إذا كانت الأمور في السابق مصدرها الغيرة القاتلة لأنه تزوجني وتركني حقلاً من رماد. فلا وجود لها الآن. وهذا الثرثار لم يعد كما أتصوره مصدر إزعاج.  عليّ الاغتسال من وهمي أولاً. أن أفجر دمامل الحزن والكآبة. أن أسبح جيداً وأزيل قذارة الرماد. كوّرت يدها وبحركة مشدودة طوحت بالمرآة.. فتناثرت الشظايا.. وسقطت قطرات الدم.وعرّش عناء جديد في داخلها.. له غيمة حبلى قادمة مع نسمة سريعة.. ستمطر.. لابد من المطر للاغتسال. أخذت تراقب الدم النازف من حافة كفها اليمنى. لطخت على ما تبقى من الزجاج.. وغطت صورتها نهائياً. ولم تعد ترى شيئاً من ملامحها القديمة.

سمعت طرقات الباب. وسمعت أمها تناديها أن تفتحه. وسمعت أباها كذلك. تقدمت بخطوات وجلة.. تمسح ما تبقى من الدم في ثوبها المتسخ. وتمد يداً أخرى لإزالة العرق المتصبب من صدغيها. تنظر إلى الباب.. قد تكون المرة الأولى التي لا تنظر فيها إلى الأرض. وثمة وجيب في قلبها يعلمها من الطارق حالما همّت بفتح الباب. ومع حركة المصراع اصطدمت عيناها لمرأى القادم. صعقت للحظات. وأحمر وجهها.. وارتعشت كما العصفور. وتلعثمت في حلقها الحروف. أخفت يدها المجروحة بسرعة خلف ظهرها. لم تدرك ما تفعله لشعرها المنفوش ووجهها الأصفر الذي اختلطت فيه ألوان الخجل والخوف. ثوبها المجعّد كان أكثر قذارة مما تصورته. أما هو.. فلم يكن يتوقع أن يراها أمامه هكذا.. تطيل الوقوف ولا تهرب من أمامه، ولا تغض الطرف عابسة.. كانت خجلة مكشوفة الحزن. فأخذته الارتعاشة الباردة الصاعدة من أخمصيه إلى يافوخه.. تلعثم في إلقاء التحية.. بل إن التحية وحدها لن تكفي. فهذا الوجه يحمل تعابير أخرى. ودّ لو غنى.. طار.. صرخ.. فها هي أمامه تحاول أن ترسم ابتسامة الترحيب. بلع ريقه.

         - كيف حالك.؟

بالكاد خرجت هذه الحروف. ولم يستطع بعدها من رمي الأحجار في بركة حنجرته لتحريكها.. وهو المعروف بسلاسة اللسان وطلاقته وقدرته على إقناع الآخرين بآرائه. ظل متسمراً في مكانه بانتظار إسعافه من مرض الصمت. وهي الطبيبة التي تعطي الدواء والماء. حين ترد على سلامه ليشعر بوجوده، بعدها ليكن ما يكون. من إجابتها يعرف إن ما هو حاصل أمامه ليس وهماً.. فزمن السراب قد انتشر وأصبحت له الأيام والشهور وله الناس. أما انتظاره لكلماتها فستجعله ينام ليلة تحت جنح شمس سعادته. وسيشم عطر ورد أهداه إليه القدر. وسيبرز نوراً، يهديه طريقاً يوصله إلى معنى المواصلة والإصرارعلى الحب. لم تزل  واقفة.. الصمت والزمن تصالحا للانتظار. والمسافة بينهما على حالها لا تتعدى مسافة ثلاثة أذرع. وتجرأ  يسحب الكلمتين من بئر عميقة.

- كيف حالك.. يا ...

    قطع لسانه عن إكمال ما يريد قوله.. بقيت عيناه لا ترمشان.. تنظران بتوق إليها. وهي لا تعرف كيف تعالج هذا الموقف. أحقيقة بدأت تلتفت إليه هذا الذي نعتته بالثرثرة؟ أتسلم عواطفها بطريقة مباشرة..؟ أين أنت أيتها الأم المشغولة بطعام الأب. أين أنت أيها الأب المشغول بمرضه.؟

           - من ؟.

جاءها سؤال أمها المنقذ حيت تناهى اليها.

-       أهلاً يا ولدي تفضل.

   وتقدمت إلى ابنتها.

- أذهبي..كان الأجدر بك أن تدخليه إلى غرفة الضيوف لا أن تبقيه خلف الباب.

لم تدرك الأم. بأن ابنتها فقدت لسانها، فسارعت تحث خطاها إلى الحمام.. لتغسل يدها من الدم المتخثر.. وعجبت أن لا ألم في الجرح. وقفت أمام المرآة. لم تجد إلا شيئاً أحمر. ضحكت في سرها. سارعت إلى درجها وأخرجت مرآة صغيرة. مسحتها من الغبار. وراحت تعدل من خصلات شعرها. قرصت خديها. هل بدأ الحب يسري من جديد؟. أطلقت زفيراً حاراً. كيف يجرؤ الحب على الاقتراب من امرأة حولتها النيران إلى رماد. ومثل طفلة.. نفضت ملابسها متخذة ستر الباب لتسمع ما يدور من حديث.. تناهى إلى سمعها صوته يحدث والدها المشغول بسعاله.

   - لقد قلت سابقاً إن هذا ليس ببشر.إنه يعرف من أين تؤكل الكتف. جاءهم بالشفاء ليمنحهم بعد ذلك الموت.

أخذت تسترق السمع لتسمع تحليلات الرجل المعقبة على الأخبار التي تسمعها للمرة الأولى. مما ولّد لديها رد فعل تحتاجه في هذا الوقت بالذات. لن أكلم نفسي الآن. أوصدت باب الحوار. ووجهت أذنيها إلى مصدر الصوت. كان الرجل الحكيم يجلس إلى جانب الأب ليتكلم بصوت مسموع . جاعلاً حديثه ذا رنين خاص.. لقد بدأ موتاه بالظهور.. موتاه الذين خالفوا تعاليمه وطقوسه. موتاه الذين أيدوه أول مرة ثم أرادوا الاستفسار عن مصدر قوته. موتاه من معارضيه الذين بدأت حناجرهم تزيل الصمغ عنها.. فكان يقتلهم بطريقته ليعطي درساً للآخرين. بضرورة الخوف والطاعة معاً. وفرض الولاء بالقوة. وكان كلما مات رجل معروف يخطب بالناس.. إن مثل هؤلاء مفسدون في الأرض.. خونة. يريدون قتل إنجازاتي الرائعة في توفير الراحة لكم. يريدون تفتيت وحدتنا العظيمة. يريدون بث الفرقة بيننا لينصبوا أنفسهم في خدمة مآربهم. وعليه.. يجب أن نحارب جميع الذين ينهشون كالوحوش. إنهم في الظلام دوماً.. فبئساً لهم. إذن لابد باسمكم أن نقطع دابرهم. لابد من قطع رؤوس القلة لإسعاد الأغلبية. هذا هو شعاره الملعون. وكان الناس مسحورين.. خائفين. ينزعون خواتمهم ليبايعونه علانية.

يا له من شيطان. قالت في دخيلة نفسها.. أكل هذا يخرج منك يا ضائع الأصل. انتبهت إلى أمها وهي تحمل صينية فيها ثلاثة أقداح من الشاي. كانت الأم تراقب ابنتها فرحة. لقد أحست بأن تطوراً حدث في حياتها. نظرت إلى الصينية في يد أمها وعرفت مغزى الأقداح الثلاثة.

- لن أذهب وأجلس هناك.

هزّت الأم رأسها.

- أسمعتِ.

- ...

- صار الخائف يأمر وينهي.. يشفي ويميت.. أستغفر الله.

- الناس غرقى. أوهمهم إنه القشة بل السفينة.

- هذا ما قاله.

- من هو ؟

- أنت تعرفينه.. الناس تسميه الرجل الحكيم.. شاب وسيم يحبه كل الناس إلا أنت. 

- أنا أكره نفسي.. ليس في داخلي ما تفكرين به. المهم ماذا قال؟

- المهم يا ابنتي أنت تعرفين.. وهو يعرف انك تعرفين.

- إذهبي .. لقد برد الشاي.

عضت طرف إصبعها، والهمس يدور في لهاتها. حقاً إنه رجل حكيم. ثمة خيط جاذب ثابت في منتصف روحها يحث الكلمات المنطلقة من غرفة الضيوف لتتمغنط وتتجه صوب أذنيها. فتذوب  قدرتها. على التحكم بقراراتها. أخذتها شطحات التفكير لطول الحوار مستغربة تمسكها بخشب الباب الموارب .لماذا هذه الرغبة في الاستماع. لحكاية رجل جعلني امرأة لا فتاة. وفتاة لا امرأة.؟  أهو انقلاب في موازين حياتها. آه .. متى أصل إليك لأرى حقيقة الأقاويل. كلا لن أذهب.. لأنني لا أريد أن أكون لعبة. ثم من قال إنه بحاجة أليًّ ؟ إنه الآن يكرهني حتماً. كانت كلماته بأن أغادر البيت في تلك الليلة المشؤومة هي العلامة الفارقة التي برزت فيها كراهيته لي.

أقفلت باب غرفتها. شاعرة بضيق.. من نتانة ماضٍ،له رائحة زنخة.. تعشّش في الأماكن الحارة. سارعت الى فتح النافذة. لمرور هواء مدينتها.. ليكنس ما تبقى من ذكريات عالقة بين خيوط بناها عنكبوت الحزن. بقيت دقائق طويلة.. ألهت نفسها في استنباط طرق للتخلص نهائياً من موقد الرماد. ولم تنتبه الى الضيف..إن كان قد غادر أم مازال في غرفة الضيوف. لكن الذي  كان يزعجها أكثرهوالتفكير بأن الناس سلموا بـحقيقة المجنون. وجعلوه رمزهم وقائدهم الأوحد الذي لولاه لما كانت الحياة سعيدة .رفعت ذراعيها الى الأعلى ليمر الهواء المنساب من النافذة، وينشف العرق تحت إبطيها.شعرت بألم شديد..تخيّلت مشهد الكرنفال وتصاعد الغبار من دبكات المتجمهرين .. يتوسطهم بقامته المربوعة ، ذراعه الممدودة ترتفع كتحية ظاهرة . تقلصت الصورة وانحصرت بكفه المفتوحة الأصابع .. وجدتها كمن تحصد غلتها بحركتها البطيئة.. وثمة قطرات دم متواترة تسقط على رقاب المحتشدين .. وفي مشهد آخر رأت الكف توحي لمن كانوا أسفل منه ، إنهم صغار ،وإنه العظيم الذي يجب حمده على مكارمه . كأن دبيباً سريعاً يحاول التخلص من مضايقات الألم.. فيخرج من أناملها. يا لها من مدن.. تسري فيها الأقاويل أسرع من رائحة المجاري.الناس ليس لهم حكاية غير حكايته.. يطلقون حسناته في العلن ويطلقون النكات حوله في السر. إلاّ في مدينتها.. فالنكات هنا تأخذ حريتها في التنقل من فم الى آخر. قاسمها المشترك هو الموت الذي يتكلم عنه. هل يستطيع أن يوقف ساعة الموت؟ إنه لهاث الوهم. فحيح التسلط. ضحكت بأعلى صوتها. حتى شرقت. تنبهت أمها إلى ضحكات ابنتها الطويلة النابعة بلا خجل. أبحرت بسفينة الجنون. داخل أمواج متلاطمة من الأفكار. كأن حرباً  شبت داخل أعصابها ففلت زمام السيطرة على انفعالاتها. تبادلت الأم النظرات مع الأب المشغول بسعاله وبضيفه الذي أصابه العجب لأول مرة.

- دعوها تفعل ما تشاء. هذه بداية الطريق نحو الصحو. إنها تغسل الحزن بماء الضحك.

كأنه منحها العذر من غضب الأب. لابد أن يعطي العذر. إنه الحب الذي لا مفر من ملاحقته. فالصبر الطويل علمه أشياء ما كانت توجد لولا الصدق الذي عرف به.

خرجت من غرفتها. لم تعد تخاف أو تخجل. نفخت رمادها فتطاير حولها كأن ناراً جديدة بدأت تتوقد في داخلها.. وبدأت تنزّ عرقاً.. وقفت عند باب غرفة الضيوف. أرسلت نظرات مستقيمة الى الوجوه. والى وجه الرجل الحكيم خاصة. الذي أصيب بالخرس والفرح معاً. صفّق قلبه بترنيمة أنسته نفسه. ها هي ذي تحمل ملامح جديدة ذكرته بوجهها الطفولي الأول الذي  تسلق ارتعاشته قبل أعوام وجعلته في حالة أرق طويلة وتفكير عميق في كيفية الظفر بها. كاد يقف لملاقاتها. نظر الاثنان الى الأب. فأصابتها موجه صخب وأطلقت دموعها المحصورة. لم تكن تعي تصرفها. كأنها في بداية التجربة الجديدة والتي هي بحاجة الى بلورة قبل الخروج بالنتائج الأخيرة. لابد لها من عذر تمنحه للآخرين. وإلاّ لماذا وقفت عند الباب.

- هل سمعت بآخر الأخبار؟

انقذها من صمت الحروف وغياب الأعذار.

- كنت الوحيد الذي عرف نواياه.. سيكون ألعن من عرفته البلاد .

- ....

- دائماً يشفي الناس؟

- ....

-       نحن من نعطي الفرص للوقوف على رقابنا. لنكون أدواتهم. هذا ديدن التسلط.

 

قال الأب.

- أنه الكفر بعينه.

- بربك يا عم.

قالها وعيناه مثبتتان على وجهه الأصفر.

- أليست هذه أضحوكة ؟إنه يطالبهم بضرورة التوجه الى الإرجاء، لضمها إليه. كل مدينة لا تسلم مفتاحها .عليه أن يأخذها بالقوة. يرسل جواسيسه أول الأمر. لبثّ كلماته. لقد أدخل الجميع في الفلاة .. فلا الخراب إلا بالإذعان.

- وهل يأتي الدور على مدينتنا.؟

سأله الأب

- كلا يا عم. هنا يختلف الأمر. نحن واعون مادمنا مؤمنين. نحن لا نخاف الموت. إذ بدونه لا طعم للحياة.

ودب في داخلها هيجان حرك سواكنها الخجلة. واجتاحت ساحة المعقول لتلج بكلماتها سرّ وقوفها.

     - لابد من اقتراب نهايته. إنه الآن أشبه بكلب مبتور الذنب ، يحاصره من أسند قامته.

بهت الرجلان وأحنى والدها رأسه وسارعت الأم الى قرصها. تصوّرا إن ابنتهما فقدت حياءها. فربما الرجل الحكيم يعرف السر أيضاً. ويعرف  ما تقصده في بتر الذنب.

- لا عليك.. أنا أعرف ما تقولينه. قبل أن أفهم معنى الكلمات. لكني أفهم تأويلك. قلت سابقاً.. إنه ليس برجل. وهذا يشمل حتى جسده.

تراقصت الدموع في مآقيها. وسارعت للاختفاء في غرفتها. لم تزل بحاجة الى وقت لتلم أطراف لسانها وتتحكم  بأعصابها. لم تسمع خطوات الأم. حتى احتضنتها .

- إنك تعذبين نفسك. كأنك سفينة غرقت في قاع بلا قرار.

شعرت بطبطبات على ظهرها. بكفين حانيين يسحبان رأسها، وتعدلان من خصلات شعرها

- لماذا مثل هذا الكلام.؟

- لأنني لم أعد أحتمل. على الناس أن يفهموا حقيقته قبل أن تأتي النار الى مدينتنا وتحرق كل شئ.

- لا تخافي على مدينتنا. المدينة التي فيها مثل هذا الرجل لا يخاف عليها.

- عليّ إذن أن أسانده.

- يا ابنتي العزيزة؟

واحتضنتا بعضيهما وتبادلتا البكاء وسارتا في نحيب متصل لدقائق حارقة. كأن الأم أرادتها فرصة لتبكي. وعادت لتمسح على رأس ابنتها.

- يا ابنتي.. هذا الرجل يشتريك بحب صادق. ويبيع نفسه لك بحكمة الرجال.

 سحبت نفساً عميقاً. ومرّرت باطن كفها على أنفها، باحثة عن تفصيل لكلمات تستطيع من خلالها أن تبقى في لحظات ودودة.. لا تخرج منها بعذر مشّوه.

- ليس الآن وقت التفكير.

- متى.

- عندما تنتهي غمامتي. وارمي رمادي خارج جسدي.

- متى ؟

- كل شئ في حينه. غضبي الآن أقوى من قلبي.

وغطت وجهها في صدر أمها. المكان الوحيد الذي تستريح فيه.. لكنه لا يزيل رماد النسيان او. يشجع على ركود النار الجديدة  في اشتعال واحد دون هيجانها. فجذوة النسيان باقية تحت الرماد. أنى تولي وجهها تأتيها ريح تنفخ ألسنتها المسحورة، ليبقى الحجر يضرب رأسها وأعماقها. وحضن أمها العائدة اليه.. تشعر معه بألفة جديدة.. وقناعة ترسخت حديثاً بضرورة التوجه إلى قتل كل ما يتصل بمأساتها.. تنهدت بعمق،طالبة من أمها أن تكوّرها في حضنها كطفلة صغيرة.. تفلي لها شعرها وتولول لها بأغنية طالما شعرت معها بالأمان. وقبل أن تستجيب الأم لصوت كادت تنساه في زحمة اللوعة على إبنتها الوحيدة التي لم ترزق غيرها. فرضيت مع الأب بمولودتهما. وقبل أن تنام الطفلة هانئةً سمعتا صوت الرجل الضيف. سارعتا وقلباهما سقطا قبل خطواتهما. وقد وجدتا الأب لا حراك فيه.. لقد أسبل جفنيه في مكانه ومات.

يا للعنة الحياة.. ها إنك تفرضين حزناً جديداً وتظيفين وصباً آخر ..تكوّرها الأيام السبع المتعاقبة ، تلعق فراق الأب ، وتثبّت في رأسها مسؤولية رحيله على عاتقها.. وبسبي ستموت الأم. هاهي ذي خائرة القوى والعظام.. طريحة الفراش.. تحاول إقناع البنت.. بأن الموت حق.. لم تستطع من كبت دموعها.. تصورت ان عينيها نشفتا دمعاً. حتى انبثـقـتا من جديد تنهمران. فقد لحقت الأم بأبيها.. تاركة ابتسامة فاترة. وعينين مفتوحتين، وصدراً مخسوفاً.

ماتت الأم حزناً على الفراغ، وحسرة على البنت. تاركة إياها تصارع وحشة الجدران.. الحاملة لكل تأريخ المأساة. تهذي في سرداب روحها المبتلاة بالرطوبة والرماد. فيخرج صوتها مبحوحاً.. معطوباً. تباً لي من حياة أعيشها. كأن الله أراد معاقبتها بقدرأسود. فيُسمِعُها العذاب رنّات الحزن الضاغطة على صدرها المكتوم. لا شئ يحيطها غير الفراغ الذي صار حزيناً هو الآخر. وخيالات الرجل الثرثار الذي لم يقو على الاقتراب.. حتى لا تحسب خطوته إليها على إنها شفقة. لم يمهله قلبه أان يصبر أطول زمناً. فتقدم إلى بابها، ليسألها حاجتها.. كانت عيناها حمراوين تقطران غضباً احمر. قالت له.. إنه هو الذي قتلهما.. ستبحث عن سبيل لقتل ذلك الوغد. قالت له.. إنها لا تشعر بالراحة أو بالنفس الصاعد أو بالدمع الساكب. إلاّ بقتله. لا تفل ضفيرة.. ولا تلبس ثوباً جديداً إلاّ بقتله. سأبتر رأسه بذات السكين التي امسكها بأصابعه. آه على بلواي.

أصابه نوع من الفرح الصغير. لهذا التغيير. لقد اطمأن قلبه تماما.. تركها ليراقص خطواته , فالقادم من الأيام ستشي بسعادته حتما.

صار سجنها البيت كله.كيف السبيل للوصول اليه؟.لا نفع للبقاء والتوسل بالغضب أان يحل مشاكلها. خرجت صباحا تتقصى الأخبار. قالوا لها..انهم يسمعون، وهم غير معنيين به. فهذه المدينة محرمة عليه وهو يعرف ذلك. وقفت تسأل القادمين في مفترق الطرق. أخبروها أنه الآن في الأقاصي الشمالية .. لكن القادمين لتوّهم أخبروها إنه في الجنوب. إنه في كل الاتجاهات. موجود وغير موجود. لا أحد يعرف مكانه. إنه يختفي بلمح البصر.. ليظهر في مكان آخر. حتى مدينته الجديدة التي لا تغرب عنها الشمس.. ذات القصر الكبير والحدائق الواسعة،.يكون فيها ولا يكون. عجيب.. كيف يصل الأقاصي؟ أيستطيل جسده.. أم يتحول إلى نسمة؟. لابد إن روحه مزروعة بالشياطين . لم تستطع الحصول على جواب، فغرقت في سؤالها.. كيف تذهب اليه لو عرفت مكانه ؟. ماذا ستفعل ؟.

فاجأها بوجوده.. توقفت أمامه مثل طفلة خجلة.أتقول عنه الآن إنه رجل ثرثار؟. بادلته النظرات. وسألها.

- أراك تسألين عنه.

- لأشفي غليلي.

- فقط!!.

- أعرف ما تفكر به.. لابد من تخليص العالم من شروره.. لن يكون هذا ثأراً.. فكلماتك غرست في داخلي معنى آخر لحب الحياة والناس.

- وأنا معك.

- لم يحن وقتك بعد. سأكون معك في مهمتك.

 طوت خطواتها مبتعدة عنه.قبل أن يأخذ الحوار صيغة أخرى. عصرت أصابعها حتى لا تزداد اتساعا في ارتباكها. لكنها وجدت نفسها تحدثها. لماذا لا تتقربين اليه؟ إنه الكوُة التي تستطيعين من خلالها استقبال نسمات قد تحمل في طياتها الربيع. ولكن قد يكون هذا انعكاساً لما سيأتي.. لا يهم كيف يكون العلاج.. المهم أن تطرقي باب الصواب ونسيان الخطأ.. تباً لي.. لماذا لم أفكر بهذا.. آه.. كيف أفكر.. علّي أن أستعين بشيء آخر.   

لم تعد الجدران تكفي لاحتواء حواراتها. أو تكفي للاستماع إلى خيوط الأحاديث.فما سمعته من ناسها الذين عرفوا غاياتها وفكرها الجديد الذي سموه نضالها. جعلها تلعن تلك الشهور المريرة التي اكتفت فيها بالتقاط ذيل الأحاديث. وإن الفضاعة التي سورت الناس في المدن الأخرى بعد أن سيطر عليها نهائياً.. قد تحول إلى طاغية من رحم شيطان. فراحت تخرج للناس..وقد رمت خلفها كل شيء.تساند الرجل الحكيم في أحاديثه. تحث الرجال على الوئام والوحدة.لم تكن في منآى عن منغصات في بعض ما تواجهه. لم يزل من يظن فيها الظنون. سمعت.

- هذه زوجه.

- ربما هي تعرف كل شيء..

- إنها تريد أن تعرف كيف الطريق اليه.فان الذي وصله لابد ان وراءه امرأة.

- زوجي يقول. إن مدينته الجديدة فيها من الغرائب ما لا تصدقه العين.

- كلا.. زوجي قال.. له في كل مدينة تمثال من الأجساد.. تتلاصق كما المرآة.

- مرآته تهبه ما يشاء حتى النساء.

   أعوذ بالله. أسمع ولا أتكلم. أكتم صراخي و بكائي.. أحطم آواني نسياني وألوذ بثلج خذلاني. حتى النساء صرن يتداولن سيرته. لابد إنه يملك من النساء الجميلات الكثير. في كل قصر امرأة. ولكن كيف يضاجعهن؟ ربما بأصابعه. وربما منحه الشيطان رجولة جديدة.

وتبكي بين الجدران. لاشيء يمنحها الأمان. وحدها في صراع من أجل القضاء على الفراغ. ولان اليوم لا ينتهي بالنوم. فان الاستيقاظ لا يمنحها إلا التفكير. وبعض التفكير ذكريات مؤلمة. تدور في البيت. تخرج من غرفة إالى أخرى. يبرز لها وجه الأب الصافن. يرميها نظرات يمتزج فيها الحنان بالخوف. تهرب.. تمسك رأسها.. تشرب ماء فتشعر باكتواء أحشائها. يخرج جسد أمها.. يدور مع الظل، ليفرش لها حضناً يأويها.. لا مرآة كبيرة تقف أمامها. لم يعد للمرآة حقيقة.. هل وجد امرأة أجمل مني. تحبه كما أحببته أنا؟ اللعنة على أفكاري. ما زلت جميلة رغم انفك. وتعرت.. خلعت ملابسها قطعة قطعة.. نظرت الى جسدها. دارت حول نفسها وعيناها مثبتتان على تضاريس جسدها. رفعت ذراعيها الى الأعلى. ضغطت صدرها ألى الداخل. تكور نهداها الى الأمام كرمانتين ناضجتين. إنه جميل.. مازال طرياً.. إذن ما زلت جميلة. داعبت نهديها.. متى يلتهم طفل هاتين الحلمتين؟ لعنك الله. أشعر إن الحليب إذا ما خرج سيكون رماداً. وخزها الضجر. ما فائدة ذلك والعمر يجري..ارتدت ملابسها. وقررت ألاّ تفكر بهذه الأشياء.. لماذا أجعل قلبي يستسيغ الرجل الثرثار.. لن أقول عنه ثرثاراً. فهو وحده الذي يمسك عصا التوازن. بين عقله وعاطفته. بين أخلاقه وإيمانه. هو الذي لا تسكنه الأرواح.. بشر مؤمن بحتمية الموت والحياة والحرية. حقاً إنه الصادق الذي يجب أن تعلق المدن الأخرى كل آمالها عليه.. لعنة الله عليك. ها إنك جعلتني أهذي في كل شيء حتى مع قلبي. وسعت حدقتا عينيها. رأت نفسها وقد تسلقت سلم الغضب.. هوت بكل قواها على شبح قد خرج من أتون قذاراته. تراءت لها قطرات من دم وهي تسيل من أصابعها. لابد أن يكون قتلك على يدي. وإلا فلن أغادر رمادي.


 

 


اللوحة للتشكيلي العراقي العالمي صادق طعمة