|
رؤيا
الغائب ـ النص الثاني
في متاهة الأعماق السحيقة |
|
|
يغبش السادر الولهان كل صباح لملاقاة المرأة الساحرة الغامضة التي تطلع من باطن الضباب وتقطع خط سيره اليومي في طريقه إلى مقر عمله رامقة إياه نظرةٍ واحدةٍ حزينةٍ من عينين واسعتين سوداوين قبل أن تغيب خلف بناية محكمة الديوانية القديمة المتداعية ضائعة في اشتباك الأزقة المهدمة المهجورة منذ أخر حربٍ مخلفةً عطرها الأسر يدور بأرجاء المكان لافحاً وقفته المذهولة وسط الرصيف وهو يتابع بعينين مشدوهتين طرف عباءتها المرفرف يختفي خلف زخارف الآجر المكّسر وعوارض الشبابيك الحديدية المعّوجة واستدارت الأعمدة المقطعة التيجان المجّرحة بآثار شظايا .
أقلقه هذا الظهور والاختفاء اليومي ، وشعر بنفسه ينجذب نحوها بذلك التوق الذي صار جارفاً في الآونة الأخيرة ، فأصبح ينتظر لحظة اللقاء الصباحي بلهفة فيبيت ليلته حالماً بمبادءتها الكلام ، بعدما فشلت كل محاولاته للتملص منها بالتأخر عن موعد مرورها ، إذ يجد نفسه مقاداً كسائر في نومه في الساعة المحددة بالضبط لانبثاقها من كثافة ضباب الغبش لينصب في وقفته اليومية مسحوراً مشدوهاً يلاحق ظلالها تتلاشى خلف الحافة المكسرة لضلع مزخرف قائمة بقاياه ناسياً عزمه المشحوذ طوال الليل على مبادرتها بالكلام معطلاً عاجزاً محاصراً بوجه زوجه وأطفاله ورشيش عطرها المدوخ ، فتنزلق من أمامه انزلاق طيف لذيذ لحظة استيقاظ ضاج 0 ويلبث مخدراً في مكانه طويلاً يستعيد النظرة الفريدة الباعثة دفقاً من الأحاسيس هي مزيج من الود والإلفة والشهوة والحزن ، وغير قادرٍ على استحضار ملامحها التي سرعان ما تنأى وتصير مثل ذكرى قديمة 0 وحدهما العينان الواسعتان بأهدابها الفاحمة الطويلة واضحتان 0 العينان اللتان تشغلانه في لحظة مرورها البارقة عن تفاصيل القسمات التي تضفي عليها أمواج الضباب مزيداً من الشفافية والسحر والغموض فتبدو غير حقيقيةً وكأنها جنيةً من جنيات الأساطير 0 وبالأمس بالغت في الدنو حتى كادت تصطدم به ، وبدت جليةً فأربكه جمالها الباهر الصاعق وشتَتَتْ ذهنه نبرتها الحالمة الهامسة بكلامٍ لم يستوعب فحواه إلا بعد حين ، فقد خيل إليه إنه سمع اسم أخيه الغائب مما جعله يندفع دون تفكير في الهرولة في أثرها وينزل السلالم الحجرية القديمة المرطوبة إلى الزقاق الموحل المهجور الغارق بالضباب ويرمي بصره اللائب بين ركامات الجدران نصف المهدمة وضيق الدهاليز المغمورة بالماء الآسن والمنعطفات المتداخلة بركام آجرها المبعثر والمبلول بنثيث الضباب قبل أن يرجع خائباً مشغولاً يفكر بالرابطة بين هذه المرأة الغامضة التي ظهرت منذ حلول الضباب وأخيه المجهول المصير والذي احتدمت ذكراه مؤججةً الشجون القديمة بعد أن طوت الحرب الأخيرة أيامها ملتهمة المزيد من الأصدقاء والجيران والمعارف ورفاق الطفولة وخلفته وحيداً مجرداً من ندماء كانوا يخففون من وطأة الفراق وتباريح الأشواق . لم يستطع الربط أبداً بينهما ، فهذي المرأة الساحرة التي تلوح كل غبشٍ خارجة من جدائل البياض الشفاف لم يرها مسبقاً ، كذلك إن أخاه لم يخبره عنها وهو الذي كان أمين أسرار محبته .. ما السر إذن ؟ اللعنة .. اللعنة .. لِمَ لم أنتبه إلى كلامها ؟ لو .. لو انتبهت حينها .. لعرفت السرَ .. وعرفت الرابطة المحيرة .. لكنها روحي المتولهة بالجمال .. روحي التي تمشكلني دوماً بشرود يضعني بمواقف محرجة ومعيبة وهي ترشف من عبق النساء الجميلات الغريبات القريبات غير أبهة بالمحيط فكيف إذن في خلوة الغبش المضبب هذا ؟ كيف .. وبسحرٍكهذا السحر ؟ من أين أعرف بأن لها صلة ما بأخي ؟ .. نعم لها صلة .. سمعت إسمه بوضوح .. سمعته .. 0 ولكن داخلهُ هاجس أخر زعزع يقين السماع ، وجعله غير واثقٍ من الفكرة برمتها فمن الجائز أن يكون ما تناهى إلى أسماعه وهم أخر من أوهام هلوساته التي استفحلت في الآونة الأخيرة ، حيث بات يسمع أصواتاً تناديه أو حفيف خطو يسعى في أثره وهو يسير بأزقةٍ خالية أو غرفٍ فارغةٍ 0 خطوات وأصوات أصدقاء وأحبة ضاعوا اختفوا ماتوا قتلوا في الأقبية والحروب وفي المنافي البعيدة ، تزايدت مع ازدياد شعوره بالوحدة وانفصاله عن الآخرين وتفضيله العزلة والصمت وسهر الليالي يصاحب وينادم صورة أخيه الفوتوغرافية التي كبرها وعلقها في غرفةٍ صغيرةٍ منزويةٍ زين جدرانها بتخطيطاتٍ فحميةٍ تركها الغائب وببعض لوحاته الزيتية القديمة رسمها في فترة اختفائه وسلمها له في إحدى لقاءاتهما السرية . وبطول صبرٍ وأناة كان يستعيد تفاصيل حياتهما المشتركة منذ استيقاظ الذاكرة حتى أخر لقاء عندما توادعا مساءً في ساحة الأندلس بقلب بغداد على أمل لقاءٍ جديد ، فأصبح بمقدوره استحضار قسماته الحية وتضاريس جسده النابض فيراه يتسرب من تحنطه بإطار الصورة مغادراً الورق الصقيل ، ويشهق جواره بقامته الممشوقة ، ثم يخطو دون أن يصدر عن خطوه المتمهل أي صوت ليجلس على الأريكة المقابلة صامتاً ينصت إلى شكواه حتى مطلع الفجر كما كان يفعل قبل عشرين عاماً . كان المستيقظ من غفوة الورق يضم ساقيه الناحلتين إلى صدره الهزيل متكوراً في طرف الأريكة ، يرمقه من بين أهدابٍ طويلةٍ ذابلةٍ بوجد محبٍ ضاقت به العبارة . وكان يهرع متسربا في صمت الورق حال سماعه وقع أقدام في الباحة المسقوفة خلف الباب نصف الموارب ..... أيكون ما تخيلت سماعه وهماً أخر من أوهام أحلام يقظتي ؟ .. أيكون يارب الاشواق ؟ .. أيكون وهماً يا عارف شؤون الغياب ؟ .. يا أيها الحاضر أبداً !! .. خبرني .. خبرني .. يا جائب الفيافي والقفار .. يا محرز الأسرار .. خبرني .. خبرني .. فلقد أهزلني وجده ، وظللت وحيداً أعانق في ذاكرتي المدماة حضوره الراسخ .. صدى ضحكته .. رنة كلماته .. تردد أنفاسه ، وحيداً أعاني لوعة الفقد ، وحيداً أنفجر في الغرف والزوايا ، في الحقول والبساتين بكاءً مراً ، وحيداً ظل يسكنني بكل حلاوته وألقه وبراءته وضجيجه رغم مرور أكثر من خمسة عشر عاماً على غيابه الذي خلف فراغاً في الروح لم تعوضه الأيام والصداقات ، ولم تخفف منه أربعة حروب وقعت منذ غيابه ، لم تخفت من أواره كثرة القتلى الذين سقطوا بين يدي وتحت ناظري ، بالعكس زادت وحشة الأيام وقسوتها من وطأة الفقد فاستولى عليّ الحزن وهتك ستري فأصبحت أكثر هشاشةً غير هيابٍ أو خجلٍ من النحيب الذي ينطلق بغتة حالما يرد خاطره فأنجرف بسيلٍ من البكاء وسط الجنود في الملاجئ ، وسط الناس في المقهى ، في السكر والصحو ، بين أجساد القتلى وفي الأعراس ، في ضجيج الجبهة وصمت ليل الجبل ، في هدأة أغساق السهوب الغريبة واحتدام لياليها ، في النوم واليقظة ، في زحمة السوق والقطار ، وحتى في فراش الزوجية ، ثم تطور الأمر إلى نشيج مصحوب بهذيان مفجوع يريد الإمساك بطيف مستحيل . ظل ينتحب بلذةٍ في حضن زوجه دافناً وجهه بصدرها المنتفض ، شاعراً بشيء من السكينة وهي تربت براحتها الحنونة على ظهره المهتز هامسةً بكلامٍ يواسيه ويطيب خاطره . وأصبحت تلك اللحظات من أمتع لحظات حاضره المحزون .. لكن حتى هذه النافذة الوحيدة انسدتْ سداً محكماً مع شعوره بمللها وهي تحاول أن تخفي امتعاضها حينما تراه ينتحب ملتاعاً ويهذي هذيانه المكرور ، وباختلاف إيقاع الربتة التي كانت حانيةً فأصابعها فقدت طراوتها وباطن الراحة تخشب وعاد يطرق أضلاعه دون حنوٍ مما جعله يكف عن البكاء بحضرتها كاتماً أحزانه المدمرة فتفاقمت فاجعة الغياب . وأصبح أسير أحلام يقظةٍ احتلت ما تبقى من انتباهه الواهي أصلاً يمارس شؤون الدنيا كسائرٍ في نومه ، في فترة احتدام القتال في الجبهات كان يلقم المدفع طلقته ، يسحب حبل القدح ، ينظف السبطانة ، يسافر 0 يتسكع ، يلتقي ، ويتبادل الأحاديث مع البشر في المقاهي والملاجئ ، في المحطات والقطارات البيوت ، ويمارس الجنس مع زوجه بتلك الآلية المجردة من الحس . فبعد التباس علاقته الزوجية فقد أخر محطة دافئةٍ كانت تلمه من صقيع الدنيا ، وبات موقناً إن الروح عصية لا تفهمها إلا ذاتها مردداً في خلوته ؛ ــ إيه .. إيه يا نفسي ليس لك سواي .. ليس لك ..!!! ورمى كيانه في قفر الروح الفسيح جائباً في أنحائه البعيدة طاحناً ألمه سراً ، مستلباً أشد الاستلاب ومنفصلاً عن الكل يعيش تلاوين عوالم اختلطت فيها الأزمنة والأمكنة يأتي الغائب فيها طالعاً من مجاهل النوم والأحلام ، من بيوت ( الجديدة ) القديمة ، من نهر المدينة الصغير ، من الصورة الفوتوغرافية ، من بساتين النخيل الكثيفة .. يأتي بكل بهائه وعنفوانه يجالسه ، يسارره ، يحاوره .
# # #
كانت تنسل من الفراش بهدوء ، تنسل في الهزيع الأخير من الليل ، تقطع الباحة المسقوفة سائرةً على أطراف أصابعها حتى تحاذي الباب الموصد وتتنصت إلى صوته الذي أصبح واضحاً ، صوته الذي افتقدت نبرته منذ عودته من الحرب ولزومه الصمت وهجره الفراش متعللاً بذرائع واهية ، تسمعه الآن بنبرته القديمة في أيام حبهما وزواجهما قبل الحرب ، نبرة رقيقة واثقة لا انكسار فيها ، كان يتدفق بالكلام وكأنه يستعيد مع جليس ذكرياتٍ بعيدةٍ ، نهر وبساتين ، صبايا وطيور ، جوامع وبدو يحتلون بجمالهم شارع العلاوي العريض ، سواقي ضحلة جوار ضريح شعبان بيك الذي اندرس ، دكان خليل الحلاق ، عبد سوادي النجار ، حمدي الحلاق ، حانوت مكسرات أبي زهرة ، فواكه سلمان الطبل ، محمد دوحي الحلاق ، وفكتور بائع الخمور ، أسماء وأسماء . حشد من الحيوات والأحداث لا تتذكر أنه حدثها عنها ، جرائم قتلٍ وإغتصابات ، حسين شاني يقتل علاوي في المقهى طعناً بسكين ، صبي مقتول ومغتصب يعثر عليه في بستان ( عجه ) مفقوء العينين ، زيارات لسجون قديمة بصحبة امه ، متظاهرون يشتبكون بالشرطة المعتلية ظهور الخيل ، زيارات لمراقد الأئمة في النجف وكربلاء ، تفاصيل يوميات قديمة عن سطوه ليلاً على بنت الجيران وافتضاح أمره ، عن إندساسه في زحمة النسوة المحتشدات لرؤية مواكب العزاء المارة وإطباقه على مؤخرات الصبايا ، تفاصيل قصص حب من طرف واحد طريفة تجعله يضحك ضحكته المجلجلة الغائبة منذ عدة سنوات . ــ يا ترى مع من يتحدث ؟ تسائل نفسها وتنحني متلصصةً من شروخ الباب فتراه وحيداً يجلس على الأريكة تحت ضوء مصباح نوم شاحب الزرقة ، فتنفجر بصمتٍ ساخطةً لاعنةً حضها العاثر وتنسحب يتبعها حفيف ثوبها الشفاف عائدةً إلى فراشها المهجور مرمدةً تشعر ببردٍ قارصٍ رغم غطائها الثقيل . وفي إحدى الليالي أحست بخطوٍ خفيفٍ يهمس لإذنيها المرهفتين 0 خطو تميز وقعه من بين آلاف الأقدام 0 خطو طالما أطربها ، فاستعد جسدها الذابل المهجور متوثباً متشهياً 0 سخن فجأة وأخذ يبث نبضاً من نار ، لكنه سرعان ما ترمد مستسلماً لرعشة البرد القادمة من تخافت الخطوات المبتعدة المتلاشية خلف الباب . ــ أي هاجس جعله ينأى عني ؟!!! .. هو الفحل الذي كان يلتهمني في الفراش نهماً ويقطع أنفاسي .. أي هاجس .. أثمت امرأة أخرى ؟ .. امرأة أخرى بعد كل تلك السنين والحب ؟ .. ولم لا ؟ .. لم ؟ فهو شغوف بالنساء .. ليس شغوفاً فحسب بل شديد الوله ولا يخفي ذلك يحدق نحوهن بحضوري بطريقة تشعلني ، وفي حضرة واحدة جميلة يستحيل إلى كائن أرق من عصفور . أشعر أحياناً بنبرة صوته تترخم ويصبح وقعها عذباً وموثراً في القلوب . أرقني ويؤرقني هذا الهاجس ، فأنهض من فراشي في عمق الليل وأتسلل حافية القدمين راغبة في التلصص على وحدته علني أكتشف شيئاً ، أقطع الباحة المعتمة ، أخلد جوار الباب ، أمد بصري خلل شقوق خشبها ، أتأمله قابعاً في زاوية الأريكة يبحلق بحلقة طويلة مبهمة بالليل الحالك خلف النافذة ثم يرفع رأسه محدقاً في الرسوم وصورة أخيه وأصدقائه المعلقة . أنسل عائدةً إلى فراشي محزونةً وجلةً يرن في رأسي السؤال ــ ماذا جرى .. ماذا جرى له بحق السماء ؟ . كنت أعتقد إن نهاية الحرب ستضع حداً لارتباك مشاعرنا واضطرابها فنصفو من جديد ونعود كما كنا ، فهو لا يدري كم أنا سعيدة بسلامته ؟ إذ إنه لم يعطني فرصة للتعبير عن هذا الشعور بصمته المستديم وشروده وانعزاله في الحجرة التي كانت مخزناً .. يا إلهي .. يا إلهي ماذا أفعل كي أجعله يفيق إلى ثانيةً ويؤوب إلي صدري لائذاً ؟.. ماذا .. ماذا أفعل .. ماذا ؟ وهاجس المرأة الأخرى بدأ يستفحل ويسمم مشاعري ، صرت مثل معتوهة شكاكة أهرع في غيابه أنبش أرفف المكتبة ، أوراقه الخاصة ، أفتش حزم رسائلنا القديمة ، أبحث تحت الأسرة متخيلة وجود مخابئ سرية ستكشف لي شخص المرأة التي أخذت عقل زوجي وحبيبي ، أقلب محتويات خزانة الملابس ، الروازين ، أقلب صفحات الكتب القديمة صفحةً صفحة عليَّ أعثر على ورقة تدلني ، حتى إنني نبشت حقيبته الخاصة التي يحرص على حملها معه أينما حل منتهزةً فرصة وجوده في الحمام ، لم أجد سوى يوميات مبهمة وأشعار عشقٍ قديمةٍ يستلها من الكتب ، ورسائل قديمة أذهب الزمن صقالة ورقها وصلابته ، أقلبها على عجل وأقرأ في أذيالها أسماء أصدقاءٍ له فقدوا أو قتلوا في الحرب ، وأصدقاء قضوا في المعتقلات والسجون ، ورسائل أخرى مزدانة برسوم غريبة غير واضحة كان أخوه المعدوم يبعثها من بغداد حيث يدرس في الجامعة التكنولوجية . كان النبش يشعرني بالخزي .. لكن عذري في توقي إليه . مازلت أحن إلى أيام مجد حبنا ، يعذبني الشوق إلى دفء ورائحة صدره الرحب ، إلى نبضه النابت بالعروق ، إلى نبرة صوته الحنون لحظة البوح في سعير السرير ، مازلت يا روحي .. مازلت .. وتلصصي الليلي على خلوته يبوح بحال عاشقٍ ولهان لكن دون دليل ، مازلت مشتتة بين الاحتمالات لا أفهم سر الانقلاب الذي ابتدأ منذ عكوفه عن ذكر أخيه ، وكفه عن اللوذ بحضني باكياً هاذياً أشواقه المبرحة بأعذب الكلام ، كنت اندهش لاكتناز قلبه بكل هذا الحب ، وينتابني شعور بالندم لانني لم أتعرف على أخيه الغائب إلا خطفاً ، رأيته مرةً أو مرتين لا أذكر بالضبط وبعدها توارى عن أنظار السلطات في مدن أخرى وغابت أخباره تماماً وقت زواجنا . صرت أتمنى أن يعود إلى تذكر أخيه والبكاء عليه في حضني لكن هيهات .. هيهات .. ما الذي غيرك يا حبي ؟ لابد أن ثمة شيئاً مهولاً جعلك تتبدل هكذا ؟ .. ما هو يا حبي ؟ .. ما هو يا ربي ؟ .. مازالت ملامحك الحزينة المتحجرة ظاهراً تواري حناناً حبيساً لا يخطئه قلبي المجروح . لِمَ تخفيه عني يا حبيبي ؟ .. لم يا روحي لم ؟ .. لقد تعبت .. تعبت .. أهلكني شرودك وإهمالك لأوضاعنا التي ازدادت سوءاً بعد الحرب . كنت أيامها تستيقظ مبكراً لتعد لنا الإفطار في أيام إجازاتك القصيرة ، كنتُ أستيقظ على صخبك الهازل وضحكاتك المجلجلة وأنت تمازح الأطفال . كنت لا تكف عن المزاح والضحك طوال أيام الإجازة . ما الذي غير طبعك الحبيب يا روحي ؟ أنت أيضاً الآن تنهض لا من فراشك بل من كرسيك قبل صياح الديك وتتسلل في أحشاء السحر إلى الحمام ، تأخذ دشاً بارداً ، وأنا البث خلف باب غرفتي ألصق عيني بشرخٍ يسمح لي برؤيتك حيث تغادر الحمام وترتدي ملابسك في الباحة المسقوفة بتأنٍ متحاشياً إثارة أية ضجة . أدلف إلى فراشي مسرعةً حينما ألمحك تتجه نحو غرفتنا ، ألوذ تحت الغطاء متوترة في الصمت والانتظار ،، أسمعك تفتح الباب بهدوء ، أتتبع وقع خطاك الخافت البطيء ، يصلني حفيف أغطية فأعرف أنك تغطي الأطفال ، أسمعك تدنو من السرير ، أحس بك تقف جواري وتطل علي .. قريباً .. بعيداً .. ، أكاد أقفز لعناقك والتهامك وأنت ترفع غطائي بهدوء وحذر شديد ، أجمد تحت صبيب أنفاسك اللاهثة التي تحاول كتمها دون جدوى متخيلةً احتشاد الألم المحبوس في تقاطيعك الغارقة بظلال الغرفة التي يتسلل نور الغبش الهزيل من نافذتها الصغيرة ، أتخيل قامتك الفارعة الشامخة وأنت تتملى طولي المسفوح على السرير ، أتذكر قولك في أيامنا الغابرة ؛ ــ يطيب لي تأملك كل ليلة وأنت تسرحين في فيافي النوم والأحلام . أتدرين يا حبي أن الإنسان يصفو في النوم العميق وتترسب شوائبه فيطفو الطفل الذي أغرقته الأيام وصعابها . في السكون المتوتر تضطرب أنفاسنا وتخفق روحي .. جنح عصفور ذبح تواً . أنزف في السكون الراعد .. أنزف .. أنزف .. أتبدد .. أتطشر هباءً في ريح الروح العاتية الصافرة .. أي لحظات تلك .. أي لحظات .. ما أمرها ما أثقلها .. ما أشقاها وأنا غير قادرةٍ إلا على السكون والهمود همود الموتى ، ممنوعةً من الاستيقاظ والبوح والعناق منتظرة لحظة التحطيم القادمة بأزيز الباب الذي تسكره على مهل ، فأفتح عيني الداميتين ، أستحضر ظلك وأنفاسك التي خلفتها حيةً تحيط بي وتدور فألوب ألوب تصفعني الباب المسدود وخواء الدار ، فأنفجر ناشجةً مثل سيل من نار نشيجاً أخنقه مخافة إيقاظ الأطفال فيستحيل شهقات عميقة تذري بقايا الروح الحزينة المخذولة . تنسل قبيل انبلاج الفجر .. تنسل بصمت .. تنسل بهدوء .. لا أعرف إلى أين؟ ولا كيف تقضي سويعات ما قبل توجهك إلى مقر عملك ، أشعر بشيءٍ ما يكاد يحطم قلبينا ويقضي على حبنا القديم .
# # # في مثل هذي الأوقات ، قبيل مطلع الفجر كنا نغادر البيت لنتجول بشوارع المدينة الواسعة وأزقتها الضيقة . نجوب في الغبش بعيون أذبلها السهر مثقلين بخلافاتنا وافتراق قاعتينا . كنت متوجساً من تلميحاته الخاطفة إلى فراق قريب ، يدوخني كتم انه وزوغانه من أسئلتي الواضحة المفحمة شاعراً بورود فجيعتي في الأيام القادمة ، ألح بالسؤال ؛ ــ ما معنى قولك يا أبا درويش .. إذا قدر ولم نلتقِ ؟ !!! ــ قلت إذا ... ــ صارحني علام أنت عازم ؟ ــ لم أعزم على شيء يا أخي !!! ــ وجهك ونبرة صوتك يا كفاح يقولان غير هذا !! ــ ... ــ افصح .. أرجوك !! ــ قلت لك لاشيء .. ألا تصدقني ؟! ورمقته طويلاً في تلك الليلة التي كانت أخر ليلة له في بيتنا القديم . لاحقت عينيه المرتبكتين الموشكتين على البوح بنظراتي الحزينة المستريبة فشرد يدور بصره في سقف الغرفة وريشات مروحته الساكنة ، في المصباح الأزرق الباهت المعلق أعلى الجدار إلى يسارنا ، في حقول سجادة الحائط وغزلانها الشاردة ، في صورتينا المعلقتين إلى جوار والدنا داخل الإطار الخشبي المحيط بالزجاج الشفاف . لم أزل ألاحقه وهو يرمي بصره إلى النافذة حيث يظهر غصن مائل من شجرة النارنج مضاء بمصباح الطريق القائم جوار باب بيتنا . كان ينظر إلى كل شيء إلا إلى وجهي ويعب أنفاساً عميقةً متلاحقةً من سيجارته ، وينفض الرماد بصدفةٍ بحريةٍ رخامية جلبها أبي من الكويت عندما سافر للعمل . انسحبت جاراً جسدي إلى الخلف .اتكأت إلى الحائط مبحراً في تقاطيعه وكأني أود احتواء رسمها إلى الأبد شاعراً بوحشةٍ بريةٍ تعصف بكياني . وحشة قاحلة ستظل ترافقني طوال العمر . أبحرت متأرجحاً على حافة هاوية فراغ مجهول بعيد الغور غير سامعٍ ما كان يتفوه به ، ثم استقمت في جلستي منفصلاً عن الحائط وقلت ؛ ــ اسمع .. اسمعْ .. هل فكرت بنا .. بأمنا .. بأبينا .. بي .. بأخوتك .. هل فكرت ؟!!! ـــ ... ـــ أتدري كم ستسبب لنا من الأحزان ؟!!! ــ ... ــ لا أستطيع .. لا أستطيع تصور المدينة والأيام دونك ؟!!! ردّ بصوتٍ واهن منكسرٍ ؛ ــ افترض في يومٍ ما حدث لي حادث لا سامح الله . انتفضت صارخاً ؛ ــ ما هذا الكلام .. ما هذا ؟!!! ــ اهدأ .. اهدأ .. مالك تصرخ ؟ ستوقظ النائمين !! ــ لم .. لم نفترض الفجيعة .. لم ؟ ــ ... مدَّ يده واحتوى كفي المختضة المعلقة في الفراغ المحصور بيننا ، فاستسلمت مستكينةً بين أصابعه الناحلة المعروقة الضاغطة ضغطا خفيفا متتابعاً ودوداً . كنت حائراً ماذا أقول ؟ وكيف أعبر له ؟ وأنا أسترق السمع إلى نبضات قلبينا المصطخبين في صمت السحر الأخرس وأمعن التحديق في أغوار عينيه السوداوين ، في تضاريس بشرة الوجه الطرية الملساء لاعناً ضيق العبارة . وسعت ذراعيّ إليه . تلمست الذراعين والرقبة والشعر الفاحم ونحول الكتفين وكأني أريد أن أشكله بين أصابعي من جديد ، قلت ؛ ــ اسمع يا غالي .. اسمع .. ما طعم البيت بدونك ؟ .. ما النهر .. ما الشارع .. ما السوق .. ما أوحش حي العصري .. الفاضلية .. الجديدة .. السراي .. المقاهي .. الديوانية .. بغداد .. السفر .. ما طعم الدنيا بعدك ؟ . أبصرته يغالب عبرةً كادت تنفلت بنشيج . ــ ... ــ ألم تفكر في وحدتي ووحشتي ؟ رأيته يفلح في التماسك مستبقياً ماء عينيه راسماً على شفتيه ظل ابتسامة قبل أن يقول ؛ ــ يبدو إنك أخذت كلامي مأخذاً جدياً وكأني ذاهب أبداً !!! .. أي وساوس أخذتك إلى خيالاتٍ موحشةٍ .. لك وساوس شاعر يا صديقي .. زادت من هواجسي نبرة صوته المختلفة فارتعبت غارقاً برجيف راح ينّبع من قرارة نفسي المضطربة وقلت ؛ ــ قلبي يقول إنك تبطن أمراً خطيراً يا كفاح .. ما هو ؟ ما هو؟ صارحني .. صارحني .. أرجوك .. ــ اهدأ .. اهدأ .. مالك تختض هكذا ؟ ..اهدأ قالها بصوتٍ منكسرٍ موشكٍ على البكاء واستدار محدقاً في الليل المطل من النافذة كي لا أرى ساخنة الذي انصب متدفقاً مثل زخة مجنونة ، اضطرب وهو يبحث في جيوبه ويستخرج بعد جهد منديلاً ناصعَ البياض وراح يكفكفها مائلاً بجسده نحو النافذة . رميت بصري حيث كان ينظر ، كان يتملى نخلة أبينا التي شهقت سريعاً تلمع عثوقها المثقلة بالضوء الساقط من مصباح الطريق ، قلت ؛ ــ أعلمتك السياسة أن تقسو على الأحباب ؟ .. لبث هامداً في جلسته يبحلق بالنخلة سادراً عني ، وبغتة قفز كمن يفزّ من نومٍ على وقع انفجار قريب . نهض بحيوية وبسط نحوي ساعده قائلاً ؛ ــ سيلوح الضوء .. هيا بنا !!! تمسكت بكفه ، أنهضني ، لف ساعده حول كتفي وفتح باب الغرفة لتسلل نسمات أخر الليل الباردة غاسلةً أشجان ليلنا الطويل . بهرتنا طلعة القمر باستدارته التامة المنيرة رغم خفوت الظلام وإلتياذه في الزوايا والشبابيك وخلف أبواب الغرف وفي المجازات والدهاليز . سرنا نجوب أرجاء الديوانية النائمة ، أزقتها الضيقة ، شوارعها الواسعة ، حدائقها ، ساحاتها ، سلكنا شاطئ نهرها الصغير الذي يشطر جسدها نصفين ً سائرين على ممرٍ ترابي يمتد جوار أسيجة بساتين النخيل الطينية ، ننصت لشدو البلابل وضجيج العصافير ونواح الفاختة على أختها البعيدة .. يا كوكتي .. وين أختي .. ؟؟ .. إشتاكل .. إشتشرب ..؟ ، شابكين أصابع كفينا مستمتعين بأصوات الصباح ، ننحرف عن الممر المسدود بأسلاك معسكر الفرقة الأولى الشائكة مبتعدين عن النهر ، نتوغل في حقول الحنطة الشاسعة معتلين كتف مبزل مرتفعٍ ، نلتفت بين الفينة والأخرى إلى المدينة التي راحت تلتم أبنيتها وتتكور متضائلة رويداً .. رويداً إلى أن تصير خطاُ داكناً ثم نقطة سرعان ما انمحقت بخط الأفق . قصدنا التل القديم العالي القائم جوار معامل الطابوق المهجورة خلف نهر اليوسفية العريض الجاف منذ زمنٍ ليس ببعيد والذي طالما سبحنا فيه في الطفولة مزاحمين الجاموس البارك بمائه الراكد المغطى بالأشنات ، تسلقناها وافترشنا قمتها الترابية نحدق بفسحة الضوء المتسعة السابقة لظهورها . أتذكر بوضوح كثافة صمتنا في ذلك الانتظار الموجع للصباح الأخير ، صمتنا الخانق المضطرم بفورة روحينا اللائجتين الحائرتين الحادستين بفراقٍ أكيد ، ننتظر تفتق نورها .. ننتظر بجلالٍ وسكون إلى أن تبزغ وكأنها تطلع من رحم نخيل البساتين البعيدة . كنت أتملاك ، أنحت تقاطيعك الغارقة بشرودٍ لم يفارقها منذ مغادرتنا البيت ، أحرزها أحاول أن أغورها في روحي لكنها تنزلق وتتبدد متلاشية بسيول الضوء الدافقة من قرصها الكبير المنفصل لتوه عن ذوأبات النخيل ، تنزلق ضائعةً في يم الضوء الدامي المسفوح من القرص اللاهث الصاعد الذي أصبح يوجع أعين الناظرين . لم أزر ذلك التل المنسي الذي وجدته يكاد يندثر إلا بعد انقضاء الحرب الأخيرة وتسرحي من الجندية ، لم أزرها إلا بعد أن أيست وغيابك استطال وجعلني أكاد أصدق أبديته ، غيابك المدوخ الملتبس ، غيابك الذي دفعني لخوض غمارٍ لم أكن أفكر يوماَ بخوضها ، دفعني حلم رؤيتك إلى التسلل خفيةً والتيهان في الجبال الوعرة بأوديتها العميقة وقممها الشاهقة وغاباتها البكر وسهوبها الرابضة في الأعالي ، صرت ثائراً رغم أنفي ، هل تتصورني أيها الغالي أتنكب بندقيةً وأقاتل دولة أنا واثق إنك لو تسمعني الآن لاستلقيت على قفاك ضحكاً ، تخيلني أتصنع القسوة والجد وألبس ثوب السلطة ، تخيلني يا عزيز .. إنه توق رؤياك من ورطني بتلك التجربة القاسية وجعلني أوهم نفسي وأقسرها على التوافق مع قناعة كقناعتك ، وأجوب الشعاب المنسية والقرى البعيدة بصحبة رفاقك القساة القاطنين الكهوف المعتمة والأودية البالغة الضيق ، المجانين ، الحالمين بعدالة أبديةٍ . أشعروني أول الأمر بأنهم كلي القدرة ، عارفين بك وبالزوايا والخفايا ، لكني بمرور الأيام أيقنت إنهم يعيشون من أوهام يصنعونها ويغذونها بقصص من الماضي القريب والبعيد ، أيقنت إنهم مثلي لا يعرفون عنك شيئاً ، يعتقدون أنك طليقاً تغوص في بحر الناس وسط المدن . أكمدني الكشف ، وأحزنني التورط في العيش وسط بيئة غريبة ، وتفاصيل حياة لا تختلف عن تفاصيل حياة الخنادق في جبهات الحرب إلا بكونها أشدّ وحشةً وأكثر التباساً ، واجهت صعوبةً بالغةً في التعامل مع بشرٍ ملبكين فاقدين اليقين في الباطن مبالغين في الجهر به في الظاهر ، متوترين تحت ظلال موت متوقع في أية لحظة تسكبه السماء من الطائرات المغيرة ، تضمره كمائن الشوارع المبلطة ، وربايا القمم العالية ، أو يتربص في أعماق مقاتل يخون سراً ، وقذيفة تنفجر بغتة في الجوار في جوف الليل ووضح النهار . عانيت أشد المعاناة مع رفاقك حتى جعلتهم يقتنعون بمبالغاتي الفنطازية عن قدراتي الثورية التي تتناغم مع جنون أحلامهم المستحيلة . صورت نفسي بطلاً مقداماً أمتلك قدرات نضالية فائقة في العمل السري داخل المدن من المؤسف أن تهدر في هذا الدوران اللا مجدي بين قرى تلطو في خاصرات جبالٍ وقيعان أوديةٍ بعيدة فسللوني على ريبٍ الىالمدنِ ، وما أن شممت هواء بغداد ثانيةً حتى نسيت رفاقك غير أسفٍ . عدت جندياً في الجبهة مستغلاً عفواً حكومياً عن الهاربين . رجعت إلى صحبة الجنود الطيبين في الخنادق الضيقة والملاجئ العميقة وكان ذلك أرحم بكثير من قسوة الثوار في الجبل ، في كل إجازة أخصص يوماً للسفر إلى بغداد حيث أقضي اليوم جائباً شوارعها ، ساحاتها العامة ، حدائقها ، مقاهيها ، أمر على الأمكنة التي كنا نتشاوف فيها أو التي وجدتك فيها صدفةً عسى وأن أراك أو تراني مصادفةً أتخيل وقوعها في كل لحظةٍ ويشدهني خاطرها شدهاً فأهرع مسرعاً بأعقاب أحدهم يسير في زحام سوق أو في شارعٍ خاوٍ له تضاريس جسدك من الخلف ، أخوض في زحام الأسواق وخلاء الشوارع خافق القلب أحاول اللحاق بظلك الشارد . يضيع مني في الزحام مرةً وفي ترددي ووجلي مرةً أخرى ، وفي ثالثةٍ أمسك بكتف له نحول كتفك وأنا أرتعش متوقعاً استدارة وجهك المحتل خيالي لأسقط في الخيبة لحظة مواجهتي لوجهٍ غريب يتطلع إلى ارتباكي باستغراب ، فأنسحب معتذراً ممحوقاً في رمادي ، ويتكرر المشهد في الإجازات التالية دون أن أتعظ فوهم رؤياك وعناقك واستنشاق عبقك يدفعني إلى ملاحقة رجالٍ ناحلين تحفر كتل أجسادهم الفراغ َبإستداراتٍ وانحناءات وحافاتٍ لها شكل قامتك الممشوقة المغروسة في غور النفس . لم أهضم فكرة غيابك . لم أستوثق منه أبداً رغم أخبار الليلة الموحلة الرهيبة تلك ، ليلة عودتي بإجازة . كنت منهكا ، مصدوع الرأس بأصداء الانفجارات وأزيز القذائف وهدير الطائرات وصخب راجمات الصواريخ . قرعت الباب حالماً بلحظة الاستكانة بحضن زوجتي الدافئ ، تائقاً للذوبان في سعيره الذي سرعان ما يضطرم ويصليني بألذَّ نار ، لا أدري لمَ خفق قلبي بعنف وخشية عندما انفتحت درفة الباب الحديدية منسحبة إلى الداخل وظهرت خلفها شاحبةً مخدوشة الوجنتين متورمة العينين كالحة الملامح حزينتها وثوبها الفاحم ينسدل حتى الكاحلين . نهبتني الظنون وعصفت بي المخاوف من ظلال فاجعة جديدة تلوح خلف مشهدها . أحاطتني بذراعيها وضمتني بشدة دافنة وجهها في إبطي . شمتني عميقاً . . شمتني طويلاً ثم تراجعت مرددةً بخفوت عبارات الترحيب والشوق ورفعت صوتها مناديةً على أهلها المحتشدين في الباحة الصغيرة المسقوفة بالزجاج مبشرةً بوصولي ، تركتني في حيرتي وقتاً صعباً نأت تحت وطأة ثوانيه ، أتحنط على الأريكة وسط الباحة أرقبها وهي تفتر بأرجاء البيت خارجة داخلة من والى الغرف والمطبخ والحمام تتعثر خطاها وتفعل أي شيء إلا الجلوس قبالتي . حاصرتني العيون ، عيون أطفال ونساء ، صبايا وصبيان ، إخوتها وأخواتها ، عماتها وخالاتها ، أمها وأبيها ، عيون تمسحني بشغف وشفقة ، تواسيني ، تلامسني ، تعانقني وتميل بتلك الطلاوة السحرية التي لا تعرفها إلا العيون وكأنها تشد من عضدي المكسور . حوصرت . نفد صبري ، وفيما كانت تخطر أمامي قفزت نحوها وسحبتها من ساعدها الفتي وأجلستها جواري على الأريكة متصنعاً المرح والحبور ، وهمست بإذنها ؛ ــ ما الأمر ؟ !!! ــ ... ــ لماذا تصمتين ؟!!! ــ ... ــ ما الذي حدث ؟ وما هذه الخدوش ؟!!! تململت في جلستها قبل أن تجيب بصوت خافتٍ مكسور وهي تنهض متوجهة إلى الحمام ؛ ــ لاشيء .. لاشيء .. بقيت بمكاني منكمشاً ، راسخ الظنون ، مرتاباً ، أبحلق بالعيون المضطربة المتحرجة الرازحة تحت وطأة سر تخشى البوح به فتتحاشى نظراتي وأجدها تتملاني بحزن كلما عدت من شرودي ، إلى أن خلد الجميع إلى النوم بعد انتصاف الليل بقليل فبقينا وحدنا في صمت الباحة الصغيرة . انتظرت ريثما يغطون في السبات العميق أحدق بانعكاس تكوري في فضاء زجاج السقف المظلع .. في ظلال قامتها الممشوقة الدائرة بأرجاء الباحة وهي منهمكة بنشر الغسيل ، أنصت لحفيف الخطو .. لصدى إطلاقاتٍ تخرق صمت الليل البهيم .. لصراخ قريب ينكتم بغتة مخلفاً لوعته ووحشته تدوران في السكون المضطرم . نهضت بعناء ورميت خطوي نحوها . التفتت صوبي مرتبكةً فسقط الثوب الذي أفردته على الحبل الرفيع القاطع طول الباحة . أمسكت رسغها الناحل اللدن المبلول ، قلت ؛ ــ ما الخبر ؟! ــ م..ا..ك..و .. وتلكأت متعثرة بالكلام ، وترّني الغموض فجعلت أشد رسغها شداً طاعناً عيني في عينيها القلقتين ؛ همست بخفوت ؛ ــ إنك تؤذيني . ــ هيا .. دون مقدمات .. ما الأمر ؟ ــ ... اشتدتْ ضراوة الضغط والغيظ . ــ هيا .. هيا باختصار . أطبقت شفتيها . أحسستها تستحث ما بروحها من شجاعة قبل أن تنتفض مفجرةً بمفردتها الوحيدة الملفوظة بعجالة واضطراب السكون وصمت الجدران والباحة وقبة الليل المخيمة خلف الزجاج والظنون . ــ أعدموه 0 انحلت مفاصلي . تركت رسغها يسقط بين أصابعي البائدة . عدت إلى الأريكة لأتهالك مشتت الذهن غير مستوعبٍ بعد من تقصد بالضبط . خلدت في الصمت مستكيناً مفتتاً أحاول تجميع شتاتي كي أستطيع التفكير بمن يكون فطريقة إخبارها تشي ببداهة معرفتنا بالمقصود ولا حاجة لذكر اسمه . رمقتها وأنا أتمالك صفاء ذهني ، كانت تنشج بصمتٍ ..تنشج بألم نشيجاً جعلتك تنبثق مثل ضوءٍ بارقٍ .. فناحت النوائح في روحي .. يا رب الكون .. أيكون هاجسي ذاك صحيحا ؟ !!! .. أيكون؟؟؟ .. يا رب العذاب .. أيكون هاجس العربة العسكرية المهتزة وأضلاعك الناحلة الملتصقة بأضلعي وهم ينقلوننا غبشاً معصوبي العيون إلى ساحة الإعدام ، ومثل وميض برقٍ ارتسمت أمامي عاري الصدر ، مشدوداً في الصبيحة الصاحية تلك الى خشبتك وسط ملعب كرة القدم منخباً بالرصاص ورجل ذو بدلة عسكرية خضراء أنيقة ينهال بهراوة فولاذيةٍ طويلةٍ على رأسك المتدلي . حجرني مرآك أول الأمر ، ثم شعرت بنفسي أهوي في فراغٍ سحيق .. أتكون أنتَ إذن أيها الحبيب ؟!!! أتكون لديهم في الأقبية كل تلك السنين ؟ .. أتكون ؟ ..أتكون لديهم يا غالي ؟ .. أي ذلٍ أذاقوك ؟ .. أي رعبٍ أروك ؟ يا الهي .. يا الهي ..يا رب العذاب .. أي ويلٍ رأيت ؟ .. أي هول ؟ .. يا حبيبي .. يا حبيبي .. وانبثقت حيةً إحتدامات تلك الأيام النازفة ، رأيت بصفاء أبانا يقفل باب غرفته عليه وينفجر بعويل ضاجٍ جعل الجيران يهرعون راكضين إلى دارنا متسائلين ، وظل محبوساً لثلاثةِ أيامٍ عازفاً عن الزاد ينحب طوال الوقت نحيباً مصحوباً بهذاياناتٍ نائحةٍ . ثلاثة أيام بلياليها ونهاراتها ، كان ذلك بعد مرور سنتين على غيابك ، كنت أمكث لصق الحاجز الخشبي أعانق كائناتك الزيتية المذبوحة المرمية في البرية والمحاطة بنسوةٍ يصرخن خلف أسلاكٍ شائكةٍ ، يوجعني لطمه الرتيب ويمزقني هذيانه المتقطع المبثوث بترنيمٍ يتغنى بحكايا طفولتك البعيدة وتفاصيلها المنسية خالطاً بين لحظة ولادتك وغيابك .. انتظاره في حوش بيت جدي القديم وأنت تخوض في يم الرحم مستعجلاً الدنيا قبل موعدك بشهرين ، كيف جئت ضئيلاً مثل قطعة لحم ، كيف أسرت له القابلة تحت السدرة العالية باحتمال مغادرتك الدنيا بعد أيام طالبة منه عدم البوح ، عن فرحه الغامر ببقائك ، عن مبلغ طاعتك وأنت تعمل مساعداً له في دكان النجارة ، عن فصاحة لسانك وعقلك الكبير ، كان يبوح ويبوح بمشاعر حبيسة يختنق تحت وطأتها كانت متواريةً خلف قسوته الظاهرة ، كنت أسمعه يدور في أنحاء الغرفة حالما يفرغ من الحكايا ويطلق صراخاً أجوف .. صراخ من يطعن في تلك اللحظة مردداً؛ ــ قتلوك يا طفلي الحبيب .. قتلوك يا بويه .. ثم يصرخ يا بــــــ ...و...يــــــــ ـــه .. ، يا .....بـــ و..يــــــ .....ــــــه .. صراخاً يذيقني مر العذاب ، كنت أتكسر لصق خشب كائنات اللوحة البارد حابساً صرخةً فاجعةً تجول في أعماقي حينما هزتني زوجتي فعدت إلى صمت الباحة المسقوفة وصوتها الوجل الملهوف يردد ؛ ــ ماذا بك .. ماذا .. ؟؟؟ استيقظت من لبوثي القديم .. من ضجيج الصراخ المدمر الذي اخترق كائنات الزيت ودفعها لتندب في أحشائي ، فنططت في الهواء وهبطت إلى الأريكة وأنا ألطم جبهتي بقبضتي المضمومتين ، مطبق الأجفان أضرب ، ممحوق النفس أضرب ، شعرت بها تلقي بنفسها عليّ وتحاول الإمساك بذراعي ، دفعتها بعنف فترنحت ساقطةً على بلاط الباحة فيما كنت أهرع راكضاً إلى دكة السلم المفضي إلي السطح وأعتليه لأنهال نطحاً بجبهتي الجدار الحجري إلى أن شعرت بسائلٍ ساخنٍ يسح مبللاً الأجفان . تضببت الأشياء في عيني وباغتني إعياء شديد فتداعيت على حجر السلالم غائباً عن الليل والزوجة الناحبة والعيون الساهرة المحدقة بصمت من عتمة شبابيك الغرف المطلة على الباحة ، سقطت في غياهب نومٍ عميق مثلما هوى أبي في سحر الليلة الثالثة قبيل أذان الفجر في نوم طويل.. طويل استمر قرابة يومين .. وجدت نفسي خائفاً مرتعداً أركض في عتمات دهاليز محلزنةٍ أفرزتني إلى متاهات بيوتٍ خربةٍ أدت إلى مخرجٍ وحيد مسدود النهاية إلى جانبه شرخ مائل في جدار من الآجر الأحمر القديم ، ولجت خلله فانحشرت في بئرٍ مظلم ضحلٍ ضيق ، أردت العودة ، التفت باحثاً عن الشرخ فشاهدته يلتئم وكأنه لم يكن ، تحنطت بمكاني إلى أن تعودت عيناي الظلام ، تحسست كتل الأشياء بأطراف قدميّ ويديّ المتوجستين ، اصطدمت أناملي بقضيب معدني يصعد بشكلٍ مائل ، وقدمي بدكة معدنية واطئة ، تمسكت بالقضيب القائم وسط العتمة وارتقيت السلالم المعدنية الطويلة ، أفضت بيّ إلى طابق معلقٍ مكون من غرف معدنية تؤدي إلى بعضها بفتحاتٍ وحيدةٍ مدورةٍ تسع بالكاد لمرور إنسان .غرف باردة خافتة الضوء عارية الجدران ، انتهت الغرفة الأخيرة بسلمٍ معدني ينزل إلى بواطن أبنية رطبة وسراديب تغور في أحشاء الأرض ، نزلت وجلاً ، وخضت في ظلام السلم الغائر في غور التيه الدامس ، أدير رأسي صوب كل الجهات عسى وأن ألمح ضوء ، ظلال نور ، غصت في الأسافل الفاحمة آمل بمنقذٍ مجهول ينتشلني من هذه الحندس ، غصت وأيست .. توقفت وعاودت السير ، والسلم الهابط يحفر في جلد الظلام ويحفر ، تصورت حالي سأبقى أبد الدهر أنحدر عليه ، فتأرجحت على حافة الجنون ، كدت أهوي عندما أبصرت بقعة ضوء متناهية الصغر تلوح في البعيد مانحة لجدار الحلكة أفقا ، بقعة تتحرك متموجة كسراب تكبر بحجم الكف تارةً وتتضاءل بحجم القطرة في أخرى ، حثثت خطوي ،ثم سرت سيراً أشبه بالجري ، جريت على السلم طويلاً ، أتعبني لعب الضوء .. ليس لدي سواك يا أيها اللائح الغامز في البعيد .. أي ليلٍ أبدي خيم على الكون .. أي ليل ؟!!! ، تخافت الضوء رويداً.. رويداً ، عاودت الجري بوتيرة أسرع ، تعالى لهاثي والضوء يظهر ويغيب متضائلاً إلى أن انطفأ متلاشياً في طيات دكنة قعرٍ بعيد ، غاب فمحقتني حلكة بحور الظلمات ، سكنت لصق درابزين السلم ضائعاً ، حائراً أنتظر الفرج ، وفي لجة حيرتي شممت عبق رائحتك قوياً ينبعث من غور الحلكات ، عبق مفعم ، إجتذبني فنزلت ، انعطفت نحوها عند قعر السلم أتتبع مصدر سريانها الكامن في ثنايا الكون المظلم الأخرس ، دلتني الرائحة وأخذتني في ممرٍ يخترق جدار الفحم ، أحسست بلفح أنفاسك الحارة ينعش روحي الخائفة الذبلانة ، صعدت ونزلت في العتمات ، استدرت ورجعت على وقع أنفاسك الطرية الجائبة في عماء أبدي إلى أن أبصرت طيفك يتخايل أخضر يتموج في الظلام ويلوذ في أحشائه مخلفاً باباً أخضر مضيء ، اقتفيت أثر ظلال ضوئه العشبي السائر في البعيد ، بلغت مسافاته الخافتة المؤدية إلى لسان ثاقب طويل يمتد إلى عتبة باب الضوء الأخضر .. خطوات وأصل .. خطوات وتلمسك أصابعي .. خطوات ورذاذ عطرك يبللني .. خطوات وأعبر العتبة .. خطوات .. خطوات قليلة .. ، هجست بظلك الطويل يرتمي على العتبة .. خطوات .. ولمحت قامتك الفارعة تندغم بشلال النور الأخضر الباهر .. خطوات .. ورميت نفسي خلل باب الضوء المفتوح فارداً ذراعيّ أود ضمك .. فرأيت أبي يطل على استلقائي في السرير ، يرمقني بحنان، هادئ القسمات رصينها ، تبسم وأحتوى كفي بين أصابعه الخشنة وراح يضغطهما برفقٍ ضغطاً متناوباً مطيلاً التحديق بوجهي ، ثم مال نحوي وطبع قبلة على جبيني المعروق ، عبقني ضوعه الآسر المضمخ بنشارة الخشب ، أجلسني ووضع الوسادة خلف ظهري ، جلب لي ماءً ؛ ــ اشرب .. اشرب يا بني . وأدنى الطاسة من شفتي سانداً مؤخرة رأسي براحة كفه الأخرى . تأملته طويلاً وكأنني أراه لأول مرة .. رأيت تضاريسه تنضح صفاءً أبدياً يرشح بخلاصة الألم .. حزناً راسخاً مستديماً كان يخفيه بشجاره وسكره اليومي وقسوته معنا ، أنعمت النظر بغضون القسمات الشائخة المتعبة .. بسكونها الغريب .. بالخصلات الشائبة المضفورة ببقايا سوادٍ حائلٍ .. بفضاء عينيه الواسعتين الصافيتين الدالقتين برداً وسلاما . ــ كن متماسكاً يابني . وكأنه نكأ جروحي انفجرت لائذاً بجنبه الدافئ كاتماً نشيجي في خضم رائحته الأليفة ، شعرته يفرد خصلاتي المعروقة وأصابعه تبض حناناً ، ــ كف يا بني .. كف ...؟ ــ ... ــ أرحم حالك .. وارحمني ! أسكن حضنه روعي قليلا ، أرخيت رأسي على ساعده الممدود أنصت لنبض قلبه البطيء وتردد أنفاسه الصعبة . لبثنا في صمتٍ محكمٍ سادرين . تناولت كفه السائبة وقبلتها . كان يطليني بنظرات أعادتني إلى طفولتي البعيدة . مرغت وجهي بالراحة الوادعة بين يديّ . مرغت روحي بالكف الكريمة وأنا أرفل في لحظة سلامٍ عميق . ــ اهدأ .. اهدأ يا بني !!! قالها هذه المرة برجاء ، أومأت برأسي وسألته بعد صمت وجيز ؛ ــ أصحيح ما سمعت يا أبي ؟!!! ــ لست أدري يا بني ، هذا ما قالوه في مديرية أمن الديوانية ، أخذوني من الدكان صبيحة 13 ـ 12 ـ 1983 وأبلغوني بإعدامه ، سألتهم عن الجثة قالوا نحن دفناه ، سألتهم أن يدلوني على قبره فقالوا ليس الآن ننتظر التعليمات ، طلبت شهادة وفاته فقالوا لا شهادة ولا عزاء ولا فاتحة ولا هم يحزنون ، استفهمت عن الوقت الذي يدلوني فيه على مكان ضريحه فقالوا لا ندري خذ رقم التلفون هذا ، لم أكف عن الاتصال والسؤال إلى أن هددوني قائلين إذا لم تكف سنلحقك بابنك ومن يومها كففت . انزلقت من ساعده وانطويت في زاوية الفراش ، كورني الألم وأنا أتخيلك مرمياً في البرية تنهشك الوحوش متذكراً وجه البدوي الملتاع الذي سدّ بقامته القصيرة الجادة الزراعية الممتدة بين المبزل العام وحقول الحنطة المترامية حتى حافة البادية الجنوبية ، كان يتنفس بصعوبة لاهثاً ويفرد ذراعيه إلى الجانبين ، مما أضطر السائق إلى الوقوف رغم ضيق الوقت المتبقي لمتابعة حصاد حقول الحنطة ، أخذ يطوح بعباءته المكورة دائراً حول نفسه مردداً هوساتٍ لم أفهم منها شيئاً رغم أنني أنزلت زجاج النافذة لأستطلع أمره الغريب ، سكن بغتةً وتوجه إلينا مقترباً من النافذة التي أجلس خلفها ، حدجني بنظرة غريبة ثم راح يتكلم وعيناه مغروستان في زرقة السماء الصافية ؛ ــ الله وأكبر .. الله وأكبر .. ألستم مسلمين ؟ مللنا .. جزعنا .. تعبنا من موارة جثث شبان وشابات بعمر الورد تلقي بها هلكوبترات في القفار البعيدة بين الكثبان وفي المفازات ، جثث مشوهة ، محروقة ، مقطعّة الأطراف ، مسمولة العيون ، ما الذي يجري في مدنكم الملعونة ؟ .. أي فظائع ترتكبون بحق خلق الله ؟ .. أفقدتم الضمير والدين ؟ !!! أسكنكم الشيطان ؟ .. اللعنة على الكفرة .. اللعنة عليكم .. سيحرقكم العظيم بناره المصطلية .. الله وأكبر .. الله وأكبر .. لا إله إلا الله .. لا إله إلا الله .. واستدار قافياً أثر قافلته ليضيع في أفق الرمل .. ومن يومها ظل مشهد جسدك المشوه الملقى في قفر الصحراء يتجسد أمامي ويلاحقني .. أراك تتمدد عارياً تغطيك العواصف الرملية ملاشية بقاياك في بحور الرمل ، انفجرت ناحباً من الأعماق مرة أخرى ، تلقفني أبي وضمني إلى صدره بشدة فاستكنت محطماً في رحابة صدره الدفيء .. رغم ذلك لم يخمل ذكرك بل استعر عند عودتي من الحرب ، وتحول مروري اليومي بالأمكنة التي كنا نرتادها كل يوم إلى طقسٍ يخصني وحدي دون الكل .. أنسل غبشاً أصافح بخطوي وعيني صباح الشوارع والأزقة كما كنا نفعل عقب سهرنا وأقصد التل الذي تحول إلى علية ترابية قريبة من البيوت الزاحفة من قلب المدينة ، أخلد على ترابها منصتاً لزقزقة العصافير البرية .. لصياح الديكة ، أستحضر قامتك الرامحة جواري .. حزن عينيك المخضلتين لحظة طلوع الشمس من بطون النخيل .. أنفاسك المنثورة في روح المكان .. وأعود منتشياً إلى المدينة لأدور في أزقة وشوارع أوائل الضجيج ، أخترق سوقها المسقوف بالصفيح المثقب تعبقني روائح الأقمشة والتبغ ، البهارات والهيل ، البخور والحناء ، المسك والزعفران ، أعبها بعمق متذكراً ولعك بها ، وقولك ؛ ــ أينما حللت في سفري ترافقني رائحة هذا السوق مثيرة أشجان أشواقي للأهل والأحبة .. ترى كم عذبتك في فترة اختفائك في مدن أخرى ، كم عذبتك في ضيق زنزانتك ، أقطعه قاصداً حشد الباعة المزدحمين في نهايته ، باعة الحريرة والقيمر والكاهي والخبز المنقوع بالباقلاء والبيض المسلوق وشوربة العدس والحليب الساخن والكلاوي والقلوب المشوية ، أقتعد حافة الرصيف أحتسي شاياً من أبي حميد المقرفص أمام منقلة الفحم المتجمر تحت طارمة سوق القصابين ، أرقب حركة الناس المنشغلين بشؤونهم ، يطربني ضجيج الجنود المزدحمين حول عربات الباعة المنادين على بضاعتهم بأصواتٍ جهيرةٍ ، أزجي الوقت حتى السابعة حيث أغادر الرصيف ميمماً وجهي شطر تقاطع الشوارع الكائن قرب مقهى الضويري .. أفضل الأمكنة لتصيد النظر إلى أكبر عددٍ من تلميذات الثانوية .. أفضل مكان انتقيناه معاً ، أتطلع الى الصبايا المعجونات بطين الفرات .. طراوة البشرات .. ألق العيون .. تورد الخدود ، أتصيد الزغب الناعم في السواعد الناعمة الماسكة طرفي العباءة تحت الحنك .. الزغب الذي تحرص على إبرازه في أجساد نسائك العاريات الخارجات من الأنهر والحمامات ، المستلقيات في غرف النوم وتحت الكلل في سطوح الصيف ، أتذكر جوابك حينما أبديت ملاحظةً حولها ؛ ــ أيفوتك هذا يا صديقي !! الزغب هو السحر .. سر الأنثى .. السر الإلهي .. هل تخيلت يوماً أصابعك تمسده كما تفعل نسمة صيفٍ خفيفةٍ ؟ .. هل ؟ .. تخيل يا صاحبي .. تخيل .. علّك تذوب مثلما أذوب في خيالاتي ..!!! أنسحب مع خلو الشارع منهنَّ وسماعي جرس الحصة الأولى ، وأهيم حانقاً متضايقاً من بلاط الشارع .. الرصيف .. الشمس .. الظل .. الضجيج .. العصافير .. الصبايا .. السماء .. الناس .. الــ ... أستعر غضباً من هذا العنفوان الصباحي الفتان ، وهذه الحيوية الدافقة والجمال ، من الأجنحة والعشق والعشب ، من كل شيءٍ يجري وكأنك لم تغب .. لم تضع في المجهول .. ليس الأشياء فحسب بل الأهل أيضاً فبعد ضجيج الأيام الأولى الفاجعة بعويلها ولطمها وهذيانها وشق الزياق وتخميش الصدور والخدود والضرب المبرح على البطون تخافت ذكرك رويداً .. رويداً بجريان الأيام وانشغال الآخرين بهموم الدنيا والحروب المتلاحقة إلا يَّ .. لم يشغلني عنك شيء وكان خمول ذكرك يكمدني وتغمني بوادره إذ عادوا لا يتذكرونك إلا لماماً مثل ذكرى قديمة .. مثل حلم . وجلّ مكان يغيظني استغراقهم في البهجة والسرور وقت الأعراس والأعياد فأعمد في اللحظات تلك إلى إثارة ذكرك فتتلبد الوجوه ويغادرها المرح وتحتقن احتقانا يسبق عاصفة الحزن التي ترمّد القلوب والوجوه وتعصف بالنفوس .. حينها أنتشي وأسترخي مطمئناً لفكرة رسوخك في الضمائر قبل أن أنفجر معولاً حال شروع أمنا بالعويل جارةً الأخوات والاخوة إلى مناحةٍ وكأن مصابك حدث قبل لحظات .. ظللت أفعل هكذا إلى أن سألت نفسي يوماً ؛ ــ إلى مَ أبقى أعذب الآخرين يا ربي ؟ .. إلى مَ ؟ وما هذا الوله المريض والرغبة المشوهة في إثارة الألم لدى أعز الأحباب ؟ انتشلت روحي من ذاك المنحدر .. من سلالم اللؤم ، كففت طاوياً حلمي الراسخ برؤيتك في نفسي .. ذلك الحلم المستمد ديمومته من عدم التحقق المادي من مقتلك كما حدث مع العديد من الأصدقاء والجيران الذين قضوا في الجبهات ورأيتهم يودعونَ سرة الأرض ، عدا إن الكثير ممن أبلغ عن إعدامهم شفاها أطلق سراحهم لاحقاً ، أو أخرجهم الناس من سجون سرية عندما اقتتلوا في آذار عقب الحرب الأخيرة 1991. ظللت محاصراً بأسئلتك .. أتكون معتقلاً في سجن سري لم يعثر عليه المنتفضون ؟ .. أتكون مختفياً ؟ .. أتكون قد متَّ تحت التعذيب في الأيام الأولى لاعتقالك المفترض قبل عقدٍ ونيف ؟ ظللت كلما سلمتْ السلطات العسكرية جثة معدوم لأهله أثار ويحتدم شأنك باعثاً المزيد من احتمالات مصيرك المعذبة ويحضرني طيفك البهي في اليقظة والأحلام . تحضرني في رؤيا تتكرر بأشكالٍ وأحداثٍ وأزمنةٍ وأمكنةٍ مختلفةٍ لكن بجوهر يصب في مجرى واحد .. تظهر لي طالعاً من بطون الأزقة المظلمة .. من بساتين النخيل .. من زحام الأسواق .. من مراقد الأئمة .. في أفجار زرقاء وظهائر قائظة .. في ليالي البرد والأمطار ، تطلع بغتةً فأجدك بلحمك ودمك بجواري ، تأخذني إلى صدرك الناحل ، تتلمسني ، تهمس ؛ ــ تعال يا حبيب .. تعال .. تعال .. أنقاد مخدراً بين يديك لتدور بيّ في متاهات أزقة متداخلة غريبة متداعية البيوت تؤدي إلى بعضها البعض عبر أحواشٍ مفتوحة ودهاليز معتمةٍ وثقوب في الحيطان ، وسلالم نازلة صاعدة ، مهدمة سليمة ، نرتقيها وننزلها إلى غرفٍ مقببةٍ تساقطت زخارف جدرانها وحروف آياتها تقوم وسطها أضرحة مغطاة بخرقٍ خضراء حائلة اللون مغبرة ، تسقيني ماء من حباب مركونة في الزوايا ، نتوضأ بباحاتٍ مفتوحةٍ قبيل دخولنا ، ونسجد على سجادات مطّبعة بأروقة مراقدٍ مقدسةٍ بقبابها المسلتة خيوط ذهبها ونقوش جدرانها العالية وصحونها الواسعة ، ، نطيل الصمت والصلاة ، نردد الأدعية المتضرعة الحزينة ، . أنصت لنبرة صوتك المتهدجة في سجعها الداعي لمحق الظالم ونصرة المظلوم ، نتيمم بتراب القبور المهجورة ونلطو لصق تدوير جدران الأضرحة ، تحدثني همساً عن أشجان سنين الفراق وأيامها المبرحة ، عن أشواقك المستحيلة ، تقبلني في مدخل دهليز ينفتح على سوق مسقوف فسيح مكتظ وتعود لتغور في بواطن الأزقة .. في عتمات المساءات الخفيفة .. زورتني الكثير من الأضرحة المنسية الضائعة بغرفٍ مهجورةٍ في تيه الخراب ، وصارت لحظات لقائنا في أحلام اليقظة والمنام أسعد لحظاتي ، فاختصرت علاقتي بالأشياء والبشر مفضلاً الصمت في حضور الآخرين مما جعل زوجي تسارر أمنا همساً سمعته وأنا مستلقٍ في شبه إغفاءةٍ على أريكتنا القديمة ؛ ــ يعزل نفسه طوال الوقت في غرفة المخزن ويحكي مع نفسه في الصحو والمنام !! سيفقد جوهرته يا عمة ، هكذا تسمي زوجتي العقل ، سيفقدها وييتمنا !!! سمعت أمنا تهدئها قائلة ؛ ــ اصبري .. اصبري يا بنيتي .. فأنت لا تعرفين مدى علاقتهما . كانا لا يفترقان .. اصبري .. ما بزوجك ليس جنوناً بل أشواقاً وتباريح .. دعيه يتدروش علَّ حزنه يليّن قلب الغائب الجافي فيحن ويظهر لنا خفيةً لنطمئن عليه ويبرّد من نيران القلوب قليلاً ثم ليغيب بعدها .. دعيه يشجن ويحن .. دعيه ولا تضايقيه . وما إن هدأت أوار الحرب حتى اضطرمت أوار نفسي . صار حضورك ماحقاً ، تبثق أمامي طالعاً من شقوق الأشجار ، من شبابيك البيوت ، من تراب الأزقة ، من السواقي الصغيرة والبساتين ، في الليل والنهار ، في السكر والصحو ، في اليقظة والمنام ، وقت الجد والهزل طفلاً تارةً ويافعاً تارة ورجلاً في أخرى ، ترن بأنحائي الدفينة ضحكتك وبكائك ، وأجد نفسي أردد مراراً بصوتٍ ينوح لازمة أغنية قديمة تدلهت بها منذ الطفولة وظللت ترددها دون وعي كلما شتَّ ذهنك . مالي صحت يمه أحاه جاوين أهلنه ؟جاوين جاوين أهلنه ؟ أصبح التل النهر البساتين المقاهي الحقول الأسواق لا تخفف من وطأة الأشواق كما كانت تفعل في سنين الحرب بل تسعرها فأضطرم مرعوباً من رسوخ الغياب وتقادمه ويعصف بيّ حنين جارف إلى أيامٍ صارت غباراً تذرى في عتمات السنين . تخنقني الوحشة فأتسلل إلى دار أبينا ، إلى غرفتنا المشتركة ، إلى سريرك المعفر بأنفاسك العالقة بالأفرشة والجدران والكتب واللوحات . مازالت أمنا تنظف وترتب وضع السرير بانتظار عودتك ، مازالت تمد ذراعيها المغضنتين الواهنتين نحو سماء الغروب الكالحة عقب إتمامها الصلاة وتدعو الحكيم الجليل العلي القدير أن يحميك وأن تكون في تلك اللحظة هني البال قرير العين ، ثم تحصنك بعلي بن أبي طالب داحي باب خيبر وماحق الجن ومفرج الكربات ، مازالت تبكيك في مسك ختام الأدعية الطويلة الذليلة .
# # #
في عصر ذلك اليوم الذي ظهرت فيه المرأة الغامضة استعرت وحشته المستديمة وشعر بتوقٍ جارفٍ جعله يسرع قاصداً دار أهله القديم . وجد الباب مفتوحاً ، استوقفته نخلة أبيه الشاهقة ، فسكن نحوها للحظات قبل أن يرمي خطاه ليجتاز الممر الإسمنتي المؤدي إلى ظلال الطارمة وينعطف دالفاً خلل الباب نصف الموارب إلى غرفتهما القديمة الغارقة بالعتمة والبرد والسكون . تهالك منهكاً على السرير ، وانطرح مسترخياً مسدل الأجفان . لم يسقط في الغفوة بل كان مخدراً يتسمع أصداء خطواته ، رنة ضحكاته ، حفيف همسه المترددة بين الجدران ، تلاشت الأصوات القديمة على وقع خطواتٍ متمهلةٍ تدنو من باب الغرفة يلاحقها حفيف ثوبٍ يخط ماسحاً البلاط ، أحسها تجتاز العتبة وتقترب من أقدام السرير المعدنية ، ليس بمستطاعه مباعدة أجفانه المطبقة ، ليس لديه الطاقة على الكلام ، كان مستسلماً يعب من أنفاس الغائب المسكرة النائمة في نسيج الفراش ، من عطره الذكي 0 ازداد وقع الخطوات وضوحاً قبل أن تموت إلى جواره ، فسحة صمتٍ قصيرةٍ ، ثم تعالى لهاث أعقبه انسكاب صوت أمه الحزين المصحوب بخطاها اللائبة وهي تروح وتجيء بحدود قامته المشلولة المدفونة في الفراش ؛ ــ ماذا ألم بك يا بني ؟ .. دوختك الدنيا يا بعد روحي وعمري .. ماذا ألم بك ؟ .. ماذا ؟ ! وشعر بغطاء يلقى عليه بحرص وهدوء شديدين . سربه الغطاء الساقط في نومٍ عميق .. عميق ، نوم صافٍ يشبه الموت لا أحلام فيه . استيقظ من رقدته ، لبث مستلقياً دون حراك ينصت لنشيجٍ متقطعٍ مخنوق يتناهى من المدخل المفضي إلى المطبخ ، يصاحب مدات وتنهدات صوت وحيدة خليل المنطلق من مذياع الجيران وهي تهدهد وليده ـ يمه .. يايمه هب الهوى وإفتكت الباب حسبالي ييمه خشت أحباب أثاري الهوى والباب جذاب ـ انطفأ صوت المغنية ، فانفرد النشيج واضحاً متقطعاً بهذيانٍ خافتٍ شجنٍ تعاتب فيه البطن والذراعان ، النهدان والحليب مندمجة بلحظات تكونه وتخلقه في الأحشاء . خلد دون حراك بائساً مخذولاً يحدق في الجدران المرطوبة المتآكلة الجص ، في صمت الكتب المرصوفة على أدرج المكتبة رائياً بصمات أصابعه المطبوعة على الأشياء . استدار بعنقه دون أن يحرك جسده نحو الحاجز الخشبي ليرتحل متوغلاً في صمت اللوحة الزيتية الكبيرة التي تشغل مساحة الحاجز الفاصل بين الغرفة هذه وغرفة أبيه والتي رسمها في أخر عطلة صيفية له في المدينة ، ارتحل بين حشود نسوةٍ يندبنَّ لاطمات صدورهنّ العارية الممزقة المدماة ، محبوساتٍ خلف أسلاك شائكة تستدير بشكلٍ بيضوي يجثم في مركز اللوحة تماماً ، في سمائها الشاحبة الزرقة المندمل أفقها البعيد بليلٍ حالكٍ يطبق مؤطراً كائنات الزيت ، في أيادٍ مجروحةٍ مسلوخة الجلد ممدودة من الفتحات الضيقة بين تشربك الأسلاك الصدئة ، أيادٍ نازفةٍ تومئ إلى أشلاء قتلى متناثرين على تراب ساحة تغور بعيداً حتى الأفق المغبر الزرقة ، ساحة مضاءة بأنوارٍ شاحبةٍ ، كامدةٍ الصفرة تترذذ من شموسٍ ذابلةٍ مسلولةٍ وأقمار باهتة . اختلس متجمداً حينما أبصر الضحايا تنهض من رقدتها قائمةً بأشلائها الممزقة نازفةً يتدفق دمها القاتم أنهاراً .. أنهاراً تسيح مغطيةً تراب الساحة وتنحدر متجمعةً في حوافها المحصورة بالإطار . هدر الدم الفائر واندفع فائضاً من الزاوية السفلي جارفاً بمجراه حشود النسوة عاريات الصدور الطافيات اللواتي بدأن بالندب واللطم وتقطيع الشعور وخرمشة الوجنات والأثداء المرتجة من الردس وهزّ الصدور ، ثم تقدمن صفاً متشابكاً ونفذنَّ خلل الأسلاك الشائكة مقتربات من قيامة الأجساد المقطعة الميممة شطر الأفق المسلول . انفض اشتباك صف النسوة عند محاذاة الجموع النازفة السائرة وجعلنَّ يرتمينَّ نحو مواضع النزف ويطلينَّ بأكفهنَّ المحناة الوجوه والبطون والنهود واستدارت الأفخاذ . ازداد صبيب الدماء شدةً وغطى فسحة الغرفة بالعاً أقدام السرير . بالغ في تكوره المذعور وعويل النادبات يختلط بخرير السائل القاني المنهمر المتخافت رويداً .. رويداً مع ارتفاع السائل الساخن واقتراب سطحه المترجرج من أمكنة الإنهمار في حافات اللوحة السفلى ، معقود اللسان يبحلق دون أن يطرف بالسائل القاني الحمرة وهو يصعد ملامساً حافة درج المكتبة وينزّ مبللاً محيط السرير وينقع أطراف الفراش . انزوى في طرف السرير معتلياً المسند المعدني ودفء السائل تمس أطراف قدميه المرتعشتين . تطوى .. وتطوى غارقاً بصراخ الندابات اللواتي غادرن اللوحة عائمات على الكتب الطافية على السطح القاني الذي بدأ يفور ويرتفع غامراً قدميه . انتفض واقفاً على مسند السرير متشبثاً بالحائط والسقف والدم الفائر يرتفع ويرتفع غامراً الركبتين والفخذين والحوض والبطن والصدر والرقبة بسرعة متناهية ليتباطأ عند ملامسته حافة الحنك ويبدأ الصعود بروية ليبلغ الشفة السفلى ، تذوق طعمه المالح فانتفض مطلقاً صرخة مدوية إنحبست في خرس حنجرته المتجلدة ولم تغادر الفم المختنق بلزوجة السائل المتدفق بغزارة نحو الأحشاء ، انتفض ثالثة فعام في فضاء الغرفة للحظات قبل أن يسقط على السرير مخطوفاً يبحلق بعينين مرعوبتين بكائنات الزيت الساكنة الغارقة في عتمة الحجرة وسكونها والمنصتة للنشيج الخافت المتسلل من المطبخ . عبَّ نفساً عميقاً من هواء الغرفة الراكد ونفض رأسه ثم اتكأ إلى الجدار البارد وأجال بصره في الجدران المزينة بتخطيطاته . نساء عاريات بزغبهن الطفلي يتخذنَّ أوضاعاً مثيرةً بقاماتهنَّ الرشيقة واستدارة الأكتاف والأفخاذ والنهود وربلة السيقان مخططة بالفحم على ورقٍ ناصعٍ مرتب بأهرامات متباعدة تفصل بينها لوحات زيت صغيرة الحجم لنساء تعاني آلام المخاض وتبحلق بحفر عيونها المظلمة عبر أسلاكٍ شائكةٍ صارخةً صراخاً هلعاً تقشعر له الأبدان . على الجدار الأخر عشرات من كائنات الفحم المبهمة الأشكال اللائبة الحالمة بالطيران ،مرمية في القيعان ، مسلوخة الجلود ، موردة البشرات . تاه بصره في غور درب ضيق يضيع في سحيق سواد اللوحة ، يسير في وسطه رجل وامرأة عاريين ويسحبان طفلاً هو الأخر عارياً صورا من الخلف بالأسود والأبيض . تتبع الدرب الذي يبدأ عريضاً ثم يضيق ويضيق إلى أن يستحيل وسط مجاهل الدكنة إلى ما يشبه اختلاط بقايا الغسق بحلكة الليل . فوق اللوحة هذه تلكأ نظره على الإطار الخشبي الكبير المعلق واستقر على المساحة الفارغة في زاوية الإطار السفلي جوار صورته القديمة المطلة على جلسته المتأسية ، رنا إلى وجهه القديم طويلاً بقسماته البريئة الناصعة والتي بدت خابية وكأنها تستشعر وحشة صورة الغائب المرفوعة من الإطار بتوصية منه أثناء اختفائه خوفاً من وقوعها بأيدي رجال الأمن . تسلقت عيناه وصافحت بحنوٍ ملامح أبيه المحدق للناظرين بعينيه الجاحظتين الواسعتين العميقتين ، تلوى لوعةً وهو يستذكر لحظات احتضاره في عربة الإسعاف ، فمنذ أن أعلمه قلبه بالفاجعة في إيماض سكرٍ جعلته يحبس نفسه ثلاثة أيام يلطم ويهذي وينوح ولا يقرب زاداً ، منذ ذلك الحين زهد في الكلام وصار لا يشارك بحديث إلا عند الضرورة ، يزجي الوقت بين غرفته المتطرفة المطلة نافذتها على الحوش والحديقة ، يعني بمزروعاته ونخلته يسقيها ويشذبها ويطيل التأمل في سعفها المبسوط في ضراعة نحو السماء . وعندما أبلغوه لاحقاً بإعدامه لم يهتز أو ينهار ، ظل رابط الجأش ، رصيناً رزيناً ملازماً صمته العنيد ، لكنه بدأ يهزل إلى أن تغورت ملامحه وشاخت ، وما لبث أن تدهور ذاوياً يكتم أنينه طوال الليل ويتجلد في الصباح . وفي صبيحة يومٍ ماطر وجدوه يحتضر بصمتٍ في غرفته 0 تذكر كيف كان ينحني فوق رقدته على النقالة في عربة الإسعاف المارقة النائحة بصياحها الموحش في الشارع الواسع المشجر الرابط بين حي العصري ومستشفى الديوانية الجمهوري ، يعدل وضع الشراشف البيضاء التي تنزلق بين لحظة وأخرى ويحبس نواحاً ابتدأ يفور في أعماقه مع تصاعد أنين أبيه الذي تورد وجهه بغتة وهدأت حركته ، وراح يرمقه بعينين مخضلتين ويهمس ؛ ــ أين كفاح .. ؟ لماذا لم يحضرني ؟ قالها وتحدَّر دمعه . مسح بمنديله السيول المتصببة وهو يغالب عبرةً تكاد تنفلت مردداً كلاماً محفوظاً عن الصبر والاستعانة بالعزيز الحكيم ، في تلك اللحظة والإسعاف تلج بوابة المستشفى العريضة أسلم أبوه الروح .. هاهو يرنو إلى جلسته ويطليه بصفاء نظراته القديمة ، خنقته الغصة أطلق حسرةً واعتدل دافناً وجهه المعروق براحة كفيه . لبث جامداً منسحقاً مستسلماً لحدود الحزن القصوى حيث ينمحق الإنسان فلا يفكر بأي شيءٍ على الإطلاق . انتشلته وقع خطاها الأليفة وصوتها الأنيس ؛ ــ كيف حالك يابني ؟ رمقها من بين خصاص الأصابع ، قامتها الممشوقة الشاهقة الموشحة بثوبها الطويل الأسود الفضفاض ، شيلتها البيضاء المؤطرة وجهها بملامحه الجميلة الحزينة المنتظرة ، أنزل ذراعيه وارتكز عليهما عند نهوضه ، خطا نحوها بإعياء ليرتمي إلى صدرها الدافئ . مسحت خصلاته المعروقة بأناملها الطويلة وأمعنت في ضمه ، إستاف من أنفاسها ذلك العبق الآسر القديم المعجون باللحم ، لبثا ردحاً متعانقين متداخلين وسط عتمة الغرفة الباردة وكائنات الزيت وأنفاس الغائب المنبثة من أشياء المكان . فلت ذراعيه الواهنتين وأخذته إلى الغرفة الأخرى ، أجلسته على البساط الأزرق وظاهرت الجدار ، رغب بالخلود في حضنها فتمدد ، ضمت رأسه في حجرها الدافئ ، وراحت تهدهده بتنويمتها الحزينة مثلما كانت تفعل في طفولته ؛ ــ دلللول ... دلللول ... يالولد يبني دلللول عدوك عليل وساكن الجول ــ أنصت إلى النبرة الحزينة المتروية مطمئناً في الحجر الودود ناسياً وحشة العمر والأيام ، وانسرح في سنةٍ أخذته عبر طلاوة اللحم الساخن الأليف اللصيق عائدةً به إلى بحوره الأولى فخاض في شساعتها ويمها الدافئ الممتد إلى آبادٍ لامتناهيةٍ غائراً في الأعماق العذبة الأمينة باحثاً في مناحيها المجهولة فرآه ينبثق من عتمة الأعماق صغيراً نحيلاً ويسعى نحوه الى أن إعتنقه في خضم ماء زلال ، التحما في شفافية السائل الأبدي وتقلبا ، انفصلا وتماسكا ، مالا واعتدلا ، تماسكا بالأكف وساحا في تيه المحيطات الشاسعة إلى أن ألقت بهما في ظلال جامع سوق الديوانية المسقوف ، يجلسان لصق جدار قاعته العالية الواسعة في ظهيرة من ظهاري تموز القائضة يتأملان بصمت أقواس الزخارف والحنيات وعناقيد ثريات الكريستال الضخمة المدلاة من السقف ، وينصتان إلى اصطفاف ريش المراوح السقفية ولغط المصلين المتناثرين بأرجاء القاعة الفسيحة بنوافذها العالية المستطيلة وأرضيتها المفروشة بالسجاد الفارسي الوثير ، يندمجان رويداً .. رويداً في السحر المنبعث من تلوي زخارف الأعمدة الرخامية المتقابلة ، من تدرجات تيجانها الساندة سقفها المحشود بخطوط كوفية لآيات قرآنية ، من حفيف أردية المصلين القائمين القاعدين الراكعين الساجدين ، من لغطهم المبهم الرتيب ، من دكة المقرئ الخشبية الفارغة بدرجات سلمها الثلاث والموشحة برداء أسود ينسدل معانقاً زخارف السجاد ، من المحراب الحافر أسفل الجدار جهة القبلة ، من كسر شظايا الشمس المتسللة من النوافذ ومناور السقف والساقطة على السجاد والجدران وظهور المصلين واستدارت أسافل الأعمدة . يغادر موضعه مخترقاً غلالات الظلال وبقع الشموس واللغط وتكسرات أجساد المصلين المنشغلين بشؤون الرب . يتناول بوجلٍ من رفٍ مثبتٍ بالجدار المقابل قرآناً مصحفاً ويعود سالكاً ذات الفجوة التي فتحها مروره خلل غلالة الأشياء الشفيفة ، يهبط متربعاً إلى جواره ، يقلب الكتاب بأناة ، ينتقي آيةً ويشرع في التجويد الخافت بنبرته الطفلية الخاشعة المتهدجة الورعة ، في فسحات الراحة بين اشتباك الآيات يلقي نظرة إليه ، يجده مستكتفاً يضم ساقيه إلى صدره ممعناً في تطويه حتى يستحيل جنيناً يصغي بذهول مسحوراً بغموض معاني الكلمات المسجوعة الصعبة على مدارك من لم يبلغ سن المدرسة بعد ، يجلب بعد أن يفرغ من التلاوة كتاب الأدعية السجادية ، يختار مخاطبات الممتحن المحاصر المهدد الذي ليس له سند غير الله يرجو النجاة من عقاب أبيه الصارم ، ويلحن إيقاع الكلام المتذلل جاراً أحرف التوسلات بصوت يتهدج حتى يختنق في العبرات التي تنسكب ، يقفل الكتاب ويلتفت إليه فيجده يصب دمعاً غزيرا ، يفوء إليه فيكف مكفكفاً ساخنة بكم قميصه ويسأله ؛ ــ هل ستخلصنا الأدعية من عصى أبي ؟ فيردد بصوتٍ منكسرٍ ؛ ــ إنشاء الله .. إنشاء الله .. ويرفع ذراعيه بالدعاء ناظراً إلى رقعة السماء الصافية الزرقة الظاهرة من منور مخروطي محاط برسوم طيورٍ بيضاء وأزهار ملونة موشومة في جسد حنية السقف ، لكن هيهات لم تفعلها تلك الأدعية مرةً واحدةً .. لم تفعلها وتجعل أباه سموحا . آب من رحلته مباعداً أجفانه فوجدها تحنو عليه مائلةً بجذعها فوقه ترمقه بحنان ؛ ــ نوم الهنا والعافية .. كيف حالك يا بني الآن ؟ استند على كفيه ونهض منفصلاً عن دفء الحجر وطلاوته ، اتكأ إلى الجدار ، أصبح قبالتها تماماً ، وأمعن التحديق بصمت في ثنايا غضون وجهها وظاهر كفيها الطافيين على ماء السجادة السائح ، وثبت ناظريه في عينيها متوغلاً في الخوض ببحريهما البنيين الساكنين أول وهله ، المرتبكين لطول الصمت والتحديق إذ سرعان ما اهتاجت بحور البن وتزلزلت السواحل فجعلتا تطرفان وكأنها أدركت بحدسها ما يعنيه هذا التملي الطويل وما يحمله من أسئلة فشردت إلى رقعة سماء الظهيرة القائضة المرئية من خلال باب الغرفة المفتوح على الطارمة والحوش والحديقة الصغيرة . ــ أمي ! ــ ها يمه .. ــ أين صورته التي كانت معلقةً في الإطار إلى جوار صورتي ؟ ــ 000 !!! مذهولة ، مصبوبة بالصمت والتوتر ، تتناهبها الحيرة والأسئلة عن سر اهتمامه بها بعد إهمالها كل تلك السنين الطوال . ــ لماذا تسكتين يا أمي ؟ ــ 000 !!! ظلت تدور بصمتها حائرةً بم تجيب ؟ فلو أنكرت وجودها مدعيةً تمزيقها سيجلب له مثل هذا الجواب مزيداً من الحزن والألم ، ولو أباحت بوجودها سيطالب بها وتضطر إلى إعطائها فتستعر تباريحه مما يفاقم وضعه المضطرب . كانت ترزح تحت حصار خانقٍ وهي تطيل التحديق إلى شمس الظهيرة التي ابتدأت تتسلل إلى فسحة الطارمة متذكرة تلك الليلة القائضة البعيدة التي قضتها معه في صحن إدريس في الكرادة الشرقية ببغداد .. أي ليلة محفورة في الروح تلك !!! .. إنها الليلة الأخيرة التي لن تراه بعدها قط ، كانت ليلةً حالكةً لا قمر فيها ، باهرةً بأنجمها الثاقبات المتدليات فوق حشد ذكر دراويش الطريقة القادرية المحتلين زاوية الصحن القصية والذين بدءوا بعد انتصاف الليل بقليل قرع الطبول وضرب الدفوف والتمايل الخفيف على إيقاع .. الله حي .. الله حي المخّدر والمتصاعد إلى ذروات تنجم وتهوي ، صراخ أجوف ينطلق راشقاً وجه الليل البهيم .. مـــــــــــــدد..مــــــــــــــدد .. حــــــــــــــــــــــــيييييييييييييييييي .. من الحلقات الدائرة حول محورها والتي تنحني تارة حتى تمس الصدور العارية بلاط الصحن وتنتفض في أخرى قافزة وهي تصرخ في الهواء دون أن تفك اشتباكها مما جعلهما يأرقان حتى انبلاج الفجر وترذذ نثار الضوء الأول الذي أصمت الدفوف والطبول والأصوات . في الصمت ذاك وهما مستلقيان في زاوية منفردةٍ عن جموع الزوار المتناثرين في فسحة الصحن دنا منها وهمس بأن تتلف كل صوره حتى لا تقع بأيدي رجال الأمن .. أقامتها من الإطار فور عودتها إلى الديوانية ، همّت بتمزقها لكنها أحست بوخزٍ في القلب مثل نذير .. وظلت أياماً تحاول تنفيذ وصيته لكنها لم تستطع أبداً ، ففي كل مرة يعاودها الوخز جالبا الوساوس والهواجس فسافرت في خميس إلى النجف وأفضت إلى شباك علي بن أبي طالب بحيرتها فاستكانت ورتبت لها مكاناً أميناً بين طيات كفنها الأبيض المخبوء في عتمة صندوق عرسها القديم المصنوع من الصاج المتين ، لكن لا رجال الأمن داسوا البيت ولا هو ظهر منذ ليلة الدراويش في صحن إدريس ، ومع تضارب أخباره وخمول ذكره فضلت بقاءها بين طيات ثوبها الأخير ، ولم تفكر بإعادتها للإطار المعلق مخافة أن تكون مصدراً مضافاً للحزن ، تركته يرقد مطمئناً في حلكة الخشب وداومت على التسلل خفيةً لزيارته في أوقاتٍ مناسبةٍ أو في الأعياد وكأنه مرقده أو مهده ، وكانت راضية لنتائج هذا الإخفاء فقد خفف كثيراً على أبنائها وبناتها المحزونين أصلاً بالحروب ومآسيها وهموم المعيشة الصعبة .. لكن هاهو أكبرهم يتذكرها ويسأل عنها ؟ .. أي أفكار تتناهبه يا ترى ؟ والى أين أفضى به شروده المستديم الذي طالما أوجع قلبها وجعله ينبض جزعاً وخشيةً وهي تراه واجماًً سادراً أو تعثر عليه غافياً على سرير الغائب . ــ لماذا تلزمين الصمت يا حبيبة ؟ ــ 000!!! ــ قلت أين الصورة ؟ ــ 000 !!! ــ الصورة .. الصورة .. يا أمي !! أدكنه سكوتها الطويل وأثقل قسماته التي أحسها خاويةً مما أوهن بصره فعاد لا يستطيع التحديق في تضاريسها المحزونة التي تماسكت مستعيدةً رزانتها القديمة فنكس رأسه مبحلقاً بذهول في بحر السجادة الزرقاء السائح خائباً مطعوناً مفرغاً من كل شيء ، وبينا هو ينوء تحت وطأة شعورٍ بالعجز والخواء أحس بكفيها يحتويان وجهه الناضح ويعدلان رأسه من إطراقته المستكينة وصوتها القوي الواثق يطالبه ؛ ــ أنظرْ الى عيني يابني .. إنظرْ .. تملاها بوجل وملامحها القريبة راحت تتضبب بانسدال غشاوة الدمع الشفيف مختلطةً بملامح الغائب وهي تقول ؛ ــ الصورة مخبأة بمكان أمين . أرتج بين يديها . ــ أينها يا أمي .. أينها .. أريدها الآن .. هيا .. هيا أظهريها !!! ــ 000 ارتحلت في لهفة روحه المرفرفة ، في شحوب وجنتيه الناحلتين ، في انتظار عينيه المنكسرتين ، في أصابعه الناحلة الطافية على السجادة مفكرةً فيما قد يسببه هذا الوله المجنون من مضاعفات خطيرةٍ على وضعه التعبان ؛ ــ ألتزيد من عذابك يا بني ؟!!! ــ 000 خاضت بكفيها الواهنتين حتى قاع السجادة وأنهضت قامتها الممشوقة مطلقة الحسرة تلو الحسرة ، استدارت متجهة نحو السلم الظاهر من باب الغرفة المفتوح على باطن الدار ، تابعها وهي تتمسك بدربزان السلم الحجري وترتقي بعناء درجاته العالية إلى أن غيبتها استدارة منتصفه المؤدية إلى فسحة مربعة ضيقةٍ تنتهي بباب غرفة العلية التي يستخدمونها كمخزن ، ما لبث أن تعالي أزيز نرمادات بابها الخشبي العتيق جالباً معه رائحة غبارٍ انتشرت في أرجاء الدار الساكنة خانقة مرئية بذراته المتراقصة في مخاريط ضوء الشمس النافذة خلل فتحات صغيرة مدورة ثقبّت تطليعة الطارمة ، أسره روح الغبار المتلاطم في اصطخاب مخاريط النور وشدهته حركة ذراته العشوائية فانفصل للحظات عما يجري مندغماً بكينونة الغبار المبهمة ووشائجه الخفية الرابطة هذا العدد اللامتناهي من الذرات الدقيقة الدائرة المهتزة المترادمة في حلقات المخاريط الساقطة حول عتبة الباب متسائلاً عن معنى وجودها وإحساسها ، وهل لها أحزان كأحزان البشر أم إنها مرمية بلا معنى في فراغ سرمدي تمارس عبث وجودها في شساعة الكون اللامتناهي بلا مبالاة . وللحظة حسدها .. حسد مطلقها السعيد وتمنى لو يستحيل إلى ذرة منسية في مخروط منسي مثل تلك الذرة الحائمة التي لم يكف عن ملاحقتها دون غيرها منذ حين إلى أن غارت في حافة حلقة الضوء 0 فاء على وقع أقدام تهبط على السلم فرمى بصره إلى الجزء المرئي من جلسته منتظراً فظهر أول ما ظهر على أخر درجةٍ أذيال ثوبها الطويل ثم يترى السواد المخرم بالورد مع طولها النازل وقبل أن يستبان وجهها أبصر الصورة حائلة اللون تهتز بين أصابعها المرتعشة فهرع نحوها ينقل نظراته الملهوفة بين الصورة ووجهها الحزين ، وضعتها بحرصٍ شديد على راحة كفه المبسوطة ، طالعه الوجه الطفولي الأملس بابتسامته العذبة التي أسرتها عين الكامرة وجمدتها في صقالة الورق ، رفعها إلى شفتيه وقبلها مستافاً من عطرها القوي ، أنه ذات العبق الذي شمه وهو يرسف بالأغلال وظلمة القماش في حوض عربة الإيفا العسكرية من الجسد اللاصق به وهم ينقلونه الى ساحة الإعدام .خبأها بأناة في جيب القميص ، ركع جوار تدوير درابزين السلم ، وتلقف كفيها المنتفضين ممسحاً بشرة وجهه بغضونها وهو يردد عبارات شكرٍ ووعودٍ بطبعِ نسخٍ عديدة منها ، أنهضته ، أخذها بين ذراعيه وراح يبوس جبهتها عينيها وجنتيها فاركاً بشرته بغضونها المعطلة بالألم قبل أن يستدير مغادراً الدار قاصداً أقرب بار . لم يخرجها من جيبه طوال الجلسة مستمتعاً بخدرين خدر الخمرة وخدر خاطر الصورة المخبوءة في القميص ، يتخيل طوال الجلسة ما سوف يفعله بالغد مشخصاً أفضل مصوري المدينة ، وأنسب حجمٍ وأنسب جدار في الغرفة .. و .. و .. 0 ورجع في ساعة متأخرة يترنح بمشيته ، يتمسك بالحيطان الملساء تارة ويتعثر ساقطا على الرصيف تارةً أخرى في سكون الليل الأملس اللاف شوارع المدينة الخاوية .
# # #
ظل يجلس إزاء صورته المعلقة بجدار الغرفة المتطرفة وسط تخطيطات بالفحم لوجوه بشرية مذعورة صارخة تعاني من عذابٍ أليم وأجسادٍ رؤوسها حفر معتمة تثقب بياض الورق ، ونساء عاريات يستحممن بأوضاعٍ مختلفةٍ ، لغزلان برية رشيقة وادعة تفترش العشب في برارٍ شاسعة تلتحم ببياض أفق الورق الصقيل ، يجلس كل يوم إزاء إطلالته الأبدية على ثوابت الأمكنة في هدأة الليل عند خلود الزوجة والأطفال إلى النوم ، يجلس مبحراً في تيه أحلام الغفوات المتقطعات المختلطات بأحلام اليقظة وهواجس التوقعات ، يجلس كل يوم ليستحضر كتلة الغائب بتضاريسها الحية ويحرك أبدية البسمة المحنطة المتحولة إلى ضحكة طويلة ترنّ في باحات نفسه الدفينة ، يوغل في أفياء العينين البنيتين الرانيتين إلى جلسته والبائحتين بخفق التوق الشديد إلى محبةٍ اغتيلت في أول تبرعمها ، محبةٍ تفور في الضوء الأبدي اللامع في جمود الورق الحساس ، بين غفوة واستيقاظ يقضي الليل ملازماً كرسيه ترفرف في أطيافه البسمة العاصفة بروح الورق ، البسمة التي رافقته مخففةً من صعاب أيام جبهات القتال بملاجئها وقتلاها ورعب أوامر ضباطها ، وأيام الاعتقال المهولة في أقبية مدفونة في ظلمات باطن الأرض ، وسط أعداء وأصدقاء عاشرهم في الجندية وحرب العصابات في الجبل ، في القطارات النازلة والصاعدة في ليل الجنوب الحزين ، في المحطات وقرى الحدود المزدحمة بالمهربين والسياسيين الهاربين والدجالين والجواسيس ، ينود مهوماً في جلسته إلى أن تتسلل خطوط الضوء الباهتة من النافذة المفتوحة على حوش الدار الواسع ، فيؤوب من غمار أسفاره المضنية متشوفاً لما تخفيه المرأة الغبشية من أسرار . المرأة التي شغله خطورها اليومي بملامحها العصية على الذاكرة ورائحتها المدوخة وتحديقها الجانبية الآسرة قبل اختفائها في نفس المكان والساعة نادماً شديد الندم على خرس الذهول الذي جمده صبيحة البارحة لحظة دنوها منه حتى كادت أن تمسه بعباءَتها مما جعله لا يستوعب كلامها الخافت رغم وضوحه فقد كان لا يتوقع أبداً أن يكون متعلقاً بأخيه الغائب الذي أيقظته رنة اسمه المهموس من خدر الذهول فلعن روحه التي يبهتها كل وجه جميل ويضيعها في مسارب العسل فتغوص بلذة النظر المطلقة سكرى عن فحوى الكلام 0 ــ ما الذي قالته هذي الجنية البارحة عن حبيبي ؟ لم يبارحه السؤال منذ صبيحة البارحة 0 ــ ســــأكلمها .. ســـأكلمها .. وحق السماء ســأكلمها هذا الصباح . قالها بعزم وغادر كرسيه المركون لصق الجدار قدام إطلالته اليومية على مشارف الفجر الساري خلف النافذة . إنسل بحذر إلى غرفة الزوجة والأطفال ، عدل الأغطية المنزلقة عن الأجساد المبعثرة وانسحب دون ضجة خارجاً إلى غبش الشارع الغارق بالضباب سالكاً دربه اليومي منشغلاً عن إنصاته اليومي للعصافير المزقزقة على أشجار الحدائق العالية ولغناء بلبلٍ منفردٍ حزين يحط لحظة مروره ويشدو على سدرةٍ معمرةٍ مطبعةٍ بكفوف نسوة محناة ومعقودة أفرعها بخرق النذور البالية تشمخ في الساحة الفاصلة بين بستان الجلبي ومعمل الثلج ، متوجساً من احتمال عدم ظهورها ، وفيما هو يغور ويدور في سورة ظنونه ووساوسه ظهرت طالعةً من رداء الضباب منفصلةً عن حافاته الواهية في الموضع ذاته ، في المسافة المحصورة بين الجسر الحديدي القديم وبناية المحكمة المهجورة منطلقةً صوبه بإستقامة أربكته فتعثر وأختل من سحر الملامح الفاتنة المقبلة المؤطرة بحواشي العباءة المدروز بخيطٍ أبهت سواداً من دكنة نسيجها ، مسته بطرف العباءة المرفرفة في الريح فعبقته رائحة أنثى برية متوحشة الشهوة قديمتها . ــ إتبعني ودع مسافةً بيننا ..! لم يحر جواباً وكأن الجملة أغرست قدميه في إسفلت الرصيف فاستحثته ؛ ــ هيا .. أسرع قبل أن يتبدد الضباب ..!!!.. قالتها وتمهلت بخطوها المتجه نحو حافة جدار المحكمة المتداعية نقطة غيابها اليومي المعتاد ، أنتزع قدميه واستدار مقتفياً أَثرها يتفرس في امتشاق القامة المنتصبة في أمواج النسيج الأسود المنسرح على تضاريس الجسد المخبوء ملاحقاً اهتزاز رمانتي الكتفين وانطلاقة الظهر القائم باستقامة وتموج مهبط الخصر اللين وتدويرة الورك البارزة الصلبة المتمايلة على إيقاع المشية القافزة ، هبط درجات خمس حجرية وخاض في الوحل المترسب في عنق الزقاق الخفيض الممتد طويلاً حيث تشتبك نهايته البعيدة بمنعطافات ودهاليز تتوسع قليلاً وتضيق كثيراً متحولة إلى متاهة من الدرابين بيوتها مهجورة ، مجرحة الأبواب مطعونة النوافذ تساقطت واجهاتها كاشفةً أحشاء الغرف ، أسرة نوم مغبرةٍ وخزانات ملابس مفتوحة الدرفات مبعثرة المحتويات وأحواشٍ ضيقةٍ واسعةٍ تتوسطها أحواض إسمنتية معطلة الحنفيات تتبعثر حولها أوانٍ ودوارقٍ وصحونٍ بلون التراب ، كان يوزع انتباهه بين أشياء المكان المتروك وظلال عباءتها المرفرفة على بعد خطوات ، مرَّ ببلابل ميتة بأقفاصها المعلقة في سقوف الشرفات الخفيضة وفروع الأشجار ، بأبراج طيور مخسوفة السقوف وتنانير خبز مكسرة الآجر ، وأسفر مع وجوه شبان تطل من إطارات صورها الفوتوغرافية الملصوقة بحوائط الغرف الداخلية رامقةً الأثاث المكسر المغبر والجدران المتداعية ونثار الآجر والجص بعيونٍ مرحةٍ لا مباليةٍ . عجب من نفسه أشد العجب مستغرباً من سهوه عن هذا الخراب الذي أصاب قلب المدينة رغم مروره الإجباري صبيحة كل يوم في طريقه إلى دائرته الزراعية بعد انطواء أخر حربٍ . غابا بعتماتِ دهاليز طويلة مستدلين بشذرات من الضوء الراشحة من خصاص وشقوق بيبان مخارجها التي تدفعهم وسط أفنية عديدة المسالك ، كان يتبعها مشدوهاً لكنه شديد الحرص على الاحتفاظ بمسافةٍ معقولةٍ عنها خوف أن تضيع ويغور في أثرها ببواطن مجازاتٍ تكاد تتلاصق جدرانها تأخذهم إلى قاعات خفيضة السقوف وأخرى عالية تلقيهم بدورها إلى أفياء أروقةٍ مقوسة السقوف تنتهي بسلالم تنزل إلى أفنية صغيرة صحنية الشكل . مع زوال إنشداهه وفي سيره المتئد خلف العارفة بمتاهات الخراب أعمل التفكير طويلاً بمن تكون هذه السائرة وسط الأطلال ؟ ولم انقاد خلفها انقياد أعمى ؟ .. أبسبب ما خيل إليه صبيحة البارحة بأنها قالت شيئاً ما يتعلق بالغائب ؟ .. نعم .. نعم .. بسبب ذلك .. بسبب ذلك .. ردد مع نفسه بصوت كاد أن يكون صراخاً .. ولكن قد يكون ما سمعه مجرد وهم أخر من أوهام يقظته التي استفحلت في الآونة الأخيرة فأصبح يرى خيالات أشكال تنبثق من الفراغ والعتمات ، تهبط من السماء أو تطلع من أغوار الأرض مكتسية أبعاداً واضحة ، ويسرح مع الشخوص المجمدين في صقالة الورق الحساس وهم ينزلقون مغادرين تحنطهم في داخل إطارات الصور الفوتوغرافية مالئين الأمكنة التي يحل فيها بلحمهم ودمهم ، حدث ذلك أول الأمر مع صورة أخيه ثم سرى ليعم صور الأصدقاء والأحبة الذين قضوا في جبهات الحرب وساحات الإعدام ، في السراديب والأقبية المهولة ، ثم إن الغائب لم يرتبط بامرأة ارتباطاً وثيقاً ، صحيح أنه كان يشب وينطفئ عند مرور جميلة فاتنة ويعكف على استحضارها عارية على بياض الورق مجسماً تخلّق تفاصيلها الساحرة في خياله وكان مهيئاً لقصة حبٍ داميةٍ لكن عمره اللاهف الراكض نهراً دافقاً سريع الجريان لم يدعه يتعرف على المرأة المحبة ليس المحبة فحسب بل على المرأة ، فمن تكون إذن هذه المتقدمة في قفر فناء شاسعٍ إنفسح أمامهما قبل لحظات ؟ ... من هذي المارقة عباب الخراب تحت وهج الشمس اللاهثة السالكة دربها الأبدي ؟ .. من تكون ؟ .. مــــــــــــــن ؟ أيكون قد تعرفها في سنين تواريه الثلاث في مدن أخرى قبيل اندمال خبره ؟ .. هذا جائز ، لكن الغائب لم يطرق هذا الموضوع حينما كانا يلتقيان سراً في الحدائق البعيدة والمقاهي المنزوية والجوامع والبارات والأضرحة المقدسة ، ولم يشر حتى مجرد إشارة إلى وجودها ، وفي مرةٍ خاض معه بشأن رسالة بعث بها من اختفائه إلى تلميذة ثانوية كما تبين من سياقها كان قد عثر عليها صدفةً بين صفوف الكتب المرتبة في أدراجها يرجوها فيه أن تكف عن التفكير والتعلق به لأنه بلا مستقبل وينتظر المستحيل ، تحاشى الخوض في التفاصيل مكثفاً القصة : ــ دعني من هذا الموضوع المعذب ، العابر ، باختصار يا عزيزي إنها زميلة اختنا سلمى في المدرسة ، لم أرها بتاتاً إلا بصورة ملونة جلبتها أمي معها عندما التقينا قبل شهرٍ . لا تحدقني هكذا .. مزقتها فور فراقها شاعراً بمرارة وكأني أقطع قلبي بسكين والوجه الحنطي المحمص يتحول مزقاً صغيرةً بين أصابعي مخافة أن تقع بأيدي رجال الأمن في حال وقوعي المحتمل في أية لحظة وما يجره عليها الأمر من وبال .. إنها بنت حالمة علقت دون أن تراني . أطلق حسرةً ورسمت سخرية مريرةٍ ملامحه الناحلة وهو يستطرد : ــ تتصورني مخلصاً زاهداً ولا تدري بحالي عندما يحاصرني الليل برغائبه وإشتهاءاته ووحشته فأنساق في دروب الخيال لأجد نفسي محطماً بائساً حال فراغي من التماهي بأجساد خيالي الضاجة بالأنوثة والشهوة .. دعنا يا صديقي .. دعنا وخبرني عن الحال والأحوال .. عن أخبار الأهل والأحباب 0 مازال يلاحق الغامضة المتوغلة في قفر الفناء المشمس الأجرد متجهةً صوب أبنية واطئة قديمة لاحت في البعيد وكأنها تقوم من أحشاء التراب بحيطانها الحائلة المنخورة الآجر ومداخل أزقتها الخاوية ، يخطو سادراً في أثر العباءة الخافقة بريحٍ إبتدأت بالهبوب من الشرق مستعيداً تلك الصدفة النادرة الفريدة التي أتاحت له مرأى صاحبة الرسالة ، كان ذلك بعد مرور سنةٍ واحدةٍ على تبليغ السلطات بإعدامه . في المساء الحزين ذاك كان عائداً من مأمورية عذبته أيما عذاب وكلفت نفسه كثيرا ، صعد دائخاً مثولاً إلى السيارة النازلة جنوباً إلى الديوانية والمكتظة بالجنود اللاغطين العائدين من الجبهات . لبث عند حافة السلم قرب الباب المفتوح مغموراً بالأنوار الخافتة المنصبة من مصابيح سقفها المعدني الملامس بيريته الغامقة الزرقة ، يبحث دون تركيز عن مقعدٍ فارغٍ فقد كان مشدوهاً برسم الجندي الحزين الذي سلمه في الصباح الباكر إلى حراس المحكمة العسكرية الخاصة في معسكر الرشيد ، بهلع الوجه الأملس ، بكوتي العينين اللتين خوتا لحظة تلاوة حكم الإعدام من فم عقيد مفرط السمنة بارد النبرات مطرز الصدر بالنياشين والأوسمة . لعن ضابط وحدته الذي أمره بتنفيذ مهمة إيصال الجندي الذي كان سجيناً بسجن الوحدة إلى المحكمة شاعراً بتأنيب ضميرٍ حاد وكأنه هو من دفع به إلى ساحة الإعدام لا القوانين العسكرية الصارمة زمن الحرب ، كان ساخطاً على نفسه وهو ينقل نظراته الهائمة من وقفته بحلق الممر الكائن بين صفي المقاعد الخشبية المشغولة بالجنود ، شارداً من ذلك المساء البارد الموحش ، من المدن والأحلام ، من الآتي المجهول ، وبغتة انتابه وهن حلَّ مفاصله وهن مصحوبٌ بتقزز من حديد الكلاكنشوف البارد الذي لامس ظاهر كفه العارية ، في اللحظة تلك تناهى صوت أنثوي يناديه باسمه ويدعوه للجلوس ، التفت بلا اهتمام يبحلق بشرود في وجهٍ معتمٍ ينزوي في ركن المقعد الذي يسع لنفرين وتضيّع ملامحه ظلال نور مصباح الجادة الكائنة خلف جلستها . ــ أهلاً .. أهلاً .. اجلس هنا ! كانت تشير إلى المكان الفارغ جوارها ، وكان معقود اللسان مرتبكاً ملاحقاً بطيف الجندي وملامحه الطفولية التي شوهها الرعب وحوَّل العينين المتوسلتين إلى حفرتين حالكتين تصرخان بالفجيعة وتبحثان عن موضع وقفته وهم يغيبونه خلف الباب الخفيض الموصل إلى ساحته الأخيرة . تمنى طوال الطريق إلى كراج العلاوي أن يجلس وحدَهُ على مقعدٍ لصق الزجاج يحدق في صمت الظلام الذي ستطويه العجلات لكن المقاعد كانت مشغولة ماعدا قلة ، لم يجد بداً من الجلوس فهبط إلى المقعد جوارها وأطرق يبحلق بكتل الطين اليابسة المتناثرة في الممر وبين المقاعد معطل الحواس منفصلاً عما حواليه ضائعاً يفكر باللا معنى وعبث الوجود البشري الهش .. فجملة قصيرة أطلقها عسكري ملغّد شطبت عمر فتىً بهي الطلعة ظهيرة ذلك اليوم في غرفة مختنقةٍ بروائح أردية العساكر والبساطيل والشاي المحروق والدخان ، مصروعاً بالأسئلة ، منطفئاً في مقعده المحاط بضجيج الجند وزمجرة محرك الـسيارة الصاخب . أيقظتهُ خفق عطرٍ بري هب من جواره رائحة مفحمة أعادته إلى البنت السمراء المرتدية زي الجامعة الموحد آنذاك قميص أبيض وتنورة فاقمة الزرقة ، كانت ترمقه بعينين حالمتين نصف مغمضتين وفي وجهها انتظار . من تكون يا ترى ؟ تسائل مع نفسه وتفرس في ملامحها . من تكون ؟ رنَّ السؤال ثانيةً وهو يبحر في القسمات الغارقة بظلال مصابيح الجادة المارقة خطفاً خلف زجاج النافذة الساند ظهرها المنتصب وهي تميل صوبه . انتظر استدارة السيارة في فلكة منار وسطها مما سيسمح له برؤية ملامحها بوضوح على ضوء مصابيح فجرية ستسقط لا محالة قويةً من خلف ظهره . عند تدويرة الفلكة باغتته سمرة البشرة بتقاطيعها المنحوتة بدقة وكأنها فخرت لتوها بالنار . ــ ألا تتذكرني ؟ ــ ... تلكأ في الإجابة وتأتأ مرتبكاً بكلام مدغوم . ــ من المؤكد إنك لا تستطيع .. أليس كذلك ؟! ــ معذرةً .. لا أدري ماذا أقول ؟ ــ حقك .. كنت أراك تدخل غرفة الضيوف ببيت أهلك وتلقي علينا التحية دون أن ترفع ناظريك . ــ ... !!! ــ أنا وفاق ! أفلت آهةً خافتةً ضاعت بضجيج المحرك المزمجر بعنف قرب أقدامهم . مال نحوها قليلاً وراح يتملى ملامحها التي تضيء وتعتم في تناوب ضوء وعتمه مصابيح الطريق التي أصبحت خلفه الآن . ــ أَصحيح ما قِيلَ ؟ ــ ... لم يفهم ماعنته بالضبط فظل مستقراً في صمته وإبحاره في البشرة المفخورة بالنار . ــ هل ذهب الى الأبد ! ــ ... لم يزل مبهوتاً بسحر القسمات المنطفئة المشتعلة في لعبة المسافة الفاصلة بين المصابيح الراكضة فلم يدرك ماكانت تعنيه . ــ أيعني ذلك إنني سوف لاأراه قط !!! هزته النبرة المتوجعة وغلالة الحزن العميق ااتي هبطت لتكمد اللون الناري وتحيل السمرة المعسولة الى لونٍ قاتمٍ ممزوجٍ بالرماد . ــ لم تصمت ؟ ــ .. انزلق هو الأخر في مسافات الكمد والمرارة الموحشة . ــ احكِ شيئاً .. أرجوك ! ... إنها لا تدري إن الأسئلة التي تعذبها تعذبني أيضاً . ــ عمّاذا أحكي ؟! رشقته بنظرة مستغربة وهي تهز ساقيها بتوتر ومن خلفها ترامت سهوب الجنوب مغمورةً بنور القمر المستدير الطالع من أحشاء الظلمات . ــ عنه .. عنه .. قالت بإنفعال ونفاذ صبر . ــ عن أي شيء فيه .. ــ كل شيء .. كل ما يخطر على بالك في هذي اللحظة ! ــ لا بداية لمثل هذا الحديث ولانهاية ، اسأليني عن شيء محدد ! ــ عماذا أسألك وأنا أريد معرفة كل شيء عنه .. أتدري أنت إنني لم أره مطلقاً ، تعارفنا بالرسائل السرية التي كنا نتبادلها عبر عائلتك بعد أن تعلقت به أشد التعلق من خلال أحاديث أختك سلمى التي لا تكف عن ذكره وتحببه إلى نفسي ، أطلعتني على دفاتر يومياته وتخطيطاته التي اختلست عدداً منها ، كاد حلم رؤيته بلحمه ودمه أن يجنني .. أتدري أنت ؟ أتدري كم حلمت به في ليالي أرقي طوال ثلاث سنواتٍ مضنيةٍ ، لقد هدَّ قلبي الحلم ذاك ورفضه المتكرر لدعوتي للّقاء به مبررا ذلك بقوله ــ لا أريد أحداً يتعلق بيّ فأنا مفروغ من أمري ــ عضضت أصابعي ندماً لأنني لم أتعرف على سلمى إلا بعد اختفاءه ، وأسفت على عمري كله الذي ذهب هدراً دونه . توسلت به في الرسائل والوصايا وتجرأت على مناشدة والدتك كي تقنعه ليلتقي بي مرةً واحدةً .. واحدةً فقط ، كنت على استعداد لدفع حياتي ثمناً من أجل أن أتحقق من وجوده ، ألمسه بأصابعي ، أتملى لون عينيه الحييتين اللتين أضناني الرنو والإبحار فيهما كل ليلة وفاقم عطشي وجنوني ، في اليوم الذي أسرت بأذني سلمى بخبر ضربه موعداً لي في بغداد ستخبرني به لاحقاً بوقتٍ مناسب . لم تلمني الدنيا وفقدت اتزاني .. يــاه .. أية أحلام مجنونة أخذتني وأنا أنتظر اللقاء ــ الحلم ، أية أحلام ، إستخفني الطرب وسكنني الغناء .. صرت أغني .. وأغني في البيت والمدرسة والشارع نعتتني زميلاتي وأمي بالخفة والطيش ، كنت أضحك من اللائمين .. أنهم لا يدركون أي بهجة تجول بنفسي . تقت إلى لحظة الحلم القادم توقاً دفعني إلى حافة الجنون . قبيل السفر قضيت ساعات جالسة بمواجهة المرآة أتمعن قسماتي المتوردة ، ومن خلف زجاج نافذة السيارة احتضنت السهوب بحقول حنطتها وبساتين نخيلها وقفرها وقراها البعيدة ، احتضنتها وعانقتها عميقاً وهي تركض مسرعةً صوب الجنوب ، رغم قرب المسافة بين كراج العلاوي ومكان الموعد أخذت تاكسياً ، كنت أود الاختلاء بنفسي وترتيب مشاعري قبل وصوله ، أبحرت في بحور وبحور، جبت في فيافٍ وقفار ، زرت مدناً بصحبته ، وفيما كنت أرمق عقارب الساعة الدانية من موعد قدومه المفترض خالط بهجتي قلق أنبت هاجس عدم مجيئه في غور نفسي وجعلني أغادر المصطبة الخشبية وأدور في الفسحة حول المكان ، أصعد معتليةً الجنائن المعلقة أشمل ما حول من الأعالي فلا أرى شيئا لكثافة الأشجار ، أنزل الى المصطبة ثانيةً والوقت يمر لاهثاً مسرعاً ثوانيه من نار ودقائقه ترعد في كياني ، تخلبص عقلي والساعة تتجاوز الموعد المضروب ، رحت أدور حول المصطبة ، أدور وأدور مصبرةً نفسي بفكرة تأخره المتعمد زيادةً في الحيطة والحذر ، أصبرها وعيناي تدوران بجزع فيما حوالي متأملةً ظهوره من أماكن غير متوقعةٍ كأن يطلع من دغل البحيرة القريبة ، أو ينزل من سلالم الجنائن المعلقة ، أو يظهر من بين أشجار اليوكالبتوس المشتبكة على طول الممرات ، انتظرت .. وانتظرت من الثانية بعد الظهر حتى حلول المساء ، لكنه لم يجئ فعدت مرمدةً منكسرةً مفجوعةً وكأنني فقدته إلى الأبد . إتكأت مسترخية إلى مسند المقعد المهتز الملاصق لزجاج النافذة ورمت بصرها إلى الليل الساكن الصافي فأضاء قمره السابح عينيها المخضلتين . لبثت تحدق سارحة منفصلةً عن لغط الجنود وأزيز المحرك الرتيب ثم فاءت إليه قائلةً بخفوت وألم : ــ أرجوك .. أرجوك .. حدثني عنه .. حدثني .. في ليونة الفضة المنسكبة من جلال العتمة ، في تيه الحقول الناهبة ليل السهوب الجنوبية ، في الأزيز الرتيب ، وعلى إيقاع اهتزاز مقعديهما المخدر حدثها . حدثها بصوتٍ خافتٍ متهدجٍ غارفاً من الماضي البعيد أشجانه ، رانياً إلى التقاطيع الناعمة المنصتة المنحوتة قدام النافذة والتي تضاء وتعتم في تناوب مصابيح الطريق والقمر مستحضراً صغائر أشيائهما المشتركة حيث عاشا في غرفة واحدة منذ الطفولة . أحس بأصابعها تتسلل في العتمة الباهتة لتحتوي أصابعه المرتعشة ، غمره دفء الراحة النابضة اللدنة وإطباق الأصابع الطويلة ، بثها تباريح الغائب وأشواقه المستحيلة ، حكاياه ، طفولته ، أحلامه ، زحزحت جسدها مقتربةً وعيناها تصب فيضاً ألقاً ، نهراً من الفضة يتدفق في أتون الوجنتين المستعرتين . انزلقت في مقعدها ، لامست جنبه وخبأت رأسها تحت إبطه الأيسر وراحت لاهثةً تعب من رائحته أنفاساً عميقةً ما لبثت أن وهنت وتخافت لهاثها فاستكانت غافيةً تحت جناحيه . تحنط في جلسته طوال ما تبقى من مسافة الطريق غير آبه بتعليقات الجنود الحاسدة . مازال يلاحق ظلال المرأة المنحسرة تحت وهج انتصاف الظهيرة وهي تقترب من الأطلال الخربة السادة امتداد الفناء الصيفي وتلج أحشاء زقاقٍ ظليل طويل تتعانق بقايا شرفات بيوته الخشبية المترنحة وتتداخل . قبل أن تنعطف يميناً تأنت في خطوها ملتفتةً ورشقته بنظرة خاطفةٍ واندفعت غائرةً في عتمة دهليز خفيض السقف . أوسع خطاه في أثرها محاولاً تقليص المسافة الفاصلة لمتابعة حركة العباءة التي تكاد تضيع وتتلاشى وسودها يندغم بظلام الدهليز ، أصبح لا يفصله عن أمواج العباءة سوى خطوات إلى أن خفت العتمة قليلاً واستبانت في نفق الحلكة فجوة ضوء مستطيل مقوسٍ من أعلاه امتصهما وألقاهما في باحةٍ مرصوفة بالحجر مغمورة بالشمس ترتفع قليلا عما حولها تشمخ في وسطها سدرة شائخة مورقة . مالت نحو سلم حجري وطفقت ترتقي درجاته القديمة صاعدة إلى طارمة طويلة عالية السقف يتمكن من موقعه قبل بلوغ السلم من تقدير طولها الذي يقرب من عشرين متراً ورؤية باب غرفة وحيد ينزوي في نهايتها يلوح من بين الأعمدة الضخمة الساندة سقفها العالي . ارتقت السلالم الأخيرة بمهلٍ وتوقفت في أعلى درجة واستدرات بكامل جسدها نحوه ، كان يتمسك بدرابزين السلم المغبر ويتطلع إلى إطلالتها من راس السلم شامخة شاهقة أليفة في بهمة الأمكنة الخربة الموحشة . تمهل في صعوده متساوقاً مع إيقاع مشيتها المتأنية متتبعاً قامتها تفج ظلال الطارمة وامتدادها المقطوع من موضعه بالسقف وبإنصاف الأعمدة العلوية . كانت تخوض في أحشاء الفيء البعيد ساعية نحو الباب الخشبي الذي لاح لعينيه إطاره العلوي عند بلوغه وسط السلالم . عندما أنهض جسده من أخر درجة خفقته نسمة باردة قديمة موقظةً في أعماقه أحاسيس منسيةٍ جعلته يتريث قليلاً ويتكئ إلى تدوير أول عمود ويفكر في شيءٍ أليف تحرك في النفس لكنه عصي على الإمساك . شحذ ذاكرته دون جدوى فاسترخى في إطلالته على فسحة الدار الواسعة العالية المشرفة بدورها على البيوت المهدمة المهجورة المترامية حتى الأفق والمآذن المعطلة المجّرحة الأعناق المقطّعة الرؤوس والقباب المذهبة المضروبة الأجساد الرازحة تحت وطأة صمتٍ قاحلٍ يبث مزيداً من الوحشة التي أغرقته في هديرها الصامت ولم تنتشله إلا السدرة المعمرة الشامخة وسط الحوش الواسع بساقها الضخم المتين المليء بآثار شظايا ورصاص ، وأفرعها الكثيفة التي تهدل بعضها معانقاً بأطرافه الغضة البلاط القديم . أغرز ناظريه في أصابع الحناء والدم المطبوعة على التفاف الجذع المتين ، في خرق النذور الخضر البالية المعقودة حول الأغصان الرفيعة الواطئة والأفرع اليابسة ، وتسلقت عيناه لتصافح طول السدرة السامقة الشاخصة في إطلالتها الأبدية على امتداد منخفض الدور المخربة المهجورة وأعشاش العصافير المالئة فروعها العاليات .. ورويداً .. رويداً انزاح غبار السنين والإحساس الذي جعله يلاصق جسد العامود ويسرح ابتدأ يغوص مستولياً على الروح فاستشعر بألفة المكان ، إلفة قديمةً كامنة في النفس عرَّفته بآجر حيطان غرف واطئة مستديرة مع إستدراة سياج الحوش ، بأشكال أبوابها الصاج المتين المحزز بالدوائر والأقواس والمرصع بأزرار فضية صدئة تحيط بمقارعها النحاسية الثقيلة المتدلية والتي مازالت تحتفظ بلون طلائها النحاسي ، بدكك الأبواب الكائنة عند مداخلها المظللة بتطليعاتٍ خشبيةٍ تمتد من سقوفها المرئية من وقفته ، بحوض الحنفية الإسمنتي القائم تحت ظلال السدرة والمغطى بالأوراق اليابسة . وبغتةً رجَّه ضجيج قوي انبثق من الزوايا ، من البلاط ، من الحنفية الراشحة بالماء ، من برج الطيور . لغط نسوةٍ ، هديل حمام ، صياح أطفال ، صفير ، خفق أجنحة ، ضحك صاخب ، صراخ ، صياح ديكة ، ودوي فريد طالما أنصت له في الأيام الخوالي من على سطح البيت ، دوي يميز الأحياء الفقيرة يتكون من صياح وكلام وصراخ أطفالها المالئين شوارعها المتربة ويتوحد صاعداً إلى السماء . تراءت له جدته تطلع من لحاء السدرة حاملةً سطلاً نحاسياً وتخطو نحو الحوض في غبشٍ هبط طالياً أشياء المكان بلونه الحالم .. أيكون هذا بيت جدي القديم ؟! تسائل لحظة اندماج كتلة الجدة في كثافة اللحاء المفتوح مخلفةً وقع أقدامها يرنّ وينحفر في خباياه ، استجمع قواه المهدودة وأنتصب منفصلاً عن العمود ودورّ رأسه بإرتباك باحثاً عن المرأة الغامضة فرأها تشرع بدفع باب الغرفة القصية وتلتفت مؤشرةً بذراعها العارية البازغة من حلكة العباءة كي يسرع اليها قبل أن يبتلعها شق الباب . اندفع صوبها متشوفاً ملهوفا ووجلاً خشية فقدان أثرها في باطن البناء . جاوز العتبة الخشبية البارزة قليلاً ، فضمته باحة صغيرة مسقوفة ، مستطيلة ، مضاءة بثلاث مناور زجاجية دائرية موزعة في السقف تتسلل من مخاريطها الغارزة بأعقابها الضيقة زرقة السماء ثلاث شموس صغيرة يسقطنّ في وسط وطرفي الباحة المصقولة البلاط . تبعها وهي تفتح باباً مقابلاً وتختفي في باطن غرفةٍ أكثر عتمةً من باحة المناور الثلاث . عند أول خطوةٍ في الحجرة عصَّتْ عليه الرؤية فلبث بمكانه يوسع حدقتيه ويبحلق في أمواج الظلام المتراقصة التي سرعان ما أخذت بالتقطع والتبدد والتخافت مظهرة حواف الأشياء وأبعادها . سرير ذو مساند معدنية عالية يرتكن في الزاوية القصية إلى جواره باب خفيض مسدود يلاحظ بعناء لأنه مطلي بنفس لون الجدار وتكاد حواف مستطيلهُ تندمج بسطح الحائط التبني الصقيل . مقابل السرير لصق الجدار الأيسر القريب من وقفته تدرجت أرفف خشبية قائمة على مساند معدنية مثبتة في الجدار صفتُ عليها أونٍ فخارية قديمة ، صف من الكتب ، قناني عطور صغيرة تبث مسكاً وفلاً . قرآن مفتوح ومركوء بشكلٍ تبدو معه حروفه المذهبة الكبيرة مشعةً واضحةً مقروءةً رغم ظلال العتمة الخفيفة . الى جانب الرف إمتدت لوحة زيت كبيرة لفرسٍ بيضاء تدور حول جسدٍ نازفٍ مرتثٍ بالجراح يعانق تراب البرية تحت شمس الغروب النازلة الكبيرة الدافقة من عينها الواسعة قرمزها الدامي . أسفلها تقوم سجادة صلاة مطوية ومركونة جوار رفٍ صغير بحجم الكف تنسدل من حافته حاشية شرشف أسود وضعت عليه ترب الصلاة . الرف يظلل إبريقَ نحاس رفيع العنق يستخدم عادةً للوضوء . في منتصف المسافة بين زاويتي الجدران أبصرها تقف جامدةً ، ترنو إليه ، لم تنضُ عباءتها بعد . أراد أن يبادرها الحديث لكن قوة خفيةً عطلت لسانه وسحبت أنظاره إلى صورةٍ فوتوغرافية كبيرةٍ معلقةٍ في الجدار فوق موضع وقفتها تماماً . الصورة مؤطرة بإطار من الإستيل اللامع تسقط عليها أضواء فضية شفقية غبشية باهتة مسلطة من أمكنة لم يستطع تحديد مكامنها رغم تدوير عينيه المشوشتين في أعالي الجدران والسقف وبلاط الأرضية . مزيج خافت من الأضواء يجعل الناظر يطيل التحديق والتملي كي يشخص ملامح الجالس في الجدار . أجهد ناظريه الكليلين دون أن يتبين من يكون ؟ ، فتقدم متوسطاً الحجرة دون أن تفارق عيناه القاعد داخل الإطار . تسمر بمكانه وانحلت مفاصله ، كاد يهوي فشدَّ جسده مقاوماً ليونة الساقين اللتين وهنتا للحظة تحت أنظار أخيه المطلة من أحشاء الورق والرانية إلى ذهوله بنظرةٍ حالمة عارفةٍ مطمئنةٍ تبصر مالا يبصره الناظر فهدأ روعه من السكينة المنسكبة بروية من التقاطيع المحفوفة باللحية المسترسلة حتى الصدر الناحل والنائرة بمزيج الأنوار الضعيفة . جعل يفور محتدماً بالتذكر يتشوف بشجن للتقاطيع النابضة في تلك الصباحات البعيدة .. صباحات التسكع قبل صياح الديكة والوقوف على تل الضاحية جوار معمل الآجر المهجور للاغتسال بنور قرصها القرمزي اللاهث الطالع من أحضان بستان الأفق الشرقي . انسدلت غشاوة الدمع وضببت الرؤية وانصب ساخنه فكفكفه بكم ردائه إلى أن أصبح بمستطاعه مشاهدة الأشياء ثانيةً . فتش عنها فوجدها مفخورةً بمكانها تراقب إنصلابه في هيجان الأشواق والكشف المباغت . تبادل نظراته المتأسية المتعبة من طول انتظار بنظرات ودٍ وحنان . وبغته أَلمَّ به الوهن ثانية فتداعى هاوياً وتبعثر على البلاط ، لبث هكذا هنيهة ثم لمَّ شتاته ضاماً ساقيه المنثنيين إلى صدره المحني وشرع ينود في تكوره الجنيني وعيناه لا تغادران استكانتها الطويلة تحت ظل المستيقظ المتوقد في الجدار . ناد طويلاً بصمت غارقاً بشجن خانق منتظراً لحظة البوح الى أن رآها تخطو نحو السرير المفروش والمرتب بعناية ويصدر من خطوها حفيف مصحوبٍ بغمغمةٍ وهمسٍ ووشيش غامضٍ يأتي من خلف الجدران . تملى قدميها الحافيتين الصغيرتين الظاهرتين من ذيل العباءة المرفوع قليلاً . رفع باصريه نحوها والعباءة اللينة تنزلق وتتكوم قرب أقدام السرير كاشفة قوامها الممشوق والملفوف بثوبٍ أسود يضيق عند الصدر الصلب الناهد والبطن الضامرة وينسدل فضفاضاً من قوس الحوض حتى القدمين . هبطت إلى حافة السرير مثنية ساقيها فانحسر الثوب واستبانت ربلة الساق اللدنة الممتلئة المضيئة . استكن يعب من بهجة طولها المكسور على السرير ، من الوادي المحصور بين قبتي النهدين العامرين ، من منبتيهما البائتين من حواشي الزيق ، من الرقبة الطويلة البيضاء المتماسكة تماسك نسيج مرمر . أبهره نحت التقاطيع بتناسقها البديع والمسكونة بظلال حزن مستديم يلوح في إيقاع البشرة وموج العينين البنيتين الواسعتين . ترسب في استكانته المستسلمة متطلعاً إلى لحظة انفضاض الصمت القاسي الذي استطال وثقلَّ . الصمت المحشود بحفيف جسده النائد المتأرجح في حواف هوة الغفوة المنسلة بهدوء إلى المسام والأجفان مما يجعله يجفل منتفضاً بين آونة وأخرى فاتحاً عينيه على اتساعهما مقاوماً رغبةً عارمة في النوم سرعان ما تعود فتسترخي الأجفان وتكاد تنطبق فيصبح تركيز نظراته عليها عملية عصية فيتشبح تكسرها الملاصق مسند السرير . لا يدري كم خلد في تهويمته النائدة ؟ ولا يدري أكانت سنة أخذته أم لا ؟ لكنه هزَّ رأسه مرةً بعنف طارداً أطراف النوم المسكرة وبحلق فيها كانت شاردةً تتكئ إلى أنبوبة المسند المطلية بلون الفضة وتغور في البعيد . فلَّ اشتباك ذراعيه المعقودتين حول ساقيه ونطق بصوتٍ وجلٍ مترددٍ : ــ من أنتِ ؟! ــ ... ــ قلت من أنتِ ؟! لم تغادر صمتها المستحكم فأقفل فمه محدقاً إلى جمودها المريب . ظلت قابعة في شرودها لدقائق معدودة قبل أن تنفصل عن مسند السرير معدلةً ميل جلستها لتصير في مواجهته تماماً . أرتد مبهوراً إلى الخلف قليلاً وذراعاها ترميان ضفيرتين طويلتين فاحمتين سمكيتين كانتا تلوذان خلف ظهرها . اهتز على إيقاع تأرجحهما القصير قبل أن تتكور نهايتيهما متكومة عند ملتقى الفخذين . بوغِتَ بإنهدال زيق الثوب الحالك وإطلالة النهد المشع بقبته المرصعة بنتوء الحلمة الداكن المنتصب الرامح والذي أحس بصلابته وتوتره من موضع جلسته في مركز الغرفة . أبهته لدانة ولمعان البشرة المشدودة وكأنها مطليةً بالزيت . رفعت ذراعها وأشارت له بالاقتراب . استند على ساعديه المختضتين وإستقام بعد عناء وخطا نحوها ببطء شديد وخطوٍ ناحل . سار مأخوذاً باستدارة النهد الكافر مستثاراً زائغ النظرات ، وعندما بلغها تكوم جوار قدميها ولف ذراعيه حول ساقيها دافناً وجهه بفحم الثوب الفضفاض . انحنت عليه واحتوت كتفيه المهدودين بكفيها . اقتحمته رائحة النهد العاري العبقة الفريدة وأحس بقدم الفتها المطبوعة في أعماق نفسه . أرمد تدفق العطر الأليف شهوته المتأججة ورماه إلى أمكنته القديمة في المدينة التي غادرها متتبعاً خطى هذي الأنثى البرية المكتظة بالأسرار . ذات الرائحة العابقة من ملابس الغائب المهجورة في الخزانة الخشبية القديمة ، من أفرشة السرير ، من بين كتبه وتخطيطاته ، الرائحة ذاتها التي خدرته في ظلال الجوامع وأغباش العصافير ، وفي عربة الإيفا العسكرية وهم ينقلوه إلى ساحة الإعدام من زنزانة التوقيف معصوب العينين مكبلاً بالحديد حيث تسربت له من جسدٍ لاصقه في زحمة الأجساد الهزيلة الزنخة لطول مكوثها في الزنازين المعتمة الرطبة السيئة التهوية ، لا يدري إلى الآن أكان ما جرى في ساحة كرة القدم حلم أم علم ؟! . الرائحة ذاتها التي تعذبه أيما أعذب عذاب حين تهاجمه بغتة وهو مارق جوار شجرة أو ساقية أو شخصٍ في زحام الأسواق والمحطات والقطارات أو وهو مستلقٍ في حفرة ملجأ بالجبهة . أحاطت رأسه براحتيها ورفعته برفق دافعةً إياه إلى الخلف فأضطر للتطلع نحوها ، أوقدت عينيها شهوته المرمدة وأبتدأ يعب عطراً أنثويا برياً ينث من أنحائها ويمتزج بعبق العطر القديم المنصب من تكويرة النهد الصلب النافر المحدق بدكنة حلمته الصغيرة المتوترة تحديقةً شرسةً أضرمت في عروقه شهوةً وحشية فتمنى لو تزيح الثوب عن النهد الأخر الخاتل خلف نسيج الثوب الناعم الضيق الخانق . أغرقته بحور الروائح الإنثوية المثيرة فمرغ جبهته وخديه وشفتيه بتكور الضفيرتين وبلدانة الفخذين الساخنين نائياً عن الإسئلة ذائباً بحلاوة أصابعها التي شرعت بالإندساس بين ما تبقى من خصلاته الخفيفة وراحت تداعب منابت الشعر مفردةً ممسدةً إنسراحها بحنان ، همست بخفوتٍ سمعه بالكاد : ــ ارفع رأسك .. ارفعه ودعني أراك . استنشق بعمق من الثوب المضمخ بروائح المسك والبخور ، من بقايا الحناء العابقة بالضفيرتين المنطويتين كحيتين سوداوين وادعتين قبل أن يعدل رأسه المسترخي لصق الفخذين الساخنين ويبحر في بن عينيها الرائق رائياً في بحريهما الصافيين تهدم قسماته التي شاخت لحظة بوحها : ــ أنا زوجة أخيك !!! إنفخر تمثالاً من طين رغم وضوح كلماتها التي حرصت على نطقها ببطء شديد وهدوء وكأنها أرادت تخفيف وقع الخبر لكنه ظل جامداً يبحلق في نحت القسمات ، استدارة الوجه ، ورد الخدين الناضجين ، جسر الأنف المتناسق الدقيق ، وساعة العينين الصافيتي البن ، الأجفان الطويلة الفاحمة ، الحاجبين الكثين ، اكتناز الشفتين المضرجتين المنتفضتين ، انسدال الضفيرتين السميكتين المؤطرتين عري النهد القافز من خلف القماش المزاح . أقبعه الذهول طويلاً يبحلق متصفحاً البشرة الغضة متخيلاً بصمات أصابع ورسم شفاه أخيه المطبوعة على تضاريس الجسد ويرّن في أنحاء شروده المذهول السؤال .. ما معنى هذا ؟!!! ما معناه ؟ أي زواجٍ خاطفٍ هذا ؟! فبين انقطاع أخباره وأخر لقاء لي معه في آ ذار 1980 أربعة أشهر فقط .. أيكون قد تزوج في اليوم التالي لفراقنا .. لكن كيف .. كيف ؟؟ وهو لم يخبرني عن شأنٍ كهذا قط ... لم يقل شيء ولم يشر إلى وجود امرأة في حياته بل كان الحديث مختلفاً في تلك الزاوية الخافتة الضوء في مقهى منعزل ببغداد ، أسمعني بخفوت أشعاراً وأراني تخطيطات وأباح بأشواقه المدمرة للأهل والأحباب قبل أن يقبلني ويعانقني أخر عناق .. فعن أي زواج تحكي هذه الفاتنة الغامضة ؟! . وفيما هو في لجة حيرته وذهوله اقتحمته الرائحة الأليفة مرةً أخرى بدفقٍ عارمٍ يهبُ من زيقها المفتوح ، من نعومة البشرة اللامعة ، من تداخل الضفائر واشتباكها ، من نحول أصابعها الطويلة الملقاة على جانبي كتفيه ، من قهوة عينيها المحزونتين ، من أفرشة ومنادر السرير ، من الجدران المعتمة ، ومن الصورة المؤطرة المطلة من الجدار البعيد وأشعره بألفة حميمةٍ أمحتْ المسافة بينه وبينها فاسترخى منمحقاً في ظلالها الوارفة وهي تحنو على جلسته وتمسح بأناملها الطويلة الرقيقة خصلات منزلقة على جبينه الناضح . ــ أصحيح ما تقولين ؟! سأل بنبرةٍ متهدجةٍ مختنقةٍ ولف ساعديه حول استدارة البطن الضامرة ، ذابت الأصابع أو كادت في سعير منخفض الخاصرة المضطرم أثناء مرورها المتأني في طريقها إلى مرآة الظهر ، وتخافتت الروح متأرجحةً على حافة نعاسٍ جديد . فرك جبهته بقاع الخاصرة النابضة واعتدل محدقاً من غور الحضن متصاغراً تحت شموخ القسمات وعينيها الرانيتين نحو الباب نصف الموارب والضوء المتسلل من مناور الباحة الصغيرة . ــ احك لي .. احك .. قالها بوسن وأراح جبهته المبلولة لصق حضنها الدافئ المسكر ينصت لنبض أحشائها الرتيب المنتفض تحت جبهته ، لهدير السكون الدوار ، لنبض قلبه الضعيف الأعزل . ينصت .. وينصت منتظراً يلامس بحدقتيه أشياء الحجرة من خلال الضفيرتين اللتين طفقتا بالتأرجح ذهاباً وإياباً فتحجبان تارةً وتظهران في أخرى أخاه المستيقظ في همود الورق المحبوس بأسياخ الإستيل الفضية الرفيعة والراني بعينين باسمتين ألقتين إلى جلستهما المبعثرة .. إلى تكومه بحضن المرأة النائدة بصمتٍ التي تحاول الشروع بالحديث لكنها تختنق متعثرة يتحشرج في ريقها الكلام فتزداد وتيرة نودها الرتيب وتتلوى مغالبةً إنهيارٍ وشيك . أستحثها بصمتٍ ضاغطاً براحته الخصر الضامر ضغطاتٍ متناوبة . انكفأت بناظريها المخضلين نحوه ، أمعنت به طويلا وتسللتْ أصابعها مندسةً تحت القميص ، وراحت تمسح كتفيه الناحلين قبل أن تتدفق بخفوتٍ ساكبةً من أعماقها ما كان خبيئا : ــ في هذي الغرفة قضينا أهنأ الأوقات . كانت ملجأنا الآمن في ليالي الرعب نتشبث في حلكتها ببعضنا هاجسين بفراق طويل قريب تحقق بمرور الأيام . في أيامه الأخيرة اضطر للبقاء محبوساً لأيام متتاليةٍ فأسعدني ذلك رغم الرعب واستفحال هاجس الخطر والفراق . كنت أستمتع حتى بالصمت قربه حيث يكتسي معانٍ مختلفةٍ . كنا نظل متلاصقين في السرير نعبث بأصابع بعضنا البعض ونبحر في السقف طويلا إلى أن تنبعث من روح الخشب القديم الحائل اللون كائنات مسالمة تتشكل طاردةً الريب مخففةً الوحشة ، تؤنسُ صمتنا بمصافحتها لإشجان ومخاوف عيوننا التائهة وأرواحنا اللائبة وتسفر بيّ إلى مسافة الحلم .. فأحلم طوال الوقت .. أحلم بمدينة مختلفةٍ آمنةٍ نائيةٍ أشيدها في خيالي من نثار حكايا جدتي .. من مدن الطفولة .. من مدن الكتب والأساطير .. أشيدها وأطير به إلى مناحيها لننزوي في طرفٍ قصي منها لنبني بيتاً من القش والطين على ضفة ساقية منسية ندفئه بأنفاسنا .. وهناك في البعيد .. هناك في مدن الأمان .. أطعمه خبزاً هنيا ، وأضمه ضماً ونياً وأذيقه مباهجي دون وجلٍ .. أعود من نشوة سفري ليكمدني مرآه المحزن .. أعود لأجده مرمداً تنوء قسماته بهموم الدنيا ، يرمقني بشرود كمن يلاحق ظلاً ينمحق بجدار أو شيئاً نائياً عصياً مستحيلا فيميت أطرافي اليأس اللائح في عينيه وسكون نظراته الساهية سكون نظرات محتضرٍ . أتمسك بكفيه الناحلين وأمرغ جبيني في راحتيهما الخشنتين متمنية لو أنسرب إلى أحشائه وأذوب بين ثناياها وأمكث هناك بقية العمر لأرى ما يراه وأحس ما يحسه وأواجه ذات المصير فقد كان جلّ خوفي أن يواجهه وحيدا . كان يصغي مظللاً بشموخ القسمات يستحضر استلقاءهما وتحديقهما المبهم بالسقف الذي يراه الآن قريباً كقلنسوةٍ ترتديها يزخر بكائنات الخشب الغامضة غريبة الأشكال الوديعة الودودة المتراقصة التي تظهر وتغيب في أغوار السقف وتأخذه إلى مسافات أحلامهما فيتلمس بأصابعه رطوبة جدران ذلك البيت الطيني المنعزل على ضفاف ساقية دافقة في مدن الحكايات والأحلام مرتحلاً عن صمتها المضطرب المغوّر قسماتها بأنينه المدوخ الرتيب إلى أن أرجعته غصةٍ مخنوقةٍ هبطت عليه من روح السقف المحيط ببدرها المحدودب على تكومه لصق ساقيها . وجدها تغالب عبراتٍ خانقاتٍ وتشهق شهقة لائبٍ ملسوع ، وما لبثت أن تماسكت كاتمةً أخر شهقةٍ زاحمت الكلام : ــ وتحققت مخاوفي ، في منتصف ليلة باردة ماطرة كنت وحيدةً في هذي الغرفة عندما سمعت طرقاً متواصلاً ملحاحاً لكنه شديد الخفوت . من إيقاع الأصابع ، من نغمها المرتبك لحظة عناقها خشب الباب حدست عودته كان قد طول في غيابه ، هرعت لأفتحهُ . طالعني بعينين زائغتي النظرات ووجه بالغ الشحوب . أول مرة أحس باهتزاز نظراته وارتباكها ، أول مرة أشعره بأنه غير واثقٍ من نفسه وماء عينيه الداكنتين هائجاً مضطربا يفتقد بريقه القوي . اندفع حال عبوره تلك العتبة التي تراها قبالتك إلى الارتماء إليَّ وعناقي عناقاً طويلاً عنيفاً ولبث وقتاً ليس بالقصير دافناً وجهه في عنقي ثم عصرني عصراً بين ذراعيه وكأنه يود أن يكسرني ويدلجني في جسده ، تناوشني القلق من كل المناحي عاصفاً بروحي المستريبة ، سألته بجزع ؛ ــ ماذا جرى لك يا حبيبي .. ماذا ؟ ــ ... 0 تراخت ذراعاه قليلاً وعاود شدي بأقصى ما يستطيع ، فلَّ خصري ومسكني من رمانتي كتفيّ ، أبعدني مسافةً تتيح له رؤيتي بوضوح ، وتأملني مليا قبل أن يرفع ذراعيه إلى ما فوق رأسي ويهبط بهما إلى شعري ويمسدهُ نازلاً إلى وجهي وجسدي . راح ينحتني بأصابعه الخشنة ماراً بأنحائي الراجفة كلها ، لم أزل أحس بطعم الأصابع المجنونة الفاركة بشرتي رغم مرور كل تلك السنين . اضطرمت .. التهبت .. اشتعلت .. ورغبته رغبةً جارفةً عارمةً يائسةً متوحشةً فأحطتهُ بذراعيَّ وحاولتُ سحبه إلى السرير . أبى الحراك وكأن قدميه إنغرستا بالبلاط وأصابعه مازالت تتطوى وتستقيم وتهبط وتصعد وتستدير وتنفرش عاجنةً جسدي معيدةً خلقه من جديد . أتمَّ صبيَّ فاستكان لهنيهة ثم انحنى وقبلني من شفتي قبلةً عنيفةً سريعةً وانسل من بين ذراعيَّ ليندفع إلى تلك الباحة التي تراها أمامك ويغيب دون أن يلتفت خلف ضلفة الباب المؤدية للفناء حيث الريح والمطر والظلام . وهكذا تبدد من بين ذراعي تلك الليلة أبداً .. تبدد وبددني ... بددني ... بـــــــــــــددنـ...نـــ.. 0 غصت في الحروف وانهمر فيضها غزيراً لم تعد راحتيها تكفي لكفكفته فتساقط مبللاً أطراف الضفيرتين واختلط بساخنه السائح نحو الفخذين المهتزين على رجّة النشيج المكتوم .. المتخافت .. المتلاشي في ضجيج الفراغ الساكن الدوار . أبعدته برفقٍ عن ساقيها وانزلقت من حافة السرير متوسدةً البلاط إلى جواره تبحث في ملامحه المتهدمة تحت وطأة البوح العاري عن شيءٍ ما . كان يستكين في عطرها الآسر يرقب اهتزاز النهد المتوثب العاري الذي عاد بجوار ذراعه اليسرى المنثنية على سطح السرير متتبعاً تخافت ذلك الارتجاج الناتج عن انزلاقها السريع مأخوذاً بالحكاية الغريبة ودنو الجسد الطافح بالأنوثة ، مصطبراً بمشقة يتشوف المزيد والمزيد من التفاصيل ، ترجاها وفي صوته اهتزاز : ــ احكي لي القصة كلها .. احكي أرجوك .. ــ أنها طويلة .. قصيرة .. ومضة عمر سطع وغاب ــ احكيها أرجوك .. وتناول كفيها بين شفتيه مغرقاً الأنامل الناعمة بزخة من القبل فيما شرعت هي في القول : ــ عماذا أحدثك ؟ الحكاية حكاية حياة وممات هذا الحي رأيتهُ مهجوراً .. عماذا ومن أين أبتدأ ؟ صمتت لهنيهة ثم استطردت : ــ سأحدثك عن البدايات . في الزمن السابق للحرب أواسط 1978 عندما كان الحي هذا عامراً استأجر كفاح هذه الحجرة من أهلي ، وفي ضحى نهارٍ قائظٍ رأيته في باحة الدار ، ألقى علينا السلام أثناء مروره دون أن يرفع عينيه عن الأرض ، لا أعرف ماذا ألمَّ بيَّ ؟! صرت أرتجف مثل محموم فأسرعتُ إلى غرفتي وما أن أغلقت الباب حتى شعرت بنفسي تغيرت .. وباختصار لم أعد ما كنته قبل رؤيته .. وقع بقلبي وانتهيت . وتوغلت في سرد التفاصيل ، نسيج حياة ، انتظارات ، نظرات ، رسائل غرام ، أسرار ، خوف من الأهل والناس ، مواعيد في أمكنة بعيدة ، أشجان ، عصافير ، بوح ، تسلل ليلي ، عصافير ، اختفاء عن الأنظار ، رعب من الشرطة في الليالي والشوارع ، طيور ، لقاءات متباعدة في الخفاء ، أعراس ومأتم ، غياب يطول ويقصر ، لقاءات مضطرمة بالرغبات الحبيسة ، خلوات في عتمة الغرفة محتشدة بالصمت واللمس والقبل ، سفر متكرر إلى مدن قريبة بصحبته حيث لا أحد يعرفه ، تسكع في حدائق كورنيش الحلة المحفوف بالبساتين ، افتضاح أمرهما ، زواج سري على عجل دون حفلة ، أفراح قصار ومآزق جمة ، إعتقالات وقتلى حرب ، جنود فارين ، وأمهات تلوب على أولادهنَّ المفقودين في الجبهات ، أرامل وأيتام ، حب معمد بالمخاوف والأشجان وفرح بعيد ، و.. .. و .. قيامة بشرٍ وفناؤهم . كان ينصت خدراً وهو ينود في جلسته يميناً وشمالاً يدنو منها حتى تكاد شفتاه تلامس الحلمة النافرة القاتمة الشاخصة من قبة النهد الذي ينتفض عند انفعالها بمفصلٍ من مفاصل الحكاية المكتظة بالمخاوف واللذائذ ، بالأفراح والأحزان ، بالقلق والأمان ، مستأنسا بحيواتها ومنتشياً بعبق الرائحة التي تضوع من الحكاية ، من السرير ، من الصدر العامر ، من تردد أنفاسها المسموعة في فاصل صمتٍ قصير ، من الشاخص بطلعته المطلة من الجدار ، ظل ينود وينود متأرجحاً على حافة النوم غير قادرٍ على طرد النعاس الطاغي إلى أن انكفأ لصق تكور النهد الصلب النافر الطري مائعاً في زبد البشرة اللدنة المتماسكة المسحورة .. لا يدري كم أغفى ؟ أيقظته أنامل تربت على خده برقة ، وجدها تمسحه بعينيها الحنونتين ، أراد أن يعود الى الغفوة لصق النهد .. أراد أن يهمد أبداً بالوضع ذاك فأطبق أجفانه ثانية ، سمعها تهمس : ــ انهض .. انهض لا وقت لدينا !!! ــ ... 0 فتح عينيه مستغرباً من كلامها عن الوقت وضيقه فليس لديه ما يشغله الآن سواها هي الباثة من مسامها عطر الغائب . ــ لم تسألني لماذا سعيت إليك .! باغته السؤال .. لِمَ لَمْ يخطر على بالي ؟! .. أي تشوش ذهني أعيشه هذه الأيام ! ومن أنساني هذا السؤال الجوهري ؟! .. من ؟ أهو جمالها المبهر ؟! .. أم قصتها العجيبة ؟! أم إرهاق أيام ما بعد الحرب ومصاعبها ؟ .. لا أدري ما حلَّ بيَّ وأصابني .. لا أدري ؟!. ــ ... 0 ــ أتعرف السبب ؟! ــ ...0 ــ ليست هي الوحدة فقد اعتدت عليها وأدمنها منذ إعدام أبي وأخوتي في أحداث آذار 1991 وموت أمي غماً بعد أسبوع ، بل هو هاجس مخيف يراودني ويكاد يذهب بعقلي . ازداد الأمر بهمة عليه . ــ لا أفهم عمَّ تتحدثين ! قالها غير راغبٍ في معرفة المزيد . كان يرغب فقط في المكوث دون تفكير لصق اللحم الغض العاري يستنشقُ ويعبُ من لذاذاته المبهرة ليروي شهواته البرية السحيقة الكامنة في روح اللحم الملامس لظلال الزغب المتلاشي على القبتين والمنحدر العميق المحصور بين النهدين الظاهر والمخفي . عبثت بخصلاته وانحنت إلى جبهته وقبلته . لف ذراعيه حولها متشبثاً عندما همَّتْ بالوقوف وحاول سحبها برفقٍ إلى صدره ، تزحزحت بين ذراعيه الواهنتين وهي تردد بهدوء : ــ اهدأ .. اهدأ .. حاول شدها مصلباً ذراعيه : ــ أرجوك .. دعيني في حضنك .. دعيني .. لا أريد معرفة شيئاً !!! تململت مكررةً : ــ إهدأ .. إهدأ .. لا وقتَ لدينا . ــ أرجوكِ .. أرجوكِ .. همس بلهجة منكسرةٍ متوسلةٍ لكنها أشارت إلى ساعة حجرية لم يلحظ وجودها إلا تلك اللحظة قائلة : ــ حان الموعد .. هيا بنا . كان يحدق بذهول إلى تركيب الساعة الحجرية المكعبة وعقاربها الرفيعة الأدكن لوناً من سطح مينائها المنحوت بعلو مترٍ فقط عن بلاط الحجرة وشهوته تتخافت لتستحيل رمادا . ــ هيا .. هيا بنا ، فأنتَ وحدك من سيبصرني ويجعلني أجنْ أو أستريح !!! إنحلت ذراعاه فشبت من بينهما ناهضةً : ــ الى أين تريدين ؟ ــ سترى بعد قليل !!! ردت وهي ترتب وضعها ، أسدلت الثوب على النهد وأحكمت شدّ شيلتها السوداء التي كانت تستلقي على كتفيها ، وانثنت لتتناول العباءة المكومة عند أقدام السرير . ــ انهض .. انهض .. مالي أراك جامداً !!! نهض معتمداً على مرفقيه على سطح السرير كمن يعاني من وَهنِ سقيم ، تمايل مختلاً في انتصابه والغرفة تميل به وتدور ، اتكأ سانداً ظهره بحاجز السرير الجانبي المشبك متتبعاً خطوها المتطوح المبتعد نحو خزانة خشبية طويلة مركونة في الزاوية . نهضت مرتكزةً على مشط قدميها لتطول قماشةً مطويةً تلوح من سطح الخزانة العالي ، هوتْ بها مستقرةً على كامل القدمين ، مسكتها من طرفها ونكثتها فانسدلت تتأرجح بأشجارها المورقة المثقلة بالثمار ، فرشتها جوار الخزانة وسوت أطرافها ، سحبت أكره الضلفة البلورية فأزّت الباب أزيزاً رفيعاً كصراخ راح يتردد صداه ويتخافت متلاشياً في السكون ، ومن باطن الخزانة انبعث فوح رائحة طرية انتشرت بأرجاء الحجرة ، استخرجت من حلكة الأدراج حزماً من الخبز أشعره مرآها بالرغبة بالزاد ، وضعتها وسط القماشة ورّدت عليها أطرافها رافعةً بصرها ناحيته ودعته للاقتراب لحمل صرَّةْ الخبز . قطع المسافة بين السرير والخزانة وعيناه لا تفرقان انعطاف سيرها إلى الزاوية الأخرى الأكثر عتمةً لتتنكب جرَّة فخاريةً كبيرةً ينضح من قعرها الماء وتقول بصوتٍ حازم رصين : ــ هلّمَ بنا ! لم يسألها هذه المرة إلى أين ؟ بل انصاع خلفها . لم تتجه نحو الباب المفضي إلى الباحة الصغيرة ذات المناور والشموس والتي كان يتخيل ويتوق إلى اجتيازها ورؤية الطارمة القديمة المرتفعة وإطلالتها على الفناء الفسيح بسلالمه المنخورة الخشب وغرفه المرتبة لصق السور الدائري وأوانيه المنحوتة المتآكلة من الكعوب والأعناق والبطون ، وآجر الحيطان المفتت والسدرة المعمرة المجرّحة وحوض الماء بحنفيته الصدئة بل انعطفت إلى الزاوية المعاكسة قاصدة الباب البني الخفيض القائم جوار السرير المعدني .اقتفى بأثرها واضطر لإحناء قامته كي يلج خلل الباب الحجري الخفيض القائم جوار السرير . عند اجتيازه العتبة لفحه تيار بارد رطب يصعد من قعر ظلمة صافية احتوته مضيعةً بصره فلبث ممحوقاً بأحشائها ينصت لوشيش السكون الدافق إلى أن أصبح قادراً على تمييز الأشياء . وجد نفسه واقفاً في فسحةٍ صغيرةٍ تنتهي بسلالم حجرية تهبط إلى سحيق الظلمات ، تلفت وجلاً فرآها تنفصل من سكون الظلام كتلة متحركة نابضة لتصبح جواره تماماً هادئةً متماسكةً متزنةً ، سعى بأصابعه وتشبث بكفها مستنجداً من وحشة المكان وهمود السلالم الهابطة التي بدأت تستنير بظلال لون أغبشَ شديد الخفوت يتسلل من فتحات سقف حجري مثقب هشٍ مرطوب ينث بين الفينة والفنية حطام أحشائه الناعمة فيطب نثيث الآجر طباً مكتوما سرعان ما يضيع في أمواه السكون . في أعلى الجدارين المنحدرين حول انحدار السلالم وقرب السقف الهابط تركض ساعات جداريه من الحجر مختلفة الأشكال والأحجام منحدرة إلى سحيق الأعماق بموانئها المتآكلة وعقاربها المتثلمة وأرقامها المنحوتة بلغاتٍ عديدة مسمارية وأكدية وعربية وعبرية وفارسية ويونانية . أرقام متآكلة من الحواف والقلوب ، بعضها فقد ركائزه وتقوساته فأصبح غير ذي دلالة والصغير منها ضاع تحت ركام أغبره السنين . مسكته الوحشة وطوح بأنحائه الريب . أراد أن يعود من حيث أتى فاستدار على عقبيه ، لم يكن ثمة باب أو أثر باب . ليس غير جدار صلد قاس قديم يتفرسه بعيون أحجاره الفحمية . استخرجته من ذهوله بسحبه نحوها ، التصق بجنبها الساخن فسرى نبضها الرتيب متسللاً إلى عروقه جالباً معه شيئاً من السكينة . أسرتْ بإذنه وكأنها تخشى جرح السكون : ــ لا تخف .. لا تخف .. أين الخبز ؟ أجاب بنبرةٍ مخلوسةٍ : ــ هذا . مشيراً إلى القماشة المعلقة على كتفه . ــ تمسك بكفي جيداً . شبكت أصابعه بين أصابعها وراحت تشد وتشد دون أن تفلح بتسكين ارتعاشها . ظلت تتلجلج بين أصابعها فترة وهما ينزلان بحذرٍ وأناة على السلالم الحجرية العالية يطليهما النور الأغبش المنعكس من صف الساعات المنزلقة الزاحفة إلى السقف الذي تدور عند حافتيه المتصلتين بالجدارين الجانبين مكونةً شبه اسطوانة مجوفة تنغرز بشكلٍ مائل بجوف الظلام ، تعفرا برذاذ الآجر المتساقط من بشرة السقف . لا يدري كم من الوقت ظلا ينحدران في جوف الاسطوانة السحيق . خيل إليه أحياناً إنه يهبط على سلم أبدي يمتد من بدء الخليقة إلى لا منتهاها . انسراح خدر في رواق الفضة الكابية جعله يهوم نعساً في سيره الوئيد سامعاً في خرس السكون أصوات مبهمة ، لغط ، حفيف أثواب نسائية شفافة تمرق لافحة وجهه بنسمات متقطعات ، بسملة خافتة ، همس محبين ، وأسفر في البعيد يجوب في أمكنة طالما حلم بها وتخيلها في طفولته المضطربة حينما كان يلجأ بفيء الجدران العالية في ظهاري الصيف القائضة ، بظلال النخيل المتشابك في البساتين ، في علوة يوسف قجمان اليهودي قبالة دكان أبيه النجار حيث كان ينسل دافنا نصف جسده في أكداس الحنطة يحلم في مدن بعيدة يبنيها من قصص الكتب وأفلام السينما ، مدن آمنة تضمه من عصى المعلم وكف عمه وأبيه ، يحلم وهو يراقب أسراب العصافير ووطاويط سقف المخازن المفتوحة ، جاب أمكنة خالية ، ضفاف أنهار ، فيء أسواق مسقوفة وقت القيلولة وانقطاع الحركة ، قاعة جامع بعد انفضاض جمع المصلين ، ممرات مدارس بعد انصراف التلاميذ ، ظل يحلم في نصف إغفاءته وهما يغوران جنباً إلى جنبٍ في أحشاء الاسطوانة المنزلقة في مغاور الحلكة إلى أن بان في القعر البعيد .. البعيد ذرة ضوء مثل جمرة ذاوية تلوح وتغيب ، تحولت لاحقاً إلى خيطٍ رهيف جعل يمتلئ متخذاً شكل مستطيل ضيق راح يباعد ضلعي الطول مقوساً ضلعه الأعلى ومقعراً الأسفل ليتخذ شكل فتحة تَسرِبُ نوراً أحمرَ خافتاً يستلقي عند فسحة ضيقة تنتهي إليها السلالم . اندفع يريد الإسراع ، تمسكت بكفه وضغطتها بتناوب جعله يحجم عن الانطلاق ويعاود السير سيراً متمهلاً مرهفاً السمع للغطٍ يأتي من القعر الذي أصبح قريباً لا يفصلهما عنه إلا درجاتٍ معدودة . لغط موصول مثل طنين يهدر بخفوت تطفو على مجراه آهات وصرخات وشهقات وحشرجات تلتف وتدور مارةً بهما ومتحلزنةً في تسلقها السلالم الحجرية التي تبدو للناظر من الأسفل لانهاية لها . انغمرا في فسحة بئر السلم بالجمر الممزوج بالرصاص . أصبح بمقدورهما مدَّ البصر في جوف الفتحة المنارة بالجمر المترمد والممتدة ممراً طويلاً يبدأ ضيقاً من فم السلم ليتسع شيئاً فشيئا . ولجا خلل الفتحة وسارا في الممر يتعثران بحفر البلاط المموهة بالأغبرة ورماد الضوء المعتم ، ويتلقيان على رأسهيما فتات الجص المتساقط من السقف الأخذ بالارتفاع ارتفاعا يتناسب مع ابتعاد الجدارين عن بعضهما . كان يرمقها وجلاً بين الفينة والفينة فيجدها هادئةً رصينةً حزينةً تنقل خطوها العارف برهاوة وصمت . ارتج مرتعداً على صرخة مباغتة انطلقت من مكانٍ قريب سرعان ما تلاشت في رتابة أنين خافت ممدود يتصاعد كلما أوغلا مخففاً من وقع خطواتهما التي ما لبثت أن ضاعت تماماً في هدير بحر الأنين المدوخ الذي اضطرم واشتد مع انفتاح الممر وتحوله إلى باحةٍ شاهقة الجدران غارقة بأدخنة وأغبرة ملونة تسبح بمخاريط ضوء قمرية وشمسية تهبط من السقف العالي وتسقط على أرض الباحة البيضوية والأواوين المحفورة في الجدارين المتباعدين ، وعلى أكوام التراب والآجر المكسر والخرق البالية وحطام الأواني الفخارية المتناثر بين نافورات حجرية معطلة وأحواض مثلومة الأسيجة مكسورة الحنفيات ودكك أسمنتية متقابلة موزعة في أرجاء الصحن . التمَّ فزعاً من طائر أسود الجناحين شق فضاء الباحة المدّخن في لحظة خاطفة وغاب في كوة معتمة محصورة بين السقف والجدران . ابتدأت أنفاسه تضيق برائحة العفن والرطوبة والأغبرة الخانقة . دلفا في أول منعطفٍ أفضى إلى ممرٍ اصطفت إلى جانبيه غرف صغيرة متقابلة واطئة السقوف ترتجف جدرانها المسخمة باهتزاز ذبالات فوانيس خافتة موضوعة على أرفف مثبتة وسط الجدران . في خفوت الضوء الموهن تلامحت له كتلة دامسة تزحزحت مقتربة . استبانت بوضوح لحظة خروجها من ظل الفانوس المعتم مما جعله يطلق آهة مسموعةً والكتلة البشرية المكومة داخل أسمالها البالية تحرك ما تبقى من ذراعيها المقطوعين ، وتسعى زاحفةً نحوهما حاسرة الثوب السمل عن القدم المبتورة الأصابع ، معدلة من وضع رأسها بشكلٍ جانبي كي تستطيع النظر بالعين السليمة قبل أن تمد رقبتها فاغرة الفم تلهث منتظرةً . أمرته بهدوء : ــ أطعمه . أخرج رغيفاً من الصرة ، قطعه وذراً صغيرةً راح يلقيها بالفم المفتوح وذرةً بعد وذرة فيلوكها بصمتٍ ولعابه يسيل محدقاً نحوه بعينه الوحيدة المحفورة بالرعب . دارا في الغرف المتقابلة المتبقية في الممر يطعمان ويسقيان بشرٍ محشورين في زواياها ، رجال ونساء ، صبايا ويافعين ، شبان وشابات فاقدي الأذرع أو الأقدام ، مجدوعي الأنوف ، مقلعوي الألسنة ، مصلومي الأذان ، مسمولي العيون ، مبتوتي الأصابع ، محروقي الأطراف ، موشومي الجباه بعلامات فارقة . كانت تسقيهم ماءً بارداً تسكبه من عنق جرة الفخار في طاسة فضية مباشرة بعد أن يأتون على الرغيف . جابا في مجاهل ممرات وغرف وأواوين تلاحقهم صرخات إستغاثة ، صرخات ألم ، صرخات نسوة يعانينَّ مخاضاً ، صرخات تنبثق من بحور الأنين المستديم المتردد في جحور معتمة مرطوبة عفنة مهجورة يلطون في زواياها بشر شوهوا يساكنون هوام الأرض وحيوانات الظلام من عناكب ونمل ودود وخفافيش تخرق برفيفها الموحش أمواه الأنين المدوخ . انتابه إعياء شديد فتلكأ في سيره المتعثر ، سمعها تسأل : ــ أأصابكَ تعب ؟! أومأ برأسه موافقاً . عند دكة حجرية تنتأ من أقدام عمود يرفع حنية سقف من سقوف باحة مزخرفة الجدران ببقايا نقوش قديمة قالت بخفوت : ــ لنسترحْ قليلا في انتظارهم !!! أراح ظهره إلى متانة العمود مقطع الأنفاس غير راغبٍ بسؤالها وفيما هو يعبّ نفساً عميقاً بُوغِتَ بضجةٍ تصدر من تحت البلاط قرب قدميه حيث أُزيحت بلاطاتٍ دائريةٍ موزعةٍ على مسافاتٍ متساوية كاشفةً عن فجوات عميقة تدفق من أحشائها الحالكة بشر أنصاف عراة منخوري البشرات وكأن تيزاباً أُلقيَّ على جلودهم . أخذه الهلع واشتد عليه ، طفق يرتعش وتزحزح نحوها رامقاً بذعر الصفوف التي انتظمت بالجالسين قدام دكاتهم ، الشاخصين نحوهم بعيونٍ مطفأة تنتظر الخبز والماء . أُ طعموا ... وسقوا . فتزاحموا وهم يدلفون إلى الفجوات المعتمة النازلة إلى أحشاء الأرض ، التفت نحوها وحدق فيها طويلاً مشلولاً مبهوتاً من هؤلاء البشر المشوهين القاطنين في هذه الأمكنة القديمة المدفونة في أعماق الأرض السحيقة ، قالت بهدوء : ــ أشعر بالجوع .. وأنت ؟ ــ ليس لدي رغبة في الزاد لكني عطشان . أطعمها رغيفاً وسقته ماء باردا شعر به ينزل في جوفه زلالا ، تراخى منسرحاً حتى لامس رأسه سطح الدكة وما لبث أن سقط بجوف غفوة عميقة لكنها لم تستمر طويلا إذ ه بَّ مذعوراً على صراخات جوفاء تقشعر لها الأبدان وهذيانات تتوسل أشباح الروح يطلقها كائن شائه يفترش دكة في الطرف المقابل مناراً بموشور ضوءٍ قمري مغبر كالح . ــ بريء .. بــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــريء يء يء يء يء يء يء ورب الســـــــــــــــــمــــــــــــاوات بـــــــــــريء يء يء يء يء ــ بريء ورب الكعبة .. ــ لـــــــــــــــم أفــــــــــــــــعـــــــــــــــــل شــــــــــــــيـــــــــــئـــــــــــــاً وحق الحســـــــــــين والعبــاس .. ــ لا ... لا ... أبوس رجليكم .. أبوس قنادركم .... لا ..أخ.. أخ .. ليش .. ليش .. راح أموت اختنقت.. مو بشر أني مثلكم .. مو بشر .. وتلوى مصروعاً كمن يتلقى في تلك اللحظة ضربات موجعة يمسك بطنه تارة ، ظهره في أخرى ، ساقيه وخصيتيه في ثالثة لينكب بعد ذلك مغرقاً قدمي تمثالٍ بشري متجهم القسمات منحوت في صخر الجدار أعلى دكته ناشداً أدعية تتضرع للحجر وتتوسله كي يجد للروح خلاصاً أو يضمها بين دفتي صمته الأبدي . كان حملق باللائب يستلقي هالكاً من التعب يلهث ويفرك جبهته المتفصدة بأصابع الحجر بصمتٍ لم يدم غير ثوانٍ معدودات اندرست بضجيجٍ داوٍ ، رجال ونساء شيوخ وأطفال شبان وشابات يقلدون أصوات حيوانات وقطارات وطائرات حربية منقضة وسيارات إسعاف ، صياح ديكة ، عواء ذئاب ، نباح كلاب ، مواء قطط وعفاط ، زئير أسود وضراط ، تنبجس من بينها آهات لذة وغزل بذيء ، شتائم ولعنات . ــ قم .. هلم بنا . ــ ... ــ هيا تحرك .. أمامنا الكثير ! قادته من ذراعه إلى أنحاء جديدة ينفذان إليها خلل كوى وشقوق وأبواب تنفتح في الجدران ويصعدان إليها بسلالم وينزلان ، مرا بنساء يفركنَّ عوراتهنَّ بأطراف أصابعهنَّ المرتعشة ، برجال يغرزون قضبانهم المنتصبة في خرق مفروشة ومرتبة على هيئة أجساد أنثوية ، بصبايا وصبية يمارسون الحب أمام الأنظار ، بأطفال معتوهين يتشبثون بأذيال تماثيل الحيطان والدكك والأعمدة ، برجالٍ ونسوة منهمكين في الصلاة والدعاء مفترشين سجادات بالية رثة يرددون الآيات غير آبهين بالضجيج . في تداخل الغرف والباحات . في متاهاتها العويصة تَعَرَّفَ على عشرات الوجوه رغم تشوهاتها البليغة ، معارف ، أصدقاء ، جيران ، أقرباء ، زملاء ورفاق اختفوا في ظروفٍ غامضة من الحارات والمعسكرات ، أماكن العمل والبارات ، غرف النوم والمحطات في المدن الكبيرة والقرى ، وجوه أصدقاء حميمين ضاعت أخبارهم في الجبهات والمعتقلات ، وجوه ثوار عاشرهم في الجبل لفترةٍ وجيزةٍ .. وجوه كانت جميلة حبيبة .. وجوه .. وجوه جعلته يندفع راكضاً نحوها يبغي ضمها وتقبيلها لكنها دفعته بخشونة وتطافرت إلى الزوايا والدكك والسلالم وفتحات البلاط وهي ترمقه باستنكار صارخةً صراخاً داوياً أملس فتراجع وجلاً ليحتمي خلف جسدها مخذولاً خائباً هامساً : ــ من أين قدموا ؟! ــ اهدأ .. اهدأ .. مالك ترتعد هكذا ؟! ــ اخبريني .. اخبريني .. يرددها مختضاً من وحشة وجوه معارف أنكرته ونفرته ممعناً في الالتصاق بجسدها من الخلف . انسلت من بين ذراعيه واستدارت نحوه : ــ قلت لك هدأ روعك .. هدأه كي أستطيع إخبارك !!! أَطبق أجفانه وعبَّ أنفاساً متلاحقةً من الهواء الفاسد مجاهداً للسيطرة على الرعشة الجائبة مناحي الأعضاء . ــ هيا .. هيا .. تكلمي .. من أين .. وكيف .. ؟!!! أخذته إلى دكة إسمنتية قريبة ، أجلسته وتكومت قرب قدميه مستندةً بكوعيها على ركبتيه وقالت : ــ من كل مناحي الجحيم قدموا .. من كل الأصقاع ، سجناء نجوا من أقبية سرية بعد عشرات السنين من القبوع فيها بمحض صدفة حينما قصفت طائرات الأعداء أبنية السجون محطمة الأبواب والجدران في الحرب الأخيرة ، سياسيون شرفاء وأنذال اختفت أثارهم منذ سنوات واطلقوا فاقدين الذاكرة ، مجرمون ، سراق ، جنود هاربون من الجبهات جدعت أنوفهم ، قطعتْ أكفهم ، وشمت جباههم ، صُلِمَتْ آذانهم عقاباً لهم فهجروا بشر الأعالي ، عاهرات أرعبتهن الشيخوخة ، نساء معتوهات ، أرامل قتلى الحروب والسجون أصبن بلوثة ، نساء أصبن بعاهات مستديمة ، معوقو حرب فقدوا الأهل والأصحاب حينما اقتتل الناس مع بعضهم ومع الحكومة في آذار 1991 ، بشر مشوهون من شتى الأجناس والطوائف لا أهل لهم ولا سكن ، عرب وأكراد ، تركمان وأشوريون ، صابئة مندائيون ومسيحيون ، يهود ويزيديون ، سنة وشيعة ، فُرس وأتراك ، بشر من أرجاء المعمورة يخافون الضوء والسماء وبشر الأعالي .. وذلك لا يحتاج إلى شرحٍ يا صاحبي .. أليس كذلك ؟ ــ ... 0 ــ هيا بنا . ودَّ لو يهرب من كل شيء فقال : ــ لنخرج من هذا المكان !!! ارتاب من صمتها الماحق . ــ لماذا تسكتين ؟ كانت تنهض وتعدل شيلتها وثوبها المغبر . ــ من أين المخرج ؟ أَتمت تسوية هندامها وكأنها لم تسمع سؤاله مما سعرَّ غضبه : ــ قلت أريد الخروج .. حدجت به بعينين من الحجر الصلد : ــ عن أي مخرج تسأل عنه .. أي مخرج ؟! ــ اختنقت .. اختنقت .. أريد شمَّ الهواء .. الهواء . ــ إشــــشــــش .. اخفض صوتك .. ــ إلى أين تريدين بيَّ ؟ .. أَلا يكفي ما رأيته من هولٍ ؟! قال ذلك بصوت خفيض ودود . ــ اسكت .. واتبعني . ــ لكن .. إلى أين يا أيتها العزيزة .. إلى أين ؟! أصبحت نبرته ضعيفةً متضرعةً مستسلمةً . ــ تعال .. تعال .. كي أستوثق أو أخلص من هاجسي .!!!. ــ ما الأمر .. ما الأمر ؟ افصحي أرجوك . ــ هيا قم وسنخلص بعد لحظات . أنهضته واقتادته من ذراعه المستسلمة ، ولجت به في ممرٍ حلزوني طويلٍ شديد العتمة ترتفع درجاته الكلسية المغبرة الواسعة متدرجةً تدرجاً طفيفاً لا يكاد يحس به المرء . استدار الممر متطوياً دورة واسعة شبه كاملة قبل أن تنحدر درجاته انحدارا خفيفاً . مع توغلهما في جوف الممر المحلزن تخافت الأنين واللغط إلى أن تلاشى مندملاً في السكون المطبق حينما ولجا قاعة فسيحة سقوفها العالية مرفوعة بأعمدة متينة متقابلة على امتداد طولها البعيد . القاعة مغبرة مضاءة بنيونات فجرية خافتة تنبث من مشاكٍ مدفونة في أعالي وأسافل الجدران . قطعت مسافة وانعطفت به نحو باب خفيض يلوذ في مدخل مموه . دفعته بأناة فأزَّ بصخب تردد صداه في الصمت المستحكم بالجدران المكسية بالمرمر ، ومن بين تدوير الأعمدة المزخرفة نفذا خلله ليحتويهما باطن ممرٍ طويل مغبش الزرقة يتسلل نوره المعتم من ثقوب في جداريه وأخرى في السقف ليسقط فاضحاً صمت منحوتات جدرانه العالية ، أجساد خيول جافلة راكضة وديعة ، كلاب صيد ، صقور منقضة على فرائسها ، اسود مضطجعة ، رجال عراة يصيدون بالقوس والنشاب غزلاناً شاردةً في تيه براري الحجر السرمدية المؤطرة الحواف بوجوه بشرية صارمة النظرات ترمق خطوهم الوئيد بتحديقة أبدية من عيون جاحظة تخترق غبار الأزمنة . أجفله بريق عيون الحجر العارف فتشبث بأصابعها تشبث غريق إلى أن اجتازا أخر وجه ينام في صمت تخميس الجدران ليدخلا مصب اسطوانة ضوء باهر يسقط من تجويف في السقف الخفيض . صبيب ضوء يعشي العيون وكأنه عين الشمس يتدفق غاسلاً أثار العتمات الرطبات وأغبرتها . مكثا في أمواه النور هنيهة ، كان يود لو يبقى في فيضه المندلق لكنها جرته بعناء من مسافة الضوء الفوار المخدر ودلجت به في عتمة حجرة كالحة . احتجبت رؤيته بآلاف الذرات الفضية المتراقصة المقتربة المبتعدة المتكتلة المتفرقة المطفأة المتولدة ، ثبت بمكانه إلى أن تراءت من باطن العتمة المرصعة ببقايا الشذر المتراقص أشياء الحجرة تظهر وتغيب حوافها المعانية من مخاضٍ عسير كي تنزع كتلتها من جدار الحلكة . ذابت كسر الضوء مختفية في فضاء الحجرة فاتضحت لعينيه الرؤية ، دكة إسمنتية بقد طول الإنسان وعرضه احتلت وسط الحجرة ذكرته بدكة غسل الموتى ، عارية مبلولة تكومت حولها أسمال بالية ممزقة وكتل أشياء مبهمة بدت أدكن من العتمة الخفيفة . هاجمته وحشة قاحلة ماحقة فتلفت مضطرباً يفتش عن المرأة التي تبخرت ، وحيداً يقف مؤطراً بعوارض الباب الخشبي المردود يرمق في حيرته خواء الحجرة وجدرانها الملساء وسقفها العالي ، وحيداً مستوحشاً يرغب في النكوص على عقبيه لكنه مغروس جوار العتبة ينتظر .. ينتظر .. وينتظر مالا يدريه . ودفعة واحدةً هبت عليه فأنتابه دوار وتمايل مترنحاً كسكران ، رجع خطوة إلى الوراء وتمسك بعضادتي الباب البارزتين غارقاً بصبيب الرائحة الأليفة المدفونة بأغوار النفس والعابقة بأرجاء الحجرة . الرائحة التي شمها في عربة الإيقا العسكرية المتوجهة إلى ساحة الإعدام في ذلك الغبش القديم الحزين ، رائحة السرير الذي ترتبه أمه كل مساء بانتظار الغائب ، الرائحة الفائحة من نهد المرأة العاري والسرير في الغرفة المرتبة التي هبطوا من بابها الحجري إلى هذه الأمكنة . اضطرب وتعالى وجيب قلبه ضاجاً في فداحة السكون وأظلمت الدنيا وكأنه فقد البصر : ــ ما معنى هذا يا رب الكون ؟ .. ما معنى هذا يا رب الأمكنة المهجورة المندرسة المدفونة في الأعماق .. ما معنى هذا .. مامعناه ؟! تماسك معاوداً الحملقة في الأشياء التي شرعت بنفض عتمتها فأبصر كتلةً متكورةً تلطو في الزاوية المقابلة لصق الجدار ، تحسس ما تبقى من الخبز في الصّرة المعلقة تحت الإبط وخطا باتجاهها ، أمعنت الكتلة في تكورها ، استخرج رغيفاً أثناء اقترابه الوجل ، إلتمتْ الكتلة متطويةً تطوياً شديداً وهي تسحب بكفين مبتوري الأصابع أطراف الرداء الخرق . أصبح باستطاعته تشخيص التقاطيع ، أنف مجدوع ، بشرة محفرة بآثار حروق قديمة ، باغته الدوار ثانيةً قادماً مع خفقة قوية من الرائحة الأليفة هبت من جهتها فترنح متمايلاً قبل أن يستعيد توازنه ويتقدم بخطىً مضطربةً ، تحركت الكتلة المتكورة مرتكزةً على أربع فتمكن من رؤية الساقين مقطوعتي القدمين ، خفقة أخرى من العطر القديم دفعته إلى الإسراع نحوها، حَبَتْ الكتلة محاولة التملص مدليةً رأسها جانبياً ، مما سمح له ملاحظة عينها اليمنى المسمولة ، شعر بالمرأة واقفةً إلى جواره وهي تنادي برقة على الكتلة المفزوعة التي همّتْ في الاستدارة نحوهما حال سماعها النبرة الخافتة . ومن بروكها المستدير نصف استدارة حدقت بالعين السليمة الواسعة السوداء . جمده بريقها القديم وطوحت به الرائحة المتدفقة طوفاناً من بقاياه الحابية في تيه الأمكنة المهجورة فصرخ صرخةً مدويةً ملساء وتناثر هباءً على البلاط في المسافة الضيقة المحصورة بين وقفتها وبـروكـه . |