|
ريما
المسمار
هل هذا زمنٍ ميال الى فتح الصفحات المطوية ونبش القبور وتشريع النقاش
على الصراعات؟ لعله كذلك. ففي مطلع العام الحالي، أبصر النور فيلم
الماني في عنوان "السقوط" Downfall للمخرج اوليفر هيرشبيغل، يتناول
الايام العشرة الأخيرة في حياة أدولف هتلر. وللعلم، هو الفيلم الالماني
الاول الذي يتناول حقبة النازية منذ شريط بابست "الفصل الأخير"
The
Last Act العام 1956. ولكن الحدث لم ينحصر في خدش السينمائي الالماني
للتابو غير المعلن الذي التصق بمرحلة النازية لاسيما خلال الستينات
والسبعينات وغذته حركة عالمية اميركية تحديداً اشتغلت على تكريس
الشعور الذنب في نفوس الشعب الالماني تجاه ما اقترفه هتلر باليهود. ففي
اواخر السبعينات ايضاً، عُرضت السلسلة الاميركية Holocaust التي قدمت
في نيف وتسع ساعات معاناة اليهود قبل الحرب العالمية الثانية وابانها
في اطار قصصي درامي، ترك اثراً نفسياً كبيراً. اذاً، فقد تعدى Downfall
إنجازه الاول بكسر تابو هتلر والنازية ليتحول الفيلم الالماني الاول عن
هتلر يُعرض عالمياً بل وينال ترشيح اوسكار لأفضل فيلم أجنبي. لم يتوقع
أحد بالطبع فوز الفيلم او ممثله الكبير برونو غانز
(من اصل سويسري) في دور هتلر بجائزة. ولكن فكرة ترشيحه كانت في حد
ذاتها تنبىء بشيءٍ من التفكيك للمعضلة المتجذرة في ما يخص مناقشة
النازية بعيداً من عبء الذنب والادانة. خارج المانيا، ظهرت افلام عدة
عن هتلر وسنوات حكمه وعن الحرب العالمية الثانية من بينها اثنان تناولا
الايام العشرة الأخيرة في حياته: البريطانيالايطالي Hitler: The Last
Ten Days (إخراج اينيو دو كونسيني1973) مع أليك غينيس في شخصية هتلر
وThe Bunker (جورج شايفر، 1981) الذي أُنجز للتلفزيون وحاز عنه انتوني
هوبكنز جائزة "إيمي" لتجسيده دور هتلر. ولكن يمكن القول ان عملين آخرين
مهدا الطريق في شكل ما لفيلم هيرشبيغل: "هتلر: صعود الشر" Hitler: The
Rise of an Evil و"العم أدولف" Uncle Adolf. كلا الفيلمين بريطاني
وكلاهما أُنتج للتلفزيون. أخرج الاول كريستيان دوغواي العام 2003
وتناول طفولة هتلر وصعوده مع روبرت مارلايل في الدور الرئيسي. اما
الثاني فأخرجه نيكولاس رينتن ولعب بطولته كين سكوت ويروي حكاية عشقه
لابنة أخته او أخيه التي أدت في نهاية المطاف الى انتحارها. كلا
الفيلمين يتناول هتلر بنظرة من الداخل وربما لذلك اعتُبرا محاولة اولية
لأنسنته.

لم ينجُ هيرشبيغل من الهجوم والنقد على ما اسماه بعضهم "الصورة
الانسانية" التي يقدمها لهتلر. ليست مصادفة ان يكون اوليفر ستون قد
واجه موقفاً مشابهاً قبل عامين عندما أنجز فيلمه الوثائقي Commandante
عن فيديل كاسترو. لعل المفارقة تلخصها تروديل يونغ (سكرتيرة هتلر
الخاصة وصاحبة أحد الكتابين اللذين استند الفيلم اليهما) عندما تقول
لصديقته ولاحقاً زوجته إيفا براون انه، اي هتلر، "شخص يمكن ان يكون
حنوناً في داخله ولكنه يتفوه بأشياء قاسية." بكلام آخر، تتمثل المعضلة
في ان الأخير انسان وانه قادر على إظهار انسانيته أحياناً. فكيف يمكن
ان تتجاور الانسانية مع كل تلك الوحشية؟ انها المفارقة التي تجعلنا نقف
مذهولين امام العنف. فإذا سلمنا بأن هتلر او سواه ليس انساناً، فلعل
ذلك سيخفف من وقع افعاله. انها حقيقته الانسانية التي تثقل من وقع
إجرامه. ربما لذلك تسقط من الأذهان إحياءات سينمائية كثيرة لشخصيات
تاريخية يغلب عليها طابع التقديس المطلق او اللاأنسنة المطلقة.
كاريكاتور
ليس عبثاً اختيار المخرج افتتاح فيلمه بذلك المشهد الذي تدور أحداثه في
منتصف ليل من العام 1942. إذ من خلاله يؤكد انطلاقه من القيمة
الانسانية لبناء صورة لهتلر أشد وقعاً وتأثيراً من اي كاريكاتور متطرف.
فعندما يستقبل مجموعة من الفتيات تمهيداً لاختيار إحداهن لوظيفة
سكرتيرة خاصة، يُظهر ملامح ابوية صادقة وتسامحاً ليس من شيمه. في
المشهد عينه، يلاعب كلبته برقة تبعث على التساؤل الاول حول التناقضات
التي يتشكل منها ذلك الرجل. يقوم ذلك المشهد بوظيفة اساسية أخرى هي
تقديم "ترودل يونغ" ابنة الثانية والعشرين التي ستصبح سكرتيرته الخاصة
وستلازمه حتى يوم انتحاره في الثلاثين من نيسان/ابريل 1945. تكمن أهمية
تقديم "ترودل" في ان الأحداث مقتبسة من مذكراتها التي وضعتها لاحقاً في
كتاب "داخل ملجأ هتلر" Inside Hitler's Bunker. من هناك، تقفز الاحداث
ثلاث سنوات الى العشرين من نيسان 1945، يوم عيد ميلاد هتلر السادس
والخمسين. لعل السؤال الثاني الذي يطرح نفسه هنا يطاول اختيار المخرج
لتلك المرحلة تحديداً. صحيح ان النهايات، لاسيما نهايات الشخصيات
الكبيرة المؤثرة، مغرية في السينما والمسرح لاحتوائها عنصر التناقضات
الملائم للرصد في السينما، الا ان لاختيار الايام العشرة الأخيرة
موقعاً اضافياً في هذا الفيلم من حيث انه يعمّق سؤال الفيلم المحوري.
وربما كان ضرورياً القول قبلها ان براعة هيرشبيغل ليست في طرحه الأسئلة
الكبرى او البحث عن الاجابات ولا في تحليله المرحلة او شخصية هتلر. ان
قدرته تتمثل في "التقاطه" المرحلة بعظمتها وعبثها وعنفها وجنونها
وطموحها. بهذا المعنى، تبدو النهاية أرضاً ملائمة لقول كل ذلك لأن حتى
النهاية لم تستطع ان تحجّم تأثير هتلر والنازية في المؤمنين بهما.
فهتلر الذي يصوره الفيلم شخصاً محني القامة، مرتجف اليدين، فاقد القدرة
على الامساك بزمام الامور، سريع الغضب على مخالفة جنرالاته اوامره ولكن
أضعف من ان يحكم قبضته عليهم... برغم ذلك، يحتفظ بقدرته على التأثير في
من حوله. يلازمونه في ملجأه وهم مدركون تماماً ان النهاية على بعد
كيلومترات قليلة من برلين حيث وصل الروس. كلا، لعلها مبالغة القول انهم
كانوا أكيدين من الهزيمة. فالايمان بهتلر ينطوي على ايمان بمعجزة ما،
بقوة لا تُدحر، بثوابت كرسها في العقول عن قدرات الشعب الالماني. بهذا
المعنى، يتمحور الفيلم حول "لغز"، لغز هتلر والنازية.
لعبة المسرح
ولكن اوليفر هيرشبيغل أفصح منذ تجربته الاولى Das Experiment العام
2002 عن ميل الى رصد علاقات السلطة والطاعة وتأثير الادوار المحددة
سلفاً على سلوك شخصياتها. هنا ايضاً، يتخذ موقع الراصد من دون إطلاق
الاحكام. بنفس كلاسيكي طويل، يبني أكثر من ثلثي فيلمه حول أحداث
واقعية، خالية من الاكتشافات. كل ما في الأمر انه يبني الايام العشرة
الأخيرة كما لو كانت فترة حكم هتلر بكاملها، مقتنصاً اللحظات الأخيرة
التي لا تتكرر، مقارباً بذلك لعبة المسرح ليس بأسلوبه وانما بمضمون
عمله. الشخصيات لاعبون للمرة الأخيرة على مسرحهم. لذلك يقول أحد قادة
هتلر له "يجب ان تكون على المسرح عندما يُسدَل الستار" في اشارة الى
ضرورة بقائه في برلين. هكذا يحيي المخرج لحظات النهاية لتعكس مرحلة
كاملة او الأحرى لتكثف الأسئلة حولها. لعلها من المرات النادرة في
السينما التي يجمع فيها المشاهدون على تأثير مشهد معين ووصفه بالاقوى.
ولعل ذلك ما اراده المخرج. بخلاف التصورات، يكمن أقوى مشاهد الفيلم في
الأحداث الموازية للحرب والقتل وانتحار هتلر. هو مشهد قتل زوجة
"غوبلز"، وزير اعلام هتلر، اولادها الستة بسم "الساينايد" وهم نيام. من
هذا المشهد يخرج السؤال المحوري: أي ايمان يمكن ان يحمل أماً على قتل
اولادها؟ انه الايمان بشيء مطلق او انهيار الايمان به. فعلة الام تأتي
بعد انتحار هتلر ولكنها لا تتصور اولادها في عالم غير نازي. اما هتلر
والنازية وإما لا حياة على الأرض! ذلك ما تختزله فعلة الام التي تقدم
على قتل نفسها مع زوجها لاحقاً. لعل ما ينجح الفيلم بتقديمه بدهاء هو
تلك الطقسية التي ترافق النهاية. اليست النهايات عادةً مساحة للتفلت
والحرية؟ ربما ولكن ليس مع هتلر. فأولئك التابعون له، يمشون في طقسه
حتى بعد مماته. يضعون حداً لحيواتهم برصاصة بالرأس كما يجدر بالجنرالات
ان يموتوا ان لم تكن نهاياتهم في ساحة المعركة. حتى هتلر، يقضي يومه
الأخير من دون تعديل في التفاصيل: يتناول وجبته النباتية، يشكر الطباخة
ويتوجه لأخذ النصح من طبيبه عن كيفية تنفيذ انتحاره من دون خطر البقاء
على قيد الحياة. تفصيل واحد غير معتاد يقوم به في ذلك اليوم: عقد قرانه
على عشيقته ايفا براون! قبل ان يدخل غرفته للمرة الاخيرة برفقتها، يودع
المقربين منه لكأنه ذاهب في رحلة وسيعود منها قريباً. لا يقدم المخرج
مشهد الانتحار ولا حتى الجثة الا عندما تُرمى في الحفرة تمهيداً لحرقها
كما اوصى. ولكن الكاميرا تجول بدلاً من عيني "ترودل" على المشهد:
الدماء على الأرض وحقيبة ايفا براون على الكنبة.
هتلر بعينين غير نازيتين
اللافت في إنجاز هيرشبيغل انه يعتمد وجهتي نظر غير نازيتين تماماً لنقل
وقائع الايام الأخيرة. الاولى هي سكرتيرته "ترودل" التي تعترف في
المشهد الاول انها لم تكن "مولعة بالنازية" ولكن الحشرية قادتها الى
العمل مع ذلك الرجل. والثاني هو طبيب متمرن. تنقل الاولى أحداث الملجأ
بينما ينقل الثاني الاحداث فوق على وجه الأرض. بين هذين العالمين،
تتشكل صورة عالم آيل للسقوط باستثناء ايمان افراده بتأثير هتلر.
تعترف "ترودل" في نهاية المطاف انها تندم على السنوات التي قضتها هناك،
على انها كانت شاهدة على كل ذلك. ولكن ربما الذنب الذي تشعر به هو
تأثرها بهتلر برغم افعاله وولاؤها له برغم كل شيء. فإذا كان ذاك حال
الشابة "غير المولعة بالنازية" فليس مستغرباً اذاً ان يكون حال الام
المتفانية في سبيلها قتل اولادها. لا يخشى المخرج من تقديم هتلر في
صورة الرجل المؤمن بعمق بأفكاره وأفعاله، انه يلعن التسامح "صفة
الضعفاء" ولا يمانع موت المدنيين لأن "لا مدنيين في الحرب". وهو لا
يتأخر عن تعليق نياشين على صدور أطفال شاركوا في قتل العدو حتى في أحلك
ظروفه النفسية. قبيل انتحاره، يخاطب أحد حراسه قائلاً: "غداً سيلعنني
الملايين، ولكن القدر ارادها على ذلك النحو."
سينمائياً، ينقسم الفيلم بين عالمين: الملجأ وساحة المعركة. يتيح ذلك
لمخرجه تنويعاً بصرياً يثري العمل، بين قاعٍ مقفل يعج بالناس وفضاء
فارغ الا من الدمار. لكأن تلك الحرب كانت حرباً داخلية في نهايتها: بين
هتلر واوهامه وبين رجاله وعجزهم وبين النازيين وايمانهم... داخل
الملجأ، تتحرك كاميرا المخرج بصعوبة بين الحشود لكأنها تجد صعوبة في
تنفس الهواء المحبوس. ولكنها ايضاً تنقل وجهة نظر "ترودل". في الخارج،
يعيد المخرج بناء برلين المهدمة بواقعية آسرة. ولكن يبقى انجاز الفيلم
اداء برونو غانز لشخصية هتلر بتميز غير مسبوق وقدرة هائلة على امتلاك
تفاصيل الوجه وحركة الجسد وعلى اختزال ذلك المزيج الغريب من الهشاشة
والقوة في آخر ايام الديكتاتور. مع نهاية هتلر، يبدأ المخرج بشد أطراف
الفيلم في اتجاه نهاية محكمة. الموت هو الفعل، يأخذ معه السر الكبير
واللغز حول أكثر رجال القرن العشرين غموضاً وسحراً. في نهاية الفيلم،
يلخص المخرج بالصورة والكلمات مصائر الجنرالات الذين لم يموتوا وينهي
بمقطع من حوار تلفزيوني لترودل قبيل وفاتها في العام 2001. بتلك
الخاتمة، يحقق هيرشبيغل امرين: الاول التأكيد على السر الذي يكتنف تلك
الحقبة بموت كل رموزها والثاني هو اعلانها مرحلة مفتوحة على التحليلات
بعد ان انكسر التابو.
|