الديكتاتور يروي سيرته: مخيلة العنف بأثر رجعي

 

نصوص عراقية

 

 

العدد 25 -- تشرين الثاني  2005

 

تصدر عن موقع الكاتب العراقي

 تحت اشراف القاص  سلام إبراهيم

يرجى ارسال المواد الى

salam54@maktoob.com

 

شروط النشر: لم يسبق نشر المادة في المواقع الألكترونية ويجب الالتزام بعدم نشرها على النت الا بعد نفاد مفعول العدد (شهر واحد).

يجب أن تكون المادة مكتوبة ببرنامج الوورد ومصححة لغويآ ومرفقة كملف


الأفتتاحية

 الرواية العراقية المعاصرة والتاريخ:  سلام أبراهيم

مقالات ودراسات

 شعراء الحجاج:  د. عدنان الظاهر
 
الشعور القومي لدي هالة الفيصل ـالتعري العربي جهارا : قاسم علوان
 الدين والماركسية ـ القسم الأول
و الثاني محمد حنفي
العلمانية في عراق اليوم شاكر الأنباري
 نساء النبي:  عماد فؤاد
رسالة إلى امرأة شرقية الهوية ـ الذكورية إلى أين؟:  شادية عارف العارف
 لا محروقات لأجساد الأدب المثلي في الغرب سليفانا الخوري

الشعر

 في الطريق إلى الغابة:  جبار ياسين
 
حين! أمشي تساقط جراحي:  سهيل نجم
زرقاء اليمامة بين يدي المعري:  عبد اللطيف حرز
 صورة:  أحمد الكعبي
بقايا الأحتفال في منزلي الصغير : آزاد أسكندر
 الطائر الذي لم يكلمني:  إبراهيم قهوجي
 قصيدة أنكليزية مترجمة:  ترجمة آزاد أسكندر

 من الشعر النمساوي الحديث ترجمة:  بدل رفو المزوري

 القصة

 أرق ونحيب:  صبيحة شبر
حظر تجوال:  حسن الفرطوسي
المراهقة والساحر:  فؤاد ميرزا
وهم الخريف:  أعتقال الطائي
 أحقاد ! هوارد غوردن. ترجمة: رافع الصفار
 العجوز المشينة:  برتولد برشت. ترجمة: حسين الموزاني
 أبي عن المجرية ترجمة: أعتقال الطائي
 وجهك المأمول حجتي:  سلام إبراهيم

مسرح

 الراقص:  صلاح حسن
 
رؤيا:  د. شاكر الحاج مخلف

من المسرح الكوردي المعاصر:  زياد عبد المزوري
 من التراب إلى التراب (من مسرحياته الأخيرة ) ترجمة: بول شاؤول
مسرحيتان قصيرتان ترجمة: جهاد الترك
التجريب وتقاليد الكتابة المسرحية جوليوا سيزار ترجمة : سمية مظلوم
آخر حكاية للمسرحي العراقي رعد خلف:  راشد عيسى

سينما

السقوط أول فلم ألماني عن هتلر : ريما المسمار

مقالات في الثقافة والأدب العراقي

مقال في الرواية العراقية علي لفتة سعيد
كيف يحيا الكاتب في هذا الجو القاتم:  شاكر الأنباري
الدكتاتور يروي سيرته:  سلام عبود

الرواية

مواسم الأ صطرلاب ـ القسم الثاني:  علي لفتة سعيد
 رؤيا الغائب ـ النص الثاني (في متاهة الأعماق السحيقة):  سلام إبراهيم


متابعات

 العراق في القلب:  لعلي قاسم عبد الرحيم العلام
 بلاد تتوارى لعلي عبد الأمير محمد شمس الدين
حارس المهدي المنتظر:  لحسين الموزاني وضاح يوسف الحلو

توثيق

الجادرجي والسيرة المحمدية:  قاسم علوان

ذكريات ويوميات

ذكريات و يوميات: توفيق التونجي

 مات بحسرة حفنة تراب من النجف: اعتقال الطائي

رسائل

رسائل الخليلي:  ثائر صالح

مقالات قصيرة!

 ثلاث مقالات:  كاظم الحجاج

أدب شعبي

 قصيدة غير  منشورة:  لطارق ياسين

كتاب الشهر

رؤيا الغائب:  راسم المدهون
 


البرمجة الالكترونية الشاعر آزاد اسكندر

عودة الى موقع الكاتب العراقي



 

 

سلام عبود

 

 

اليتم المبكر، وقسوة زوج الأم المفرطة، والتشتت العائلي جغرافياً وأسرياً، إضاقة الى قسوة البيئة والمعيشة، تركت آثارها العميقة على صفحة حياة صدام الطفل. تلك الظروف الاجتماعية، غير الرحيمة، كونت محتواه الشعوري أو الانفعالي الأساسي، الذي تطور لاحقاً في مرحلة الصبا ثم الشباب الى ما هو أعمق من مجرد تعبير عاطفي عن مكبوتات نفسية. الوحدة وما يلازمها من فقدان للأمان الداخلي، والأنانية المفرطة الى حد الكره، والقسوة، هي العناصر البارزة في مكونات صدام النفسية، نلحظها بوضوح تام في كل ما يعرضه في سيرته وفي رواياته، من خلال عشرات الأمثلة. بعض هذه الأمثلة صادق والآخر مزيف، لكنها تكشف، كما سنرى، بصدقها أو زيفها، ما يعزز فعالية تلك المكونات في نشاط صدام العاطفي والسلوكي.


البعث يؤثث دهاليز الطفولة


وقد تبدو تلك المكونات النفسية شيئاً سلبياً، وهي كذلك في الظاهر، بيد أنها ليست صفات مَرضّية، كما يظن كثيرون. على العكس، فهذه النوازع موجودة لدى ملايين البشر الأصحاء نفسياً. أما الأنانية، والحيادية السلبية تجاه القسوة، فهما تعبيران شعوريان ملحوظان في سلوك جزء غير قليل من العراقيين. وعلى الرغم من الإيحاء السلبي لتلك العناصر النفسية، إلا أنها ليست سلبية بذاتها. لكنها قد تصبح سلبية عن طريق استخدامها، وعند اتحادها بعناصر نفسية واجتماعية وعقلية أخرى. فبعض جوانب الأنانية، كنوازع الحسد، وهي صفة يعترف بها صدام من غير لبس، قد تكون مصدراً للمثابرة والابتكار والتنافس السوي. وحتى الوحدة قد تغدو عاملاً من عوامل الإبداع والتفوق، إذا استخدمت كانشغال ذاتي إيجابي. لكن ذلك لم يكن متاحاً أمام صدام. لقد جرى توظيف تلك المكونات عبر أربع مراحل توظيفاً اجتماعياً ضاراً. في المرحلة الأولى، الطفولة، من خلال زوج الأم والجماعات المحيطة به. وفي المرحلة الثانية، مرحلة الصبا، لعب الخال <<طلفاح>> دوراً أساسياً في نقل وتطوير العناصر السلبية الى ما هو أعمق من حدودها العاطفية البسيطة، عن طريق تغذيتها ببعد اجتماعي وثقافي ذي جذور شوفينية متخلفة. وفي المرحلة الثالثة: مرحلة الشباب (البعث) جرى توظيف هذه الصفات سياسياً وعقائدياً، بطريقة ترضي صدام نفسياً، وتنسجم مع خطوات سير المشروع البعثي. وفي المرحلة الرابعة، وجد صدام نفسه صانعاً ومشرعاً، لا مجرد مستهلك للخطط السياسية، فأطلق لسجيته وميوله المدربة العنان. وبذلك قلب صدام اللعبة رأساً على عقب، حينما وضع المشروع البعثي، برمته، في خدمة ميوله الشخصية، التي هي مزيج غير قابل للفصل بين تكوينه الشخصي وتجربة العنف البعثي، العراقي.
لم يخف صدام طبيعته الانطوائية. على العكس من ذلك راح يصفها في (رجال ومدينة) بنفس صراحته عند ذكر سيرة أمه وللدوافع النفسية ذاتها. فيذكر صدام أنه لم يكن ميالاً الى الصداقات. فعدا ابن خاله عدنان وبعض الأقارب، لم تكن له صداقات عميقة. أما علاقته بعدنان فهي شديدة التعقيد ولا تقوم على عنصر الصداقة الخالصة، عند تحليل مكوناتها الداخلية تحليلاً عميقاً.
إن ميل صدام الى الوحدة لم يكن ناشئاً عن الخجل، كما هو شائع لدى الانطوائيين، بل هو ناشئ عن عدم الثقة، وشدة الحاجة الى الأمان الداخلي، إضافة الى الفردية القوية التي تأسست في نفسه منذ الطفولة على يد زوج أمه. وربما تلقي علاقة صدام بعدنان خير الله شيئاً من الضوء على هذا الجانب من شخصيته. فقد ارتبط بعدنان مرغماً، بحكم القرابة، وبحكم أنه كان يقوم بدور <<الحامي>> للولد الذي يصغره سناً ويتقدمه ويتفوق عليه دراسياً. وهو بذلك يقدم خدمة مزدوجة لخاله يرد بها له بعض دينه: حمايته وإيوائه، ولنفسه يخفف بها من وحدتها ويقلل من حجم عدم الأمان فيها. كانت علاقته بعدنان تنطوي على إرغام خارجي وداخلي، اعتاده صدام وتدرب عليه منذ طفولته المبكرة. إلا أن مشاعر إرضاء الذات، الناشئة من دور الحارس، ودور الملبي لرغبات ولي نعمته، لم تكن خالية من النوازع المكدرة. فقد تخللتها مشاعر حسد قوية مكبوتة، ومشاعر منافسة غير متكافئة، صامتة، درب صدام نفسه على حسن إدارتها، لكي يحفظ للجميع مصالحهم المشتركة. لذلك كانت مدرسة طلفاح متنوعة الأثر سلوكياً ونفسياً واجتماعياً وثقافياً، إضافة ما قامت به من خدمات عظيمة الأثر في مجال التدريب العملي على إدارة الذات، في ظل علاقات خالية من التكافؤ. وتلك أهم ثمار مدرسة طلفاح على الصعيد العملي التي جناها صدام كفرد. ولم تكن علاقته بساجدة تختلف كثيراً عن علاقته بعدنان. فلم يكن من غير دلالة تصريح صدام بأن ساجدة قابلته بنفور وعدوانية حينما لجأ الى بيتهم، في سن العاشرة، فرأت فيه طفلاً ريفيا مشرداً. كانت ساجدة عنصراً أساسياً من عناصر الطمأنينة العاطفية لنفس قلقة مثل نفس صدام. لقد ظهرت تأكيدات مماثلة في رواية (زبيبة والملك) و(القلعة الحصينة) تشير الى ذلك الخلاف. وهي إشارات إرغامية، طفت على السطح، تحت تأثير ما هو مكبوت وما هو معلن، خاصة الصراع بين صدام الفرد وصدام الحاكم، بين الطفل الذي كانه والطفل الذي يهاجمه الآن في شيخوخته. لكنه استخدم ذلك الاعتراف، كما اعتاد أن يفعل، كتبريرات تجوز له الخروج من ورطة الزواج السري بثانية، عن طريق الاستحواذ القسري، التي تتناقض مع كونه رجلاً يدافع عن شرف الأمة ويصون <<أعراض الماجدات>> من العراقيات! ومثل هذه الظاهرة تجديد عش الزوجية بما يناسب واقع الحال عاشها بعض الرؤساء العرب أيضا، ممن انحدروا من أصول ريفية وقبلية، كعلي ناصر محمد وعلي سالم البيض وأخيراً الياور، ولكنهم مارسوها في العلن، وبطرق شرعية سليمة.

 

 


الحزب


وإذا قمنا بتوسيع دائرة العلاقات الشخصية، من الأفراد الى الجماعات، نكتشف أن الوحدة وفقدان الأمان وجدتا تطميناتهما النفسية من خلال الشعور بالانتماء الى كتلة اجتماعية (الحزب)، كتعويض مباشر عن الفراغ العاطفي العميق وقوة الإحساس بالحاجة الى الأمان الداخلي، بصرف النظر عن صدق وعمق إيمانه بمبادئ الجماعة. ولهذا يقول صدام في كتابه (رجال ومدينة) ص 181 <<ولم يكن لي خارج الحزب إلا من أشرت اليه من الاصدقاء>>.
يخلط صدام خلطاً متعمداً بين القسوة والبطولة. فالبطولة، أي الرجولة بمعناها العامي، صفة وراثية من صفاته الشخصية الرئيسة، كما يعتقد جازماً. وربما يعتقد بما هو أبعد من ذلك، فهو يرى فيها صفة قدرية. أي صفة لصيقة، لا يقدر أحد على انتزاعها منه، أو حرف مسارها وإبطال مفعولها السحري. ويعطي مثلا مقنعاً على هذه القدرية، حينما يقول إن أمه ألبسته الأقراط في طفولته، لكي تجنبه مصيره الذي رسمه القدر له: الرجولة الموروثة وعواقبها الخطيرة. لكن الأم لم تفلح في تغيير إرادة القدر. كان صدام يؤمن إيماناً لا يتزعزع بشخصين لا ثالث لهما، هما: صدام حسين الفرد، وصديقه الأبدي والوفي، القدر. كان صدام وما انفك يلعب مع الحياة لعبة الروليت الروسي، وكان القدر الرحيم حليفه، عند كل دورة من دورات بكرة المسدس. فصدام الشظف، القلق والمضطرب، لا ينام إلا بعد أن يستشير القدر، ويأخذ منه إشارة الأمان الخفية، التي لا يراها أحد غيره. وكان القدر وفياً ومخادعاً في الوقت عينه، لا ينفك يتجلى له في كل شيء، من السيجار الكوبي الى إيماءة غامضة من السفيرة غلاسبي، من ابتسامة تشجيعية هاربة من شفاه طارق عزيز الى لطخة فأل في جبين غورباتشوف.
كان القدر، في حقيقته، هو شظف العيش وقسوة الحياة، كما كان التمرين الفظ الذي مارسه زوج الأم على الطفل اليتيم. لذلك وجد صدام نفسه في العاشرة من عمره فاراً من محل الإقامة في بيت الأم، متوجهاً نحو بيت الخال في تكريت، حافراً لنفسه أول خطوة عميقة في نفق القسوة والتمزق الداخلي. قرار الفرار هذا، الذي رتبته الأم الكسيرة، خفية، إنقاذاً لحياتها العائلية وتخليصاً لابنها من شر ماحق، يشير الى واحد من أخطر مواطن صدام الشعورية: العصيان الداخلي ومشاعر العنف المكبوتة، التي جعلت من وحدته لاحقاً مصدراً جدياً للخطر الاجتماعي. ويدرك صدام شخصياً خطورة هذا الحدث على حياته، لذلك حاول جاهداً في مذكراته إضفاء نوع من البهجة الثقافية والمسحة الرومانسية البطولية على قرار تشرده، تفوق في وصفه تفوقاً مطلقاً على الصورة السطحية التي رسمها له عبد الأمير معله في رواية وسيناريو (الأيام الطويلة). فصدام يرى أن هروبه، حاله كحال بعض البشر الاستثنائيين، كان بسبب رغبته الجارحة في تعلم القراءة والكتابة، التي لم ير حروفها السحرية حتى العاشرة من عمره! أما الجانب البطولي فيربطه بموضوع حصوله على مسدس، أهدي اليه من أقرباء له، التقوه مصادفة، أثناء هروبه. وتلك الرواية جزء من خيال صدام حسين الحاكم وليس صدام الطفل، أراد بها تجميل صورته الطفولية المفزعة. وهنا، يلعب الخيال دوراً مؤثراً وحيّاً، كفعالية نفسية. فالخيال هنا لم يكن مجرد تبرير عاطفي، بل هو حالة شعورية (عاطفية) فاعلة وسلوك (أي مزيج من رغبات مكبوتة، وتلبيات مَرَضية للحاجات العاطفية، وردود أفعال). فصدام لا يكتفي بممارسة العنف في الواقع فحسب، وإنما يتخيله أيضا ويتلذذ عميقاً في صناعته ذهنياً. فهروب صدام كان بسبب قسوة زوج الأم، التي وصلت حدوداً قصوى. أما الدراسة فلم تكن سوى فعل إرغامي، مثل صداقة عدنان، فرضها عليه واقع الحال، نظراً لكونه التجأ الى بيت رجل قدر له يوماً ما أن يكون مديراً للتربية. إضافة الى هذا نسي صدام أنه تمرد على المدرسة، غير مرة، قبل إكماله الدراسة الابتدائية. بيد أن الجانب البطولي: المسدس، كان أكثر أجزاء رواية صدام شذوذاً، كحدث وكخيال. فالمجتمع العراقي، الريفي خاصة، يتعامل مع سلاح كالمسدس تعاملاً حذراً. فهو سلاح فردي خطير بشكل استثنائي. وهو غال، فضلا عن أنه سلاح محترفين، لا يمنح كهدية حتى للكبار، إلا لأسباب شديدة الخصوصية. لذلك فإن حصول صدام وهو في سن العاشرة على مسدس، كهدية من عابري سبيل، هو ضرب من الخيال التعويضي. أما سبب اختلاق هذا الوهم فلا يتعلق بالرواية أو بالفن على الإطلاق. إنه جزء من مخيلة صدام المليئة بالثقوب، التي يسيطر عليها الإحساس بفقدان الأمان، فتناضل، بصورة لا واعية، لكي تحصن نفسها بالعنف، الذي هو مظهر من مظاهر البطولة في نظر صدام. أما المسدس فهو رمز البطولة، وليس أداتها فحسب. كان المسدس في تقديري مجرد درع خيالية واقية صنعها عقل صدام الباطن، صدام الرجل، ليحمي بها صدام الطفل المشرد. كان وهم المسدس تأويلاً حلمياً نابعاً من طبقة تقع تحت سطح الوعي، يقول لنا فيه: إن صدام الصغير لم يتعرض في رحلته الى مخاطر جدية، من تلك التي تعشش في رؤوس الناس عن الأطفال المشردين، لأنه كان مزوداً بأداة البطولة: المسدس. كان صدام الرجل، يحمي طفولته القصيّة، ببراءة أب حنون. لكنه، في الوقت عينه، كان مطارداً ومهدداً بعنف من قبل تلك الطفولة العنيدة، غير البريئة، والعدوانية.
وهنا، في هذا الحدث، يكشف لنا صدام عمق قلقه لا من الماضي فحسب، بل عمق تأثير ذلك الماضي البعيد على واقعه النفسي، وعلى حاضره أيضا. إن خيال صدام مشحون بالعنف الى الحد الذي يدفعه لأن يختلقه اختلاقاً ويتلذذ باختلاقه إذا ما أعيته الحيلة عن ممارسته عملياً في الواقع. وربما يتساءل متسائل: كيف يتعذر على صدام ذلك؟ نعم، حينما يعجز. فالهاربون من قبضته يعجز عن اللحاق بهم إلا عن طريق الخيال. أما الموتى، فلا يقوى على قتلهم إلا في أحلام اليقظة! كان صدام يمارس الخيال لتنفيذ العنف ليس فقط على الحاضر وعلى ما سيأتي، بل كان يمارسه، بأثر رجعي، حتى على الماضي. إن صدام يحقق ذروة الهوس الخيالي الدموي، حينما يطمئن أو يشبع نوازعه العنفية عن طريق الحلم والتخيل، الذي ينمي فيه، بدوره، نزعة العنف حينما يستفيق من هوسه الخيالي. فصدام يعدل مسار طفولته، التي تدمن على مهاجمة حاضره بالتخيل، مثلما يرضي نزعة العنف المستحيل (غير القابل للتحقق آنياً) بالتمني، فيغذي ويسعّر هذا فيه نزعة العنف الواقعي الحسي. إنها دورة الكوابيس الشريرة وصولاتها الخفية، التي تطارد القائد ويطاردها خفية وعلنا!
ومن الأحداث التي يرويها صدام عن نفسه حدث مثير سينمائياً، وقع له في لحظة فشل عملية اغتيال عبد الكريم قاسم، أنقله حرفياً كما رواه: <<عندما انسحبنا من مكان الحادث، بعد إطلاق النار على عبد الكريم قاسم، صرت أمام ذلك الشعوبي الشتّام الذي كان يشتم القومية والبعثيين وعبد الناصر والدين في دكانه، والذي كنا نتسوق منه ونحن في شقة الانتظار... فتذكرت أنني قلت مع نفسي، وربما أمام رفاقي، انني سأتولاه بعد أن نطلق النار على عبد الكريم قاسم، بأن أطلق عليه الرصاص ونحن في طريقنا الى شارع الجمهورية حيث السيارة، ولكن ما إن وجهت اليه بندقيتي حتى تسمر على الجدار، رافعاً يديه الى الاعلى، مستسلماً مرتعداً وهو يقول. (دخيلك).. وفي نظرة خاطفة كلمح البصر، وبعد أن رأيت منظره البائس، قررت أنه ليس هدفنا، فقد أطلقنا النار على هدفنا، ولا يجوز أن نطلق النار على غيره إلا دفاعاً عن النفس>> (رجال ومدينة، ص 288)
لقد أحس صدام المراقِب باضطراب رواية صدام الكاتب المتحمس الخيالية تلك، لذلك أرغمه صدام الحاكم على أن يضيف لها توضيحاً وضعه بين قوسين يقول <<عندما نكتب هذا نحتاج الى زمن، ولكن كل هذا الحوار مع النفس أمام منظر ذلك البائس الجبان، وداخل سيد الكومبيوترات، الحاسوب الكبير، الدماغ، لم يستغرق إلا لحظات فحسب>>. استدراك صدام هذا، يشبه التعديل الذى أجراه على طفولته وهروبه وحكاية المسدس الوهمي. لقد أحس صدام بافتضاح ما اختلقه، لذلك برره على طريقته. لكنه أخطأ للمرة الثانية. فالاعتراض على صدق المشهد السالف لم يكن بسبب طوله (زمنه)، وإنما بسبب تناقضاته كأفعال ودوافع. وهو أمر لا يحسن صدام السيطرة عليه، لأنه غارق في فورة أوهامه. ففريق الاغتيال لم يكن لديه وقت لتصفية حسابات فردية مع بقال، بل كان مشغولا بتبادل إطلاق النار مع أحد عناصر الشرطة، ولو أن صدام فعل ذلك حقاً لأثبت لنا أننا أمام رجل ملتاث عقلياً. فقد كان صدام يتولى مهمة تغطية الانسحاب ومراقبة أحد الأزقة المفضية الى شارع الجمهورية، والأمر الأهم أن المجموعة كانت مشغولة بأمر الجريح <<سمير>> الذي كان يصرخ: <<راح اموت، انقذوني، اسرعوا بي الى المستشفى>>، والأكثر أهمية من كل هذا، وهو ما أرغمه خياله المضطرب على نسيانه، أنه كان جريحاً. حقا كان صدام يريد الانتقام من ذلك الرجل، وقد ظل فعل الانتقام، كصورة، مزروعاً في خياله أعواماً. فربما لم تكتف ذاكرة صدام بأن تحتفظ بالمشهد الخيالي كخيال. فليس مستبعداً أن يكون قد نفذه فعلا، بالصورة التي رواها، ولكن في وقت لاحق، في انقلاب رمضان، أو حينما أصبج قائداً. وبذلك حقق أمرين: استحضار الماضي وتعديل مساره بالخيال، وتنفيذ الخيال واقعياً عند المقدرة. كان صدام ينتقل، طوال حياته، بين الواقع والخيال عند ممارسة العنف. لقد مارس صدام الكثير من أفعاله تحت هوس العنف، الذي كان في أحوال كثيرة يمتزج بهواجس القلق والمكبوتات والرغبات والخشية من الآخر، فيغدو لديه ضرورة مبالغاً فيها الى حد الإسراف. ومن سخريات القدر المرة أنه تفنن في ممارسة الوحشية على الذين شاركوه (معايشة أو خيالا) طفولته وصباه وشبابه. كان صدام بتلك الأفعال ينتقم من ماضيه، بانتزاع الأفراد انتزاعاً من ذاكرته، كما لو أنه ينقي ذاكرته من كوابيسها. لكنه لم يكن ينتقم من الماضي كله. كان ينتقم من الأجزاء الأقل سوءاً أو الأجزاء الأكثر نفعاً له في حياته العملية كسياسي: عبد الخالق السامرائي (الثقافة)، فؤاد الركابي (القيادة)، حردان، عماش، البكر (المثل العسكري)، مدحت (المقاومة الشعبية)، ناظم كزار (الغريم والمساعد الأول في مجال العنف السري والعلني)، عدنان خير الله ( الإله المحظوظ)، عدنان حسين (أخ لم تلده أم)، ساجدة (أمينة أرشيف التعاسة). وبإبعاد هؤلاء كان صدام يعيد، مرغماً، تأثيث ذاكرته الشخصية وبيته العاطفي، قبل أن يقوم بتنظيف بيت السلطة ومقر الحكم. وفي حقيقة الأمر، لم يكن لصدام مقران، أحدهما للذات وآخر للحكم. فما هو شخصي وعام أمر واحد في غابة الديكتاتور العاطفية. كان صدام يهاجم أوكار ذاكرته، التي ما انفكت بدورها تشن عليه غاراتها العنيفة الدائمة.


بين صدام وماركيز


من الأمور الطريفة التي رواها ماركيز في كتابه (رائحة الجوافة) أنه لاحظ من خلال لقائه ومعرفته ببعض ديكتاتوري أميركا الجنوبية، أن هؤلاء تجمعهم رابطة غريبة مشتركة: إنهم جميعا أبناء أرامل. أكان ماركيز يعلم بيتم صدام المبكر؟ لا أدري. لكن صداماً يثبت الظاهرة العالمية بمثال عربي آسيوي.
من اليسير أن نجد أمثلة عديدة من الماضي، نتخذها كتنبؤات مبكرة لتأكيد نزوع صدام الى الديكتاتورية، ونثبت فيها طبائع صدام الاستبدادية، من خلال أمثلة مأخوذة من العائلة والبيئة والمجتمع، ومن سلوكه كفرد في الطفولة والصبا. لكن ذلك كله لا يجيبنا عن الأسئلة الجوهرية التي حاول كثيرون القفز عليها أو تزييف أجوبتها. فعوامل البيئة الاجتماعية والتكوين النفسي ما هي إلا خلفيات اجتماعية وعاطفية قد نجد ما يشبهها في آلاف البشر، ممن عاشوا في بيئة صدام. لكن صداماً كان نسيجاً خاصاً، لم يتفتق كمخلوق ديكتاتوري إلا في ظل مشروع سياسي محدد، يجيز ويسمح بنشوء وتطور حالة الاستبداد. لقد ولد صدام ديكتاتوراً من رحم حزب البعث العراقي، وفي مناخ الأحقاد والأنانية والجهل السياسي الذي ساد العراق ولم يزل. إن ديكتاتورية صدام نوع من الديكتاتورية العقائدية. فهي حالها كحال الفاشية والنازية، ديكتاتورية ترتبط بعقيدة سياسية محددة: حزب البعث. ولا يهم هنا مقدار فهم واستيعاب وحسن تطبيق النظرية العقائدية، بقدر أهمية عمل المؤسسة العقائدية على تهيئة المناخ الاجتماعي والعملي (التطبيقي) الذي يتيح إطلاق المواهب، واستخدام السلوك الفردي كمحرك داخلي لتحقيق الهدف العام، السياسي والاجتماعي. ومن الحقائق الخفية على الناس أن صدام حسين لم يكن عضواً في حزب البعث حتى عند اشتراكه في الحدث الذي قلب مصيره تماماً: اغتيال عبد الكريم قاسم، بل كان مرشحاً لعضوية الحزب. ولم يكن صدام عضواً أساسياً في فريق الاغتيال أيضا، بل استدعي على عجل قبيل التنفيذ بسبب تغيب أحد عناصر المجموعة. ولم يكن دوره في العملية قيادياً أو هجومياً، بل أنيطت به مهمة ثانوية هي مراقبة شارع فرعي أريد له أن يكون المعبر للانسحاب بعد العملية، وهذا الأمر مثبت في الاعترافات التي سجلتها محكمة المهداوي أيضا. وقد أحس صدام وقتذاك أنه مستصغر من قبل رفاقه لأنه أقلهم تعليماً، وأضعفهم ارتباطاً بالحزب وأكثرهم هامشية في خطة التنفيذ. كانت مشاعر الحقد الدفين طاغية في سلوكه عند تعامله مع مسؤول العملية، ومع الطبيب الذي جاء لمعالجته، ومع رفاقه في العملية. لم يكن صدام يحمل مشاعر البعثي العقائدي عند تنفيذ الاغتيال، بقدر ما كان يحمل مشاعر شاب يوضع موضع الاختبار من قبل أناس يريدون تجريب كفاءته. وفي الوقت نفسه، كان هو أيضا متشوقاً داخلياً لمثل هذا التجريب، لكي يؤكد لذاته أنه قادر على التغلب على إحساسه المرهق بفقدان الأمان الداخلي والتشتت العاطفي.
لقد عرف عن صدام حسن استماعه، وكثيراً ما قيل انه مستمع جيد. وتلك واحدة من الأكاذيب الكبيرة، التي لصقت زوراً بصدام. فصدام حسين هو أحد أسوأ المستمعين بين البشر. وربما يصح القول انه الرجل الذي لم يستمع الى أحد أبداً. فمنذ هروبه من بيت أمه في العاشرة من عمره لم يصغ الى أحد سوى صوت خاله طلفاح، مرغماً، تدفعه الحاجة الى تصنع الاصغاء أكثر مما تدفعه رغباته الدفينة.
كان صدام ميالا ميلا قويا الى الصمت. لذلك ظن كثيرون أنه يجيد الإصغاء ، فعدّوه مستمعاً كبيراً. كان صدام، على الضد من ذلك، يخشى إبداء رأيه أمام الآخرين، حتى في أتفه القضايا. لكنه كان أميل الى استخدام يديه، بارعاً فيها الى حد التهور، براعة يشهد له بها كثيرون ممن اقتربوا منه. وفي حلقات النقاش كان يميل الى الصمت خشية افتضاح ضعف مقدرته على التحاور وهبوط مستوى أفكاره. لقد ساعدت موهبة صدام على التكتم، والتي هي جزء من مشاعر العزلة وعدم اليقين، على تخشيب عقله. فلم يعد صدام مشغولا بفحوى ما يقال أمامه، ولم تكن الموضوعات المعروضة عليه تهمه كثيراً، بل أضحى معنياً بترتيب موقف مسبق من محدثيه. لذلك كان حبيساً في داخل نفسه. وكانت عيناه هما الفاضح الوحيد لقلقه ونفاد صبره. لقد بدا صدام في نظر الآخرين حاسم القرار، قاطعاً في آرائه، بسبب انغلاقه وانقطاعه عن التفكير، الذي يبدو لمن لا يفهمه فهماً عميقاً، كما لو أنه يقف أمام مستمع فريد. كان صدام مشغولاً بنفسه، بنفسه وحدها فحسب. كان حبيساً في سجنه الداخلي المظلم. وقد مارس صدام مثل هذا السلوك حتى وهو يستمع، تصنعاً، الى القادة العسكريين، عند عرضهم ومناقشتهم الخطط القتالية لأخطر مشاكل الوطن العسكرية. ولم يكن صدام حاضراً بعقله في تلك الاجتماعت كافة. كان بدن الديكتاتور يصغي، بينما كان عقله مشغولاً بقراره الخاص، المسبق، المبني على الجهل والغرور والصلف، في الأعم. وفي هذه الناحية نجد تفسيراً منطقياً للكثير من الكوارث العسكرية المروعة، التي مني بها الجيش العراقي، والتي حيرت عقول الناس. لقد حاول صدام أن يجد تبريرات كاذبة لبعض تلك الكوارث في كتابه (القلعة الحصينة)، لكنه لن يفلح في إقناع أحد. فهو ليس سوى كاتب سيناريو فاشل، يعيد تزوير مشاهد حققت فشلها على أرض الواقع، أمام أنظار الجميع.