|
شاكر الأنباري-بغداد

مصطلح العلمانية يقصد به هنا، كل ما هو غير ديني. أحزاب ليبرالية،
أفكار حرة، منظمات مجتمع مدني، حركات ثقافية وسياسية واجتماعية، وهلم
جرا. ولا يمكن الحديث عن العلمانية الا بتحديد تاريخ معيّن لها، منه
يتم استشرافها في مجتمع العراق، المتنوع اثنياً ومذهبياً وقبلياً. اذ
تلمس العلمانية في حركات سياسية وأنماط تفكير شعبية، ومؤسسات مجتمع
مدني تهتم بكل ما هو أرضي، كحقوق الانسان والبيئة والحركة النسوية
المطالبة بالحقوق المدنية وغير ذلك من اتجاهات، حتى الوصول الى ايقاع
مجتمع برمته، ما هي خصائصه، والى اين يسير، اجتماعياً وسياسياً
وثقافياً؟ كانت الخارطة الاجتماعية للعراق، بخطوطها العامة، قبل سقوط
النظام، تمتلك بصمات مشخصة بعض الشيء. المناطق الجنوبية (ذات أغلبية
شيعية) محكومة من فرمانات بعثية تسوّق لحاكم مطلق، وهي ناصبت العداء
بقسوة بالغة كافة الاتجاهات الدينية العلنية، ونقصد بهذا الأحزاب
الدينية المذهبية، فصفّت وجود حزب الدعوة منذ زمن بالحكم بالاعدام على
أي منتسب، وأحياناً العائلة اجمع، وتسفير الموالين سواء لهذا الحزب أو
للمرجعيات الدينية التي كانت مدوزنة بتوازن قلق مع السلطة. ولذلك اتجه
الشعب المضطهد، والمسحوق، نحو التدين الشعبي، وهنا يقصد بذلك الطقوس
الحسينية والتقليد للمرجعيات والالتزام بفتاويها وتوجيهاتها، والبحث عن
هوية مذهبية مغايرة للمذهبية الرسمية، دون ان تستطيع تلك الكتل
السكانية من تشكيل حزب ديني علني في هذا الاتجاه، كون الأمر ظل
مستحيلاً ومرفوضاً.
أصبح التدين الشعبي هو الآيديولوجيا البديلة لحزب البعث. وكان أيضاً
بديلاً عن الأحزاب العلمانية التي كانت لها جماهير واسعة ذات يوم، مثل
الحزب الشيوعي العراقي، والفكر الماركسي عموماً فضلاً عن الحركات
القومية كالناصرية مثلاً. وبضرب الحزب الشيوعي العراقي كحركة علمانية
ذات جذور في الوسط الجنوبي ذي الغالبية الشيعية، وتحول حزب البعث من
حزب علماني الى حزب طائفي وقوماني وفاشي، عبر عقود التسلط، أصبحت
الاتجاهات العلمانية فردية وضعيفة، خاصة لدى الأجيال الجديدة التي تربت
في احضان الحروب والتفرقة الطائفية والتهجير والتحكم المذهبي في مفاصل
الدولة العراقية.
سلطة مرفوضة شعبياً، ويخشى من جبروتها، وجماهير سُدّت أمامها أبواب
الخيارات فالتجأت الى معينها التاريخي، أي الدين، سواء في قبول واقع
صعب بصورة قدرية، أو باستخدام آلية التقية، وهي مجاراة الحكومة والتكيف
معها حتى وإن كانت مرفوضة لدى البشر، ولا يمكن التصريح بهذا الرفض.
أصبح الاحتجاج على العسف يأخذ طابعاً دينياً مثل ارتداء الحجاب،
والتقيد بفتاوى رجال الدين، والتمسك الأعمى بالطقوس، وشبه تقديس
للمراجع الدينية، واحتضان الرموز التي قتلها النظام باعتبارهم قادة
تاريخيين لمسيرة تحررهم من جور السلطة.
حاربت السلطة البعثية العلمانية والعقلانية والوعي من جانب، لكنها لم
تطمئن الى الفكر الديني في الوقت ذاته، وبالخصوص البعيد عن سيطرتها.
هذه الازدواجية أوقعتها في شرك البراغماتية المنفلتة، والديماغوجية في
التثقيف والاعلام والشعارات المطروحة، منذ الثمانينينات وحتى لحظة
سقوطها.
كانت السلطة حذرة من تفشي الظاهرة الدينية، فأقدمت على منع الاحتفالات
الدينية، أو تقليصها للحد الأدنى، وشجعت التشيع العراقي الذي يقر
بشرعية السلطة، ويحابي عسفها، وحاربت التشيع الايراني الذي كان يعتبر
الحكومة الايرانية نموذجاً للدولة الشيعية، خاصة وقد تربع على مرجعية
الدولة تلك رجل دين شيعي هو الامام الخميني، ثم لاحقاً السيد علي
خامنئي. هذا عدا ارتباط الأحزاب الدينية العراقية، وكانت في صف
المعارضة، بعلاقات حميمة مع دولة ايران، مثل حزب الدعوة والمجلس الأعلى
للثورة الاسلامية في العراق ومنظمة العمل الاسلامي، وغيرها من أحزاب
عادت بحدة النظام البعثي الصدامي. هذا في المناطق الجنوبية ذات المذهب
الجعفري، أما في مناطق الغرب العراقي ذات الغالبية السنية، التي جعل
منها النظام قاعدة لحكمه، واعتمد عليها في مفاصل أجهزة الأمن والجيش،
وحتى الحزب بصورة ما، تناغماً مع الآلية التاريخية للدولة العراقية منذ
خروجها من عباءة الحكم العثماني وحتى سقوط النظام في التاسع من نيسان،
ألفين وثلاثة، فقد كانت هذه المناطق تاريخياً، منبعاً للحركات القومية
الناصرية، والبعثية، على السواء. استطاع حزب البعث وقادته، بعد ضرب أي
تعددية فكرية وحزبية، حتى على صعيد الفكر القومي، ان يجيّروا تلك
الاتجاهات الى تخومه ليوحد تلك الحركات، سواء بالقوة أو عبر الامتيازات
والشعارات، تحت رايته أولاً، ثم راية القائد الأوحد لاحقاً.
لم يعد هناك من ايديولوجيا سوى ايديولوجيا حزب البعث، ورؤية مفردة ألا
وهي رؤية صدام حسين وبطانته، للواقع العراقي.
الأحزاب الدينية السنية انتهت ايضا في الواقع
حزب الاخوان المسلمين الذي نشط في الستينات، تلاشى تماماً في ثمانينات
القرن العشرين. وشجع النظام الاتجاهات الدينية الأصولية المتماهية مع
فكر القائد، وتوجهاته القومانية، وديماغوجيته في ما يصلح من تعاليم
دينية للحياة أم لا. شجعت السلطة الجو الديني الاصولي لكنها منعت قيام
أحزاب دينية، وحاول حزب البعث استيعاب ذلك الجو بقدرته الفذة في التلون
والديماغوجية.
ولقطع الطريق على أية أفكار علمانية أو يسارية أو قومية، خارج معطف
الحزب وقائده، شجع صدام حسين الفكر الاصولي، في حملته الايمانية
المشهورة، التي بدأها في منتصف عقد التسعينات، اثر الحصار الشامل الذي
فرضه مجلس الأمن على العراق. عداء صارم لأميركا والغرب، تقسيم العالم
بين مسلمين وغير مسلمين، تفسير النص القرآني حسب المصلحة، والطاعة
العمياء لأولي الأمر.
منعت دور السينما او حوربت، وأغلقت النوادي الترفيهية، ومنعت الخمور،
وحورب السفور، وأعطي لرجال الدين الأصوليين سلطة التوجيه الشديد في
الاشراف على مناحي الحياة، ولكن تحت مراقبة أمنية شديدة كي لا تخرج
الحملة عن المسار المرسوم لها، أي موالاة الرئيس المؤمن، وتطبيق
شعاراته الدينية حيناً، والقومية حيناً، والاشتراكية حينا، حسب الظروف
التي تتطلبها المعركة مع الغرب الكافر، المتصهين، البعيد عن التقاليد
الاسلامية.
ما ينطبق على مناطق غرب العراق السني عموما، وجنوب العراق الشيعي
عموماً، ينطبق ايضا على المدن والمناطق المتداخلة مذهبيا، مثل بغداد
على وجه الخصوص. ففيها تجلت كلتا الحالتين، أصولية صارمة تصب في خدمة
القائد، وارتداد ديني الى التدين الشعبي الطقوسي المسيطر عليه هو
الآخر، بواسطة القمع لكي يحيّد على الأقل فلا يشكل خطورة على النظام.
تم قمع انتفاضة السيد محمد صادق الصدر في مدينة الثورة بعد قتله
بشراسة، ودونما رحمة من قبل قوات الأمن الخاص والحرس الجمهوري في نهاية
الألف الثاني الميلادي.
أما العلمانية المتمثلة بالأحزاب اليسارية والليبرالية ومنظمات المجتمع
المدني والتفكير الحر لدى المثقفين والمفكرين، فقد أزيحت تماماً من
المجتمع، اما قمعا وتقتيلا، أو هجرة ومعارضة خارج العراق، وصار الجميع
تحت رحمة آلة الدولة الرهيبة، المعروفة التفاصيل. لم يعد هناك مجال لأي
حركة شعبية ذات صفة ليبرالية أو علمانية، لا في الغرب ولا في الجنوب،
ويمكن تذكر انتفاضة اللواء الطيار محمد مظلوم الدليمي في مناطق غرب
العراق كذلك، حيث قتل الدليمي ببربرية، دون أن تسمح السلطة حتى
بتأبينه، واستبيحت الرمادي مسقط رأسه من قبل فدائيي صدام لثلاثة أيام،
نكاية بانتماء اللواء الى تلك المحافظة.
منطقة كردستان العراق صار لها وضع خاص منذ بداية عقد التسعينات من
القرن العشرين، إذ انفصلت عملياً عن العراق بحماية دولية، وتشكلت فيها
حكومتان، واحدة يقودها الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال
الطالباني ومقرها في السليمانية، وحكومة الحزب الديموقراطي الكردستاني
ويقودها السيد مسعود البارزاني ومقرها في اربيل. كلتا الحكومتين خرجتا
من كنف المعارضة العراقية للنظام، وأرادتا ان تعكسا الوجه البديل عن
السلطة المركزية في بغداد. فأطلقتا الحريات الصحافية نسبياً،
والاجتماعية، وحرية تشكيل الأحزاب وتنظيم المجتمع على أساس مدني، لكي
يثبت كلاهما انهما جديران بالتأسيس لعراق آخر، يكفل حقوق الانسان، ويقر
بالتعددية، وحرية الفكر والمعتقد، ويقف كل ذلك على عتبة انتخابات حرة
وبرلمان وحكومة لها مؤسسات واضحة المعالم.
مدى واقعية تلك التجربة في تطابقها مع الشعارات المرفوعة يحتمل كثيراً
من النقاش، حيث سجلت أيضاً الخروق والأخطاء في هذا المجال، إلا أن
الخطوط العامة لتلكما التجربتين لم تخرجا عن جوهر الشعارات المطروحة،
وكان اهمها فصل الدين عن الدولة، وعدم السماح للأحزاب الدينية، وهي
موجودة في كردستان، بتسييس الدين للانقضاض على السلطة. واقع شعب
كردستان العراق اليوم يتميز بتجذر صوت عال للعلمانية، في اطار تشكيل
منظمات المجتمع المدني والحرية الاجتماعية المتاحة للانسان، وامتلاك
المرأة لحقوقها، وإبعاد رجال الدين عن السياسة، وجعل الشريعة الاسلامية
منطلقاً عاماً للقوانين والتشريعات، دون ان تتحكم بتفاصيل حياة البشر.
هذه الخارطة كانت واضحة حتى سقوط النظام، بتقسيماتها العامة، في مختلف
مناطق العراق.
وظلت هي التي يمكن الانطلاق منها لفهم الصورة الراهنة لاتجاهات الواقع
العراقي، الدينية والعلمانية، والصراع الرهيب، وغير المتكافئ، الذي بدأ
يستعر بين الاتجاهين. فضعف العلمانية واندحارها، مهد لهما أمر أساسي
مورس في الثلاثين سنة الأخيرة، ان بوعي أو كنتاج لديماغوجية الحكم
السابق، ألا وهو ضرب العقلانية، سواء في سياسة النظام أو في المجتمع.
وما هو معروف ومتفق عليه هو تلك العلاقة الوشيجة ما بين العلمانية
والعقلانية. فلا يمكن للعلمانية ان تسود، في حقبة من الحقب، دون
عقلانية متبلورة وضاربة العمق في كل طبقات المجتمع.
لقد تم ضرب الاتجاه العقلاني عبر وضع العراق في عزلة معرفية خانقة، إذ
حوصرت معظم التيارات الفكرية العقلانية، حتى ما يخص منها الفكر الديني
الحر والمنفتح. منعت الكتب من دخول العراق، وصودرت الصحف والمجلات
العربية والأجنبية، ولوحق أصحاب الفكر الليبرالي دون هوادة، وتم تنمية
اتجاه معاكس للعقلانية ألا وهو القدرية. الدولة اشتغلت باعلامها
البراغماتي الفظ، والمكرور، والتشويهي، على الغاء أي عقل ومنطق ووعي
متماسك داخل المجتمع، بل حتى في تركيبة الحزب القائد وأجهزة السلطة
والجيش والمؤسسات عموماً. ومن الطريف ذكره هنا ان تكايا الدراويش،
والطرق الصوفية، لا بجانبها المعرفي أو اللغوي، إنما بجانبها الطقوسي
المتخلف، جرى الترويج لها بشكل كبير في العراق، وكان في كل مدينة
تقريبا تكية أو أكثر للطرق الصوفية، أشرف عليها نائب رئيس مجلس الثورة
العراقي المنحل عزة الدوري. الكزنزانية والرفاعية والقادرية وغيرها من
الطرق الصوفية، صار لها دور فعال في محاربة العلمانية والعقلانية في
فترة الحصار التي استمرت حتى سقوط النظام. هذا الواقع الذي وصل اليه
المجتمع العراقي، وبغياب الأحزاب الليبرالية والعلمانية إذ صار اغلبها
مهاجراً، هو ما مهد لهيمنة الحركات والأحزاب الدينية في عراق اليوم،
بقسمه العربي على وجه الخصوص، إذ يشكل كردستان العراق استثناء من
الصورة.
لقد كشفت الانتخابات الأخيرة، بشكل جلي، ضعف التيارات العلمانية
والحركات الليبرالية، وتلاشي تأثيرها تقريباً، وصعود صارخ للأحزاب
الدينية، الشيعية منها والسنية. حزب معروف بتاريخه السياسي في العراق
المعاصر مثل الحزب الشيوعي العراقي لم يستطع نيل سوى مقعدين في الجمعية
الوطنية، مقارنة بأكثر من مئة مقعد للأحزاب الدينية الشيعية. أما
الأحزاب القومية والديموقراطية فلم تنل حتى ما يوصلها من أصوات الى
الجمعية الوطنية، كالحزب الديموقراطي العراقي بقيادة عدنان الباججي
وحركة القوميين العرب والحزب الوطني وغيرها من الأحزاب. ان التربة
ممهدة لتأييد الأحزاب الدينية كل على طريقته، ففي الجنوب الشيعي صعد
اتجاهان بارزان هما اتجاه المرجعية (الصامتة) بقيادة السيد علي
السيستاني، واتباع المرجعية (الناطقة) بقيادة السيد مقتدى الصدر.
الأحزاب الشيعية، صغيرها وكبيرها، المجلس الأعلى، حزب الدعوة، ثأر
الله، الفضيلة، حزب الدعوة العراق، التيار الصدري، الخ، لا تخرج
تقريباً عن خيمة هذين الاتجاهين.
أما في المناطق السنية فالنتيجة معروفة. هناك الحزب الاسلامي العراقي،
وهو تنظيم معتدل بعض الشيء، وهيئة علماء المسلمين، وهي تجمع غير منسجم
الافكار والتصورات حول القضية العراقية، يلم تيارات متوزعة ما بين
التطرف، والليبرالية الاسلامية، كما يمثلها قادة الوقف السني ومنه رئيس
الوقف احمد عبد الغفور السامرائي. هذان الحزبان لم يستطيعا اختراق
القشرة الصلبة المهيمنة في المدن السنية، خاصة في غرب العراق. المعروف
ان هيئة علماء المسلمين تأسست بعد انهيار النظام، وحاولت ان تصبح
منبراً للسنة إلا أنها لم توفق في ذلك. أما الحزب الاسلامي بقيادة محسن
عبد الحميد فكان موجودا في صفوف المعارضة العراقية سابقاً، ولا يمتلك
جذوراً عميقة في الوسط السني. اتجاهه الديني ينحو الى الاعتدال وهو أيد
قيام نظام جديد في العراق حتى بوجود قوات محتلة. ويظل ثمة تأييد لا
يستهان به للحركات التكفيرية المسلحة، ومنها بالأخص، قاعدة الجهاد في
بلاد الرافدين، وكان لها هيمنة شبه مطلقة على الناس بسبب حجم الترهيب
الذي تمارسه على المناطق الواقعة في مجال نفوذها.
كشفت الانتخابات السابقة ان الأحزاب الليبرالية، العلمانية، التي بدأت
العمل العلني يعد سقوط النظام لم تستطع التغلغل عضويا في نسيج المجتمع
العراقي، لا في الجنوب، بسبب هيمنة المرجعية، صامتة وناطقة، ولا في
الغرب بسبب، لا هيمنة الحزب الاسلامي وهيئة علماء المسلمين كونهما
يمتلكان بعض الشيء تصوراً سياسياً متماسكاً حول الوضع في العراق، بل
لهيمنة حركة التوحيد والجهاد التي وجدت بيئة ملائمة لانتشارها السريع،
بحيث صارت تهدد حتى اعضاء هيئة علماء المسلمين والحزب الاسلامي. فهي
تمتلك السلاح وترفع لواء مقاومة الجيش الاميركي وتعتمد سياسة تصفية كل
من يتعاون مع المحتل أو مع الحكومة.
في المناطق الجنوبية اخرجت الأحزاب العلمانية، القديمة مثل الحزب
الشيوعي، والجديدة مثل الوفاق الوطني بقيادة اياد علاوي، والأحزاب
الليبرالية الصغيرة، من دائرة الفعل للعوامل التي ذكرت سابقا، إضافة
الى أسلوب الترهيب الممارس بشكل واسع في تلك المدن. يبدأ الترهيب
بالمضايقات، ويصل الى حد التصفية الجسدية، وهذا ما لوحظ في احداث جامعة
البصرة قبل أشهر. اذ خرج عدد من الطلبة في سفرة جماعية الى مناطق ابي
الخصيب، فما كان من احدى الحركات الدينية إلا أن هجمت على الحشد
بالكيبلات والسلاسل والمسدسات، واستخدم العنف ضد الطالبات غير
المحجبات، وأدى الأمر الى قتل واحدة. هذا عدا التضييق على النساء
السافرات في المستشفيات والجامعات والشوارع، مع قتل باعة الخمور
وملاحقة بائعات الهوى وقتلهن، ومساءلة محلات التسجيل، والتضييق على
حرية طرح الرأي.
ما يجري في مناطق غرب العراق ليس بالأقل سطوة. تم تحريم دخول اغلب
الصحف العراقية الليبرالية والعلمانية والدينية الشيعية الى مدن محافظة
الأنبار، مع فيض هائل من (سيديات) تصور العنف او تدعو للجهاد ومحاربة
الصليبيين، والحكومة الجديدة في بغداد. وفي الحقيقة فإن اغلب مناطق غرب
العراق، ومحافظة الأنبار تحديداً، واقعة تحت هيمنة التوحيد والجهاد في
بلاد الرافدين(القاعدة)، بعد ان استطاعت ان تجمع حولها أنصاراً عراقيين
مئة في المئة. هنا لا مجال، ليس للفكر العلماني أو الليبرالية
السياسية، بل لا مجال حتى للأصولية الاسلامية (غير الجهادية)، حسب
تعبيرهم. صُفّي عدد من شيوخ الجوامع فقط لأنهم دعوا الى السلم والحوار.
التناقض الموجود في هذا الصراع بين التوجهات العلمانية والدينية، هو ان
مقارعة التوحيد والجهاد في المناطق الغربية لن يتم على ايدي الاميركان،
في ظل غياب أي تواجد للحكومة العراقية. فوقوف الشعب أعزل أمام الجيش
الأميركي، مع غياب كلي للحكومة، أعطى مصداقية لأفكار التوحيد والجهاد،
عكس المناطق الأخرى التي يتواجد فيها جيش عراقي وشرطة وأحزاب سياسية.
لكن المعضلة في هذه المناطق انه حتى لو فكرت الحكومة بارسال جيش وشرطة
لكي تفرض الأمن بأيد عراقية، فتركيبة الجيش والشرطة ستفتح ملف
الطائفية، والحساسيات التي تتولد عن ذلك. الخلل البنيوي في تركيبة
السلطة العراقية اليوم هو أن جهاز الجيش والشرطة يمتلك غالبية شيعية،
كون الأحزاب السنية والحركات المسلحة، والتوحيد والجهاد، أصدرت حكماً
باعدام كل من يتطوع الى هذين الجهازين من السنة العرب. وفعلاً تمت
تصفية المئات تحت هذه الذريعة. لذلك فإدخال تلك المناطق تحت سلطة
الدولة الجديدة يفسر على انه خضوع لهيمنة شيعية على الحكم، الأمر الذي
ترفضه غالبية الناس في تلك المناطق، وربما بسبب هذا الخلل الكبير في
الخارطة تم لتنظيم الجهاد في بلاد الرافدين (القاعدة) الهيمنة المطلقة
على الساحة في غرب العراق.
العلمانية في العراق العربي، في أسوأ حالاتها
إنها لا تمتلك مخالب كبقية الأحزاب الدينية والحركات الأصولية. رهانها
على الدولة، والدولة في الوقت الراهن تحت سطوة الحركات الدينية
المسلحة.
الهيمنة على الدولة التي تتشكل في الحاضر، هو ما يحكم الصراع في
العراق. هذا الصراع أخذ يتسع طائفياً ومناطقياً، وتتداخل فيه عناصر
اقليمية ودولية. حتى لو أقيم تحالف للقوى العلمانية، كما مطروح اليوم،
لدخول الانتخابات القادمة، فحجم التأييد سيبقى محدوداً.
القوى العلمانية لا تلقى تربة مناسبة، أمام التجييش المذهبي الموجود
حالياً، وهو استفاق من سبات طويل، باحثاً عن استحقاقات لها جذور
تاريخية.
من هنا فالعلمانية بحاجة الى رافعة دولية، قد لا تجدها إلا في الجيوش
المحتلة، وهذه هي الكارثة.
|