الافتتاحية

الكاتب ـ النص ـ الموقف

الوجه الناصع للنص العراقي

الكتابة.. ليست نزهةً ولا لعباً بالكلمات

 

 

نصوص عراقية

 

 

 

العدد 27 -- كانون الثاني  2006

 

تصدر عن موقع الكاتب العراقي

 

 تحت اشراف القاص  سلام إبراهيم

 

يرجى ارسال المواد الى

salam54@maktoob.com

 

شروط النشر: لم يسبق نشر المادة في المواقع الألكترونية ويجب الالتزام بعدم نشرها على النت الا بعد نفاد مفعول العدد (شهر واحد).

 

يجب أن تكون المادة مكتوبة ببرنامج الوورد ومصححة لغويآ ومرفقة كملف


الأفتتاحية

الكتابة.. ليست نزهةً ولا لعباً بالكلمات: سلام إبراهيم


مقالات ودراسات

الحادثة: نصير عواد
فلسفة المصير: حمودي عبد المحسن
هاملت البياتي وقباني: د. عدنان الظاهر
التنمية والأصلاح الأقتصادي في العراق: د. عبد الوهاب حميد رشيد
صدام والدراما المعقدة من ساحة الفردوس إلى قاعة المحكمة: محمد مظلوم
اليسار ـ الديمقراطية ـ العلمانية: محمد حنفي
عقبات أمام ثقافة الديمقراطية في العالم العربي: خالد غزال
محاورة الآخر ومساءلة الذات !: إبراهيم الداقوقي
وأد البنات: سحر الياسري
عن التقارب بين الأسلام والغرب: محاضرة د. ماجد فخري إعداد: صلاح شعيب
مرايا سقوط بغداد: محمود الزيباوي
تساؤلات صامته تعد بالبراكين: أدونيس


شعر
 

مولعٌ بغموضكِ ياخلاصة الحبِّ : سعد جاسم

 درب: مجيد الأسدي

بوصلة أخرى للمتاهة: عبد اللطيف حرز
أربع قصائد: قيصر الوائلي
أنا الذي رأى: أزاد أسكندر
البحث عن فنار علي: حسين علي شاهين

الطير والصياد: طارق ياسين

ثلاث قصائد لأزار باوند:  أزاد أسكندر
قصائد عن الدنمراكية !:  جمال مصطفى
 من الشعر النمساوي:  بدل رفو

قصص

القلب المسحور: فؤاد ميرزا
قلب خشب: حسن عبد الزارق
البرزخ: حسن الفرطوسي
شعور عارض: صبيحة شبر
كائن: محمد رسن
لم تنته الحرب: أعتقال الطائي
نخلة في غرفة: سلام إبراهيم

قصتان قصيرتان: هيثم محسن الجاسم


الكتابة والتجربة

نصان عن تجربة واحدة
تتبع منابع التجربة: سلام إبراهيم
كآبة الأبداع وفردوسه: علي الشوك

الرواية

مقطع من رواية مهرة بلا فارس: وفاء نصر شهاب

يوميات

يوم في حياة: عالية ممدوح
يوم  في حياة: كازيميرو دي بريتو
!


مسرح

حوار مع مسرحي عراقي: شمس الدين العوني
جواد الأسدي يبدأ عروض عمله الجديد "حمام بغدادي" في دمشق
سنوات مرت بدونك نص مسرحي: لجواد الأسدي: هوشنك الوزيري

سينما

عودة "خفيفة" لمحمد خان: وائل عبد الفتاح
وقائع "السقوط" بين أدلوف هتلر وصدام حسين

تشكيل

بغداد ـ باريس في متحف مونبارس: محمود الزيباوي
الفنان الكردي بهاء الدين محمود: أسامه ختلان

متابعات

ريم قيس كبة شاعرة من العراق: محمد علي شمس الدين
كتاب "صدام حسين الأسود" بروتريه واحد للدولة والعائلة والرئيس: خالد سليمان
قراءة في قصص سلام إبراهيم
حين تغدو الكتابة تصفية حساب مع الحنين ! باسم المرعبي


كتاب الشهر

ما بعد الحب رواية "هدية حسين": سلام إبراهيم

حملة تواقيع

بيان تضامني مع الحزب الشيوعي العراقي والقوى الديمقراطية العراقية.

كتب

كتب وصلت المجلة


البرمجة الالكترونية الشاعر آزاد اسكندر

عودة الى موقع الكاتب العراقي



 

 

 

 

في العلاقة المعقدة بين ذات الكاتب والواقع والأفكار وطبيعة الصراع المجتمعي يتبلور موقف ورؤية الكاتب. ومن هذه النقطة بالذات يتحدد مسار الكتابة وغايتها. هذه البديهية المبكرة يجري تناسيها من قبل البعض لدوافع لا تمت إلى الأدب بصلة كونه مسعى جماليا معني بالإنسان كقيمة مطلقة. وهذا التغافل لهذه المقولة يؤدي بالضرورة إلى لبسِ يخلط الأوراق، ويقلب المفاهيم والحقائق بجعل النص موظفاً لأغراض نفعية، فيقوم بتعمية وتزييف العلاقات والصراعات المجتمعية بأبعادها الروحية والنفسية مما يغلق طريق الوصول إلى الوضع البشري في التجربة المحددة. قد يبدو هذا الكلام ملتبساً للوهلة الأولى، ولكن عند الدخول في التجربة الحية وأقصد هنا التجربة العراقية الدامية خلال العقود الثلاثة الأخيرة سيبدو الكلام ليس واضحا فحسب، بل شديد السطوع. التجربة العراقية في المرحلة التي أشرت إليها عنيفة في كل مساراتها السياسية والثقافية والاجتماعية، فأنا مثلا من جيل نشأ على وقع ذلك العنف وتجلياته. فما كدتُ أبلغ التاسعة حتى وجدتني أفتقد بغتة للعديد من الرموز، وأكثر تلك الرموز حضورا لدى الطفل هو معلم المدرسة، ففي الأيام التي تلت 8 شباط 1963 اختفى من المدرسة بغتة نصف المعلمين، ومن ضمنهم مرشد الصف، معلمي المحبوب، أعمامي من البيت، والعديد من الجيران، وعندما كنت أتساءل يجيبونني همسا:

ـ أسكتْ. أخذهم الحرس القومي!.

وقتها تشكلت لدي صورة العنف مركزة وأبي النجار يقف كل يوم حاملا فأسه خلف الباب مخافة أن يأتي الحرس القومي ليأخذوا أمي وأختي الكبيرة النشطة في " رابطة المرأة العراقية" التي كانت وقتذاك واجه من واجهات الحزب الشيوعي العراقي. ثم تراكمت حكايات الرعب يهمس بها الناس آنذاك عن تحويلهم للمدارس وروضة الأطفال الوحيدة التي كانت بالديوانية وقتذاك إلى مراكز للتحقيق والتعذيب. حكايات جعلتني أتوجس خيفة لدى مروري بمبنى الأطفال ذاك سامعاً بالصمت صراخ من يعذبون، معلمي، أعمامي، الجيران، سأتعرف على تفاصيل ما كان يجري عندما أبلغ السادسة عشرة، وصديقي الشاعر على الشباني كان نزيلا في ذاك المكان عندما كان في عمري ورأى الجحيم مجسداً. منذ تلك السنة وفي بواكير وعيي تشكلت صورة الحرس القومي قوة قاهرة ترمز إلى الرعب. هذه التجربة المفصلية في حياة العراقي سيجدها المتابع الجاد في كل النصوص العراقية المهمة، وأذكر منها "القلعة الخامسة" "لفاضل العزاوي"، حيث الشخصية المحورية بالنص يعتقله الحرس القومي دون أن تكون له علاقة بأي تنظيم ـ وكان في المقهى ـ لشأن شخصي محض ليعيش تجربة السجن المهولة وسط ذلك العالم الأيدلوجي المغلق الذي ينبذه ويذيقه الويل. "الغلامة" لعالية ممدوح، الشخصية المحورية طالبة جامعية يسارية يغتصبها الحرس القومي ويغيب حبيبها، لتبدأ رحلة تدهورها الروحي والأخلاقي في معادل فني لتدهور الوضع العراقي بكل أبعاده في ظل الطاغية إلى حدود الاحتلال. "وداعا أيها الطفل" لجبار ياسين وهو من جيلي بالضبط. وجد نفسه في المنفى يستعيد طفولته الطافحة بالعنف المرتبط في نصه بالحرس القومي. وفي نصوص كريم عبد، جنان جاسم حلاوي، والعديد من الكتاب ممن كان طفلا في ذلك الوقت، ولست هنا بصدد هذا الموضوع، ولكن سيظل التاريخ العراقي السياسي والاجتماعي والأدبي والنفسي يعود إلى هذه النقطة المفصلية عندما يحاول دراسة العنف العراقي المعاصر في ذروته الصدامية بعلامة المقابر الجماعية المكتشفة بجنوب ووسط وأطراف كردستان العراق. عايشت ذلك الرعب الذي تضافر مع رعب وعنف العلاقات في العراق، فأنت معرض للضرب في أي وقت، في الشارع مع رفاق الطفولة، وفي المدرسة فكل معلم كان يخبأ عصا في خزانته بالصف، وفي البيت. المجتمع العراقي موسوم بالعنف.. سيتجّذر هذا الإحساس والرأي وأنا أعايش في صباي ومراهقتي ونضجي نفس أولئك الذين أرعبوا مخيلة طفولتي. سأعتقل أربع مرات بين 1970 ـ 1980 وأذوق ما ذاقه معلمي وأعمامي وصديقي الشاعر علي الشباني.. سيخرب نفس أولئك القساة حلم الاستقرار وتكوين عائلة وسط الأحبة وبمدينة طفولتي.. سيرسخ الإحساس ذاك إبحاري ببطون كتب التاريخ بحثا عن تعليل ما للعنف الطاغي في علاقاتنا السياسية والاجتماعية. سأطل على ذلك العنف وطرائق الموت الرهيبة في العصر الأموي والعباسي والتتري والعثماني.

ـ هل كان ذلك سبباً في تكوين بيئة مغلقة صارمة التقاليد شكلية؟!.

الأسئلة كثيرة وكبيرة وسلطة البعث ذهبت بالعنف التاريخي إلى أقصاه، يطلع العالم الآن على قطرة من بحره عبر الفضائيات. من هذا العالم الموشوم بالعنف يتبلور المثقف والمبدع العراقي محملاً بإرث جبار. تاريخ دموي لكنه حافل بالفخر وعلامات البناء والحضارة، وحاضر عنيف حيث الأمور والتفاصيل لم تقبل حلاً وسطاً في يومٍ ما. وإن حدث ذلك فالكل يعرف بأن ذلك مجرد توافق وقتي سرعان ما ينفرط. هذه السمة الفريدة التي وسمت الشخصية العراقية المضطربة لكنها في الوقت نفسه الرصينة بحيث جعلت العديد من المحللين الاجتماعيين يحارون في تفسيرها ويفردون كتبا لتحليل الشخصية العراقية تجعل خيار الأديب العراقي حاداً.

أقصد هنا تحديد الموقف مما يجري هنا في الراهن المجتمعي. ففي مطلع سبعينيات القرن الماضي، تمفّصل كل شيء وكما يود البعث الحاكم بوسطه الأدبي المحدود والفقير، شيوعيون حلفاء بوسطهم الأدبي الأوسع، وقوميون أكراد بوسطهم الأدبي، وكان البعث يعد العدة لذبحهما، أما التيار الشيعي فكان يذبح على طول الخط. ونُفِذَ السيناريو بدقة. جرى التخلص من الكل الواحد بعد الآخر ليصبح البعث وشخص الطاغية مهيمنا على كل شيء بتبعيث المجتمع بواسطة قانون رقم (200) تمهيدا لإشعال الحرب. ليبلغ العنف ذروته.

أين موقع الأديب والكاتب المستقل في هذه اللوحة المضطربة؟!.

وما أفرزت تلك الظروف العنيفة والكابوسية من وضع ثقافي داخل العراق؟!.     

  لم يكن أمام العديد من الكتاب اليساريين المحسوبين على الحزب الشيوعي العراقي شاءوا أم أبوا أي خيار، فأما التحول إلى بوق من أبواق الدعاية لإعلام النظام أو التغييب في المعتقلات، مما أضطرهم للهرب خارج العراق، ولغرض التوثيق لابد من ذكر ما تسعفني به الذاكرة من أسماء: سعدي يوسف، هاشم شفيق، فوزي كريم، هاتف الجنابي، كريم عبد، علي عبد العال، هيثم الجنابي، محي الأشيقر، عواد ناصر، عزيز سماوي، شاكر السماوي، خالد المعالي، فيصل لعيبي، يوسف الناصر، شاكر لعيبي، إبراهيم أحمد، عبد جعفر، أحمد ناهد، رياض النعماني، رشيد الخيون، أناهيد سركيس، زهير الجزائري، هادي العلوي، مشرق الغانم، فاضل الربيعي، فاضل السلطاني، حسين الموزاني، نجم والي، سلام صادق، صادق الصائغ، فالح عبد الجبار، عصام الخفاجي، عدنان الزيادي عبد الكريم كاصد، مهدي محمد علي، نبيل ياسين، عدا العديد من الكتاب الذين كانوا وقتها خارج العراق ولم يعودوا بسبب تلك الظروف المهولة أذكر منهم: غائب طعمة فرمان، برهان الخطيب، فاضل العزاوي، جبار ياسين، فاضل سوداني، جواد الأسدي، صلاح نيازي، سميرة المانع، هيفاء زنكنة، سالمة صالح، أسعد الجبوري، مؤيد الراوي، شريف الربيعي، مظفر النواب، ومحمد مهدي الجواهري. والعديد من الأسماء التي لا تحضرني الآن. وإزاء هذا الكم من الأسماء لابد أن يتبلور في المنفى لاحقا مفهوم أدب المنفى وثقافته التي تميزت وبشدة في نصوص الكتاب المذكورين بذلك التعلق الصوفي بتفاصيل بقعة ما بين النهرين الدامية هذه السمة خاصة في النص العراقي المكتوب بالمنفى، وهذا ليس موضع القول هنا.أعود إلى دوافع كتابة هذه الشهادة عما جرى في ظل ذلك الاضطراب المرعب، وأنت تحس أن رقبتك عارية تحت حد السكين في كل لحظة، ليس كونك كاتبا فحسب، بل كونك عراقياً محكوماً بالعيش في أمكنتك الحميمة، بيت أهلك شارعك والمدرسة والمقهى والنادي والجامع ومكان العمل. هذا الشعور بالتهديد السائد وقتها سممَّ المشاعر والجسد والعلاقات.

 كيف سلك الكاتب والفنان ممن لم يلقِ ضميره جانباً في ظل تلك الظروف؟!.

كان من أكثر الأهوال فداحةًَ كونك شاعراً معروفاً. أما أن تكتب بالعامية فتلك طامة كبرى بسبب توجه السلطة التي منعت الشعر الشعبي في أواسط السبعينيات بسبب هوى الشعراء الشعبيين المعارض ومثلهم الأعلى الحاج زاير ومظفر النواب. عادت إليه بشدة في الفترة الحرجة عقب سيطرة صدام على الحكم بشكل كامل عام 1979 وتنظيم مؤسسات السلطة الثقافية لمهرجانات خاصة للشعراء الذين يكتبون بالعامية كان يحضرها الطاغية شخصياً وتعرض بشكلٍ حي على شاشة التلفزيون العراقي ليستمتع الطاغية منتشياً بذلك المديح المهول المتماهي مع صفات النبوة. في ذلك الجو المحموم، الهستيري، في الفترة ما بين إزاحة "أحمد حسن البكر" وإعلان الحرب على إيران.

ماذا يفعل شاعر عامي معروف أصدر ديوانا مشتركاً عام 1970 "خطوات على الماء" مع شاعرين آخرين، الأول طارق ياسين مات عام 1975، والثاني "عزيز السماوي" هرب خارج العراق وقتها؟!.

لا بد من الإشارة أن الديوان وقتها كان له صدىً طيباً في الوسط الثقافي العراقي إذ كتب مقدمته الشاعر اليساري وقتها "يوسف الصايغ" ورسم لوحة الغلاف واللوحات الداخلية الفنان التشكيلي غريب الأطوار "نايف السامرائي".

كيف تصرف "علي الشباني" الذي بقى حياً إلى لحظة سقوط الطاغية وهو الآن في الديوانية التي لم يغادرها أبدا حاله حال القاص "محمد خضير" في ظل ذلك الظرف الذي بلغ ذروة العنف، وديوانه الوحيد "أيام الشمس" منعه الرقيب عام 1975؟!.

("مخطوطة الديوان" أتمنى أن تكون ما تزال في مكتبتي بالعراق، فهي طريفة كون الكتاب سمح له أول وهلة لكن "علي" كان فقيراً بحيث لم يوفر المبلغ الكافي لطبعه، وعندما هيأ المبلغ كان قد مرَّ على ذلك ستة أشهر مما توجب إعادة عرضه على الرقيب الذي منعه، فطمغ الرقيب قرار المنع على كل صفحة من المخطوط وتحت كلمة مسموح).

أول ما فعله في وسطه الاجتماعي وكان موظفا بسيطا في دائرة المبايعات الحكومية في ـ الديوانية ـ أنه أشاع بالاتفاق معي ومع العديد من الأصدقاء أنه ترك الشعر. وعندما يسأله أحد عن قصيدته الجديدة يسخر من الشعر والشعراء. كان ذلك في وقت مبكر أي قبل الحرب مع إيران، فالشباني خبر دموية البعث عندما أعتقل عام 1963 على أثر سرقته مع رفاق لهم مطبعة مدرسة وطبع بيان تحريضي، فقضى في السجن حتى عام 1967. هو الآخر حاول الهرب من العراق لكنه اعتقل وهو يحاول الحصول على جواز سفر من دائرة السفر والجنسية ببغداد أواخر عام 1978 بوشاية غامضة حتى الآن. وعندما لمته على محاولته الطائشة تلك وهو المتورط بزوجة وأربعة أطفال، وليس لديه أية علاقة بالحزب الشيوعي العراقي، بل كنا نسخر وقتها من فرحهم بجبهتهم الوطنية قال:

ـ الأمر ليس في التغرب، لكن هؤلاء القتلة سيجردوننا من شرفنا!. سيجعلوننا بلا كرامة!.

أكمل جملته بعناء مغالبا سعاله الذي أنفجر. كان قاحل القسمات فمنذ ساعات أطلقوا سراحه، يستلقي على فراشه في زاوية غرفة الضيوف ملفوفا ببطانية. كنت أدرك فداحة ذل من يعتقل في الأمن العام، وكنت مثله حائراً في ذلك المستقبل الغامض لأمثالنا ممن يتمسك بذلك الشيء الحميم الثقيل، الخفي الصعب المسمى ـ الضمير ـ تحت ظل سكين مشحوذة وأعناق مهيأ للقطاف وهنا أستعير ما نشره أخيرا الشاعر ـ أدونيس ـ من خواطر يومية في صحيفة الحياة بتاريخ 15/5/2003 عن زيارته المفردة إلى العراق عام 1969. هو أحس فعلا بحدسه ما تخبئه الأيام، لكنه لم يحترم هول ما كنا فيه وهو ينشر تلك الأحاسيس بعد زوال الطاغية، وكأنه يتشفى بنا لا يتضامن معنا. وما أسرده الآن من حكاية صديقي الشباني ما هو إلا عبرة للمثقفين والكتاب العرب، ممن يكتب عن العراق وما جرى من أمكنته الوفيرة الآمنة، وكأنه سائح يبدي انطباعاً عن سفرة ما قديمة، معرضاً عن عذاب تلك الأعناق التي قال عنها أنها مهيأة للقطع.. وأنا وصديقي الشاعر وكل أسم يرد في هذا المقال ما هو إلا عنق كان تحت حد السكين ونجا. فليسمع أدونيس وغيره من المبدعين والمثقفين العرب مواويل تلك الأعناق المسكينة التي أروي طرفاً منها الآن.

من تلك النقطة، ومن تحت رماد الوقت وهو ينوء بكيانه الذي أُذل كان يفكر بكيفية المحافظة على نقاء ضميره. وما الضمير إلا رمز للذات الصالحة بالمفهوم الإنساني المطلق. كنا في الغرفة الفقيرة الخانقة نفسها. الغرفة التي كان قبل اعتقاله يشب وينشد أشعاره الممنوعة:

"أسكت جزيرة الحكي

وبراسي يلعب سيل"

أشاع أن الشعر أصبح في خبر كان، وأنشغل في الدنيا والتفاصيل، مهملا، منسياً، لكنه كان يكتب القصائد ويخفيها عن الكل عدا صبحه المخلصين. في موته الشعري المعلن على الملأ تمكن الشباني من بلوغ التقية، فتخلص من ذل انقياده لكتابة وإنشاد قصيدة تمجد الطاغية. وكانت تلك سعادته القصوى التي كنا نتسارر بها في جلسات الود اليومية في بيتي أو بيته. وقتها كنت أمعن التحديق فيه.. في سلامه الداخلي وهو منتشٍ يشاهد أولئك الشعراء الطبالين يطلون من الشاشة الصغيرة يدبجون المديح الملل وصفات التأليه على الطاغية صدام الجالس في الصف الأول منشياً بسكر العظمة الموهومة.

كان ذلك قبل أن يشعل الطاغية حربه على إيران!. الحرب تلك فاتحة الخراب العراقي الشامل، فعقبها كل شيء أختلف، البشر والمكان والعلاقات والرؤية في ظل سلطة أصبحت أكثر وحشية وعنفا  إزاء مواطنيها. فكيف بالأديب إذن؟!.

الصمت كان سيداً. لزمنا البيوت.. من العمل إلى البيت والتزاور يجري ليلاً. نتسمع الأخبار ونحلل ونخشى في كل لحظة طرقاً على الباب، وسعار كتّاب السلطة وشعرائها وسيل أغاني الحرب المتغنية بالعراقي الذاهب للحرب مثل عاشق يدافع من أجل محبوبته.. "وأحنه مشينا للحرب" وقتها كنا نخاف خوفا مركبا.. أن نعتقل لوشاية، أو نساق جنداً للحرب، وكنت أسعد حظاً من "علي الشباني" إذ لم أنشر وقتها سوى قصة يتيمة في صحفية "التأخي" عام 1975 رغم كتابتي ما يقارب الأربعين قصة وصلتني مهربة من العراق قبل أربع سنين، فكان رعبه معقداً وأشده كان من سوقه لكتابة قصيدة تمدح الحرب والطاغية. كنا نكتب سراً وكأننا أحرار ونقرأ لبعضنا في عمق الليالي داخل غرف مغلفة النوافذ والأبواب. وكنا نخبئ ما نكتبه لدي ولديه، متعاهدين بأن لو حدث للواحد منا شيء، فالآخر سيقوم بنشر ما لديه فيما لو قدر له البقاء. في ذلك المناخ المتوتر وعيشنا شبه المتخفي فقد كنا نتحاشى الجلوس في المقاهي عكس ما كنا نفعله في أواسط السبعينات. في ذلك المناخ الضاج بطبول الحرب ونشوة النصر باحتلال مساحات شاسعة من الأراضي الإيرانية بسهولة. أنهد قطيع مسعور من الكتبة في الشعر الفصيح والعامي، وفي النثر من قصة ورواية، فظهرت أسماء جديدة امتهنت حرفة تسويق قيم القتلة بتمجيد الحرب والنصر والدفاع عن الوطن في نصوص هزيلة، تافهة فعلا تظهر كل يوم في صحف السلطة الرسمية، الثورة والجمهورية والعراق. نصوص تتغنى بقيم الشر في الإنسان. نصوص شريرة غرضها تسميم العقل العراقي كي يقتنع بتراجيديا الذبح الذي يعاد يوميا في الأقبية السرية والذي يبدو لي الآن ومشهد القبور الجماعية عقب زوال الطاغية كان من الكثرة بحيث أضطرهم إلى إبلاغ بعض من ذوي المعدومين بين الحين والحين كما فعلوا مع أبي عام 1983

حينما صُفي أخي الرسام "كفاح إبراهيم" في المعتقل، لكنهم لم يسلموا جثته أي أنه ضاع هو الآخر في مقبرة من هذه المقابر الجماعية، وكذلك فعلوا مع العديد من الأصدقاء الحميمين، وأثنين من أولاد عمومتي، تفاصيل ذلك يجدها القارئ في روايتي "رؤيا الغائب" التي صدرت عام 1996، وفي الجبهات وسيل القتلى يتزايد مع شراسة المقاومة الإيرانية وطول الحرب. كنا نتلقى الصفعات في الشارع وعيون الشرطة السرية تلاحقنا، في العمل وزميلك يرصد كل مفردة تتفوه بها، ومن شاشة التلفاز ووجه الطاغية يطل كل يوم نصف وقت البث، والصحف تنشر قصص البطولة وعظمة الجندي العراقي الذي يموت في تلك النصوص سعيداً، منتشياً، مبتسماً، وفخوراً في لحظته الأخيرة. كنا نسير ونتنفس ونقول وكأننا داخل مكعب لكننا كنا سعداء لسبب بسيط أن كل ما كان يجري لم يمسنا بعد. لكن لم يستمر الأمر طويلاً. حدث ما يتوجب الإفصاح عن موقف، وذلك ليس له علاقة بكوننا أدبيين بل ما يحدث لأي عراقي في زمن حرب طاحنة، إذ سرعان ما دعيت لأداء خدمة الاحتياط في ربيع عام 1982. وسيق الشباني في صفوف الجيش الشعبي إلى إحدى الجبهات. هكذا أصبحنا مجرد خروفين جاهزين للذبح. وكان وقع ذلك علينا أخف وطأة من فكرة الكتابة وتمجيد ما كان يجري من حفلة ذبح العراقي المستمرة.

كان الخلاص في ما لو يلقي المرء ضميره جانباً، ويتشبث بالحياة بشكلها الغريزي، أن تكون حياً بأي ثمن متوفر لدينا. فبقصيدة تمجد الطاغية أو الحرب سيكون الشباني المثقف الموسوعي محرراً بإحدى صحف النظام معفياً من كل المهمة الجسدية على جبهات القتال، وبنص قصصي مني سأكون منتدباً في إحدى مؤسسات النظام الإعلامية. وبالمناسبة قرأت هذا اليوم 3/7/2003 رداً للشاعر "عدنان الصايغ" في موقع "إيلاف" الإلكتروني على مقالة لمحمد الحجيري نُشرت في ملحق جريدة النهار البيروتية الثقافي بعدما أستثار مشهد القبور الجماعية وعمليات التعذيب الوحشية المعروضة في القنوات العربية الفضائية ضمير الكتاب اللبنانيين وجعلهم يحللون تلك الظواهر، ويتساءلون سؤالاً مشروعاً حول الكيفية التي يتولى فيها أديب ما موقعاً "أي موقع" في مثل تلك السلطة الوحشية التي لا تتقن سوى الدجل والقتل وامتهان الإنسان وسحقه بهمجية فاقت همجية الحجاج وهولاكو. هذا السؤال الذي لا بد من أن يثار لدى كل إنسان لديه ضمير فكيف بالمثقف والكاتب والمحلل والفنان وهو يرى فظاعة القبور الجماعية التي لم يجدوا لها مثيلا حتى في صراع البوسنة والصرب والكروات. فتلك عُزيت لأسباب دينية أو عرقية، لكن في الحالة العراقية هي محض جريمة يرتكبها الطاغية ضد أبناء جلدته العراقيين. القضية هنا شكل من أشكال المرض النفسي من الذي نشاهده في أفلام الجريمة والرعب، حينما يتدله القاتل بالقتل والقتل، فكيف إذا تحول القاتل إلى حاكمٍ مطلق كما هو الحال مع "صدام حسين". في مثل هذا الوضع يصبح كل شيء شاذاً، يقول عدنان الصايغ أنه قضى كذا وقت في المعسكرات وسط الجنود، وفي الجبهات والإسطبلات ذاكراً موقعاً في أرياف السليمانية " معسكر عربد" على طريق "سليمانية ـ سيد صادق" ومن غريب الصدف أنني كنت هناك أيضا وبنفس الفترة التي ذكرها، لكن فاراً أدور مع المقاومين في الجبال البعيدة، وشظف العيش، وأعبر كمين معسكر ـ عربد ـ ليلاً مع المقاتلين فرداً فريدا متجهين إلى شاباجير، وبالعكس إلى قرة داغ. يذكر عدنان الصايغ كل ذلك مبررا سبب سحبه  من تلك الوحدات العسكرية الخطيرة بمنظوره ذاكراً بأن ثمة ضجة أُثيرت في الوسط الأدبي "البعثي طبعا" في بغداد حول وجوده في تلك المواقع، فيستشهد بمقطع من قصيدة له مكتوبة بروح المنافسة بين أدباء السلطة كونه منسياً في الجبهات بينما الآخرون ينعمون بالراحة في الكراسي الوثيرة ويكتبون عن الجنود. وذلك السبب الوحيد الذي يورده "عدنان الصايغ" الذي جعلهم ينتدبونه للعمل الصحفي في حراس الوطن " مجلة الجيش العراقي التي تشرف عليها "الاستخبارات العسكرية العراقية بشكلٍ مباشر" والمواقع الأخرى في صحافة ومجلات السلطة ليقود ثورة أدبية وشعرية وثقافية من مواقعه تلك. وهذه الحكاية الملفقة قد تنطلي على العديد من الكتاب العرب، وقد تبدو غامضة لكتاب عراقيين ممن غادر باكراً، لكن بالنسبة لمن عاش ذلك الظرف بتفاصيله "مثلي" يبدو مجرد إدعاء وكذب وضحك على الذقون وركوب للموجة في معناه العميق يتساوى مع ركوب موجة السلطة والكتابة وتبوء المراكز الثقافية بظلها، والشيء الذي أثار استغرابي وما يزال هو جواب كل من التقيتُ به ممن عاش تجربة "عدنان الصايغ" وزمنه على سؤالي الصريح والمباشر:

ـ هل كنت بعثيا؟.

ـ لا.. مستقل!.

مع رجفة بصوته. للحدود التي جعلتني في يومٍ أقول ساخراً لهم في بيت الشاعر "زاهر الغافري" بمالمو السويدية:

ـ يبدو أحنه بس البعثية وما ندري!.

لم نفعل ذلك.. ليس سلام إبراهيم وعلي الشباني فحسب بل العديد والعديد من الكتاب العراقيين الذين سيظهرون لاحقاً في سياق الموضوع.

 لِمَ لمْ نكتب مثل القصيدة التي أستشهد بها الصايغ كي ينقلوه إلى العسل الإعلامي؟..                               

والجواب هو أولا لأننا فعلاً لم نكن بعثيين، وثانياً الضمير والموقف الأخلاقي وإطلالة الذات في وحدتها على كينونتها الدفينة، جعلتنا نكتب عما يجري مصورين عذاب العراقي في التفاصيل، كتبنا عن الجنود والقمع والإرهاب نصوصاً لو وقعت بيد واشِ لكنا في إحدى القبور الجماعية الآن. لنسمع شيئاً من علي الشباني الذي كتب هذه القصيدة وهو في خندق بجبهة الحرب سماها ـ الحرب ـ لنستمع إلى هذا الصراخ:

دفعوني... جرف للنار

خطواتي متاهات

وظلام الروح... من يلتم على العتبة منارات

دفعوني التتر...

نزليت بالذلة عشر قامات.

يا ماي الوجه الضايع

وراك بحور.. مسكونة

وراك الموت يرفع راية مجنونة

إلى أخر القصيدة..

ألم يحمل دمه على كفيه من يقول مثل هذه القصيدة وهو مساق ليقاتل على الجبهات؟!. القصيدة مؤرخة في 12/1984.

أليس في هذا الموضع للقول قوة الفعل؟!.

ستصلني مخطوطة أشعاره إلى الدانمارك عام 1998 وسأجد المزيد من قصائد الهجاء للدكتاتور والقمع والحرب وبلغة شعرية صريحة تشبه الصراخ، سأحمله معي إلى الشام وأتدارس شأن طباعته ونشره مع الصديقين الشاعر والكاتب "جمعة الحلفي" والمصمم المعروف "طالب الداوود" سنقرأ القصائد بدقة لنقرر عدم إدراج قصيدة ملحمية طويلة عن الحرب والقمع لصراحتها خوفاً على حياة "علي الشباني". وصدر الديوان عام 2001 في دمشق دون تلك القصيدة المسماة "ليل التتر" مؤرخة في 11/1984. سأحاول نشرها كاملة في الأيام المقبلة مع تحليل القصيدة، هذه ستكون شاهداً مهماً على تلك المرحلة، وستلقي الضوء الساطع على هذا النمط الشجاع من شرف الموقف ومسؤولية الكلمة التي قد تقتل صاحبها، ولكن في الوقت نفسه ستبين زيف ووضاعة مبررات كتابة نصوص تمجد القمع والحرب إذا علمنا أن "علي الشباني" متزوج ولديه أربعة أطفال.

سوف أعود إلى سياق الموضوع.. أما أنا فقد أصابني الشلل بمعناه النفسي، فقد كنتُ متزوجا، ولتوي رزقت بطفل كان لا يتجاوز عمره الأربعة أشهر عندما ساقوني جندي احتياط للمرة الثانية في 4/1982. وأُلقيت في أتون الجبهة، التي سرعان ما اشتعلت في الهجوم الإيراني الشهير على شرق البصرة في 7/1982. وبعد ليلة ليس لها مثيل قضيتها في ملجأ شقي والقذائف الإيرانية تتساقط بجنون في كل لحظة حول ذاك الشق الذي نصحنا عريف مدفع 130 ملم الخبير الاختباء فيه طوال الليل كوننا جنود مستجدين وصلنا الوحدة قبل يوم واحد فقط من الهجوم الإيراني الكبير. تلك الليلة الدهر أحسست فيها بالهوان، فضعفت ذاك الضعف الإنساني حينما يحس الفرد كونه ضعيفاً وعاجزاً إزاء قوة الشر المتجسدة بهذا الكم الهائل من آلات القتل الضاجة في عتمة تلك الليلة إلى الحد الذي جعلني فيه أتشبث بجندي زميل أسمه "حميد" وهو يشرع في الانتقال إلى ملجأ شقي مجاور قائلا:

ـ وين راح حميد، أبقَ!

فردَّ على عجل لاهثاً:

ـ ليش على الأقل إذا وقعت قذيفة على الملجأ واحد من عدنه يموت.. ليش اثنينه!.

وقفز إلى الشق المجاور. عشت أثقل زمن وأمرّه في عمري في الفترة ما بين وحدتي في الشق الضيق وانبلاج حيث خف القصف مع فضة السماء.

لم أصدق ذاك الصباح الذي وجدته خلاصاً من هول ليل الهجوم والقصف، والعريف يقدم لي ورقة الإجازة الشفافة قائلا:

ـ قرار القيادة الإجازة والجنازة بنفس الوقت!.

وفعلا ركبنا ذات العربة مع جثث الجنود المساكين ممن قضوا في ليلة القصف الرهيبة. كانت الورقة الشفافة ساحل خلاص عبر بي إلى "الديوانية" والحيرة، فما أن وصلت البيت حتى قلتُ لزوجتي:

ـ لن أعود أبدا إلى الجبهة!.

ـ لكن!.

قاطعتها:

ـ بلا لكن.. الموت هو المشروع.. فلا أريد الموت في حربٍ لست مقتنعاً بها!.

ـ لكن كيف ستكون حياتنا والطفل.

قلت لها:

ـ لا أدري.. المهم هو عدم عودتي وحتى لو اعتقلت وقتلوني فذلك أشرف لي من الموت بقذيفة عمياء تسقط عليّ صدفة!.

وبت في ذاك الوضع.. مختفياً في بيتي، لا أخرج إلا في المساء كي ألتقي بـ "علي الشباني" حائرين بمصيرنا الذي مهما تلفتنا وتفاءلنا لم نجد سوى الزنزانة وحبل المشقة أو ساحة الإعدام، فقد كنا وقتها لم نتخيل بعد طريقة تفجير البشر التي رأيناها بعد سقوط الطاغية بفلم فيديو مسجل عرض على شاشات التلفاز. كانت مخيلتنا وقتها أضيق مما وصل إليه خيال الجلاد المبدع ذاك... إلى أن كنتُ في ليلة أسهر في بيت "علي الشباني" نخوض في الشعر والحياة وهواجسنا عندما قرع الباب ودخل علينا الصديق ـ محمد حسين ـ كان طالباً في الجامعة التكنولوجية ببغداد، وكان قد استشارني في صيف ذلك العام عن قدرته على الالتحاق بالحركة المسلحة في كردستان عن طريق زملائه الطلبة الأكراد في الجامعة ممن ينتمون لجماعة "جلال الطالباني"، فأشرت إليه بالالتحاق كي يمهد لنا طريقاً قد نحتاجه في ظروف الحرب. وكنت مدفوعاً بفكرة الخلاص من هول فكرة الموت في جبهة الحرب شهيدا بمنطق النظام وقتها. عاد متسللاً من الجبل وكأنه هبط من السماء وهو يقول بعد أن أخبرته بوضعي المضطرب:

ـ غداً سأوصلك إلى الجبل إذا أردت!.

وكأنني وقتها وقعت في الجنة. عدتُ إلى زوجتي وطفلي الرضيع فرحاً لأسرَّ لها عن قرب الخلاص، لكنه خلاص غالي الثمن، فالمشروع نضال مسلح وفراق الزوجة والابن. أي حق الخيار العراقي بأي ساحة تموت ولأجل أي معنى؟!.

لا أنسى ما حييت الشحوب القاتم الذي أذهب تورد وجنتي حبيبتي، فالأمر الذي بدا لي خلاصاً كان بالنسبة لها فاجعة فراقاً قد يكون أبدياً. أقول ذلك الآن لكن وقتها لم أستطع تفسير ذاك الشحوب والكمد الذي أصاب حسها وجسدها، ولا أتذكر الآن كيف تصرفت. كنت منتشياً بفكرة التحاقي بالجبل والثورة ومخيال جيفارا، وهذا يضاف إلى فكرة الموت المجاني في جبهة القتل المحتدمة من أجل لا شيء. تركتها زوجة فتية وأبناً لم يجاوز الستة أشهر والتحقت بالجبل مقاتلاً رثاً بصفوف أنصار الحزب الشيوعي العراقي، وصديقي "علي الشباني" الشاعر ودعني بدموعٍ من دم.

ـ هل كنتُ منحطاً لم أقم وزناً للعائلة بحيث تركتها ورحت أجوب قرى كردستان النائية في حياة تشبه عصامية المتصوف المطلق؟!.

ـ هل كنتُ وقتها مدلها بالأيدلوجيا التي تعمي غالباً تفاصيل الحياة في معناها الوجودي القصير؟!.

لا هذا ولا ذاك. فوقتها لم أكن شيوعيا. ولم أستطع هضم هذه الفكرة رغم محاولتي. كانت لي رؤيتي المختلفة عنهم يجدها القارئ في تيمة نصوصي التي لم يرحبوا بها، وكنت لا أريد الموت بذاك الصف، ولا الكتابة كما فعل كتبة حروب صدام المخزية كي أضمن سلامتي كما برر "عدنان الصايغ" متباهياً بتحمله قسوة حياة الجندية زمن الحرب كي ينقلوه إلى الأعلام، أو القاص "فيصل عبد الحسن" الذي هاجم كتاب "سلام عبود" عن ثقافة العنف في العراق في صحيفة "الشرق الأوسط" بتاريخ 6/4/2003، فرد عليه ناشر الكتاب بنفس الصحيفة بتاريخ 27/4/2003 مما أثار غضب "فيصل عبد الحسن"، فردَّ بتاريخ 2/6/2003 بعنف خارجا عن طوره وكاشفاً ما يفور في أعماقه من شعور بالدونية جعله يدافع عما أقترفه من جريمة تسميم القارئ العراقي بنصوصه الحربية التي فاز إحداها بجائزة "قادسية صدام"، لا بل كتب في الرد متباهيا بها كون نصوصه تصف ما جرى حقاً، وما جرى حقا تظهره الآن شاشات التلفزة من فظائع ووحشية نادرة ومميزة في التاريخ المعاصر وأخرها هذا اليوم 1 ـ 7 ـ 2003 على شاشة "العربية الفضائية". مشاهد مسجلة بالفيديو مرعبة عن عملية تعذيب حية لمساجين عراقيين عاديين عراة وسط باحة سجنٍ والحراس ينهالون عليهم بالعصي، فيتجمعون متكدسين متشابكين جوار الجدران ووسط الباحة الصغيرة كتلٍ مذعورة، وعشرات الشرطة تمارس الضرب بلذة سادية بادية على الوجوه. و "العربية" حصلت على ملفات بعضهم فتبين أن العديد منهم مسجون لقضايا عادية، لمشاجرة عائلية، أو لشراء سيارة مسروقة. إذن فكيف بالسياسي المعتقل والجندي الهارب؟!. ذاك ما تعجز عنه المخيلة. فكيف كتب فيصل عبد الحسن، وجاسم الرصيف، وعبد الستار ناصر، وثامر معيوف، وناجح المعموري، والقائمة تطول عما جرى؟!.. وبأية طريقة جعلت تلك السلطة تمنحهم جوائز. وكي يبرر "فيصل عبد الحسن" نصه الحربي ويسوقه بالظرف الجيد يقول أن السلطة تراخت في أواخر الثمانينات وسمحت بكتابة تنقد الحرب أي أن تلك الكتابة تخدم السلطة أيضاً لتلبيتها حاجة السلطة نفسها في ظروف مستجدة.

وهذا إذن محض افتراء، وكي يضفي على نصه الفائز بجائزة الطاغية يورد أسماء اللجنة المانحة وكأنهم أنبياء، لا مثقفين براغماتيين رغم احترامنا لنصوصهم الإبداعية، لكنهم أسهموا بهذا الشكل أو ذاك "إذا كانوا فعلا كما يدعي فيصل عبد الحسن" في صحيفة الشرق الأوسط أنهم من أقروا بالجائزة لنصه الحربي. الأول "جبرا إبراهيم جبرا" المرحوم الذي قضى عمره في العراق يعمل في مؤسسات السلطة الثقافية، والثاني الصديق الروائي فؤاد التكرلي الذي كان أيضا ضمن ذلك الجهاز الثقافي الرسمي حتى هجرته إلى تونس حيث كان موظفاً أو ملحقا ثقافياً ولست واثقا من هذه المعلومة ( وثقت منها لاحقا من الصحافة التي هاجمت التكرلي والطالباني يعينه مستشارا ثقافيا له في هذه السنة 2005). ومن هذه الزاوية فأن ما ذكره فيصل عبد الحسن عن كونهم في لجنة تقييم نصوص حرب صدام يصب ليس في صالح نصه بل دليل إدانة للمبدعين المذكورين كونهما أسهما في تبرير تلك السموم وتقاضوا مكافآت على ذاك العمل المشين. ومن هنا أود أن يوضح الصديق الروائي فؤاد التكرلي هذا اللبس، فالذي رواه لي في لقائنا بدمشق ربيع 2002 في جلسة ببيت الصديق الشاعر جمعة الحلفي كونه عانى من الرقابة على نصه "الرجع البعيد" ومنع من النشر داخل العراق مما أضطره إلى نشره في بيروت ( لكن رغم نشر هذه الشهادة في شباط 2004 في جريدة الصباح الرسمية في العراق على حلقتين، وفي مجلة عيون الصادرة عن دار الجمل ألمانيا لم يرد التكرلي على ذلك وهذا يعني أن كل ما قلته حقيقة لا يستطيع مواجهتها والرد عليها لا سيما وهو يتلون الآن ويصبح مستشارا لرئيس العراق الجديد الطالباني). والشيء بالشيء يذكر، قلت أن الكاتبين براغمتيان وبذهني الروائي المبدع "غالب هلسا" الذي كان وقت تركز السلطات بيد الطاغية وإلغاء مظاهر الديمقراطية الزائفة وقت الجبهة الوطنية، بمحاولة تصفية الشيوعيين الحلفاء واليساريين، الديمقراطيين، في العراق ويعمل في مؤسسات السلطة الثقافية، وبدلاً من الصمت والتمتع بالمكاسب المادية الضخمة أعلن موقفه في مقالة طويلة وغادر العراق ليكتب رواية جميلة هي "ثلاثة وجوه إلى بغداد" والتي أزعجت الكل بسبب صراحتها في تناول المرأة العراقية في السرير، وهذه الموضوعة إحدى التابوات في الأدب العراقي، وحتى لدى اليسار الماركسي. أقول غادر العراق إلى بيروت بعد أن قال كلمته بكل شجاعة وجرأة سلوكاً وكتابةً، ولم يفعل مثل الكاتبين التكرلي وجبرا اللذين خلت نصوصهما من مديح السلطة لكنهما بقيا يتمتعان بامتيازات مؤسساتها كما بين "فيصل عبد الحسن" في رده الذي أجد في ادعائه شيئا من الصحة من خلال ما نشره التكرلي عن زياراته إلى بغداد في الصحافة طوال فترة حكم الطاغية البغيض دون إشكال. سجل الروائي "غالب هلسا" موقفا واضحا وصريحاً، وكان رسالة للمثقفين والمبدعين العرب بكتابته مقالاً صريحاً عن الوضع الميداني في العراق وقتها،والسلطة كانت تعد لحربها مع إيران. وفي نصه الروائي الجميل " ثلاثة وجوه إلى بغداد" صورَّ بشكلٍ مبكر أجواء القمع والرعب في بغداد وقت تصفية اليسار العراقي.

فمن أصغى ومن سَمِعَ من الكتاب والمبدعين العرب؟!.

القلة أو لا أحدَ!.

أستمر المربد وحشود الشعراء والنقاد والمثقفين تتوافد في الموعد المحدد بالضبط لتساهم بهذا الشكل أو ذاك في تجميل وجه النظام البشع، ولتغترف من مال العراقيين المساكين وتشكر الطاغية الكريم، فحتى منتصف الثمانينات وأواخرها كانت حشود الكتاب والمبدعين العرب تتجمهر في مهرجانات القتلة، والشاعر الفلسطيني "محمود درويش" الذي تغزل ببغداد زمن حاكمها الجائر فأثار وقتها جدلا في الصحافة الفلسطينية، إذ قام الصديق "محي الأشيقر" بكتابة مقالة حول قصيدة "درويش" وزيارته فقام بالرد وأثار جدلا واسعا في الوسط الثقافي العربي، صحبه في زيارته تلك "سليم بركات" لم يسمع وقتها أحد من أولئك الكتاب والشعراء العرب صراخ المثقف العراقي والمبدع العراقي المنفي الذي كان يرى بمجرد زيارة المبدع العربي للعراق زمن القتلة المتوحشين يعد إجحافاً بحق الثقافة والإنسانية وتبريراً لشرعية أولئك القتلة. بالعكس فقد صنعوا منه أسطورة قومية، وظاهرة تعوض غياب "جمال عبد الناصر" حبيبهم، فنزار قباني أسبغ عليه صفات كلية كما يقول الشاعر هاشم شفيق في مقالة بجريدة النهار في 20 نيسان 2003 مستشهداً بهذا البيت "هو من قطر اللون الأخضر في عيني" عدا حشد من الكتاب والمثقفين السوريين والمصريين والفلسطينيين والتونسيين والأردنيين والمغاربة من ذوي الهوى القومي كانوا يجدون به حامياً لبوابة الوطن العربي الشرقية وبهذا المعنى كانوا يباركون حربه نيابة عن أمريكا على إيران. الحرب التي أروي طرفاً من موقف الكاتب ذي الضمير منها، ففي الوقت الذي كانوا فيه ينامون في فنادق بغداد الراقية وينعمون بملذات الأكل والشرب وعطايا النظام، كنا نلوذ بأنفسنا ونهرب من جحيم القتل المجاني في جبهتهم الشرقية إلى الجبال النائية في كردستان العراق. ولتلك التجربة قصة أخرى، لكنني سأروي لكتبة الحرب العراقيين وللكتاب العرب ممن كان ينام قرير العين في فندق فلسطين ويأكل ويشرب ما لذ وطاب، هنا حكاية طريفة عن مبدع عراقي أخر له نفس حكايتي.. كنتُ وسط الثوار في الجبل، ندور بين القرى النائية الفقيرة. نبيت في الجوامع ونحصل رغيفنا من بيوت الفلاحين الأكراد، ونرتعب من صوت طائرة مروحية كانت تصطاد بين الحين والحين مجموعة منا محدثة مجزرة. كنا في قرية أسمها "مالومة" خلف سلسلة جبال "مكرون" المحيطة بالسليمانية. كنا نجلس في باحة الجامع نتسلى باصطياد القمل من آباطنا ومناحي أجسادنا. كان ذلك في أواخر كانون الأول 1982 في عز البرد والجبال مكسوة بالثلج عندما همس بأذني نفس الشخص الذي ساعدنا على الالتحاق بالجبل "محمد حسين":

ـ وصل القاص جنان جاسم حلاوي!.

فهرعت إلى مدرسة القرية المتحولة إلى مقر مؤقت، فوجده هنالك منهكاً يتفاوض مع أحد المسؤولين الذي كان يحاول أن يستبقيه معنا في السرية مقاتلاً. وفي غرفة المدرسة الرطبة المهجورة تلك تعارفنا. كان هو الآخر هرب من جبهة الحرب حاملاً على ظهره حزمة كتب، ساومته كي يتركها لي محذراً من بعد المسافة إلى المقر في "بشتاشان" ووعورة الطريق، فترك لي رواية "التكرلي" ـ الرجع البعيد، ورواية "ماركيز" ـ قصة موت معلن ـ لكنه أبى أن يمنحني كتاب "شرح أبن عقيل". ودعته في فجر اليوم التالي وذهب إلى المقر الرئيسي في "بشتاشان" ليعيش تجربة مهولة حينما تقاتل الثوار فيما بينهم. الشيوعيون والبرزانيون من جهة، والاتحاد الوطني الكردستاني من جهة أخرى. سيشهد مجزرة من نوع أخر. وسيصورها في روايته ـ ليل البلاد ـ التي صدرت عن دار الآداب 2002. الرواية التي تحكي قصة ذاك الجندي العراقي الذي كانه "جنان حلاوي نفسه" في جبهة الحرب، ثم في صفوف الثوار، مأساته وأحزانه من رؤية تعري كتبة القادسية الذين ما زالوا ودون خجل يدافعون عن ذلك السم الأدبي.

أما أنا فظللتُ أدور بين القرى مشدودا إلى زوجتي وابني إلى أن حزمت أمري وأقنعتهم كي يسمحوا لي بالتسلل سراً إلى المدن. لأعيش قصة أخرى بين المخبأ وجبهة الحرب من جديد ومعارك "الحويزة" على حافة أهوار العمارة 1984. ثم التحق ثانية إلى الجبل لكن هذه المرة بصحبة زوجتي تاركاً ابني.. سأصاب بقصفٍ كمياوي في 5/6/1987 سأترجح على حافة الموت وأنجو بعجزٍ قي الرئتين يبلغ 60% سيجد القارئ طرفاً من هذه الحكاية في روايتي "برازخ وأخيلة" التي منعها رقيب اتحاد الكتاب العرب في سوريا عام 2002. سأتشرد في معسكرات اللاجئين في تركيا وإيران. ولما وصلت إلى الدانمارك عرفت أن العديد من المبدعين العراقيين قد مروا بهذا المسار لكنهم لم يمكثوا بالحركة المسلحة إلا لبرهة وجيزة وقت العبور.  "شاكر الأنباري" سيصور في نصوصه الروائية وقصصه المزيد من تلك الأجواء والتجربة رواية ـ ألواح 1995ـ و ـ ليالي الكاكا 2002 ـ . نفس مسار ذاك الجندي العراقي المسكين المقاد إلى الذبح لكنه يقاوم ويهرب إلى كردستان.  "حميد العقابي" سيصور في كتابه ـ أصغي إلى رمادي 2002 ـ تفاصيل تجربته كجندي في معارك المحمرة وتلك المجزرة الرهيبة، وهروبه إلى كردستان وتفاصيل العيش في معسكرات اللاجئين الإيرانية ممزوجاً بسيرته الذاتية في الطفولة والصبا. "حمزة الحسن" والذي له قصة أخرى يقال أنه هرب من جبهات القتال مباشرة إلى إيران ليعيش رحلة معسكرات اللجوء الإيرانية والباكستانية قبل أن يستقر في النرويج نجد ذلك في ـ سنوات الحريق ـ و ـ الأعزل 2000 ـ نفس حكاية ذلك الجندي العراقي الحائر بوجوده والهارب المختفي المذلول في الجبهة ومعسكرات اللجوء والمتشبث بالحياة.

نستطيع هنا القول وبعد تراكم العديد من النصوص الروائية والقصصية القول بأن هنالك تيارا أدبياً تبلور له سماته الخاصة، يصور ما جرى حقا زمن الحرب الإيرانية العراقية ويكتب عن تجربة معايشة حيه ومن زاوية موضوعية تنحاز للإنسان كقيمة مطلقة. هذا التيار سيكون التاريخ الحقيقي لعذاب الجنود العراقيين والهاربين، قمع السلطة الهمجي، ويحضرني هنا مشهدان:

 الأول:  فصل من رواية ـ ليل البلاد  2002ـ لجنان جاسم حلاوي وهو يصور كيف يُجبَرْ المساجين في سجون الوحدات العسكرية على الزحف حتى فتحة المرحاض، وكيف تقوم الشرطة العسكرية بتغطيس رأس الجندي في الخراء، ومشهد الضرب المبرح للمساجين بالعصي والهراوات، وهو ذات المشهد الذي عرضته قناة العربية الفضائية الذي أشرت له.        

والثاني: في روايتي "رؤيا الغائب" 1996 صورت تلك اللحظات العصيبة التي يدخل فيها الضابط إلى غرفة التوقيف ليختارني مع آخر فيكبلوننا بجامعة حديدية إلى الخلف، ويعصبوا أعيننا بقطعة قماش ويحملونا إلى معلب تكريت لكرة القدم، لنشد مع المحكومين بالإعدام، ثم نستثنى بعفو رئاسي في آخر لحظة، في تمثيلية مفبركة تُظهر للجموع المكتظة على مدرجات الملعب مدى حنان ورحمة الطاغية، لنشهد تلك المجزرة البشعة أنا وجندي متأخر ليوم واحد عن وحدته، جندي لا أعرفه وجدته في مركز التوقيف. كان ذلك في الشهر العاشر من عام 1983 بعد عودتي سراً من كردستان بمدينة ـ تكريت ـ.

هذا التيار يشتغل على نفس الفترة الزمنية والأحداث ـ الحرب العراقية الإيرانية ـ التي أشتغل عليها كتاب السلطة، وأبرزهم من فاز بجوائز قصص وروايات الحرب ـ قادسية صدام ـ ، جاسم الرصيف، فيصل عبد الحسن، عبد الخالق الركابي، وفهمي صالح، وعلى لفتة، ورهط من الكتاب، محسن الخفاجي، محمد شاكر السبع، محمد مزيد، وارد بدر السالم، محمد حياوي، ثامر معيوف، عبد الستار ناصر، حامد الهيتي، وغازي العبادي، ـ ويستطيع القارئ الرجوع إلى كتاب "سلام عبود" ـ ثقافة العنف في العراق ـ الصادر 2002. ليطلع على المزيد من أسماء شعراء أو ناثرين ممن سوق قيم الموت وبرر القمع والحرب ليعين الطاغية بنصوص قامت بتزييف الواقع وتفصيله حسب مقاس أيديولوجية القتلة.

ستظهر المزيد من النصوص للكتاب المذكورين في الأيام القادمة، وستعرض المزيد من التفاصيل والتجارب لا سيما وأن الطاغية زال الآن وسلم البلاد للمحتل بقضها وقضيضها. إذ سيستطيع الكتاب المذكورين العودة إلى العراق وتعميق نصوصهم الجديدة التي تستند إلى وضوح الرؤية التي أزهرت نصوصهم الممتلكة ذلك الحياد الموضوعي غير المنحاز لفكر بعينه والمتمسكة بالإنسان العراقي كقيمة أهدرها نظام الطاغية سحقاً. ومن هنا أهميتها واحتفاء الوسط الأدبي العربي بها.

هذا الجهد سيتضافر مع جهد كتاب لم يكتبوا لحروب الطاغية مؤثرين الكتابة بقناع التاريخ وشعرية نصوصهم الغامضة كمحمد خضير ومحمود جنداري من جيل الستينات، ولؤي حمزة عباس ونعيم شريف من جيل التسعينات إضافة إلى العديد من النصوص التي لم تقع بين يدي أو غير المنشورة إلى الآن، ستتضافر هذه النصوص مع نصوص كتاب المنفي المبكرين لتظهر نصاعة النص العراقي الحقيقي الذي تطور بشكل كبير مقارنة بنصوص الكتاب العرب وذلك تأتى من طبيعة التجربة العراقية واحتكاك الكتاب المنفيين بثقافة البلدان التي يعيشون فيها، وكتاب الداخل ببحثهم عن وسائل فنية يتقي بها الكاتب عسف سلطة دموية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـ النص كتب الشهر السابع 2003. نشر على حلقتين في جريدة الصباح العراقية في 14ـ15ـ شباط ـ 2004. وفي مجلة عيون العدد 17.

 

أدناه تحليل لقصيدة "التتر" لعلي الشباني التي أشرت لها في الشهادة

                                    

"التتر" قصيدة ذات بنية ملحمية متموجة تفضح زمن الطاغية ومن تعاون معه:

 

 سأتناول قصيدة "التتر" بالتحليل كونها من أهم القصائد الملحمية التي ترسم أطراف الصراع وما كان يجري في العراق أوائل الثمانينات أي بعد مرور أكثر من أربعة أعوام على الحرب العراقية الإيرانية. وتشير بشكلٍ صريح إلى الدول التي دعمت النظام الدكتاتوري في حربه على إيران، وما تخدمه تلك الحرب وما سيؤول إليه الوضع بالمحصلة. وتصرح بدقيق التعبير كون كل ما يجري سوف يخدم مصالح أمريكا وطمعها في ثروات العراق. قد يبدو كلامي في توصيف القصيدة وكأنها مجرد مقال سياسي مباشر، لكن حقيقتها بخلاف ذلك. فالقصيدة ملحمية تغور عميقاً بتاريخ العراق السالف والمعاصر لتؤشر على المفاصل التي أدت إلى هذا الخراب. وتحاور في الكثير من مواضعها التاريخ البشري المعني بسحق شعوب بأكملها بصوت عراقي يتلون بين الأقدام على الشهادة بإعلان تمرده وبين الخوف من التصفية الجسدية بعدما ذاق صوت القصيدة وطأة الإذلال في الزنزانة العراقية الفريدة بامتياز إلى حدود الانصياع إلى السوق لجبهة الحرب. ووسط هذا المناخ العاصف للقصيدة والمشغول بالتفاصيل التي كانت تجري وقتها تشطح القصيدة لتهجو الدكتاتور بالاسم الذي كان في أشد قوته فالقصيدة مؤرخة في تشرين الثاني عام 1984 وتهجو كذلك أولئك الشعراء الذين ساهموا في التطبيل لتلك الحرب وللدكتاتور ومحاولة تزييف ما كان يجري بأشعارهم ونصوصهم الممجدة لفعل الشر والحرب والمستحضرة بداوة القبيلة في عصر ما قبل الإسلام بكل جلافتها وانغلاقها. تهجو كذلك البلدان النفطية العربية التي ساهمت بتخلف سلطاتها وبداوتها في ترسيخ كل القيم الرديئة، بل يعزو إليها كل الخراب الذي عصف بالبلدان العربية الفقيرة. كما أن القصيدة تشير بوضوح إلى أن العراقي كفرد هو الضحية لكل تلك اللعب السياسية، وما موته في الحرب العراقية الإيرانية سوى قربان لتلك الأنظمة التي كانت تدفع ثمنه نقداً للنظام العراقي. وتؤشر بصريح العبارة إلى حركات المعارضة في ذلك الزمن المتمثلة في الحركة المسلحة في كردستان العراق، والحركة المسلحة في أهوار الجنوب العراقي قبل تجفيفها. أي أن القصيدة ترسم الخريطة السياسية العراقية في قواها المتصارعة في ذلك الزمن. كما أنها تتحول في الكثير من مواضعها وبدقة محسوبة تبدو شديدة العفوية لدقة الصوغ الفني المانح شيطان الشاعر الخبير كل المساحة الموجبة لطبيعة هذا الصوغ الملحمي الفريد في القصيدة العامية العراقية. تتحول إلى وجد صوفي تحير بشأن المحبوب "العراق" فيدخل معه في حوار يتكرر بين هجاء وأخر. حوار مرة عنيف فيه من العتاب العراقي الساخن المعتد بنفسه، ومرة عتاب ذلك العاشق المذلول الضائع بسماء معشوقٍ، به كل ذلك العمق والثراء والقصة والمسمى "عراق". ليحتدم بضجيج الوعي.. الكتاب الضاوي حزن، والشهيد الناهض، والمهاجر المنفي في ظل تلك الظروف. لتكتمل الخريطة بالمتصارعين في داخل الخريطة، بالغائبين في السجون والمقابر، وبالهاربين صوب المنافي، وبالمساقين إلى الجبهات كخراف.

ـ أي عذاب تحمل وطأته العراقي؟!.

هذا سؤال قصيدة "ليل التتر" الملحمية والتي لها قصة أخرى، سأسرد طرفاً منها. وصلتني مخطوطة أشعار الشباني في أواسط تسعينات القرن المنصرم، وكنت شاهداً في أواسط السبعينات  على منعها من قبل رقابة وزارة الإعلام العراقية وقتذاك، وكان "علي" قد أضاف للمخطوط ما كتبه من قصائد يشير تاريخها إلى أواسط الثمانينات، وقد أصر الشباني على طباعة ديوانه وبالاسم الصريح في رسالة ذيل فيها المخطوطة التي لا زلت احتفظ بها. وبمساعدة بعض الأصدقاء نضجت فكرة طباعة ديوانه "أيام الشمس". حملت المخطوطة معي إلى دمشق القريبة من المزاج الشعري العراقي. وهناك تشاورت مع الصديق الشاعر العامي العراقي "جمعه الحلفي" والصديق المثقف والمصمم "طالب الداوود" حول المشروع. وبعد قراءة متعمقة للديوان "بالمناسبة وقف الشاعر المرحوم عزيز سماوي ضد طباعة الديوان خوفاً على حياة صديقه الشباني برسائل عديدة في خضم المحاورة لطباعة الديوان لكنني أصررت على الطباعة بعد أن أكد لي الشباني بأنه يريد ذلك ومهما يكن الثمن". اتفقنا الثلاثة على استثناء قصيدة "ليل التتر" من الظهور بديوان "أيام الشمس" الذي صدر عن دار ـ نينوى ـ دمشق عام 2001. في تلك الجلسة الحميمة ببيت الصديق طالب الداوود قال "جمعة" وبعينيه دهشة:

ـ علي.. مجنون.. حقاً.. مجنون. فلو ظهرت هذي القصيدة بالديوان سيعدم فوراً!.

أعدنا تلاوة القصيدة معاً. اتفقنا على أهميتها من ناحية ووجدتُ بها شخصياً شاهداً مهماً على صفحة مهمة من التاريخ العراقي المعاصر، كونها قصيدة بلغت بالصوغ الفني لقضايا حارة بلغة شعرية خالقة بمحوها ذلك التصنيف الذي يجعل من القصيدة المنشغلة بالشأن السياسي منزوعة الفنية، حيث غارت بكل التفاصيل والشؤون التي ذكرتها دون الوقوع بإسفاف المباشرة وصراخ الغضب الفاقد للحظة التأمل الشعرية. لكن نشرها في الديوان سيكون مقتل الشاعر الشاهد. فخلصنا إلى حجبها وظهر الديوان دونها. لكن الآن وقد سقط الدكتاتور وسلم البلاد بقضها وقضيضها إلى المحتل مؤكداً نبوءة الشاعر في القصيدة وهو يصرخ

يا نار النفط كم..     ترف

   بعد وبيارنا المهجورة تختمها لأبن تكساس

خلفيتنا (فهيم) وريحه غربية

                         (وبالظلمه يشيل الراس)

وجدت من المهم أن تظهر هذه القصيدة إلى العلن إلى العراقي. كي يعلم من لم يعلم أن هنالك من بقى داخل الوطن وتمكن من ترتيب حياته العملية العيش والعائلة لكنه لم يبع شرف الكلمة والموقف راداً على كل من كتب ليسوق قيم الحرب ويطري الدكتاتور. فلندخل عالم هذي القصيدة الملحمية المكتظة بالصراخ.

يحيل عنوان القصيدة "ليل التتر" إلى التاريخ العراقي المباشر لسقوط الدولة العباسية أخر قلاع الحضارة العربية الدارسة. والمتأمل المتجرد من التفسيرات المسبقة المعنية بالمطابقة الميكانيكية لعنوان القصيدة سيجد أن من عصف بالعراق قوم هم ينتمون بالروح إلى نفس تلك الأقوام الرعوية التي اجتاحت بغداد أواخر العصر العباسي. فنقرأ الآن العديد من الحكايات التي نشرت في الصحافة بعد سقوط الدكتاتور عن ولعه بالرعي الذي كان يمارسه في طفولته بقرية العوجة بتكريت سارحاً بأغنام زوج أمه. قسوة البدوي.. التتري وهو يستبيح العراق بأول بيت في القصيدة.

فتح باب العراق..

                 بليل

كسر باب العراق.. بدم

ذبح بالماي روح السد

على الوحشة رسم طوله..

                           ومعني الموت

                           بالطوفان ضاع الحد

يحفر الشاعر باللغة سمات الدكتاتور بكل ما يحمله من ظلام وعطش وقتل يشبه الطوفان. وفعلاً ضاع العد في مقاتل العراقيين عرباً وأكراداً في المقابر الجماعية، في السجون، وجبهات الحرب، وسموم الكيمياء التي نثرها على الكرد وثوار الجبل.

وجدت في معرض تحليلي لنصوص قصصية وروائية عراقية أن انقلاب الثالث والستين الدموي مفصل بين زمنيين في تاريخ العراق السياسي المعاصر. كونه أشاع ثقافة الدم، التعذيب حد الموت، الاختفاء الأبدي في المعتقلات، الاغتصاب الجسدي قصد إذلال الخصم الفكري، الاغتيال، الاعتقال الجماعي، الشكل الأولي للمقابر الجماعية، فلحد هذه اللحظة أتذكر بوضوح كيف هرع الناس إلى الحقول المجاورة لمرقد "ابن الكاظم" وقرب معامل الطابوق في ضواحي مدينة "الديوانية" وقتذاك والشرطة تنبش قبور من قتلوا تحت التعذيب ودفنهم الحرس القومي سراً. كشف عن ذلك بعد أن انقلب "عبد السلام عارف" على البعثيين. وهم فعلوا كل تلك الفضائع خلال ستة أشهر فقط. هذه الثقافة ستسود لاحقاً لتؤسس للحروب والموت والخراب بعد أن حكموا العراق طوال خمسة وثلاثين عاما. وقصيدة الشباني تؤسس بنيتها الفكرية على هذا المفصل الذي يكمن فيه جذر الخراب العراقي المعاصر.

ولبست ثوبها المحروكـ.. من الثالث وستين

ويوميه يطر بالروح حزن الثالث وستين

يتكرر محاورة هذا المفصل في العديد من قصائد الشباني منذُ قصيدة "خسارة" الشهيرة التي كتب نصفها في السجن وأكملها بعد إطلاق سراحه في عام 1967. لكن كما قلت سابقاً أن شعر الشباني مثقل بالمقاومة الروحية رغم وطأة وبأس الظالم، وهذه المقاومة مستمدة من مقاومة العراقي الذي لم يستسلم يوماً، بل قدم جسده قرباناً ليوم يتحرر فيه من الظلم. هذا المعنى الذي يكتسب في بقعة دامية على مد التاريخ كبقعة ما بين النهرين ترتقي به قصيدة الشباني إلى مصاف الأسطورة المعاصرة في زمن العولمة الذي لا أساطير فيه غير رأس المال الحر الساحق في طريقة الإنسان بهذا الشكل أو ذاك. يجعل "الشباني" من العراق بقعة تفخر بما قدم أبنائها على اختلاف قناعاتهم الفكرية من شهداء، ولم يهدءوا يوماً مما جعل من العراقيين شعباً تميز بشراسة مقاومته للحاكم الظالم ولسلطات الاحتلال، في وعي عميق بالتاريخ الدموي والنضالي لسكان هذه البقعة المقدسة.

يا شعب الشهادات المشت نشوان بالنيشان

يتقدس ترابك.. يا وطن.. يندار

كل أوطان هذا العالم التلفان.. من تنزار

تسجد للعذاب البيك وتصلي

أزور ترابك بثوب الشهادة

                         وتنبض السكته شرف

الشباني شديد الوثوق بالروح العراقية، بهمتها وقدرتها، شدة تولهها بترابها، فنراه يمزج بين ذلك الفعل المستحيل الكامن في روح العراقي المقاوم وبين الحزن القائم من روح الحسين وطقوس العزاءات الكربلائية التي تأتي ببيت علي الشباني الشعري بطريقة عفوية منبثقة من طقس الجنوب ومن طفولة الشاعر المشبعة بذلك الندب الذي يكاد يكون مع مرور الأيام والسنين أبدياً. ففي الشاهد الذي سوف أورده يكثف الشباني في بيت شعري طقوس نسوة الجنوب اللواتي يشدن العباءات حول الخصور ويلطمن راكضات بشوارع مدن الجنوب بعد أن يغبشن إلى شاطئ الفرات ليطينَّ وجوههن في طقس تشييع ودفن جثة الحسين في اليوم الثالث عشر من محرم الموحش

وأغني تخضّر العودان

وأطيّن وجهي.. لا فرحان

                        منك.. لا.. ولا حزنان

بس طعم المحبة وياك..

                     ما يرهم بلايه ونين

وفي محاوراته مع العراق والعراقي، وصوت الشاعر يحدس ضياع  رموز الأمكنة المتمثلة في القصيدة ببغداد كونها تاريخ وعاصمة الزمن العراقي المعاصر، بوقت مبكر جداً وكأنه يتنبأ بزمن الاحتلال القائم هذه اللحظة.

مهرة بدمك التعبان..

تهذب عارية بلا سور وتسولف:

                               جم بغداد ينراد إلنا يا بغداد

                               وندامن على سنين الحرب والعوز

جم غيبة شمس وتكوم..

يتصاعد في القصيدة الحوار مع تراب الشاعر وحزن أبناء جلدته المبتلين وهم يساقون إلى حرب لا معنى لها ولا موجب إلا بما يخدم وقتها دول النفط الخليجية التي تعزو القصيدة كل المظالم وما وقع لأرض العرب ومن عاش معهم لتلك السلطات البدوية الثقافة والمتناغمة الإيقاع مع ثقافة صدام وأصله الوضيع بمعيار الحضارة وثقافة حقوق الإنسان. الشباني يسجل اللحظة التاريخية تلك في قصيدته هذه، والتي أجد فيها مسكاً لجذر حقيقي ليس في محنة العراقي فقط، بل في محنة الإنسان في ظل هذا الوضع الملتبس. يسجل الشباني ذلك الموقف بمشهدٍ قصصي صاغه شعراً عراقياً محكياً. ففي خضم انشغال القصيدة في الخراب العراقي يلتفت الشاعر إلى وجه صبية لبنانية امتهنت العهر صادفها في القطار النازل إلى البصرة وهو في طريقه للالتحاق بوحدته في الجبهات يشطح بالقصيدة هذه المرة ليس شطحاً صوفياً بل غضباً عارماً يتلون بين شدة الغضب وشدة الحنان للعاهرة الضحية التي ترى فيها القصيدة بحسٍ وشفافية جديرة بالشعر فقط شاهد الخراب العربي الكامن في بداوة الأنظمة الغنية.

أشوفك بالحلم مهموم.. وأتلملم

بيني وبينك النيران

تلهب نار.. يا نفط العرب

                         بعيون لبنانّية تتوسل

صعدت بالقطار النازل البصرة

حنان عيونها الذبلانه يروي جيوش وولايات

ذبحت روحها الترفه المحطات

.. البحر أخر محطه.. تفوح بثياب العرس

والخجل سيف.. يمر على جنود العرب..

والنخوه مبيوعه بالإعلانات

من عسكر لعسكر، طولها المرهون للشهوات

من تطفح مذلتها دمع..

                   تنسه بوجهها عيون

طول ذراعها الموشوم..

                        سيف انكسر من ردس الخطابات

وحماس الرمل من يصبح شعر موزون

هذا السيف، بس يركض على الجيران

في إشارة لفداحة الحرب التي أشعلها الدكتاتور على الجارة إيران. وتغور القصيدة في عمق وجودي يشي بالمبلغ الذي وصل إليه العراقي ذلك الزمن اغتراباً، فأصبح لا حول له ولا قوة، وضمير المخاطب الشعري يعود إلى العراقي المتعايش مع تلك الظروف والذي لم يستطع أن يتخذ موقفاً يجعله شهيد أو منفي. أي أننا إزاء أهم صوت موضوعي يمثل ذلك العراقي الذي عاش وقاوم وناور كي يبقى في زمن السحق المطلق والذي سرعان ما شبت من جديد بعد زوال الطاغية. فيصرخ شاهد القصيدة عن موته اليومي وعدم قدرته على الفعل والقول الصريح.. يصرخ بالعراق:

بيني وبينك الصلبان

وكأن روح العنقاء تكمن بكيان العراقي:

صلبوني عشر مرات.. من رديت

                         لنك وردة بالنسيان

أشمك وأنترس ريحه

تنغمر القصيدة في بحر الروح، فيحاور صوت الشاعر نفسه لحدود ينعتها بالجنون:

طولك قافية شاعر.. صدكـ مجنون

وفي خضم تلك المحنة حيث يساق الشاعر إلى جبهة الحرب كي يموت بلا شرف. في الخضم تزدهر الأحلام والقصائد والرؤى، فتتجلى القصيدة وتختزل كلمات البيت الشعري تلك الأحلام إلى مكونات الحياة الأولى التراب والضوء والماء في تشبث بالوجود يميزّ العراقي. أقول ذلك رغم أن هذا القول قد يزعج غير العراقي من العرب:

أهاجر.. روحي تنزل بالتراب سنين

                                  وترد بالمطر خطفة ضوه

أنت أقره من كثر السراب.. وضِيعْ

                                  تصفه بلا محبه.. وحزنك بكثر الهوه.

في شدة وجد العراقي المهدد زمن الحرب والقمع حيث يصير الماء والهواء حلماً. في المحنة التي هي محض عراقية يصرخ الشاعر مخاطباً روح العنقاء التي كمنت بروح العراقي وهو يتحول في كثافة بيت الشباني الشعري الفريد إلى جسر وبستان.

أنت أعبر بروحك جسر.. رغباتك البستان

العراقي الحالم بسلام البستان والورد والثمار حوله الدكتاتور إلى مشروع للقتل والذبح. وهنا تصل القصيدة إلى واحدة من ذرواتها المتعددة، إذ يطفح غضب الشاعر فيشطح به البيت الشعري إلى تشخيص أصل الدكتاتور موظفاً أسم قريته "العوجه"، ولكنه يقوم في القصيدة  بتنقيط أسم القرية. وهنا أسجل دهشتي من جرأة الشاعر وهو يفضي بكل هذا الوضوح، ثم وهو يبعث بالمخطوط من بريد الديوانية أواسط التسعينات. فالمقطع الذي سأورده كان كفيلاً بتصفية الشاعر جسديا فيما لو عثر على القصيدة، أو انتبهت لها رقابة البريد، وأعتقد سوف تكون الصورة واضحة لدى القارئ عن سبب استثناء القصيدة من النشر في ديوان الشاعر الوحيد "أيام الشمس":

أنت أعبر بروحك جسر.. رغباتك البستان

تنحر فجرك الغربان

كل خطوة من دربك.. شتل صلبان

عدوانك بهذا الزمن صبيان

تظن (.. ..) تنبت غير عوجان

نزلوا من (.. ..) مزروف.. ركصوا ع المذابح

 محاورة الذات وحلم الخلاص اللائح على مدار العمر الذي تنهج به قصيدة الشباني.. الحلم بذلك بالغائب الحاضر، المستحيل الذي هو مرة "صاحب الزمان"، وفي أخرى " نجم" في السماء وفي روح الإنسان.

لابد هنا من الإشارة إلى أن قصائد الشاعر تحاور أضواء الكون، الشمس والنجوم في لحظات من القصيدة حيث يخلو الفرد إلى نفسه بعد موجة صراخ وغضب متأملاً هذا الكون الواسع العظيم، جاعلاً من موجداته الأبدية رموزاً تفلسف حياة الإنسان في محنة صراعه الأبدي مع الأخر محبةً وكرهاً، ومع السلطات مقاومةً وضعفاً، وكان ذلك بشكل مبكر في القصيدة الشبانية:  

عمرت يمه الشمس بخيالي.. ومدوهن أظلن

..

أكعد بدرب النجم يسكيك والسكته ذبح

..

أنشد النجمة الزغيره، أشكد دمع للموت نثت

وأستحت ليفوكـ.. ليفوكـ وطفت

..

أهذب وخلي النجم لمتونك الوسعه كلايد

إلفح الشرجي بيمينك. شرد انجوم البراري

والتعاند تحتركـ

                             عن قصيدة "خسارة"

 

الشمس مثل الناس، من يثكل حزنها بروحي،

                                          واسكت هم

..

أظل كامه بسفرها الكاع تتعب

والشمس بيها عمر تتعب

يظل فيّها شبر

                      قصيدة "الحرف جتال"

بثيابي تلبد شمس.. والحجي اليمشي وياي

..

مهرة زغيرة اللعب، كذلتها تصهل شمس

..

حنيت حتى الشمس.. زغرت واجت.. زغرت واجت

نقطة على بيت الشعر تضوي

..

غايب ينجم البخت.. يمته الشمس تندار

                                       عن قصيدة "أيام الشمس"

 

تكاد لا تخلو قصيدة من ذلك المزج الفني العجيب بين رموز الطبيعة وفعلها في روح الإنسان. فالبيت الشعري يلعب في مكونات الكون الهائلة لغة ليكسبها تلك المعاني العميقة ويجعلها في مخيلة السامع تبض حياة وتمنح معنى متحرك يختلف عما يبدو ظاهراً من سكون. الشباني عندما يفلسف المعنى مشركاً أجرام الكون في الشأن البشري فهو يعبر عن حقيقة أثر السماء على روح الإنسان المنشغل بتلك المصابيح الغامضة منذ فجر البشرية وإلى هذي اللحظة من ناحية، ومن ناحية أخرى يعبر عن ذلك الصخب المستمر في شمسنا المشتعلة كي تمنح ما حولها الحياة. فهاهو في قصيدة "التتر" يستنجد بنجم الشرف الضائع زمن القمع:

يا نجم الشرف، من تنطفي بكل ليل

يصحه سهيل

يغسل روحه.. بالسكته النديه.. ويلمع بكل حيل

وينك يانجم مبعد؟

يستنجد من هذا النزف الدامي للعراقي على جبهات الحرب، يتوسل من هول تلك الكارثة ناشداً عن النجم البعيد الذي يعتقد الشاعر بظهوره سيزول الهم.

عليك بكل مزار أنشد

عليك بشاحنات الموت.. بالحرب الطويلة

                                     وقافلات الهم

عليك أنشد

تتموج القصيدة بين اليأس والأمل، المقاومة والضعف، الشتم والنواح، هذه الحركة المتموجة تبدو شديدة العفوية تكتسب من حركة موج البحر إيقاعها، لكن من يتأمل النص ويعيده يكتشف تقنية بالغة المهارة تقف خلف بنية القصيدة المتموجة بإيقاعاتها المختلفة وهي تصرخ وتتأمل وتتوسل وتنوح في معادلة موزونة تضبط ذلك الدفق الشعري المتلون بلون الحالة وبكل ما تحله من ثقلٍ فكري يحلل ويستبطن ما جري لبشر العراق تحت وطأة الحرب. لنتأمل شكل الموجة في القصيدة، فبعد ذلك التوسل بالنجم الغائب بكل ما يكتظ به البيت الشعري من شحنة حسية مكسورة النغمة تقود إلى موجة غضب تصعد من دفق القصيدة نحو الأعالي الغامضة المستحيلة على العراقي " الطير المذبوح والمقيد بالذل" الناظر بعجز نحو العراقيات اللواتي يندبن أولادهن، وأزواجهن، وأحبائهن. فيتحول الخاطب في ذروة موجه نحو العراقية المهددة الباكية فقدانها المستمر:

عليك أنشد.. وأرد ألتم

طير مجروح.. ومجتوف

بالذل.. كل مسامه إسيوف

نوحن يا سبايا الوطن.. بس لِلْوَنْ

هذا العمر يمشي بكل مسافات القهر.. ويغيب

للموت النبت بالعين.. بالدم..

                          بالرغيف وعثرة الطيب

عند هذا الحد من سيادة الموت ودخوله كل مفصل تفصيلي في يوم العراقي، يعلن صوت القصيدة الواعي فاضحاً ذلك اللعب الخفي الذي ضحيته العراقي المسكين في موجة ذات نغمة مختلفة لكنها شديد الانسجام مع إيقاع سابقتها تيمة: 

موتك يالعراقي.. البيه طعم سوكـ النفط..

                                      ومبادل الدولار

موتك حطب، حتى النار

تسري بكل زرع مبخوت

وأنت تموت

                         بس كون الخليفه يدوم

                         ليله وعسكره المسموم

                        بس ليل المذابح طال

ويتحول الخطاب في القصيدة إلى موضوع حيوي طالما أثار جدلاً في الوسط الثقافي في التسعينات عندما أبتدأ كتاب السلطة وشعرائها يغادرون العراق إلى الأردن، مدعين زيفاً كونهم مناضلين لاقوا العصف والإهانة من السلطات، بالوقت الذي كانوا فيه من أكثر فئات المجتمع دعماً للدكتاتور وسلطة القمع بمساهمتهم في تزييف وعي الإنسان البسيط بضخ العشرات من النصوص الممجدة لشخص صدام قبل الحرب مع إيران. وكان دور الشعراء العاميين دور المحرض والمهيأ لقبول العراقي بفكرة الحرب من خلال مهرجان الشعر العامي التي كانت تبث بحضور الدكتاتور على الهواء مباشرة. ثم كتابة ذلك العدد الهائل من كلمات الأغاني المتغنية بصفات القائد. ليساهم الشاعر العامي لاحقاً في أول أيام الحرب مع حشد من شعراء الفصحى وأنصاف القصاصين، في كتابة أغاني تبث طوال اليوم لتجعل العراقي لا يفكر إلا في صدام وجنوده الأبطال. وهنا في هذه الموجة من قصيدة "التتر" يسجل الشباني ذلك المشهد الزائف، شعراء مداحون، دجالون. طاغية يشعل حرباً ويوزع عليهم الدراهم، قصائد تافهة، شعراء لا يختلفون عن دور الشرطي. وقتها كان الشباني قد شيع وسط الأصدقاء ومنذ أوائل 1978 أنه قد هجر الشعر تقية من الزمن القادم الذي أحسن قراءته، وذلك ما جعله شاهداً لم يزل حياً على ذلك الزمن:

مبحوح الغنة، وفوكـ العيون أنذال

يصعد ع المنصة الوصخه نص شاعر بطول نعال

يطحن بحضن الخليفه..وتنزل أشعاره تبن

طاووس حد الريش عمره

                      وضحكته بكبر السجن

وتهبط الموجة من صخبها إلى قاع الشاعر المنعزل وسط ذلك الضجيج والخراب، والمتأمل حيرة العراق في ظل محنته. ينهل الشاعر كشأنه من مخزون ابن الجنوب العراقي الشيعي المكتظ بالأساطير وحكايات متوارثة لأكثر من ألف سنة عن مذابح الطالبيين التي ورثت من ماضي العراق العنيف أرث المقاومة والشهادة. يعود الشباني في هذه الموجة التي تغور عميقاً ببحر الإنسان مستلهماً من تلك الأساطير والحكايات الروحية، بيوت من قباب الأضرحة الشيعية المقدسة بيوت ذهبه.ومن سدرة المنتهى كما في الحكاية الدينية المعروفة سدرة الجنوب المقدسة المشدودة بعقد كل من له معضلة في حياته والمنتشرة على أطراف البساتين وقرب الفرات وفروعه، والماء في كربلاء بكل ما يحمله من معنى في مذبحة العاشر من عاشوراء. رموز جعلت من البيت الشعري والمقطع بالغ التأمل يوازن موجات الغضب الصارخة والشاتمة والمشيرة بشكلٍ صريح لرموز الظلم زمن صدام:

وأنتَ من تسكت حزن

أنتَ من تكتب شعر.. كل الحمام يهيم

                                  للأنهار

                                لبيوت الذهب ولسدرة الأسرار

                                للماي الزلال وحضرة العباس

ومن هذا العمق الميثولوجي تتدفق الموجة التالية لتمجد الشعر الحقيقي، والثقافة وقداسة الكلمة بكل ما تحمله الكلمة من قدرة على الخلق والتغيير، وبكل ما سفح الشهيد دمه من أجل شرفها، وذلك القسم السري مع الضمير في لحظة المواجهة، ولتعانق بحنان تلك الوجوه التي غابت في المنافي، ولهفة الشاعر في زمن الرعب ذاك وهو ينتظر نقطة ماء تخفف من يباس زمن الرعب. ترسم الموجة التالية من موجات القصيدة رموز المقاومة في الزمن المعاصر بعدما ارتكزت على عمقها التاريخي:

من يبدي الشعر بالراس

مناره.. مناره بطول ليلك.. والضوه العالي مناره

ويا وجه الحبببه كتاب ضاوي من الحسن ويطوف

كل جلمه نسر ملهوف

كل قسم ينهض شهيد

كل وجه مهاجر حمامه

تلكط بدمي السنين اليابسه من الخوف ودروب البريد

يتموج صوت الشاعر المخاطب تلك الرموز المعاصرة القوية التي قتلت في السجون، أو هاجرت إلى المنافي. وهذا شأن شبكة علاقات الشباني نفسه الذي بقى محاصراً، لكنه بالمحصلة هو صوت العراقي في ذلك الزمن، وما يختلف به كونه صوت واعي بالمأساة المهزلة وعاجز تماماً عن الفعل بمعناه الواقعي والفعلي، النضالي المباشر، لكنه في السر يسطر ما يؤرق النفس من قسوة الظالم وذل المظلوم الشاعر بالعار وهو يغور عميقاً لا بالروح فحسب وإنما في الجسد واشماً الدم بمعادلة.. القمع ـ الشرطي، و السوق للحرب قسراً ـ القعقاع بما يحمله من رمز للمؤسسة العسكرية العراقية. هذا الكائن المكبوس ما بين هذه القوى المسيطرة التي تبدو وكأنها قدرية.. وشعورٍ بالذنب لذلك الانصياع المهين يعبر عن قدر العراقي الممتلك لعنة الوعي بما كان يجري والعاجز عن فعل شيء وهو الشخصية المعيارية العراقية التي تشكل الغالبية التي بقت حتى سقوط الطاغية فمن غير المعقول أن تقدم على موت جماعي بإشهار معارضتها أو الهجرة إلى المنفى من ناحية. وصوت القصيدة في الموجة التالية ينطلق من ذلك الضمير الجمعي، فتعرض في البدء ذلك الصبر المشهود للعراقي في ذلك الزمن وتستعير رموز الطبيعة العراقية النخل، ثم تدخل في محنة الوعي الحاد بالقهر والنفس العراقية التي سُلِبَتْ حد الاغتصاب من الطاغية ومن دعمه ذاك الزمن من مشايخ الخليج في معادلة ستنقلب لاحقاً ويكون المستثمر الأكبر "ابن تكساس" حسب تعبير القصيدة.

من صبر النخيل.. والطير

                          منك وأنت تطفي العار

لك يا عار

العار البدمي الما تغسله النار

يا نار التكفي.. ويا رماد يعود

هامه.. وداسها   البوليس حد الكاع

وأجاها بآخر الأزمان.. ياخذ حيفها القعقاع

تركض حافية.. تحيض بزوايا الليل..

تفتح حوضها الخابط للمعرسين..

                             وشيوخ الجزيرة تشيل

تغسل عارها بماي الخليج يشف..

                              والدم ع الرمل يسيل

يا نار النفط جم     ترف

                         بعد وبيارنا المهجورة تختمها لابن تكساس

خليفتنا (فهيم!) وريحه غربية

                            ( وبالظلمه يشيل الراس)

ومن خضم الموجة الصاخبة للذات العراقية المعذبة التي قادت صوت المخاطب في القصيدة ـ الشاعر باعتباره صوت جمعي ـ إلى تقريع الذات وشتم من أفضى بها إلى ذلك الوضع البشري البائس. تتولد موجة هادئة، متأملة تستقرئ المستقبل من منظور يبدو في لحظة قراءتي ومحاورتي للقصيدة تأمل تنبئي وهو يمحو صورة الطاغية من الذات العراقية التي محت عدداً مشهودا من الطغاة الكبار ناهيك عن الطغاة الصغار على مد تاريخها. يمحوها صوت المخاطب في القصيدة مستلهماً كشأن القصيدة عمق ذلك الموروث الديني الأرسخ في روح الإنسان، لنسمعه وهو يخاطب الطاغية:

"آني أقرالك اللوح.. المثل عين الشمس مرفوع

أنتَ تنمسح من وجه المراية العراقية

ونشوف الصافي يصفه بكثر الماي"

وهذا ما جري للطاغية لكن ليس كما كانت تتمناه القصيدة المنشغلة بصوفية وضعها، بل بطريقة شديدة الأمانة لطبيعة الصراع الدولي، لكنها في الوقت نفسه تنبأت بأن الطاغية العراقي ختم أبار النفط للأمريكان في شطح موج غضب إيقاع القصيدة. المخاطب وهو يرى في رؤاه وجه الطاغية يتوارى من المشهد يخاطب البعيد الحاضر في شطح مقطع صوفي يتغنى بالمعنى والطبيعة وكأنه يعود إلى زمن لا شرور فيه، يوتيبيا يحلم بها الشاعر والمثقف والإنسان المسحوق تحت وطأة ظلم وفقر يشبه القدر. فعندما ينمحي الطاغية يظن الصوت أن القادم من عمقها هو المخلص الحلم، صاحب الزمان، أو النجم البعيد الذي طالما خاطبه بمرارة في كل قصائده:

وأكلك مثل كل الناس حبني

بكثر  هَمْ الماي

لكن مخلص الشباني أعمق من ذلك المخلص الذي بظهوره كل شيء يتغير. المخلص هنا معقد يحث على المعنى والتأمل في معادلة تجعلنا نحذر من ذلك التفسير السطحي لتيمة القصيدة، ففي وضع المرايا التي محا في كونها الشاعر الطاغية تظهر معادلات جديدة تلبس روح عراف متيقن من رسوخ عذاب العراقي الذي يبدو من خلال المنظور التاريخي والمعاصر قدرياً أقرب إلى منحى الأساطير والحكايات منه إلى الواقع عند مقارنته مثلاً ببلدان الجوار تاريخياً وحاضراً:

مهموم وتعنيتك.. حبيبي لا تصيح وياي

أحن من تبزغ بروحي.. أنا الصبير وأنت الماي

ما رديت إلك، لو عطش معناك

                            علمني المعاني وَرَدْني للصحراء

وفي البيت التالي يصرح الصوت العارف بأن محنة المعرفة محنة:

منذور لبعيد الشوف،..

                     عمري ومحنة أصحابه

يا عمري بحر ما يغسل المكتوب

بدروبي شفت كل المرايا.. ألوان

ومن عمق هذا العارف الذي رأى كل الألوان وكأنه صوت جلجامش الذي رأى كل شيء في مدار بحثه عن سر الحياة بعد موت صديقه أنكيدو. جلجامش الأسطورة كان قادراً على الفعل وتنفيذ الحكمة في النص فبنى سور أوروك في محاولة مستحيلة للخلود، يفعلها الناس الطيبين في كل الأزمنة بالمعنى المجازي، لكن من خلد جلجامش النص الكلمة المنقوشة في الطين وفي ذات البقعة التي يصرخ من قلبها الشباني في قصائده الرائية وهو يصل إلى حافة الرؤيا في زمنه المعاصر، في زمنٍ لا قيمة للبعد الأسطوري إلا بمقدار ما يرمز فيه إلى هموم إنسان الحاضر. نجد قصيدة الشباني "كونها منشدة بلهجة الناس في عصرها" تقرأ الواقع العراقي كما هو فعلاً زمن التدوين. مضاف إلى هوى الصوت الشعري في القصيدة الحالم بعدالة أبدية واكبت القصيدة الشبيانية منذُ "خسارة" الستينات إلى فداحة "التتر" في أوسط الثمانينات، رؤيا الشباني تقول بالحلم المستحيل:

بس اللون المعّدل، صفه بوجه العساكر

                                     صاح بالبارود والنيران

فتح بالليل مسره للحلم.. ولمحنة الإنسان

                                      رصاص الغدر معبر

مما يميز العمق الفكري لقصيدة الشباني كونها مشغولة بالوضع البشري العام للعراقي وهي تستبطن المحكي بالكلمات. إذ أنها لا تبقى كما أعرضت لمقاطع من بنيتها المشغولة في أسئلة الوجود البشري وصراعه الجوهري بين الشر والخير، بل تعود إلى محاورة ما يجري في بحر اليوم العراقي زمن كتابة القصيدة.. العراقي وقد تحول إلى مجرد كائن حزين مسكين رغم كل الثروات التي تكتنزها أرضه.

والجسد دولة فقيرة.. إنذبحت

وردت  لصيف النخل والناس

يا حزن العراقيين

غركت المناير بالدمع.. سال الحجر..

                                 وافترت الأنهار

سؤال يحير الأفكار

يا حزن العراقيين

نهر مسحور بالدم.. والسفن مسبيّه

                                والموتى شعوب تحد شعوب بغابة التاريخ

يبدي الخوف، بأول خطوه طفله.. بوحشة الوديان

يتعلم حروف الجوع.. بالسيد السوط ولعبة الميزان

والدولة زنت من كعدت بنص الريح

                              كرسي ومحكمة وشرطة وكتاتيب

والدولة زهت من كثرة الأرباح

                             والأحزان.. والثورات والتعذيب

تلهب بالسلالات الحزينة سنين

يا حزن العراقيين

ما تكفيك دوله.. ولا يلمك دين 

وتستدير القصة لتشير إلى زمنها وتلك القوى المقاومة التي تقاتل في الجبال والأهوار، المقاومة بكل ألوانها، بنغم يختلف تماماً عن قصيدة النواب التي انشغلت بالشيوعي العراقي تحديداً ورمزه الريفي:

حبني بكثر معنى الماي

عدنه بكل شبر خيّال مذبوح.. وقضيه.. وناي

وتغني.. يا ماي الجبل يمته تفيض الهور

         يا هور الشعب يمته الكصب يزعل

وهنا تشير القصيدة إلى هول القتل والذبح اليومي في أواسط الثمانينات، وتفصح عن تلك المقابر الجماعية السرية التي ضمت الكثير من الأصدقاء الذين غابوا في المعتقلات إلى الأبد:

مو دم الشرف ساح وهدم الأسوار

مو وسع المقابر جزّع الأسوار

مو ساحت نذالتهم على الأفكار..

.. .. على بنيه فراتيه.. النده بكل خطوه يتلون

بأصابعها الطويله يسيل حد النوم.. والحنه

بوجهها الضاوي سجادة

                      بقداستها يصلي الشعب

                      لأحلامه البعيدة وفرحة الجنة

في المقطع الختامي الذي سأورده كاملاً تتوحد أمواج القصيدة في خطاب صوفي شديد التدله ببقعة بلاد ما بين النهرين الدامية. خطاب يعجن العراقي بتراب الأرض بالأنهار وبالدم الذي غطى كل شيء. ليتصاعد صوت المجنونة في طوفان الدم مبشرة بيوم الخلاص. في هذا الشاهد الختامي تظهر سمات قصيدة الشباني الفنية، شطح صوفي وعشق مجنون للعراق، رموز أساطير الجنوب العراقي الدينية والشعبية، صوت المقاومة المتفائل رغم بحور الدم، شجاعة البوح والإشارة إلى رموز الطاغية وهنا في المقطع عن قصور صدام الرئاسية. بلغة شعرية سلسلة  نتقي من المحكية العراقية تلك المفردات القريبة من الفصحى والمتداولة في مدن الجنوب العراقي، والمشحونة في الحس وتدخلها في علاقات مع بعضها بإيقاع  يجعل من البيت الشعري مفتوحاً يثير المخيلة ويحشد المشاعر.

.. .. .. ألِمَك بالمحبه الليل شاهد

                                والدفو الخايف ذبحني

وأنت مثل الغصن بالريح الخفيفه

أجيسك.. لاني ميت.. ..لاني حي

          لاني شمس.. ولاني فيّْ

          ولاني كل شي ولاني شي

غبشه بالسكته وأجيسك

أشبر بطولك وأسولف..

حسنك يفيض.. وينسيني الشوطي

                         واني مبحر.. عمري يندلك جنوب

منين ما أجيسك أضيعْ.. .. يالحبيب

                            ما يصل جرفك النوم

                            ولا تصل حدي السفن

قلبي من يرجف حزن

.. .. .. من فتح باب العراق.. روحي داخت بالحزن

غبشت لدجله بنذرها..

                    شافت الدم ع الجسر

.. .. شافت الدم ع البيوت.. ع المدارس

                                         ع المحلات القديمه

وجاست الدم بالنذر

صاحت المجنونه يوعه.. .. والمناير مشت تسجد للنهر

شافت الدم ع المطر

شهكت الصايم فطر

وكفت بنص الشوارع.. لافته

                            تشتم الصمت النذل

تدفع التيار وتخوف الشمس

                         تبجي وتغث الثريا.. والنجم دمعه يهل

تجمع أطفال العراق

                   والنخل

                   وأمهات الشهداء

                   والصبر سيفه طويل

                   تزحف بكل القهر

تمحي القصور الزانيه.. وكل الدواير..

                                   و      ع التتر

تفتح أيام العراق

للرياح الدافيه وكل المطر

تفتح أبواب البيوت

للفرح.. من غاب كل هاي السنين

عن دنيا العراقيين

وأبواب الحلم

تلبس الحرية ثوب المحكمة.. وتصدر حكم

                                                                              

          

 

تأطير المجتمع دينياً الآن يطابق تبعيث المجتمع زمن الديكتاتور

 

تسعى القوى الدينية بشقيها الشيعي والسني إلى تأطير المجتمع العراقي دينياً عن طريق فرض منطقها الشكلي على الناس بإتباع شتى الطرق:

تأليب المشاعر الطائفية والتركيز على القطاع الواسع من الشباب غير المتعلم الذي نشأ زمن حروب صدام والحصار من خلال تحويل المساجد من دور عبادة إلى دور تحريض سياسي مخطط له يصب في مصالح هذا التيار الديني أو ذاك بالمزايدة في إظهار الحرص والغيرة على الدين.

السيطرة على وسائل الأعلام من فضائيات وصحافة لبث مثل هذه الثقافة لكن بلهجة مختلفة عما يجري في الشارع. فعند الحديث عن القوات الأجنبية تكون اللهجة هنا في الأعلام مخففة، لكن في الجامع والشارع يجري اتهام كل من له توجه ديمقراطي يتعارض ويقف بوجه تأطير المجتمع دينيا كونه عميل للأمريكان ( يتناسى هؤلاء أن ظهورهم لم يكن بمجهودهم الذاتي بل بفضل القوات الأمريكية التي يرفض قادتهم خروجها المبكر)، ولما تعجز هذه الوسيلة في إسقاط ذلك الصوت يجري استخدام القوة عن طريق الميلشيات المسلحة السابتة مثل ـ منظمة بدر ـ التي تتحرك عند الضرورة، أو الميلشيات المتحركة كـ ـ جيش المهدي ـ وهذا الأمر يجري بشكل منهجي ومدروس في وسط وجنوب العراق حيث جرى تكميم أفواه كل من عارض أو يعارض مشروع دولتهم الدينية من خلال تشوه سمعة المثقف باتهامه بشتى التهم من السقوط الأخلاقي إلى الكفر إلى العمالة للأمريكان، وإذا لم تنجح هذه الوسائل، فالتهديد أو الضرب بالشارع كما جرى لرئيس اتحاد الكتاب في البصرة، أو محاولة إلصاق التهم بالرشوة والفساد لمن لا يستطيعون تكميم فمه يساعدهم في ذلك سيطرتهم على أجهزة القضاء والشرطة والأمن. وهذا ما حدث بالضبط للفنان المسرحي والشاعر ـ علي الطرفي ـ، وأعتقد أن الكثير من العراقيين ممن يتابع قناة كرد سات قد تعرف عليه ممثلا في العديد من المسلسلات التلفزيونية وأخرها في شهر رمضان الفائت. وكان قد أصبح المدير الفني لإذاعة مدينة الديوانية الأهلية المستقلة فحول هذه الإذاعة إلى منبر حقيقي حر يدافع عن حقوق الناس ويعرض مشاكلهم بشكل مباشر وصريح من خلال برنامجه "هموم الناس" ومن المؤكد أن مثل هذا البرنامج في ظل الفساد الإداري، وسيادة التيارات الدينية في مجلس المحافظة، وعدم تلبية أبسط مستلزمات الناس من كهرباء وماء ووقود سيلقي معارضة من تلك القوى التي لم تصدق أنها في السلطة حتى راحت تمارس ما كان جلادها الديكتاتور يمارسه. فحاولت بشتى السبل ثنيه عن تقديم مثل هذا البرنامج دون جوى، ولما أصبح البرنامج شعبياً ومسموعا وينتظره أبناء المدينة وأصبح للفنان "علي الطرفي" شعبية شاعت جدا بين الناس. حاول مجلس المحافظة تحييده، إذ طلب منه الكف عن نقدهم بلسانه قائلين:

ـ ليقول عنا كل من تقابلهم ما يقول، لكن أنت لا!.

وهذا الكلام دقيق ومفهوم، فعلي الطرفي الفنان شخصية شعبية ذو توجه ديمقراطي معني بالإنسان، وهو مستقل تماماً أي غير منتمٍ لأي أحزاب عراق ما بعد صدام التي فاقت المائة، وما يطرحه من مواضيع حساسة تمس هموم الناس حقا يجعل لكل كلمة يقولها مصداقية تقض مضجعهم. ومن هنا طالبوه بالكف عن نقدهم دون من يقابلهم. وفي خضم هذا الصراع الذي هو في جوهره صراع بين من يريد تأطير المجتمع دينيا ومن يريد ترسيخ الحرية المكتسبة بفضل قوات الاحتلال لا بفضل القوى المعارضة التي كانت زمن الديكتاتور لاجئة في دور الجوار وأوربا، حرضت القوى المسيطرة على مجلس بلدية الديوانية أئمة الجوامع في محاولة لتسقيط "علي الطرفي" في خطب الجمعة فوصفوه كونه عميل الأمريكان، الكافر وشتى النعوت المشابهة لما كان ينعت بها حزب البعث خصومه السياسيين في وضع شبيه بهذا الوضع أواخر الستينات حيث كانت سلطته ضعيفة. لكن هذا الكلام رغم أنه يدوي من سماعات دور العبادة لم يجد آذناً صاغية من قبل أبناء المدينة المتضايقين أصلا من ممارسات الميلشيات الدينية التي تضيق الحرية الفردية يوما بعد آخر، فمظاهر الجلد لمواطنين يشربون الخمرة تمارس كل يوم وفي مرأى من الناس حيث يقوم مقنع بجلد المسكين الشارب أمام الناس علنا في السوق أو على جسر المدينة، أو يقوم مسلح بتكسير أشرطة كاسيت أغاني في سيارة أجرة، أو تخريب حفلة عرس يغني فيها مغنى، إذ فرضوا على حفلات العرس إقامة مولد نبوي بدلا من الحفلة المعتادة، لذا سمع أبناء المدينة رد "علي الطرفي" الدقيق الذي قال:

ـ لنفترض أني عميل أمريكي كما يدعي خطباء المساجد لكن تعالوا لنتحاسب من يقدم ويهتم بهموم الناس الخطيب أم الإذاعة، ليهتم الخطباء بمشاكل العراقي اليومية ويحاول إيجاد الحلول لهم بدلا من الخطب الحماسية التي تغطي على الواقع وتخدر الناس عندها سيكف برنامج "هموم الناس" عن البث.

فشلت الحملة. عندها بدأت الحملة من نوع أخر إلا وهي الحملة الأخلاقية. هذه الوسيلة الشائعة في المجتمعات المغلقة القيم كالمجتمع العراقي. أنا نفسي عانيت في كردستان العراق وبوسط ثوار الجبل من هذه الحملة من قبل المؤسسة التي كنت فيها بعدما عجزوا عن تدجينني، فصوروني سارقا للحطب والشاي والكتب وعنيفا وغير اجتماعي وكادوا أن ينعتوني بالعمالة لولا تاريخي العائلي والشخصي ومعرفة قيادة الحزب الشيوعي بوضعي وبدقة. بدأت الحملة على "علي الطرفي" بمحاولة  تشويه علاقته بمسؤولة   الإذاعة المهندسة "نهال الوحاش" بلصق تهمة علاقة لا شرعية بينه وبينها مما أضطرهما ولإسكات هذا الكلام إلى الزواج.  قد أكون خضت بتفاصيل لكنها ذات صلة عضوية بموضوعنا. التشويه، الضغط الاجتماعي، وموقف علي الطرفي العنيد الذي لم يحيد عن الناس والديوانية وأشجانها.

صوت الطرفي خطر على مشروع تأطير المجتمع دينياً.

صوت وحيد يغرد.

كيف السبيل إلى قمعه!.

هذا ما كان يشغل مجلس محافظة الديوانية!.

الإذاعة بقت. لكن في هذا الشهر وصل "علي الطرفي" إلى الدانمارك ضمن وفد غير حكومي ليقدم محاضرات عن الوضع العراقي في أماكن عدة. وأثناء وجوده في الدانمارك قامت ميلشيات ـ بدر ـ باحتلال الإذاعة وتعيين مديرا من طرفها، ولما عاد "علي الطرفي" وظهر على شاشة تلفاز الديوانية وفضح عملية السيطرة المسلحة وتعيين شخص بالقوة من قبل قوات بدر. أوعز مجلس المحافظة إلى المحكمة التي قامت باصدار أمر القاء القبض على الفنان "علي الطرفي" بتهم ملفقة. ونشرت جريدة الصباح خبراً مقتضبا عن سيطرة الشيوعيين على إذاعة الديوانية في محاولة لذر الرماد على العيون. أن توقيت السيطرة المسلحة على مبنى الإذاعة الأهلية محسوب فقد تم قبل الحملة الانتخابية، إذ أن صوت الإذاعة الحرة فاضحا لممارسات الميلشيات والفساد الإداري في مجلس المحافظة ودوائر الدولة الأخرى.

هذه التفاصيل الصغيرة تبشر بولادة نظام لا يختلف عن نظام صدام القمعي، بل أسوء منه من حيث ضغطه على الحريات العامة والشخصية وبتفويض من الله حيث سيبرر القتل والتعذيب والجلد والتدخل في خصوصيات الإنسان يعنى نحن أمام البعث من جديد مرتدياً هذه المرة العمامة الشيعية والسنية. إذ أن بنية الأحزاب الدينية تشابه بنية حزب البعث من حيث الأهداف والتفاصيل، فهناك رافع القومية، وهنا رافع الدين. والبعث لديه جناح مدني وأعلامي ومخابراتي وجناح عسكري تمثل تاريخيا بالحرس القومي عام 1963 والجيش الشعبي في السبعينيات. وللقوى الدينية ذات البنية جناح مدني ممثليهم بالبرلمان والمرجعيات الدينية، ومخابراتي سيطرتهم على جهاز الشرطة والحرس الوطني، وأعلامي قنواتهم الفضائية العديدة، وعسكري من خلال ميلشياتهم المسلحة، قوات بدر التابعة للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية، وجيش المهدي التابع للتيار الصدري.

واللوحة الآن كما يلي

ـ سجون سرية تمارس فيها التعذيب

ـ قمع كل صوت ديمقراطي معارض من خلال التسقيط الأدبي أو إلصاق التهم

ـ حملة اغتيالات كما جرى لمقر الحزب الشيوعي في مدينة الثورة يقوم بها ملثمون مجهولون عادة.

ـ محاولة تأطير المجتمع دينيا هذه طبقت بشكل يكاد يكون تاما في مدن الجنوب والوسط العراقي، وفي بعض مناطق بغداد، ومحاولتهم في الموصل حيث جرى فصل الرجال عن النساء في الجهاز التعليمي، ومحاولتهم الفصل بين طلبة الجامعة التي لاقت مقاومة من قبل المنظمات الطلابية الديمقراطية. أما غرب العراق (الرمادي) فهي مؤطرة أصلا من زمن صدام.

ـ فرض الحجاب على النساء

ـ إشاعة ثقافة القطيع وروح التعصب الطائفي والمذهبي

ـ هجوم مكثف في وسائل الإعلام على كل توجه ديمقراطي، أو علماني. حتى كتب أحدهم ساخرا من شهداء الحزب الشيوعي كونهم كفرة. ولا يدري أن الحزب الشيوعي رغم كونه حزبا أيدلوجيا فضله الكبير في تاريخ العراق هو عدم تسلمه السلطة وبالتالي عدم ممارسته قمع الخصوم وممارسة التعذيب كما تفعل القوى الدينية السنية والشيعية. أما مسألة الشهادة فذلك المعنى معنوي وأكثر سمواَ فالشيوعي لما يستشهد تحت التعذيب يكون قد وقف وحده كإنسان دون قوى علوية تسنده من السماء ودون طمعٍ في جنة. وفي الظرف الحالي يكاد يكون الحزب الشيوعي هو الحزب العراقي الجامع للبيت العراقي في ظل أحزاب الطوائف والملل وأكثر الأحزاب عراقةُ.

في ظل هذه الأوضاع أكرر ندائي للمثقفين والكتاب للوقوف بوجه هذه الحملة لتأطير المجتمع العراقي دينياً تمهيدا لقيام دكتاتورية على نمط العمائم.

 

 

           

        

      ملاحظة: المقدمة تعبر عن وجهة نظر الكاتب سلام إبراهيم فقط ولا علاقة للادارة الموقع أو المؤسسة بها.