|
فصل من رواية " كتابة على التراب"
|
|
|
حك زيني ركبته البارزة من سرواله البالي الممزق ملتفتا إلينا، أحمد القيسي وأنا، مخفيا قلقه بابتسامة شاحبة: "ها نحن في الأسبوع الأول من أيلول وليست هناك رسائل نبعثها إلى العراق، وليس هناك صليب أحمر يسجلنا ويمنحنا هوية أسوة بعباد الله من الأسرى الآخرين. ليس عجيبا ولا غريبا أن يسوقنا الإيرانيون إلى وراء جبل من هذه الجبال ويعدمونا رميا بالرصاص، فلا دليل على وجودنا أسرى ما دمنا لم نُسجل في قوائم الصليب الأحمر، ولا أعتقد أن أحدا سيهتم لشهادة الأسرى الآخرين عنا. " كان ذلك ما يراود ذهني أيضا، لكنني لم أشأ أن أزيد آلام الواقع بفظاعة احتمالات المستقبل. كان الحارس، الذي لم تزل لحيته زغبا والحاضن بندقيته على صدره، يتطلع إلينا من وراء الأسلاك بدهشة وكأنه يرى مخلوقات غريبة فيما كنا نجلس أمامه، لائذين في تلك الظهيرة بظل جدار القاعة بمواجهة الأسلاك الشائكة. قلت ساخرا: " زيني، لو أنهم يريدون إعدامنا فلا شيء يثنيهم، أما سمعت العقيد حين قال إنهم لا يعترفون باتفاقية جنيف بل بتعاليم الإسلام؟" فتح زيني عينيه دهشة: " ما الذنب الذي ارتكبه المرحوم قصي؟ هل من التعاليم أن يقتل المرء لأنه يتبول واقفا؟ لا أعتقد أن المسلمين في أيام دولتهم قتلوا أسرى. هل تعتقد ذلك؟" " لا أدري." " والدي، وهو رجل دين معمم، لم يذكر يوما ذلك." " لم يكن والدك، كما سمعت منك، عالما فقيها، بل كان شيخا معمما يدير تكية ويرفع الأذان ويكتب أدعية لنساء المحلة." لم ينزعج لملاحظتي، بل ضحك وبانت أسنانه الصفراء المتآكلة: " ذات يوم وكنت حينذاك صبيا، تلصصت عليه من ثقب في الجدار، وكانت تجلس أمامه امرأة كانت معروفة في المحلة بكثرة شجارها مع زوجها وكان صاحب مقهى في الأعظمية، فأخبرها أنه أعد لها دعاء لا يخيب، وحرصا على الدعاء من تعرضه لنجاسة فقد خيّط بنفسه قطعة قماش غلّف بها الدعاء، فأعطته المسكينة بعض الدراهم ومضت سعيدة بالدعاء المستجاب المغلف، وعندما خرج أبي من الغرفة، دخلت افحص الصندوق الذي سحب منه الدعاء فوجدت أدعية مغلفة كثيرة، ففتحت واحدا منها ورأيت أن الدعاء ليس سوى ورقة مليئة بالأرقام مقتطعة من كتاب"الحساب والقياسات" للصف الثالث الابتدائي، فركضت لأمي فاضحا سر أبي، لكنها قالت وبإيمان مطلق أن أبي يقرأ على الورقة فتتحول إلى طلاسم لا يراها بقية الناس، ومع أنني لم أكن أؤمن بذلك، فقد طلبت منه أن يزودني بشيء يسهل عليَ امتحان الدراسة الإعدادية، فشد على زندي خرزة يخلط فيها اللونان الأزرق والأحمر، وقد نجحت في الامتحان. " يسأله القيسي محتدا: " نجحت بسبب الخرزة؟" يجيب زيني مرتبكا: " لا أدري." " هل تؤمن بالسحر؟" "في بعض الأحيان لا تجد تفسيرا مناسبا لتقلبات أمزجة الناس وتصرفاتهم أو هبوط الثروة عليهم بسرعة أو زوالها فجأة، لذلك أصدق أحيانا بالسحر." زم القيسي شفتيه متبرما: "جعلتني الآن أشك بكل ما سمعته منك من حكايات. كفى كذبا ومبالغة، ربما تنطلي حكايتك على السذج والأميين من الأسرى ولكن ليس علينا، ويدفعني كلامك هذا إلى الشك في كل ما حدثتني به حتى كونك خريج كلية الشريعة، فالجهلة وحدهم يؤمنون بالخرافات. " نهض زيني وتركنا متذمرا، تابعه القيسي بنظراته: " ماذا دهاه؟ تتغير أفكاره تبعا لحالته النفسية أو حسب الشخص الذي يجالسه، فهو أمامنا رجل متحرر، يهوى الشعر، يحب امرأته لكن المشاكل معها لا تنتهي، ويملك منزلا لم يكتمل بناؤه بعد وأجبرته زوجته أن يسجل ملكيته باسمها، وأنه مثلنا مجبور على الانتماء لحزب البعث، لكنه أمام الآخرين شخص آخر، فقد أخبرني بعض الأسرى أنه أخبرهم بأنه يؤمن بالسحر وإحضار الأرواح، وأنه أحضر روح أبيه وسأله عن الأحوال في العراق، وأن الشيخ أجابه أن الحرب ستنتهي في الثاني عشر من تشرين الثاني، وأنه كان شاعر الكلية الأول وينوي بعد عودته إلى العراق إصدار ديوانه الشعري الأول، وأن زوجته تفهم أوامره من نظرة عينيه، وتقف أحيانا مرتجفة أمامه تتلقى صفعاته برضا، ولولا وقوعه في الأسر لأكمل بناء قصر فخم في حي التجار ببغداد، وأنه بسبب تواضعه وخوفا من الإيرانيين لا يستطيع الكشف عن منصبه الخطير ولا عن درجته الحزبية الرفيعة المهمة." قلت: " لعله كان يمزح معهم أو لمجرد الحصول منهم على سجائر، لو أن أقواله وصلت إلى الإيرانيين فسيرسلونه إلى طهران ليعذب ويدفن هناك، هل حاولت نصحه؟" " أخبرته بكل شيء، وكان جوابه أن الظروف هنا تتطلب ذلك، أعرف زيني منذ عام تقريبا، وأعرف أنه طفل كبير وأنه طيب جدا وكريم ومشاكله مع زوجته مستمرة لكنه متعلق بطفليه، وسبب المشاكل، كما أعتقد استنتاجا من بعض ملاحظاته، أن زيني كان مدمنا على المقامرة فمن المراهنة على خيل السباق إلى صراع الديكة إلى لعبة الدومينو، ولعل زوجته اكتشفت ذلك. عيبه الآن المغالاة إلى حد الكذب." عاد زيني بعد قليل إلى مكانه بيننا، قلت له ممازحا: " تصورتك قد قاطعتنا." يجيب زيني قاطعا سيجارة إلى نصفين، متبرعا لي بواحد منهما: " إلى أين أولي إذا قاطعتكما؟" حاولت تغيير مسار الحديث: " هل ننتظر معجزة ما للخلاص من هذا الجحيم؟" علق القيسي متفائلا: " لا يمكن أن تستمر الأحوال على ما هي عليه، يقولون كلما ضاقت فرجت. ما علينا إلا الصبر." " لا يا أحمد، الأمور تسير من سيء إلى أسوأ. أتمنى إرسال رسالة واحدة فقط ليعلم الأهل أنني أسير. أنا قلق على مستقبلنا هنا، الوضع الآن ليس سيئا، لكننا لا نعرف ما تخبئه الأيام المقبلة. هل من أخبار جديدة؟" دارى القيسي قلقه بقهقهة قصيرة: " لا شيء يدعونا للخوف، ليس هناك أسوأ من الموت، ونحن الآن في عداد الأموات، وربما أقاموا لنا في العراق مجالس الفاتحة. علمت أن اثنين من الأسرى يخفيان جهازي راديو، وبدلا من الاستماع إلى ما تقوله الإذاعات عن الحرب ونهايتها، يفبركان الأخبار كل صباح بعد أن ينصتان ليلا لأغاني أم كلثوم." ضحك طويلا قبل أن يواصل كلامه: "هل تتذكران ما تناقله الأسرى بعد مؤتمر القمة العربية قبل أسبوعين؟ قالوا إن الأسد وصدام وأثناء مصالحتهما تعانقا طويلا قبل أن يغرقا في بكاء طويل." : " لو اكتفوا بالمصالحة لصدقناهم، ولكن، لماذا البكاء الطويل؟ " ربت القيسي على بطنه: " هل تريان؟ ما عاد كرشي كبيرا، ألم أقل لكم إن الرياضة مفيدة؟" كان كرشه قد انخفض كثيرا: " صحيح، لكن ليس بسبب هرولتك اليومية بل بسبب الجوع." " إلى أين وصلت بتعلم الفارسية؟" " في تطور مستمر. حفظت الكثير من مفرداتها." " لا بد أن نشغل الوقت بشيء مفيد، سأحاول أنا أيضا حفظ بعض المفردات المهمة، ومن حسن الحظ أنهم يبثون برامج الأطفال في التلفزيون كل يوم، وهكذا نستطيع أن نتعلم المزيد من المفردات من تلك البرامج. " قال زيني وكأنه لم يسمع حديثنا: " يخطر في بالي أحيانا أن الحرب ستطول وعندما نعود لا يتعرف علينا أحد." نظر إلى أحمد القيسي مبتسما: " حكايتي هذه لا مبالغة فيها ويمكنك بعد عودتنا، إذا عدنا، أن تسأل أمي عن تفاصيلها، فقد كانت تحدثني كثيرا عن خالها الذي زجه العثمانيون في ( السفر بر)، ضموه إلى وحداتهم على حدود روسيا وانقطعت أخباره. حين وقع أسير بيد الروس أخذوه إلى أحد سجونهم في مدينة بعيدة. وعندما انتهت الحرب أطلق الروس سراحه، راح يعمل حمالا ليدبر قوت يومه، ثم بدأ مسيرته نحو العراق عبر إيران، يعمل أو يشحذ في كل قرية أو مدينة يصلها، واستطاع أن يدخر بعض المال، وبعد غياب سنوات طويلة وصل العراق، لكن أثناء قطعه الطريق بين بعقوبة وبغداد مشيا على الأقدام، سلبه قطاع الطريق ماله وملابسه وأبقوه عاريا تماما، فلجأ المسكين إلى ستر عورته بالأشواك قبل أن يتصدق عليه أحد القرويين بعباءة بالية. وصل بغداد منهكا يثير فضول الناس بعريه الذي لا تغطيه سوى عباءة هزيلة، ولحيته الطويلة التي تغطي صدره، وعندما طرق باب بيته عند الغروب فتحته امرأة ما لبثت أن صرخت خائفة، فتجمع الجيران حوله متهميه بالجنون، غير أنه أصر على مقابلة زوجته فتحية وأخبرها أنه زوجها فلان، لكنها لم تصدقه ووعدته أنها ستعطيه طعاما وملابس ليواصل بحثه عن أهله. أخيرا، حدثها هامسا عن ليلة الزفاف فصدقته. يبدو أن عليً تذكر ليلة عرسي دائما." يغرق زيني في ضحكة طويلة: " أتصور النادبة في عزائي وهي تعدد مناقبي واصفة إياي بالبطل الهمام الذي أذاق الأعداء مرارة الهزيمة، وبأنني الفارس الذي لا يشق له غبار، والمصيبة أن زوجتي تصدق ذلك فتلطم وجهها حزنا وكمدا." انتصب أمامنا جندي إيراني صارخا فينا أن نسرع إلى قاعتنا. يردد زيني ونحن نهرول:" بدأت المصائب." كان الجنود موزعين أمام القاعات وعند الممر. وجوه الأسرى تنطق بالخوف والهلع ويتجمع بعضهم عند الشبابيك المطلة على الساحة، والبعض الآخر يقف بجانب سريره منتظرا صفارة التجمع. همس سيد مهدي في أذني بصوت مرتجف: " يقولون إن العقيد " شريف عسكري" قد وصل المعسكر. إنه جلاد وقاتل، طلق بالعربية وباللهجة العراقية. " صاح أسير عند الشباك مراقبا الساحة: " لا أرى شريف عسكري. نائب الضابط اعتمادي ومعه عدد من الجنود يحملون الهراوات." ارتسمت الفرحة على وجوه الأسرى القدامى، لكنني أدركت الآن مبلغ خوفهم من ذلك الجلاد على الرغم من كل حكاياتهم عن بطولة مبالغ فيها كانوا لا يملون تكرارها على أسماعنا. صاح الأسير المراقب بذهول: " اسمع صياح الجنود وصراخ الأسرى، إنهم يضربون الأسرى في القاعة الأولى، استعدوا للضرب." أسرع القدامى بارتداء كل ما يملكون من أسمال تحت ملابسهم الخشنة لتخيف وقع السياط، لكن الأسرى الجدد لا يملكون غير البذلة الخشنة الهزيلة. ارتجف الآن كما يرتجف الآخرون، ربما أرتجف أكثر منهم، لعلني أجهل القدرة على إخفاء هلعي، أو لأنني لم أتلق ضربا مبرحا في حياتي. جلس زيني على فراشه واضعا خده على قبضة يده اليسرى، أما القيسي فوقف في الممر بين الأسرة محركا ذراعيه إلى الأعلى والأسفل، يخاطبني ضاحكا: " وليد، التمارين السويدية تقلل من دماء المعركة." صاح الأسير المراقب مذعورا: " انزلوا من أسرتكم، وصلنا الدور." اقتحم الجنود القاعة والهراوات والسياط تهتز في أيديهم مثل كلاب صيد شرسة مدربة تحاول التخلص من لجامها لتنقض على الفريسة. دخل اعتمادي ببذلته العسكرية ذات اللون الأخضر الفاتح وبيريته التي تشبه بيرية الجنود الأميركان، كانت هيئته توحي بمهنة الجلاد، وجهه النحيل ووجنتاه البارزتان وعيناه الغائرتان وأنفه المدبب. مشي ببطء في الممر الكبير وسط القاعة، شابكا يديه على مؤخرته الضامرة، ضاربا الأرض الكونكريتية بحذائه الأحمر اللامع فيتردد الصدى في رؤوسنا، دافعا إلى الأمام صدره الضيق المنفوخ بجيبين كبيرين فبدا مثل ديك هراتي يبحث عن منازل في حلبة صراع. عندما وصل نهاية الممر، استدار بحركة رشيقة صائحا بلهجة آمرة: " حميد." تقدم (أرشد القاعة) حميد مؤديا التحية العسكرية بضرب نعليه على الأرض بصوت مسموع. اخرج نائب الضابط من جيب صدر بذلته صورة مقتطعة من جريدة ورفعها عاليا ليراها الجميع، آمرا "الأرشد" بترجمة ما يقوله حرفيا. قال بصوت عال: " هل تعرفتم على هذا الأسير في الصورة؟ هل سبق لكم أن رأيتموه في معسكر آخر أو أنه انتقل إلى معسكر آخر؟ إنه مطلوب للإدلاء بما لديه من معلومات مهمة خطيرة، القيادة تنتظر منا الجواب، فيجب أن تتعرفوا عليه، وأنا أنتظر الجواب الآن." وضع الصورة في يد حميد ليعرضها علينا. الصورة غير واضحة وتكاد ملامحها تنطبق على أي واحد منا. يهز الأسرى رؤوسهم بالنفي. أومأ اعتمادي برأسه إلى ثلة الجنود الواقفين وراءه. الهراوات و السياط راحت تعلو وتهبط وهي تلهب الأجساد شبه العارية. تناوبت أنات خافتة وكلمات توجع، تصاعدت الآن إلى صرخات ألم وتوسل. أرى القيسي يتلوى قافزا من ضربات السياط، أما زيني فصراخه يصم الأذان، يهز ما تبقى عندي من ثبات وأنا أقف منزويا في ممر ضيق بين طوابق الأسرة، أتنبه أحد الجنود لوجودي فقفز نحوي ساحبا إياي من ياقة بذلتي إلى الممر الكبير، انهال علي بالضرب والصفعات والرفس، وكلما أبتعد عنه يسحبني من ذراعي بعد أن تمزقت ياقتي ليعاود لكمي ورفسي. لا توجعني الضربات كثيرا، لكنني كنت أخشى أن تتلقفني السياط، شعرت بدوار وفقدت القدرة على الوقوف وحفظ توازني فسقطت على الأرض لتداولني أحذية ثلاثة من الجنود بالرفس والركل. عبر غشاوة مسدلة على عيني، رأيت شبح اعتمادي ينحني عليَ، يقترب من وجهي، فأحسست بأنفاسه اللاهثة المشبعة برائحة الثوم، صفعني بقوة، فتح فمه على سعته فظهرت أسنانه ناصعة البياض، بصق عليَ فشعرت ببرودة رذاذ بصاقه، امسك بتلابيب بذلتي المتهرئة رافعا رأسي إلى الأعلى ثم رخي يديه تاركا رأسي يصطدم بالأرضية الكونكريتية. أيقظتني هزات خفيفة من يد أحدهم. أفتح عيني فرأيت اعتمادي واقفا بجانب سريري ينظر إليَ من دون أن يلوح على وجهه انفعال أو عاطفة، وخلفه وقف حميد ناظرا إليَ بعينين تفيضان قلقا ومواساة، بينما تناهت من الساحة أصوات الأسرى مرددة "آمين" بعد كل عبارة تدوي بها مكبرات الصوت في دعاء مراسيم الصباح. شعرت بلسعات وحرقة في وجهي وصدري وظهري وذراعي وساقيَ،كان كل جسدي ينبض بالوجع. مررت يدي على رأسي الثقيل فلمست عصابة مشدودة بعناية. تنهد اعتمادي متحسرا، وعيناه تتفقدان ترتيب البطانيات والأسرة: " اسمك وليد ناصر، أليس كذلك؟ كيف حالك الآن يا وليد؟ أتمنى أن نومك البارحة كان جيدا. لقد أمرت الجنود أن يبقوك في القاعة أثناء مراسيم رفع العلم والدعاء والتعداد الصباحي." نظر إلي قائلا بلهجة توحي بالعتاب والشفقة: " كان عليك الصمود وعدم السقوط على الأرض، فالجنود يظنون، وهم أحيانا على حق، أن من يسقط على الأرض يفعل ذلك متعمدا للنجاة من العقوبة. لا بديل عن العقوبة الجماعية. هل تعتقد أنه من السهل عليَ تعذيب الآخرين؟ كيف يمكن الحفاظ على النظام من دون عقوبات؟ لا شك أنك حاقد عليَ ، أليس كذلك؟ لو كنت مكانك لكنت كذلك، أنت أيضا لو كنت مكاني لفعلت ما فعلته. تنتهي هذه الحرب يوما ما وتعود إلى وطنك، وربما نلتقي يوما في النجف أو كربلاء أو الكاظمية أو ربما في مشهد." لاحت على ملامحه الحادة القاسية ابتسامة عريضة: " لو التقينا حينذاك، هل كنت تلاحقني لتغرز سكينا في ظهري؟" لم يخطر في بالي أي جواب، ولعله لم ينتظر جوابا مني، فمد يده في جيب سرواله واخرج علبة سجائر علامة " بهمن" المعروفة بنوعية تبغها الفرجيني المستورد، دسها تحت قطعة الإسفنج التي أتوسدها. ربت على كتفي واستدار مغادرا القاعة بخطوات منتظمة دافعا صدره إلى الأمام. بدأ الأسرى من جميع القاعات بزيارتي بعد صلاة الظهر وتناول الغداء، حتى أن الأسرة المجاورة اكتظت بالزائرين الذين اثنوا على شجاعتي وقوة تحملي. أثار هذا الاهتمام استغرابي وحيرتي، قلت لبعضهم إن اعتمادي جاءني فقط ليطمأن على أن إصابتي ليست خطيرة تهدد وظيفته، لكن لا أحد يصدق قولي معتبرين كلامي من باب التواضع. قال لي أحدهم: " أحسنت يا صاحبي، هكذا تكون الرجولة أيها البطل." أدرك الآن أن من العبث مواصلة الاعتراض. قال لي "مطرود" وهو شاب بدوي، هامسا: بارك الله فيك يا وليد، لقد رفعت هاماتنا عاليا حين تحديت اعتمادي، وقد وددت تقديم هدية لك ولكنك تعرف الحال، غير أنني أعدك بناقتين عندما تنتهي الحرب ونعود إلى ديارنا." دنا من أذني أكثر حتى لامست شفتاه شحمتها: " أرجو أن لا تحرمني تزكيتك في العراق." استفزتني كلماته وودت أن أزجره وأوبخه، لكنني سامحته بسبب سذاجته وبساطة تفكيره. اكتشفت عند المساء أن مبعث ذلك الاهتمام يعود إلى تصديق الجميع الرواية المنقولة عن حميد الأرشد، والتي قالت إن اعتمادي قد رجاني أن ألتزم الهدوء ولا أقود عصيانا، وإن حميد شهد بعينيه أن اعتمادي أعلن ندمه على ضربي متعهدا بعدم ضرب أي أسير بعد اليوم. دافع حميد عن روايته: "لا بد من رفع معنويات الأسرى." ولمرضاتي، نقل فراشي إلى سرير في الطابق الثالث قريب من شباك صغير يطل على الساحة. أدركت أن عبارات الأسرى ومشاعرهم كانت تعويضا لعجزهم عن فعل شيء، وهذا ما كنت أفعله أيضا، وها هم يدفعوني، بحسن نية، إلى القائمة السوداء التي قال عنها فتحي إنها تضم أسماء عدد ممن يعتبرون أنفسهم أبطالا. هنالك أبطال حقا، لكنني لست واحدا منهم ولا أعتقد أنني سأكون. لعنت تلك الليلة وعلبة " بهمن" والبطولة المزعومة.
* * *
|