|
شاكر الأنباري
بغداد اليوم ليست بغداد الأمس. فالزمن
يغير سمات المدن، مثلما يتغير البشر. أخاديد وجهها تقص حكاية السنين.
ولها في كل اخدود قصة وحدث. ولو شاء دجلة أن يتكلم لقال الكثير. ولن
يصمت كما صمتت جدته شهرزاد. يقف الموت في جانب، وتتململ حياة في جانب
آخر: محتلون وإرهابيون. وطنيون وسماسرة. سياسيون ورجال دين. سنة وشيعة.
كرد وتركمان. جوامع وحسينيات وكنائس. حرية منفلتة، وانغلاق كبير.
وبغداد مارد حصر في قمقم، طوال عقود وعقود، وها هو ينفلت من أسره. زال
الطلسم ومات سليمان. صندوق باندورا باح بما يحتوي، ولكنه صندوق معاصر
هذه المرة. يتجاور فيه الخير والشر. الحرية والفوضى. الموت والحياة.
قطفت بغداد حريتها، لكن ليس على يد أبنائها. هطل القضاء الذي طال
انتظاره على يد جيوش أجنبية. حياة الفرد اليومية مغامرة بحد ذاتها.
مغامرة قد تجره إلى القبر، أو تعود به سالماً، محملاً بعشرات القصص
والحكايات والمواقف، التي رآها وسمعها وعاشها في الشارع.
لم يعد الفرد يمتلك آمالاً وطموحات كبيرة. الآمال، الطموحات، التخطيط،
الأحلام لمن يعيشون خارج السور. أما داخل السور فثلاثون مليون إنسان،
تقريباً، تنسموا تواً هواء الدنيا. المواطن يفرح إذا ما وجد في بيته
نور الكهرباء. ويطل على مضخة المياه، بين الحين والآخر، كي يبتهج
بجريان الماء في الصنابير. يتلمس جسده، بعد أن يغلق باب البيت، كي
يتأكد من أنه لم يزل سليماً معافى، وأن دم الحياة لم تسفحه سيارة مفخخة
في شارع أو كراج أو منعطف. تفرح معه الزوجة والطفل والأم والأخت،
والجيران أحياناً. العراقي يكابر، ليستمر بحياة غير مقتنع بها، ولكنه
محكوم بالأمل كما يقال. وبالحياة أيضاً، وبالزواج والحب والتعلم
والكتابة والشرب والعمل. يتعلق بجميع المتع الصغيرة التي تجعله يحس
بنفسه إنساناً كغيره من خلق الأرض. هو لا يريد الموت، لذلك يتشبث
بالحياة. والموت أليف، مثل الهواء والغبار والعصافير والنمل الداب تحت
قدميه. ولا يريد أن يسترجع الأيام السود التي عاشها، وأشبعته من
كوابيسها، لذلك يختلس النظر نحو المستقبل. حتى وإن كان ذلك المستقبل
موسوماً برايات سود. لقد جرد ذات مرة من كل شيء. من حق التعبير.
والسفر. والابداع. والصلاة. والكرامة. جرد من إنسانيته حين زج به في
حروب وسجون ومنافٍ. وأصبح رقماً في معسكر اعتقال، أو سجن، أو ثكنة
للتدريب والقتال. ولطالما أصبح رقماً عند بوابات الحدود، وردهات
اللجوء، والمنافي. طوته بحار تحت أمواجها وابتلعته صحارى، هرباً من
المعاني السود. وهو اليوم يريد أن يسترجع ما فقده، بما في ذلك الكرامة.
وعلى رأس الكل، أن لا يرى قوة خارجية تتجول في شوارعه، وأزقته، ومدنه،
وقراه.
دبابات ومدرعات وجنود وطائرات، لم يكن له ذنب بجلبها إلى مسقط الرأس.
وجد روحه بين السهم والهدف. الخوف صار سمة بلده. وسمة الروح. الخوف
وشاح ينسدل على الأرواح، والشبابيك، والأبواب، والحافلات، ووجه العروس،
وقصائد الشاعر وكرسي النجار وجديلة الطالبة. الخوف هذا الشعور المدمر،
يأكل القلب كل ساعة ودقيقة ولحظة. الزوجة تخاف على زوجها حين يخرج إلى
العمل. والأم تخاف على طفلها ما أن يذهب إلى المدرسة. خوف من سقوط
قذيفة، ومن رشقة رصاص طائشة وسيارة مفخخة وعبوة مزروعة تحت جذع نخلة،
في شارع فرعي. خوف من المستقبل وخوف من الآخر، الذي أسفر عن عدو طائفي
أو قومي أو إرهابي أو تكفيري. المرأة تخاف أن تمشي سافرة، فثمة متعصب
ديني يمكن أن يعترض طريقها. والرجل يخاف أن يعود متأخراً إلى البيت،
فيمكن أن تكمن له عصابة تسليب. خوف من ركوب سيارة حديثة تصبح محط
اهتمام اللصوص. خوف من المحتلين والمسلحين والمقاومين والإرهابيين
والجيران والغرباء، والصيف وهو يحمصه في موقد، حرارته خمسون درجة مئوية
دون مروحة أو وسيلة تبريد. والخوف الأكبر على مصير بلد، يصعب التكهن
بما سيؤول اليه. النظام السياسي غير أكيد، والهوية غير أكيدة. اللغة
والعلم واسم البلد أيضاً. فثمة عشرات الطوائف، والأديان، والقوميات،
والمناطق، واللغات. كلها تريد رسم البلاد على طريقتها الخاصة. وكل
واحدة منها تتمسك بعراقيتها حد إشعال حرب أهلية.
الكردي يخاف من عراق يكرر عليه مذابح حلبجة والأنفال، وعنتريات علي حسن
المجيد. والشيعي يتذكر المقابر الجماعية والتهجير. والمسيحي يهجس
باقتراب هيمنة الشريعة على كنيسته، وعرسه، وطقسه، وقربانه. والسني يخشى
من التهميش والانتقام والثأر. والتركماني يخشى هيمنة الكرد. دجلة الذي
يشق بغداد إلى نصفين يتلمس جلده رهبة، ويعيش كابوس التلوث والاهمال
وغياب الأعراس والمشاحيف والسمك. تحول ماؤه إلى مستحضرات كيمياوية،
ومخلفات نووية لحروب مرت، وبقايا جثث مجهولة الهوية. والهواء يلتصق
بأغصان الشجر، ويتلوى منزوياً بين الحواجز الاسمنتية التي راحت ترسم
مكعبات ومثلثات وأعمدة ونتوءات. يتحول بينها الإنسان إلى حشرة. الهواء
ينيخ على صباحات بغداد مثل غيمة ميتة. خليط من كاربون وسموم وغبار
وفتيت ورق جاف ومخلفات نفط وكيروسين وبنزين وبارود. بغداد تمتلك أكبر
نسبة من التلوث في العالم، وأطفالها يعانون من الربو وشحة الهواء النقي
والتشوهات الخلقية. وشيوخها تترصدهم الذبحة الصدرية وضيق الشرايين
والعوز. وبيوتها تشرب المياه الملوثة بمياه المجاري الثقيلة،
ومستشفياتها تغص بالموتى الذين لا يعرف لهم اسم أو عنوان. يومياً
تستقبل مشرحات بغداد أكثر من مئة جثة.
الخوف كلمة ترتسم في الأفق، من حدود طاق كسرى وحتى بساتين مثلث الموت.
رغم ذلك، فبغداد تريد أن تعيش.
تعيش وتتذكر.
زال الطلسم، وحمل الموج السفينة إلى عرض البحر. تتذكر أنها سليلة
العباسيين الذين قالوا للغيمة اينما تسقطين ثمرك، سنجني خراجك. ابو
حنيفة، والكاظم، والحلاج، وأبو نؤاس، وعبد القادر الجيلي، والسمك
المسكوف. الجواهري والرصافي وناظم الغزالي وكاظم الساهر وجدارية جواد
سليم وشارع المتنبي وغيم النخيل والشيخ معروف الكرخي. ذباب وعباءات
ومآذن وعاهرات ومغنون ونساخو كتب وعشائر.
***
بغداد لا تريد الرجوع إلى أغلالها، وقتلتها، وسجونها، ومفرماتها
البشرية، وأحواض السيانيد، وقطع الألسن، وجدع الآذان، والتسفير
بالجملة. لا تريد أن تعود إلى همهمة الجيوش المليونية، والمدافع،
والدبابات المغيرة على العدو، وجيش القدس، والفدائيين الملثمين،
والأوامر السلطانية التي لا راد لها، مثل أوامر الاله. أنليل غاب تحت
اسوار بابل، وعشتار حلّقت مع أول جدار تهاوى في السجن الكبير. بغداد
تأبى الرجوع إلى زمن القتل والانفجارات والقصف والمعسكرات التدريبية
والمفارز الحزبية. إنها تريد حياة أخرى غير تلك. لذلك فهي تضع الأسئلة
والأجوبة. تضع الهواجس والمضمرات، كي تداوي جروحها بحلول أقل من
الخسائر. لقد قررت الانفتاح على العالم. وهي تدرك جيداً أنها ربما لا
تملك المستلزمات المطلوبة.
العزلة الحضارية التي عاشتها المدينة أنبتت فيها هوساً إلى المعرفة،
والانغمار في عالم التكنولوجيا. ومن يمشي في شوارعها يجد عشرات، ومئات
محلات الانترنيت، تقدم الخدمة لجيل الشباب، ومن كلا الجنسين. يتسامرون
عبر غرف المحادثة، ويراسلون أشخاصاً من قارات أخرى، ويبعثون بريدهم
الالكتروني إلى أصدقاء بعيدين. يتغازلون عبر البريد، ويعشقون،
ويتزوجون، وينجبون أطفالاً سيخافون عليهم مستقبلاً، لكنهم يحاهدون كي
لا يظل خوف حينذاك. الكومبيوتر دخل إلى كل بيت
تقريباً. والقرى النائية صار أطفالها يتعاملون بالبلي ستيشن، والسيكا،
والأتاري، والبرامج المصورة. الشبكة العنكبوتية مدت خيوطها إلى العقول،
ونسجت بيوتاً لها هموم كونية. ألعاب عهد الظلام انتهت. ستشارك طفولة
العراق أقرانها في أميركا وأوروبا واستراليا واليابان. ستشاركهم
الأحزان والمصائب والسعادات والدهشة.
وفي أبعد نقطة من المدنية، يقف البدوي بين أغنامه، وقد شهر نقّاله
ليتحدث إلى صديق أو جار. وليس بعيداً عنه ينتصب الساتلايت الموصول
بمولد كهربائي، ليأخذه مساء إلى أزقة العالم وأحداثها، وحوارات
المفكرين، وآخر الأزياء والأفلام الهوليوودية. رجل الدين الذي لم يكن
يسمح بوجود تلفزيون في بيته، أجبره التطور على نصب صحنه اللاقط، على
سطح البيت، لكي يتابع اخبار الحركات الدينية والحوارات والأحداث.
منظومة الأفكار المحلية تتهاوى. سطوح المدينة غابة للصحون اللاقطة،
وكأن الجميع يريد أن يسبح في هذا البحر اللجب من المعرفة. يريد أن يطل
على نوافذ الوطن عبر الفضائيات. ويسمع ما يجري، ويفكر بما يسمع. وهذا
أمر لم يكن يحلم به قبل سنتين، حين كان الساتلايت يقود صاحبه إلى
الموت، وكذلك الموبايل. هذا الجهاز أحدث ثورة في الذهنية العراقية. لقد
نقل الوعي من الحالة القطيعية إلى وعي الذات، إلى الفردانية
والشخصانية، حيث يصبح لكل فرد، امرأة أو رجلاً، مملكته الخاصة،
وأسراره، بعيداً عن رقابة التقاليد والعائلة والدولة. أضخم سوق
للموبايل والكومبيوتر والانترنيت والمواقع الالكترونية هو في بغداد، إذ
أصبحت تجارة رابحة، ومتعة للجيل الشاب، ومجالاً للمعرفة والاحتكاك
بالعالم. في أقصى قرية من الوطن، يدق أي شاب أو بنت، أي رقم في العالم،
ليتحدث عن همومه، ويتبادل الأفكار مع الآخر.
قليلاً قليلاً يقتنع الجميع أنهم في سفينة واحدة. مقولة الاختلاف
تتقشر، في ظل ما يدخل إلى الذات ويخرج. وصارت أجهزة الموبايل محط تفاخر
وأبهة. أخذت تسميات طريفة تدخل قاموس التخاطب: فهذا فراشة وذاك دب، هذا
طابوقة وآخر اياد علاوي. بيع الموبايل واصلاحه والتعامل بأجزائه هو
اليوم مهنة رائجة لا في بغداد حسب، بل في كل مدن وقرى الوطن. والأمر
نفسه ينطبق على السيارات وموديلاتها، وأنواعها. زالت الفوارق
الاجتماعية التي كانت السيارة عنواناً لها، بعد أن غدت السوق غاصة
بالأنواع. فتحت الحدود ودخلت البضائع دون استحصال ضريبة الجمرك. سيارات
من اليابان، من المانيا، من السويد، من اميركا، من كوريا، ومن
البرازيل. والسيارات لغات وحضارات وتقاليد وأمكنة. أدوات مثل السيارة
والنقال والثلاجة والمجمدة والمكيف والغسالة الأوتوماتيكية وماكنة
العصير، وعشرات غيرها من الأدوات غزت كل بيت، بعد أن كانت محصورة في
بيوت نخبة النخبة. الرثاثة التي غشت ملابس العراقيين في طريقها إلى
الزوال، بعد أن غزت آخر الموديلات المحلات، وارتفع المستوى المعاشي
للفرد أضعافاً مضاعفة منذ سقوط النظام السابق.
ومثلما انفتحت الحدود للبضاعة، والأفكار، والجيوش، والشركات، انفتحت
أيضاً لكل من يريد تصفية حسابه الديني، والقومي، والحزبي، والطائفي.
رجل دين من كابول. قنبلة من طهران. عمامة من شيراز. مخبر من بلاد
الشام. كتيب من طنجة. شريط من غزة. بارودة من طرابلس. منشور من سوهاج.
درع من الشيشان. وهكذا دخل ملتحون، وتكفيريون، وقنابل شديدة الانفجار،
ومخابرات دول أخرى، وأنصار نظام بائد. دخل سماسرة دوليون، وشركات،
ومقاولون، ومرتزقة. دخلت الحشيشة والهيرويين والحبوب المخدرة. تلك
تغيرات أحدثت هزة في النفوس. أشبعتها بالمتناقضات.
ولأن الفرد يعيش الموت كل ثانية، يحاول أيضاً أن يحيا كل ثانية.
نصف المرء موت، ونصفه حياة.
من شارع فلسطين إلى شارع المنصور، ومن مدينة الصدر إلى منطقة الدورة،
تتسابق سيارات مزوّقة تحمل العرسان. طبول تدق وموسيقى تعزف، ونساء
متبرجات. ورود ورنين تلفونات وأهازيج. لم تشهد بغداد أعراساً كما تشهده
في هذه الأيام. الزواج يقدم متعة مفتقدة، وحرية ضيقة للجنس والفرح
والولادة والاحتفال. فبغداد لا تقدم أمكنة يجتمع بها العشاق، وكأن
الرقيب مد أذرعه في جهات الأرض كلها. كورنيش الأعظمية أغلق، وشواطئ ابي
نؤاس أرملت، وهجرها الندامى، والمتسكعون، ما أن انتشر التزمت الديني
وانفلت الأمن. من الصعوبة أن تدعو صديقة إلى كافتيريا أو محل آمن في كل
العاصمة، عدا الفنادق الراقية المحروسة بالشرطة والمسلحين. وهذا امتياز
لا يحصل عليه سوى النخبة. الجامعات مراقبة من أصحاب اللحى والهوس
الأخلاقي والديني. ولم يبق أمام الشباب إلا بوابة الزواج. هذه الخلوة
الشرعية المحاطة بالأدعية، والطعام اللذيذ، والناموسيات المطرزة
بالزهور. الوالدان عادة ما يدفعون الأبناء إلى الزواج في سن مبكرة،
فطاحونة الموت ايقظت لديهم غريزة الحياة واستمرارها. الغد غير مضمون.
إن ذهب الشباب، فالأحفاد سيخلدون العائلة. معادلة حكمت البشرية الأولى
التي كان الموت فيها معادلاً للحياة.
التزمت في كفة والاباحية في كفة أخرى، والكفتان تتراقصان على شواطئ
دجلة. هناك دهاليز البتاوين الغاصة بالنساء، وهناك تراتيل الصوفية
المنطلقة في باحة مرقد عبد القادر الجيلي. الخيار لدى المرء موجود.
غابة الساتلايت على البيوت تقدم آخر أفلام البورنو. وانتشرت آلاف
المحلات تتولى شؤون هذه الآلة الجديدة التي دخلت العراق بعد سقوط
النظام. كان الساتلايت ممنوعاً، والقادة والوجهاء الذين نصبوا هذا
الجهاز في بيوتهم تحتم عليهم استحصال موافقات أمنية لنصبه. كان
الساتلايت حكراً على مدراء الأمن والاستخبارات، والبعثين الكبار،
والقادة العسكريين، والوزراء، والمدراء العامين. محلات تنتشر في بغداد
لتحديث أجهزة الديجيتل، نزولاً عند طلبات آلاف المعجبين بلغة الجسد.
فنون تستنزف الوقت، تمتصه، كي تقدم المرأة، والرجل أيضاً، على طبق من
المتعة. في سوق البتاوين، وعلى ارصفة الميدان، وعند سوق الهرج، يعرض
باعة صغار آلاف السي ديات لغابة الجسد تلك. إلى جوارها سي ديات عن
حفلات تعذيب حدثت في أقبية السجون الماضيات، وعما جرى في سجن ابي غريب،
والعمليات الانتحارية، ومعارك الفلوجة، وجز الرقاب، واعدام العملاء
والأجانب. سي ديات تؤرشف الطقوس الحسينية، وأخرى لتراتيل آيات من
القرآن. كل هذا في طبق واحد، يختار منه العراقيون ما يشاءون. ورب بائع
يبيع كل ذلك في سلة واحدة.
العراقيون يعيشون اليوم في فوضى الخيارات. قضى النظام السابق على أي
إمكانية للخيار. ضربت الأحزاب. تحولت المنظمات الشعبية إلى أذرع
للأجهزة الأمنية. التفكير الحر ألغي أو أبيد. والايمان بالقائد الملهم
حوّل الحياة إلى صحراء قاحلة. وما أن انهار ذلك الصنم، حتى وجد المرء
نفسه وحيداً. وثمة على مقربة منه جنود محتلون، كانوا سبباً لنهاية
الجلاد. ما الذي يفعله المرء من دون صنم، أو قائد؟ لم يعد أمام عامة
الناس من خيار سوى النكوص إلى عشائرهم، وشيوخهم، وسادتهم، وأئمتهم.
الدولة انهارت.
الآيديولوجيات سقطت منذ زمان، وما عاد من متكأ سوى الدين.
فتدينوا.
***
يشهد العراق اليوم أعظم مد ديني عرفه
طوال تاريخه. لكنه دين العرف لا دين الحياة الواقعية. في الغرب أصولية
وهابية ترفض الوضع الجديد كله. وفي الجنوب والشرق وبغداد العاصمة،
أصولية تقبل الوضع الجديد، وتشارك فيه تحت راية رجل الدين أيضاً. ذهب
الصنم وجاء الإمام. صور القائد الملهم زالت، وراحت ساحات بغداد تتزين
بصور الرموز الدينية، المهددة المتوعدة. ومن لا يؤمن بكل هذا، عليه أن
يصمت، أو يرحل، أو يقارع بسيف من خشب. هاجر خارج العراق مئات الآلاف من
كل صنف ولون: اطباء، مهندسون، عاهرات، غجر، انصار حزب البعث، تجار،
وزراء متقاعدون، مسيحيون، سياسيون جدد لم يفوزوا في الانتخابات
الأخيرة. إن رفضت الوضع الجديد عليك أن تتناغم مع التكفيريين وأنصار
النظام السابق، وتجعلها حرباً شعواء لا تذر ولا تبقي. يعود البلد فيها
ساحة لتفجيرات واغتيالات ومعسكرات وعمليات مسلحة وانتحارات. يعود فضاء
لتصفيات اقليمية، لا يعنيها العراقي، قدر عنايتها بتثبيت كراس وأنظمة
حكم وآيديولوجيات. وإن قبلت النظام الجديد ينبغي أن تتقبل قيادة رجل
الدين الذين سيحول البلد إلى كربلاء من الرثاء والندب والمواكب وقصائد
المدح. الإنسان الحر يختنق. فالمواجهة مع نمط الدين هذا يكلف الرأس،
والعائلة، والاستقرار.
التنوير ينسحب رغم الحرية الممنوحة. التنوير لا يصطدم بسلطة الشارع،
وهي للعمائم. هناك مئات الصحف تصدر كل يوم، من أقصى الليبرالية إلى
أقصى التطرف القومي والديني والطائفي. هناك سجال بين الصحف، لكن الشارع
يبقى لرجل الدين الذي يستطيع تجييش الناس عبر الجامع والحسينية، كل
جمعة. رغم ذلك فثمة خمور وبارات وسينمات وأفلام جنس وفضائيات وتجمعات
ومظاهرات ومنظمات غير حكومية، ومدن لا تسير على رأي رجل الدين. ثلاث
محافظات كردية تحكم بنظام ليبرالي. وبضع مدن خارج السيطرة. وأخرى يهيمن
عليها رجال مخابرات من دولة مجاورة، وتوجه المجتمع كما تريد، لكن عبر
القتل والتهديد والتكفير. وبغداد هي البلورة لكل ذلك. هي أم
المتناقضات. وهي العباءة التي يلبسها أي حزب أو طرف أو تيار أو طائفة.
في المقاهي الشعبية يجلس الشيوخ إلى كأس شاي عراقي ثقيل، وأفواههم
الدرد تجتر مبسم النارجيلة. هم يعقدون المقارنات، ويحللون الأوضاع.
بين الأمس واليوم، ما الذي تغير؟ الكهرباء كانت موجودة على مدار الساعة
تقريباً. كان الأمن سائداً، ويمكن لأي فتاة ان تعود إلى البيت في منتصف
الليل، وتظل عذراء. الدولة قوية. الاحتلال غير موجود. ثم يرد آخر
محاججاً: كان العراقي جائعاً، وفي كل ليلة تجري عشرات الاعدامات في سجن
ابي غريب. لا أحد يستطيع الكلام، وانظر اليوم كل هذه الصحف والندوات
والآراء. يأتي رئيس جمهورية ثم يرحل. تسقط وزارة وتتشكل أخرى. الرواتب
ارتفعت. البرلمان موجود. السفر متاح لكل شخص. والمرأة أخذت حقوقها.
مساجلات مثل تلك تنعقد كل مساء في أحياء بغداد، على وقع حجر النرد
والدومينو. وسط رائحة التبغ المعسل، القادم من طهران وبيروت والقاهرة
ودمشق.
مساجلات العراقيين لا تتوقف. تجري في باصات النقل، والكراجات العامة،
والحارات، والمقاهي، والدوائر الحكومية، والحدائق العامة. على ضفة
النهر قرب الاعظمية، وعند تمثال الرصافي وسط شارع الرشيد، وقرب ضريح
موسى بن جعفر في مدينة الكاظمية، وفوق حبال التلفريك الصغير الذي يربط
قناة الجبش بوزارة الثقافة. وفي كل جلسة تضم عراقيين يوضع الوطن على
الطاولة: تشريحاً وتنتيفاً واضاءة واستنتاجاً وتوقعاً. الموضوع العراقي
لا يبتعد عن طاولات العراقيين. لا يفارق أسرّتهم ومآتمهم وأعراسهم
ومبارياتهم الرياضية وصحفهم، وكأن الدنيا ترتكز على قرن الثور العراقي
ذاك. لا بلد قبله ولا بلد بعده.
كل ما هو عراقي جميل ورائع. الشعر والروايات والعقول والمياه والفواكه
والنساء والطعام والهواء. إذ نادراً ما يقر الفرد بأنه يقبع في أسفل
سلم التطور الحضاري، ونادراً ما يراجع العراقي أخطاءه.
وكل عراقي يعتقد أنه العراق، ويريد أن يصيغ العراق حسب معتقده وأفكاره
ورغباته.
رغم كل ذلك، وهذا من غرائب هذا الشعب العنيد، فالإصرار على الحياة جزء
من تكوين الفرد. وتلك صفات متناقضة.
***
الفرن يتوهج. الخليط يستعر. الطبخة لما تزل على النار. والجميع في
انتظار الوليمة. بغداد فرن يتوهج بمكوناته، وما سوف يخرج من ذلك الفرن
يصعب التكهن به. بعد انهيار النظام، وما رافق ذلك الانهيار من تحطم
للدولة، والمؤسسات، ودخول القوات الأجنبية، انتشرت الفوضى مثل نار في
بيدر. المتاحف سرقت، والدوائر استبيحت، والبنوك أفرغت من المال.
المخازن صودرت، حل الجيش والشرطة، وجلس الموظفون في بيوتهم. وتلك
الاستباحة عادة ما أعادت الذهن إلى الغزو المغولي. المكتبة الوطنية
أصبحت اثراً بعد عين، ومتحف الفن الحديث صار عرضة للمتاجرة، هو وكنوزه
وتماثيله ولوحاته. ولم تعد المرأة تجرؤ على الخروج إلى الشارع. هيمنت
عصابات القتل والاغتصاب على الحارات والشوارع، في عتمة دائمة، اثر
انهيار منظومة الكهرباء والماء والمرور والاطفاء. شعر الناس أن المجتمع
رجع إلى العصور المظلمة، وفي غمار تلك الفوضى كانت الحكمة تقول إنه يجب
إعادة هياكل الدولة إلى الحياة. فحياة المواطن مرتهنة بها.
صحيح أن هناك احتلالاً، ونظاماً ساقطاً، وثأرات، وتفككاً للبنى
الاجتماعية، لكن الدولة هي الرهان. العبور من الكرخ إلى الرصافة كان
يتطلب ساعات، لأن رجال المرور غائبون، وليس هناك شرطة، والكل يسابق
الكل. الظلام غطى على ساحات بغداد، ثم عاد الناس إلى الوسائل القديمة
في بيوتهم. عادت اللالة والفانوس واللوكس والشمعة، تمسح ولو قليلاً من
وحشة الشاطئين والصوبين. النفايات سدت الشوارع، وكل صباح تبرز من بين
أكوام الورق وبقايا الطعام والأكياس البلاستيكية عشرات الجثث: بعثيون
سابقون، مترجمون للجيوش والشركات الأجنبية، أعضاء ميليشيات جديدة، شيوخ
دين، أساتذة جامعات، أطباء اختصاصيون، عمال نظافة، عدا بعض الأجساد
التي لا رؤوس لها.
لقد شاعت تقليعة جديدة في المجتمع هي تقليعة قطع الرؤوس. قيل أدخلت من
تورا بورا.
وقيل هي بضاعتنا ردت الينا: إذ سنّها ما كان يدعى فدائيو صدام.
وقيل جلبت من صخور مدينة الزرقاء، لكي ترشد الضالين إلى طريق الحق.
أصبح وجود شرطي ينظم السير في التقاطعات حلماً. ورؤية مفرزة شرطة شيء
غريب. وكان السؤال: ما الذي نفعله اولاً؟ فجاء الجواب من الضحايا
والحكماء والمتعقلين والمثقفين: إن أول شيء ينبغي القيام به هو بناء
دولة جديدة غير التي بادت وتلاشت. والطموح أن تكون دولة قانون. وكان
هناك من يرى غير هذا الرأي. ينبغي تحويل البلد إلى ساحة مواجهة مع
الجيوش الغازية. مع الكفرة والصليبيين واليهود والبوذيين والهندوس
والمسيحيين. كتلة السكان لم تر هذا الرأي. وبدأ الصراع الكبير. تطوع
عظيم إلى الجيش والشرطة. رجوع الموظفين إلى دوائرهم ومؤسساتهم. عودة
المدارس والجامعات. فتح الأسواق. لكن دخلت أيضاً السيارات المفخخة
والعبوات الناسفة. وانتشر المسلحون الملثمون الذين يقتلون طالعاً
ونازلاً.
عاش الجميع رعب الوقت. معنى الوقت هو أن يحتفظ الإنسان برأسه. الوقت هو
الكهرباء. هو الحصة التموينية. هو ملء خزان الماء ليلاً. هو مرافقة
الأطفال إلى مدارسهم وحمايتهم من الاختطاف. هو تأثيث البيت بالضروريات
التي حرم منها الفرد عشرات السنين. هو تأنيث البيت. لم يعد الوقت
مكرساً للقراءة أو الكتابة أو اللهو، أو السفر إلى المتنزهات والمناطق
الجميلة. لم يعد مؤشراً على مضي الأيام والسنين، فتلك مصطلحات لم تعد
تعني الكثير. القتال اليومي كان ضارياً. وصراع الرؤى تجسد على شكل
أحزاب وميليشيات وتجييش طائفي ومنافع مادية وحصص وظيفية واستحقاقات
قومية وعرقية ومذهبية ومناطقية. عشرات العناصر من الجيش والشرطة يقتلون
فيتطوع غيرهم. يقتل موظف كبير فيحل آخر محله.
الإصرار على بناء الدولة اتخذ أبعاداً كبيرة وأصبح له مناصرون في كل
مكونات الوطن. صار عنواناً لحياة جديدة. كانت عناصر الشرطة والجيش
مطاردة من قبل الجهات التي ترفض قيام الدولة. اليوم أصبحوا هم
المطاردين، بعد أن تمتنت أجهزة الدولة، وسارت العجلة، بدماء أبنائها.
وأخذت المحاكم تصدر أحكامها، والمواطنون يستعيدون الثقة بأنفسهم.
المواطن تعب من القتل والموت والعنف. لغته انخفض توترها وأخذ يناقش
مستقبله بروية. وعادت الأسئلة القديمة تطرح نفسها. الصراع بين القديم
والجديد. علاقة الدين بالدولة. حقوق المرأة. الجمعية الوطنية وصلاحيات
السلطات الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية. العنصرية وعلاقتها
بالقانون. التطرف والاعتدال. العلمانية والليبرالية والراديكالية.
أسئلة أغلب المجتمعات الشرقية التي اكتشف العراقيون أنهم لا يستطيعون
التملص من فلكها. أسئلة البحر العربي الذي لم يستطع العراق الانفكاك
منه. ولن يستطيع. ومنطق الحياة يسود في النهاية. قانون المجتمعات يميل
إلى بلوغ الاستقرار، مهما طالت سنوات الفوضى.
بغداد تستعيد جلدها قليلاً قليلاً. تذكرت أنها من سنت دستور حامورابي،
وكتبت ملحمة جلجامش، وصارعت خمبابو، وعاش ماني في كنفها، وتربع على
نبيذها شاعر اسمه ابو نؤاس.
وتذكرت دهاليز المأمون في بيت الحكمة، وشطحات الحلاج، ومواجد الجنيد
على جسر الكرخ.
تذكرت انها حكمت نصف الدنيا ذات يوم، وعليها أن تصحو من الغفلة، وفقدان
التوازن.
ايقاع الملايين يسترجع صوته. مهرجان هنا ومسرحية هناك. معرض خجل في
رواق، وديوان شعر يطل بغتة من حبر المطابع. اختفت النفايات من الشوارع.
النظافة تطل برأسها. الأشجار راحت تسقى، وراحت الخضرة تهب في الأماليد.
الزحام بدأ يقل، وطارت الحمامات في ساحة الطيران. المحلات تفتح ابوابها
إلى ما قبل منتصف الليل تقريبا. انتظم الأغلبية في وظائف وأعمال ومهن.
النساء خرجن إلى الشوارع، وإن بحذر.
المعركة بين القديم والجديد سائرة في طريقها.
الولادة كانت عسيرة، لكن المولود حي، وهو بحاجة إلى رعاية.
|