|
د. محمد
المديوني
يوحي
الاقرار بـ"ريادة كتاب عصر النهضة في التجريب المسرحي وفي مجال الكتابة
المسرحية" تحديداً بعدد من المنطلقات والفرضيات ويتضمن نظرة إلى مسار
المسرح ـ والكتابة المسرحية منه بالخصوص ـ تتجاوز عصر النهضة وكتابه
لكي تشمل ممارسة الفن المسرحي إلى هذا العهد، إلا ان ما يوحي به هذا
الاقرار لا يخلو، كذلك، من طرح بعض الاشكالات.
1 ـ 1 في المنطلقات والفرضيات:
أما المنطلقات فمتمثلة في الأساس في الإقرار لكتاب المسرح في عصر
النهضة بالسبق إلى "التجريب في الكتابة المسرحية" عمن سواهم من الكتاب
إلى هذا العصر وينزلهم منزلة الداعين اليه، الحاثين عليه وتبدو
إنجازاتهم في مجالاته، من ثمة، بمثابة المرجع الذي عليه يحال والأسس
التي عليها يبنى.
ويبدو "التجريب" في الكتابة المسرحية، من وجهة النظر هذه، ليس ظاهرة
طارئة أو مستحدثة وإنما يتجلى "التجريب" أمراً راسخاً في ممارسة هذا
الفن ضاربة جذوره في عمق تاريخه.
وفي هذا دعوة تكاد تكون صريحة إلى معالجة قضايا التجريب المسرحي في
العصر الحديث ـ ومصطلح التجريب المعتمد مصطلح حديث ـ على أساس النظر
إليه نظرة تنزله في صيرورة زمنية بذاتها فتنقشع عنه الهالة المتأتية من
اعتبار فعل التجريب فعل قطيعة ليمنح التجريب المسرحي عمقاً تاريخياً
فينزل، من ثمة، منزلة ما هو ضروري لا غنى للمسرح عنه، إذا ما أريد ضمان
حياة هذا الفن وحيويته.
أما الاشكالات الكامنة وراء الاقرار بهذه الريادة فمتمثلة في الأساس في
المفارقة الزمنية (L'anachronisme)
المتجلية في بعض المصطلحات الواردة فيه وفي صيغة التعميم التي قام
عليها، يضاف إلى ذلك ما يتعلق بحد عصر النهضة وبيان موقع الفن المسرحي
وممارسته من المسارات التاريخية المختلفة التي عرفتها البلدان
الأوروبية في ذلك العصر،
1 ـ2 في المفارقة الزمنية:
ورد ملفوظ "التجريب" في عنوان المحور وسياقه باعتباره مصطلحاً والمصطلح
مشحون بدلالات متعددة تحيل اغلبها على ممارسة للمسرح متأخرة في عصر
النهضة وكتابه فلا يقصد بالتجريب عندما يستعمل باعتباره مصطلحاً
التجريب النابع عن جوهر المسرح القائمة نتاجاته على تجسيد للتجربة
البشرية سواء منها الفردية أو الجماعية تجسيداً مادياً ملموساً،
فينغرس، حسب تعبير جان دوفينيو،
J.Duvignaud
في الوجود الجمعي فيكون وسيلة للتجريب التخييلي يسعى الانسان.. "الفرد،
من خلاله، إلى تحقيق ما لم ينفك المجتمع بعده به دون أن يفي ابدا
بوعده.." ولا يقصد، كذلك، ذاك الذي يقتصر فيه المسرحيون على اجتناب
المعهود من السنن والمستهلك من مسالك التعبير المسرحي وهو ما لا تكاد
تخلو منه اغلب اعمال كبار المسرحيين، منذاقدم العصور، ما ان يسعى
الواحد منهم الى ان يجعل من التجربة التخيلية التي هي مسرحيته تجربة
فنية فعلية اي ذات فرادة وتميز وانما اضحى استعمال هذا المصطلح في
السياق الحديث يعني التجريب المسرحي باعتباره اختياراً جمالياً وفكرياً
لا يقتصر على معناه الذي أوردنا بل يتجلى في صورة اكثر جذرية، فهو لا
يقوم على رفض للسائد فحسب وانما يبدو بحثاً متصلاً للعثور على بدائل،
واتصال البحث يعني ـ بصورة من الصور ـ اتباع منهج أو مناهج بل وقد يصبح
ذا سمة "مختبرية" وهذا يعني استخداما منظما للتجربة باعتبارها "ملاحظة
مستثارة" يسعى من ورائها الى التحقق من صدق افتراض او فكرة، وهو المعنى
الذي يحيل عليه استعمالها في مجالات العلوم التجريبية والتطبيقية؛
والتجريب المسرحي، حسب هذا السياق، غير ملزم اصحابه بتحقيق نتائج عاجلة
بل ويحرر المقدمين عليه من الانشغال بانجاز عمل مسرحي خاضع لمتطلبات
العمل الاحترافي المعهود من وراء فعل التجريب ذاك. فيصبح الايغال في
التجريب المؤدي الى صور من الانغلاق على الذات، امرا واردا وفعلا غير
معيب، بل بات ذلك، في نظر بعض الباحثين شرطاً من شروط اطلاق سمة
"التجريبية" على تلك الممارسة وان لنا في استعارة بعض من الممارسين
للتجريب المسرحي في البلاد الأوروبية والاميركية عدد من التعابير
والمصطلحات ما يدل على هذه النظرة ويشير الى نقلة نوعية في مفهوم
التجريب، فاستعمالهم مثلا ملفوظ مختبر أو مخبر
Laboratoire
أو مصطلح ورشة
Atelier
أو
Workshop
عند تنزيلهم لنشاطهم في اطاره يؤكد بصورة من الصور تطلعهم الى الارتقاء
بالتجريب المسرحي الى مستوى المنهج.
بين ان "التجريب" بهذا المعنى مستحدث يصعب ان ينطبق على كتاب عصر
النهضة.
الا ان الناظر في هذا العنوان يلاحظ انه قد انضوى تحت عنوان آخر هو
"التلاعب بالتقاليد" "فانحصر التجريب في الكتابة المسرحية"، من ثمة، في
مجال بذاته هو كيفية التعامل مع التقاليد؛ فخقت حدة المفارقة الزمنية
تلك وان لم تغب تماماً وذلك لان التقاليد غير مرتبطة في المطلق بزمن
بذاته وكذلك صور التعامل معها.
1 ـ 3 التقاليد والتلاعب بها:
وتعبير "التلاعب بالتقاليد" لا يعني رفضاً لتلك "التقاليد رفضاً
قاطعاً، ولا يعني كذلك خضوعاً لها كل الخضوع، وإنما ينزل فعل "التجريب
في الكتابة المسرحية" عند الرواد ـ وقد ارتبط التجريب في هذا السياق
بهذا التلاعب ـ في منطقة بينبينية فيها جرأة وحذر في الآن ذاته، فيقوم
فعل التجريب على تمثل تلك التقاليد تمثلا يسعى الى السيطرة على تلك
التقاليد سيطرة تسمح باعلان الانتماء اليها والى ما تمثله، وتسمح به،
في الان ذاته، بالقدرة على التصرف فيها تصرفاً يخضعها الى منطق آخر غير
منطقها الذي قامت عليه او الذي حدده لها القيمون عليها والداعون الى
المحافظة عليها.
والخوض في أمر "التقاليد يحيل على الموروث وعلى كيفية التعامل معه في
آن واحد اذ التقاليد لا تعني، فحسب، حصيلة ما ينقل من الخبرات والمعارف
ومن القيم والمذاهب وأنواع السلوك.. من جيل إلى جيل، وإنما تعني كذلك
فعل "النقل" ذاته؛ فمعلوم ان فعل الابداع وفعل نقل التقاليد فعلان يختص
بهما الانسان وحده ولا يكاد يقوم الواحد منهما دون الآخر، وكيفية النقل
لا تتمثل، فحسب، في الوسائط المعتمدة فيه من تعبير شفاهي أو مكتوب ولا
تتجلى عبر ممارسات لسنن بذاتها، وانما تتمثل بالخصوص في عمليات
الانتقاء والادماج التي ترافقعمليات نقل تلك التقاليد، اذ لا تقتصر
عملية النقل على المحافظة على الموروث، فحسب، وانما تنفتح على ما يحصل
من منجزات على مر الأزمان تدمج مع ما انتقي من الموروث ويتم ذلك حسب
منطق معقد تتدخل فيه التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية
والثقافية التي تعرفها المجموعات البشرية وهذا ما يفسر الخلافات
الايديولوجية الناجمة عن التقاليد ونقلها بين المفكرين والمبدعين، خاصة
اذا ما ارتبط ذلك عندهم بنظرة إلى حاضر المجموعة التي ينتمون إليها
ومستقبلها.
وتقاليد الكتابة المسرحية فيعصر النهضة لا نراها خارجة عن المنطقالمعقد
الذي يحكم التقاليد في مفهومها الذي بينا حتى وان تعلق الامر بمجال
مخصوص و"التلاعب" المفترض بهذه التقاليد معبر بالضرورة عن نظرة للمسرح
وممارسته الخاضعة إلى تقاليد هذا الفن أو ما هو مفترض ان يكون كذلك.
ولئن قام الخلاف بين هؤلاء وبين القيمين على هذه التقاليد في اطار
قضايا جمالية فانه لا يخلو من مدى إيديولوجي لا غبار عليه.
1 ـ 4 في عصر النهضة وكتابه:
لقد أشار عدد من المفكرين الى الطابع الاعتباطي في تحديد الفترة التي
يمتد عليها عصر النهضة بل وذهب بعضهم امثال ارنولد هاوزر إلى التشكيك
في الدور الحاسم الذي ينسب الى عصر النهضة في بناء العصر الحديث، بل
وذهب الى ان الارهاصات الحقيقية لذلك يجب البحث عنها في العصر الوسيط
فكتب: "ليس ادل على الطابع الاعتباطي للتميز الشائع بين العصور الوسطى
والعصر الحديث وعلى مدى مرونة مفهوم "عصر النهضة"، وقابليته للتغيير،
من الصعوبة التي يجدها المرء في ان ينسب الى هذا العصر او ذاك شخصيات
مثل "بترارك" و"بوكاشيو" و "جينيتلي دي فابيانو"
Gentile
de Fabyano
و "يان فان إيك"
J.V.Eyck
بل انه في استطاعة المرء.. ان يعد "دانتي" و "جيوتو"
Giotto
منتمين الى عصر النهضة وشكسبير وموليير منتمين الى العصور الوسطى".
لئن اختلف المؤرخون في تحديد الفترة التي يمتد عليها عصر النهضة وفي
الموقع الذي احتلته المنجزات التي تحققت فيه وخاصة على المستوى الفكري
والفني من العصر الوسيط فان اغلبهم يتفقون على عدد من العناصر المميزة
لهذا العصر:
اهمها ان عصر النهضة "كان العصر الوحيد، على حد تعبيرAndr?
CHASTEL،
في التاريخ (يقصد التاريخ الأوروبي طبعا) الذي اطلق على نفسه اسماً منذ
تجلياته الأولى فلقد تكلم الاناسيون
Humanistes
الإيطاليون في القرن الخامس عشر
Quatrocento
عن
Rinascita
ودأب اللاحقون بهم على استعمال هذا الملفوظ بصورة متصلة ارتقى معها الى
مصاف المصطلح وهذا المصطلح "مشحون بدلالات غاية في الايجابية فهو يوحي
بانجاز قطيعة حاسمة مع ماض يعلن عن حركة هي اقرب ما تكون الى "ثورة
ثقافية" ولئن اولت النهضة" الفنون منزلة اساسية فانها تجاوزتها الى
الفكر في مفهومه الواسع.
ولقد تجلى المدى الفكري بالخصوص في الدعوة الى:
ـ حرية الفرد
ـ حرية التفكير والمعتقد
ـ ترسيخ المناهج العلمية التجريبي
ـ اعادة دراسة نصوص اليونان والرومان القديمة.
ولقد ساعد اختراع الطباعة التي في نشرالنصوص الأساسية ودفع حركة
الترجمة الموجهة للنصوص اليونانية والرومانية.
ولقد عرف عصر النهضة صعوداً بيناً للشعور الوطني في أوروبا لا على
الصعيد السياسي فحسب وإنما على الصعيد الثقافي بالخصوص فترسخت اللغات
الدارجة وتراكمت النتاجات الأدبية المعتمدة تلك اللغات إلا أن ذلك قد
ازدوج بتنزيل للموروث اليوناني والروماني منزلة النموذج المطلوب
احتذاؤه وإن لنا في جماعة الثريا الفرنسية
La Pleiade
التجسيد الأوضح لهذه الظاهرة فلقد أصدر يواكيم دو بيلاي (1522 ـ 1560)
أحد زعماء هذه الحركة بياناً سنة 1549 دعا فيه الى محاكاة الأشكال
القديمة باعتبارها تمثل النماذج الأرقى وأطلق عليه عنواناً غنياً عن
التعليق: "دفاعاً عن اللغة الفرنسية وإبرازاً لمقامها".
ولقد كان المسرح في صورته التي تركها قدماء اليونان والرومان مجالاً
أساسياً لتحقيق أهم تطلعاتهم تلك. وكانت جهود أعضائهم منصبة على تأسيس
هذا الفن في الآداب الفرنسية الناشئة من خلال ترسيخ تقاليده التي
ستتحول الى قواعد يتحتم احترامها إذا ما أريد للنتاجات المسرحية أن
تحظى بالتقدير.
ويعتبر ايتيان جوديل
E. Jodelle (1532
ـ 1573) وهو أحد أعضاء هذه الجماعة مؤسساً للمسرح الفرنسي فإليه تعزى
"أوجين" أول ملهاة باللغة الفرنسية وإليه تنسب كذلك "كليوبترة سجينة"
و"ديدون مضحية بنفسها".
إلا أن المسارات التيعرفها المسرح في البلدان الأوروبية خلال عصر
النهضة لم تكن دائماً متناغمة حتى وإن آل أمرها الى التفاعل في الأزمنة
اللاحقة فالفروق شاسعة بين المسرح الايطالي والمسرح الاليزاييتي
والمسرح الاسباني وهي البلدان الأوروبية الأساسية الى جانب فرنسا التي
قام عليها عصر النهضة الأوروبي وكل مسرح من هذه المسارح حري بالتدبر.
ولقد رأيت، بعد المداخل التي بها بدأت أن أعرض نصاً من النصوص
التنظيرية الأساسية التي عرفها مسرح عصر النهضة لا في اسبانيا فحسب
وإنما في أوروبا كاملة وان في هذا النص طاقة تسللت حرارتها في المسرح
وممارسته الى هذا العهد.
ويمكن للمرء أن يرى فيه صوراً من "التلاعب بالتقاليد" المحققة له نوعاً
من الريادة لا في "التجريب" وإنما في الدعوة الى تجديد الكتابة
المسرحية والممارسة المسرحية عامة إذ فيه عدد من المنطلقات والمقولات
التي ما زالت قائمة. هذا النص هو لكاتب عملاق قليلون من يضاهونه.
2 ـ "فن جديد في صناعة الكوميديات
في هذا العصر"
نظم لوبي فيلكس دي فيقا كربيو
Lope Felix de Vega
Carpio (1562
ـ 1635) هذا النص بين 1604 و1608 استجابة لطلب من أكاديمية مدريد وهو
مجمع أدبي كان لوبي دي فيقا أحد أعضائه فيبدو أن الاطار الذي ألقى فيه
نصة كان ودياً وكان عليه أن يحاول، في الحيز الزمني المحدود الذي أتاحه
له أقرانه أن يقنع بمشروعية قيام الكوميديا الجديدة وأن يكتسب أنصاراً
لها من بين مثفي عصره ولقد اطلع عليه المثقفون في ما بعد مخطوطاًبادئ
الأمر ثم صدر بعد ذلك في ست طبعات على الأقل وهو ما يشهد بالصدى الذي
حظي به هذا النص عند مثقفي عصره.
والسؤال الرئيسي الذي كان على كاتب هذا النص أن يجيب عليه هو:
أية منزلة يمكن أن يوضع فيها هذا الجنس من المسرح الذي فرض نفسه منذ
أكثر من 20 سنة على صعيد الحياة المسرحية فأصبح أمراً واقعاً؟
2 ـ 1 بنية النص وخطته
يبدأ لوبي دي فيقا بالإعلان عن دواعي كتابة هذا النص وظروف نشأته ثم
ينطلق في استعراض المبادئ الأساسية التي قام عليها الفن المسرحي في نظر
"القدامى" معتمداً في ذلك على إحالات على أرسطو واللاحقين به ويقدّم،
في الآن ذاته، تقويماً لحالة للفن المسرحي في إسبانيا فيعصره قبل ظهور
الكوميديا الجديدة.
ثم ينطلق بعد ذلك في بيان السمات المميّزة للفن الجديد متدرجاً عبر
محاور تدرّجاً منهجياً، حتى وإن لم يخل هذا النص من التكرار أحياناً
ومن العودة أن ما سبق أن تعرّض إليه وكذلك من المراوحة بل والتداخل في
بعض الأحيان بين الملاحظات النظرية والنصائح العملية، فيتناول أربعة
محاور عليها يقوم عادة النقد الكلاسيكي:
* اختيار الموضوع
* البنية الداخلية والخارجية للكوميديا الجديدة
* اللغة الدرامية والإيقاع الشعري (الأبحر الشعرية)
* أشكال العرض
في خطاب لوبي دي فيقا في هذا النص مراوحة بين مجالات مختلفة تتعلق
بالكوميديا (الملهاة) المتماشية معصره. وتندرج هذه المراوحة ضمن خطة
تسعى الى مواجهة الانتقادات العنيفة التي كانت تواجهها الكوميديا
الإسبانية من المثقفين المنظّرين ذوي السلطة الفكرية والسياسية في بعض
الأحيان وتتم هذه المواجهة نم خلال إبراز مشروعية الخروج عن قواعد
الكوميديا النظامية التي حدّدها من دون السعي الى رفض المصادر التي
عليها يحيل واضعو هذه القواعد والمدافعون عليها رفضاً مطلقاً وإنما
يبدو لوبي دي فيقا في كثير من الأحوال ساعياً الى سحب البساط من تحت
أقدام خصوم الكوميديا غير النظامية التي مارس ويدعو الى ممارستها وذلك
من خلال إعادة قراءة الأسس التي حدّدها القدامى من اليونانيين وخاصة
منهم أرسطو في كتاب فن الشعر.
2 ـ 2 المسائل الأساسية التي كانت تعني لوبي دي فيقا:
لقد بدا لوبي منشغلاً ببيان الإنجازات
التي تحققت للمسرح من خلال التجديد الذي تحقق في الكوميديا الجديدة
وبمساجلة خصومه من الوثوقيّين:
ـ الإعلان عن مواطن التجديد التي أنجزتها الكوميديا الجديدة ولقيت قبول
الجمهور ورضاه وهي في الأساس:
الجمع في العمل الواحد بين التراجيديا والكوميديا
تعدد الأزمنة والأمكنة
نظم يقوم على تعدد الأبحر الشعرية وتعدّد الأصوات
ـ تنزيل هذا الفن الجديد في سياقه التاريخي من خلال ربطة بعصره وحاجيات
أهل ذلك العصر إبراز لنسبية هذا الفن.
ـ الإلحاح على الانسجام الذي يقوم عليه فن الكتابة الجديد ونجاعة
المبادئ التي يقوم عليها وخاصة منها:
ـ أولوية الفعل في بناء الشخصيات على السمات الأخلاقية والنفسية.
ـ احترام مقتضيات محاكاة الواقع.
وفي هذا سعي الى بيان أن مخالفة الكوميديا الجديدة للقواعد التي حدّدها
شرّاح أرسطو فإن ذلك لا تمنعها من أن تلتقي مع روح الأسس التي حدّدها
الفيلسوف اليوناني.
2 ـ 3 في التلاعب بالتقاليد والقواعد
لقد تفطّن لوبي دي فيقا الى أن كتاب أرسطو موضوع لقراءات متعددة وإلى
إعادة كتابة متعددة كذلك الى أن الإحالة على نظريات أرسطو قائمة
أحياناً كثيرة على الانتقاء السجالي والتوليف لما ورد في بويطيقا أرسطو
بما تقتضيه اللحظة، سعياً الى مواجهة الخصم وإفحامه.
إن الأمر يتعلق بصور من "التلاعب بالتقاليد" ولقد خاض لوبي دي فيقا
واللاحقون به غمار هذا الأمر وسعوا الى جلب المبادئ الأرسطية الى صقهم
ساعين الى إبراز التناقضات القائمة في دعوات الوثوقيين الى الخضوع الى
القواعد والتقاليد:
ينطلق من مبدأ أساسي قامت عليه نظرية أرسطو يتمثل في اعتبار الهدف
الأول من الشعر الدرامي إنما هو تحقيق لذة المتفرجين وبناء على ذلك كل
ما من شأنه أن يحرم المتفرّج من هذه اللذة إنما هو متناقض مع هذا
المبدأ الأرسطي الأساسي ويوضع
el gusto
الذي يفيد معنى المتعة واللذة في علاقة تعارض مع
lo justo
الذي يفيد معنى احترام القواعد وبما أن تحقيق اللذة للجمهور قانون من
قوانين الفن لا يعلى عليه فإنه لا سبيل الى احترام تلك القواعد
والقوانين إذا ما تعارضت مع غاية الفن المذكورة وتقديم اللذة والمتعة
على الانضباط للقواعد من شأنه أن يؤثر تأثيراً في النظرة الى النص
المسرحي إذ لم يعد ينظر إليه باعتباره كياناً مستقلاً في ذاته وإنما
أصبح ينظر إليه من خلال طبيعة التلقي الذي يحظى به عندما يستوي فرجة
تُعرض على الناس.
المبدأ الأرسي الآخر الذي تعرّضوا له هو مبدأ لا يكاد يختلف حوله إثنان
ويتمثّل في اعتبار الفن محاكاة للطبيعة إلا أن الاختلاف يحصل عندما
يسعى الى تحديد سمات الطبيعة فبينما يذهب المحافظون الى اعتبارها ثابتة
لا تتغيّر وهو ما يدعو الى احترام القواعد باعتبارها أزلية، يذهب أنصار
الكوميديا الجديدة على عكسهم الى تنزيل الطبيعة المعنية بالمحاكاة
منزلة ما هو متغيّر بعيد عن الثبات وهذا المفهوم يوضع موضع السؤال
ضرورة احترام القواعد الموضوعة إذ أن المحاكاة تقتضي أخذ المتغيرات في
الاعتبار.
وانطلاقاً من هذا يعبرون عن إيمانهم بتطوّر الفنون وسعيها الى الكمال
وينزلون الكوميديا الجديدة في إطار هذه النزعة الى الكمال فيبدو خروجها
عن المألوف وعدم احترامها للقواعد إبداعاً حياً من خلاله يمكن أن يضمن
للفن المسرحي حياته وحيويته.
إن دعوة لوبي دي فيقا الى مزيد من الحرية لا يعني، مع ذلك، الاستغناء
على كل القواعد؛ وتقديم اللذة في موقع الأولوية لا تعني الاستغناء عن
ضرورة المدى الأخلاقي للأثر الفني.
لقد نزل معاصرو لوبي دي فيقا هذا النص منزلة "النص المرجعي" يعتمدونه
ويحيلون عليه لمواجهة الوثوقيين الذين حاربوا الكوميديا الإسبانية
باعتبارها لم تحترم قواعد الكتابة المسرحية كما حدّدها أرسطو. وبقدر ما
كان المنظرون الفرنسيون شديدين في هجومهم بقدر ما كان محل إكبار من
معاصريه الإسبان واللاحقين.
2 ـ 4 ريادة معلنة
لقد وقفنا من خلال هذا العرض الموجز لهذا النص على السمة الريادية في
مجال تجديد الكتابة المسرحية ومن ورائها الممارسة المسرحية بصفة أهم.
وتمثلت السمة الريادية هذه في بلورة عدد من المفاهيم والمنطلقات وضعت
موضع لسؤال عدداً من المسلّمات. وقد أسهم هذا النص بصورة من الصور في
خلخلة القراءة الأحادية لبويطيقا أرسطو فانخرطت في تيار حداثي قبل
أوانه.
والريادة في التجديد جلية خاصة في طرح مسألة التلقي والصلة التي تقوم
بينه وبين الأثر المسرحي.
والمسألة الأخرى تجلّت في لفت الانتباه الى أهمية المدى الفرجوي في
النص المسرحي ومعلومة هي أهمية هذا المبدأ في تجديد الممارسة المسرحية
في العصر الحديث ومقولة ألقوستو ولوجوستو من أهم المقولات التي على
أساسها كذلك قامت حركات التجديد اللاحقة.
وهذا يؤكد جدلية الثبات والتحوّل التي تحكم مختلف الفنون.
ولكن لوبي دي فيقا لا ينسى المدى الساخر الذي به يتميّز فهو يظهر في
مظهر المتواضع تواضعاً زائفاً سرعان ما يتخلى عنه للتذكير أن بالتصريح
أو بالتلميح بأنه يعالج الموضوع من موقع الذي يجمع الى خبرة الكاتب
المسرحي المعرفة الراسخة والعميقة بتقاليد الكتابة وقواعدها حسب ما
وردت في كتب القدامى وكتب اللاحقين فإن خرج عن القواعد فإن ذلك لا عن
جهل بها وإنما عن إرادة واختيار.
بل إنه لا يرى الكتابة على غير الطريق الذي رسمه للكوميديا الجديدة
معللاً تعليلاً لا بجلو من استفزاز أحياناً كثيرة يقول:
"إن كان عليّ أكتب ملهاة فإنني أضع بيني وبين قواعد الكتاب (القائمة)
باباً أغلقه بسبعة أقفال وخارج مكتبي أصرف "تيرنس" و"بلاوت".... وأكتب
طِبقاً لما يتطلّبه الفن الذي ابتدعه المتطلعون الى هتافات الجمهور
العادي وإنه لمِن العدل أن نتكلم الى هذا الجمهور باللغة التي يريد، ما
دام هو الذي يدفع مقابل الفرجة".
وكان المرء يسمع صوت لوبي دي فيقا على لسان دورنت
Dorente
إحدى شخصيات موليير
Moli?re
عندما تقول:
"دورنت: إن كانت المسرحيات المؤلفة حسب ما تقتضيه القواعد لا تعجب
الجمهور وإن كانت التمثيليات التي تعجب الجمهور مؤلفة على غير القواعد
فذلك يعني أن هذه القواعد قد قامت على أسس خاطئة فلنسخر، إذن، من دعوات
أولئك الذين يريدون أن يقهروا ذوق الجمهور ولنعتَنِ، عند الكلام عن
الكوميديا، بما تحدثه فينا من أثر".
ويضمن لوبي دي فيقا في آخر نصه فقرة صاغها باللاتينية من دون أن يشير
إن كانت من تأليفه أم هي من تأليف واحد ممن أحال عليهم في متن نصه هذا
من الكتاب اللاتينيين، يقول في هذه الفقرة:
"تسألني: لِمَ كانت الكوميديا مرآة للحياة الإنسانية؟
وأي منافع تحصل منها للشيب والشباب؟
وما الذي تهبه الكوميديا الى الناس، زيادة عن ظرف عبارتها ورقة خطابها
المنتقى؟
كم هي جليلة المسائل التي تعالجها الكوميديا بين أضاحيكها وكم هي جادة
المواضيع التي تطرح.
إنها تكشف كَم هو شديد خداع الخدم
وكم هو قبيح انحراف المرأة
وكم في طينتها من مكر وحيل
وكم هو شديد شقاء العاشق وغباؤه وحمقه...
ويختم لوبي دي فيقا نصه هذا بنصيحة هي بمثابة خلاصة الخلاصات.
خذ (مني) هذه النصيحة: دعك من السجال حول الفن
ففي الكوميديا (ذاتها) تكمن كل الأجوبة
ويكفيك أن تذهب لمشاهدتها حتى تعرف عنها كل شيء
3 ـ بمثابة ملحق: بنية الكوميديا الإسبانية
لا سبيل للكلام عن تراجيديا بطولية حقيقية أو جليلة في المسرح الإسباني
إذ في طبيعة الإنسان عناصر ضعف جوهرية ولا سبيل للكلام عنه كوميديا
حقيقية لأنه مخترق بقوى تتةاوزه. كل ما يقع على الركح (المسرح) إنما هو
مزيح بين هذه وتلك تماماً مثل ما يتم في حياة الناس اليومية أو عبر
التاريخ.
ـ تتم في مراحل أو أيام قد يفصل بين هذه المراحل أو الأيام فترة قصيرة
من الزمن أو قرن أو قرون.
ـ تتم الأحداث في أمكنة متعددة.
ـ تقوم على عقدين فأكثر تتلاقى في النهاية لتجد حلولها.
ـ يقوم نصّها على نحو 3000 آلاف بيت ويتبع فيها الشاعر أبحراً وإيقاعات
مختلفة تتناسب مع طبيعة الخطاب.
ـ تقدّم الفرقة قبل العرض وبعده وبين الفصول مشاهد ترفيهية من أنواع
مختلفة رقص وغناء وغير ذلك.
ـ يوم الحفل قرابة ساعتين ونصف.
ـ تبدأ الوضعيات معقدة ثم تزيد تعقيداً كي تجد في النهاية حلولها.
ـ تكون النهاية سعيدة دائماً، زواج أو انتقام من الأشرار أو اعتراف
بذنب.
يعمد
gracioso
وهو نوع من المهرّجين يترجم بلغة دراجة عامية ما يستحق التفسير أو
التعليق، ينوب عن المؤلف ليفسّر الوضعية لكنه عادة ما ينتهز الحرية
الممنوحة له انتهازاً.
وتدرج الأحداث مهما كانت غريبة وعجيبة في الحياة اليومية لسكان مدريد.
* قدمت هذه المداخلة في الندوة الفكرية التي أقيمت في مهرجان القاهرة
التجريبي الأخير الذي عقد في أيلول الماضي.
|