|
أنا والسيد وقرية تْبَيْعَةْ
|
|
|
رافع الصفار
عرفتُ بعض أخبارها من الكتب فبحثت عنها ووجدتها..
تقع قرية تْبَيْعَةْ عند الشط خلف تلة حجرية جرداء تطوقها بجسدها المتسامي وذراعيها الهابطين إلى الجرف فكانت تخفيها تماما عن عيون الفضوليين الأغراب إلا مَنْ تجشَّمَ منهم عناء الصعود إلى قمة التلة.. فسيراها ترقد كالطفل الوليد في حضن أمه.
حملت نفسي وتوجهت إلى المنطقة التي تذكرها الكتب. ولم تقع عيني على بشر أو حيوان باستثناء الطيور التي كانت تخفق فوق رأسي من حين لآخر، وكانت غابات النخيل تحيط بالطريق العام المهجور من الجانبين. فانحدرت باتجاه النهر بين الأشجار، مشدوداً بعزيمة غريبة تدفعني بقوة نحو هدف غامض. وما كنت أسمع سوى هديل الحمائم وزقزقة العصافير وتكسّر الأوراق تحت قدمي.
بعد ما يقرب من ساعة من المشي المتواصل راحت سيقان النخيل تتباعد عن بعضها تدريجيا وتأخذ الأرض الجرداء بالاتساع.. حتى وجدت نفسي أخيرا في مواجهة مباشرة مع التلة الحجرية.
جلست على حجر ناتئ أستجمعُ لهاثي وأنفاسي المتناثرة، وأتأمل المارد الحجري المنتصب أمامي. كان مسخاً غريب الشكل، ولم يكن طبيعيا. لم يكن تَلاًّ كما قد يعتقد البعض، إنما كان بناء شاهقا يناطح السحاب، أصابته هزة مفاجئة فتداعى حجارة تراكمت فوق بعضها.
ولم تكن هنالك معالم واضحة لطريق يصعد إلى القمة، والحجارة كانت تنزلق تحت القدمين بهشاشة، وقد ينزلق المرء معها فيتدحرج بعنف إلى القاع.
كنت شديد الحذر في البحث عن موطئٍ آمن لقدمي وأنا أتحرك صعودا إلى قمة المارد الحجري الأجرد، مقوس الظهر.. وأحيانا كنت أمد ذراعي وأوشك أن أسير على أربع.
كان الصعود يزداد حدة مع كل خطوة تأخذني إلى الأعلى، وكنت ألجأ إلى التعرج و الالتفاف حول الحفر والنتوءات التي تقف معترضة تقدم المتسللين والفضوليين من أمثالي.
كنت على بعد بضعة أمتار عن القمة عندما خفق طائر فوق رأسي، فانزلقت قدماي، عندها تراءت لي عشرات الأذرع وهي تدفعني إلى الهاوية، فرحت أنبش الحجارة بكفي وأنا أهوي منزلقا وأكداس الحجارة تتدحرج معي حتى توقفت قدماي عند نتوء ما.
ولم أتحرك للحظات، رحت خلالها التقط أنفاسي وأتفحص حالي. كانت أشلاء جثتي ملقاة فوق الصخور عند القاع تتجسد بقوة أمام عيني، وعشرات من الرؤوس المغبرة الكالحة تحاصرني، تستفزني وأنا مشدود إلى الحجارة وجسدي يختض قبل أن يسقط ويتهشم.
أسحب أنفاسي. أحاول جاهدا أن أمتلك زمام نفسي وأنا ملتصق بها رغم تنافرنا، أشدها إلي وهي تدفعني عنها حتى هدأنا كلانا. رفعت رأسي إلى الأعلى والشمس في ظهري أتأمل الأمتار المتبقية والتي مازالت تفصلني عن قمة التل المتمرد.. وفيها يتخفى المجهول بعباءة سوداء.
كنت في مواجهةٍ.. الخاسرُ فيها من يتراجع، ولم أكن أملك خيار التراجع والقاع يفتح شدقيه ليبتلعني، وجسدي يكابد كي يتماسك، فبات حبل النجاة في صعودي.
رحت أحفر طريقي إلى الأعلى وعيناي نصف مغمضتين أو توشكان أن تنغلقا كي لا أرى أو يتراءى لي ما لا أتمنى، لكنَّ يداً امتدت نحوي من الأعلى. لا أدري كيف رأيتها ولكنها كانت هناك تشير علي وتدعوني كي أمسك بها، وكنت مترددا في اتخاذ الخطوة الصحيحة. قد تسحبني إليها وقد تدفعني إلى أسفل، وكنت ما أزال مغمض العينين عندما شدتني بقوة إليها تلك الذراع، ولم أقو على النهوض. بقيت مطروحا على ظهري أتأمل السماء الزرقاء.
اعتدلت جالسا يدفعني الفضول لمعرفة الكائن الذي أخرجني من شدقي الهوة، فلم أجد أحدا قريبا مني.
كانت تتوسط سطح القمة غرفة بنيت من الآجر يعلوها من الخلف جذع نخلة ينحني عليها فكان السعف يتدلى ملامسا سطحها.
نهضت واقفا. حاولت بكفيَّ تنظيف ملابسي، ثم عدت أتأمل الغرفة. تحركت متأنيا نحوها متحفزا لأدنى حركة قد تشير إلى وجود كائن حي في الجوار. اقتربت من باب الغرفة. وكان ضوء شمعة يتراقص في الداخل. دفعت رأسي وأنا متشبث بالجدار. أردت أن أتنحنح أو أقول شيئا فلم يخرج صوتي. رحت أبحث عن تفاصيلها، فلم الحظ ما يشير إلى وجود أحياء، والكائن الوحيد يحتل الضريح الذي يتوسط الغرفة. وكان على هيئة تابوت كبير الحجم مغطى بقطعة قماش خضراء تعتليه عند المقدمة عمامة خضراء اللون أيضا.
خلعت حذائي بحكم العادة وتقدمت إلى الداخل يدفعني الفضول للتعرف عن قرب على السيد الذي يرقد في هذا المكان الغريب والموحش. كانت تنتشر في الجو رائحة بخور تختلط برطوبة باردة. ورحت أبحث عن دلالة تكشف عن هوية السيد المسجى. على الجدار المقابل لمقدمة التابوت، علقت لوحة مزججة كتب عليها بخط أنيق: (( يرقد في هذا المكان جثمان الشريف المعصوم العالم الفقيه ولي الله السيد تقي الدين سلمان بن إبراهيم الخليل المتوفى عام 777 للهجرة...)). قرفصت جالسا على ركبتي قبالة المرقد والتساؤلات تدور في رأسي، وجسدي يئن متوجعا: ومن يكون هذا التقي الدين؟
وكأنه كان يسمعني. كان واقفا عند الباب بقامته المتداعية.
- يبدو أن رحلتك الينا لم تخلو من المشقة.
ولم تأخذني المفاجأة. كأني كنت في انتظاره.
جلس عند رأس الضريح قبالتي. كان شيخا طاعنا في السن، وقد حفرت عشرات السنين أخاديدها في وجهه، فبدا لي كالأرض التي جفت فتشققت. قال يسألني بنبرة عادية خلت من الفضول أو الاستغراب:
- أنت غريب. كيف أتيت إلينا؟
ولم أتعجل الإجابة، وقد استفزني بنبرته الميتة واستخدامه لضمير الجماعة. قلت وأنا أحاول أن أتسربل بهدوء مصطنع:
- أنا.. من المدينة، وقد ارتقيت التلة. ولكن، إذا سمحت، من.. انتم؟
كان يحدق في وجهي بعينيه الكليلتين. ولم يتكلم. أخرج من جيبه كيسا من قماش حائل اللون، وبحركة بهلوانية بارعة فتح الكيس وأخرج منه علبة معدنية. رفعها في الهواء وقال:
- التدخين لعنة، ولكن..
بقيت على صمتي في انتظار أن ينتهي فاصل الإعداد للسيجارة، عسى أن يبدأ بعده فاصل الحديث والحوار. بلل الورقة بشفتيه، ملأها بالتبغ ولفها ببراعة متناهية..ثم قدمها لي، فابتسمت وأنا أهز رأسي وسبابة كفي اليمنى ترسم الرفض في الهواء. قلت:
- لا أدخن..
جاء رده سريعا وهو يشعل لفافته:
- فما هي لعنتك إذن..؟ أطلقت ضحكة عفوية وأنا أبحث في رأسي عن تفاصيل لعنة من نوع آخر، بينما أطلق هو سحابة الدخان في فضاء الغرفة، وراح بعدها يسعل بعنف.
ولم يكن فاصل السعال في الحسبان. قال بعد أن هدأت النوبة وملأ رئتيه بالدخان ودفعه في وجهي:
- هل واجهتك صعوبة في الصعود إلينا؟
عاد الرجل يستفزني بضمير الجماعة. لكني بقيت متماسكا. قلت:
- نوعا ما.
ثم أضفت يدفعني إلى ذلك فضول عنيد:
- ولكن من أنتم ؟ فانا لا أرى في هذا المكان غيرك.
تبسم الرجل ولم يتكلم. في تلك اللحظة أطلت من الباب عشرات الوجوه المتغضنة، فخفقت روحي فوق رأسي، وانكمش جسدي مقشعرا.
هش الرجل بيده فاختفت الوجوه.
ورد في الكتب بأن شراذم اللصوص وقطاع الطرق الذين جمعهم )سادوم( وغزا بهم بابل، عاثوا في المدينة فسادا، فأحرقوا وسلبوا واغتصبوا وقتلوا، فتحولت المدينة بين ليلة وضحاها إلى خرائب وأنقاض تعوي فيها الكلاب الضالة. وهكذا تمكن (سادوم) أن يحتل القصر وينصب نفسه حاكما على البلاد بعد أن شرد الملك وعائلته. وتتضارب الروايات حول مصير الأمير (رافوستي) الابن البكر للملك والوريث الشرعي لعرش أجداده، فالبعض يدعي بأنه قتل على يد رجال (سادوم) الذين سارعوا إلى نقل جثته إلى سيدهم كي ينالوا الحظوة عنده، بينما يؤكد آخرون بأن الأمير (رافوستي) تمكن من الفرار بمساعدة بعض الأعوان والخروج من المدينة إلى جهة مجهولة.
تقول الرواية بأن الأمير نزل مع النهر إلى الجنوب عبر غابات النخيل الكثيفة متجنبا المناطق المأهولة حتى جاء مكانا معزولا ينام في حضن الشط يسلب اللب بجماله وهدوئه فقرر أن يستقر هناك مع من رافقه من الأعوان حتى تحين ساعة تتغير فيها الموازين والأقدار.
نهض الرجل واقفا وهو يقول:
- سننزل إلى القرية كي نؤدي معك الواجب.
نهضت واقفا على قدمي وأنا اكرر تساؤلي:
- لم تحك لي عن السيد بعد.
خرجنا من الضريح. كانت الشمس قد انحدرت مبتعدة عن كبد السماء، فخفت حدة حرارتها، وكان المكان قفرا، ولم أجد أحدا من أصحاب الوجوه الذين أطلوا علينا من باب الضريح.
سلكنا طريقا ينحدر بهدوء باتجاه النهر. وتكشفت أمامي حالما تخلينا عن قمة التل الحجري غابات النخيل الكثيفة التي تغطي البقعة المحصورة بين ذراعي التل.
قلت أحدث نفسي بصوت مسموع:
- هذه إذن القرية التي قرأت عنها.....
كانت الأرض تدفعنا بقوة إلى أسفل. صاح الشيخ أخيرا كأنه يحدث الفضاء المترامي من حولنا:
- كان جدي أول الصاعدين إلى أعلى التلة، وهو من اكتشف القبر.
- وماذا تعني بأول الصاعدين؟
عاد يصرخ وقد بدأت طلائع أشجار النخيل تدنو منا:
- بسبب الغول الذي يحوم حول التلة لم يجرؤ أحد من القرية أن يدنو منها حتى قرر جدي أن يغامر ويصعد إلى القمة. كان حقا يوما مشهودا كما يحكي ويؤكد الجميع. خرج مع شعاع الشمس الأول بعد أن قبل ولديه النائمين، وأوقف زوجته التي كانت تريد أن تسير معه عند باب الدار، وقال لها وهو يشد على كتفيها: ((اهتمي بالأولاد. ولا تقلقي. سوف أعود.))
رغم عدم ثقة الجميع بعودته، فقد عاد جدي مع غروب شمس اليوم التالي، وكان خائر القوى تماما معفرا بالتراب يحمل صندوقا خشبيا كان يضمه بقوة إلى صدره. سارعت إليه زوجته حالما بدا لها من بعيد والفرحة تضحك على وجهها والولدان يعدوان وراءها. لكنه لم يتخل عن الصندوق الذي كان يضمه بقوة إلى صدره، حتى عندما اغتسل وغير ملابسه وتصدر الديوان حيث تحلق حوله الرجال ونيران الفضول تحرق صدورهم، كان الصندوق معه محشورا بين ساقيه المثنيتين تحته. وكان يضع كلتا يديه فوق الصندوق، ومن حين لآخر يشرئب بقامته الطويلة فيطغى على الآخرين يتفحصهم بنظراته الثاقبة، يتبسم ثم ينكمش ثانية في جلسته. ويقول لهم:
- من اليوم فصاعدا سندعوه بالحارس الأمين.
ويتلفت الرجال في وجوه بعضهم البعض. يسألونه:
- من تعني؟
يرفع جدي كفيه عن الصندوق وينشر ذراعيه في فضاء الغرفة وهو يقول:
- صدقوني، لولاه ولولا التلة لكنا ضعنا منذ زمن.
رغم محاولات الرجال، رفض جدي أن ينطق الأسم القديم، وأعني الغول، وأصر على مناداته بالحارس الأمين.
ويسترسل في الحديث ليكشف عن أفكاره وعما كان يخطط له. يقول بصوته القوي الواثق: وجدت قبره في الأعلى عاريا مكشوفا إلى السماء، وليس من العدل أيها الأخوان أن يرقد حارسنا وحامينا في الأرض دون شاهد.
سأله أحدهم بفضول:
- وهل تعرف صاحب القبر ؟
وكما كانت تقول جدتي رحمها الله: كان عنيدا. أكثر عنادا من البغل الذي أرغمه بنقل الطابوق إلى أعلى التل كي يبني ضريح السيد. وكنت صغير السن لم أتجاوز العاشرة من عمري عندما سألته:
- ومن هو هذا السيد يا جدي؟
لم يكن من الصعب عليه إقناع الجميع. قال لهم وهو يغمض عينيه:
- وصلت قمة التل وأنا منهك تماما، وكانت الشمس قد اختفت خلف غيمة سوداء احتلت كبد السماء، فارتميت على الأرض مع آخر أنفاسي المتقطعة، وأغمضت عينيَّ مستسلما لنبض الوجع في خلايا رأسي وجسدي، فسرقني النوم. بعد لحظات شعرت بذراعين قويتين تهزني بعنف، وصوت قوي يصرخ بي: انهض! ولم أنهض. كنت صغيرا منكمشا تحت ساقيه وقامته المديدة التي كانت تغطي كل شيء من حولي. سألني بصرخة أخرى عنيفة: من أنت؟ وما الذي أتى بك إلى هذه الديار؟ ورغم حالة الفزع التي تملكتني، جاء ردي سريعا وغير متوقع: أبحث عنك. قال بنبرة خفت حدتها وعلاها الاستغراب: وكيف تبحث عني وأنت لا تعرفني؟ ثم أضاف وهو يتفحصني بدقة متناهية: وأنا لا أعرفك. لا أظن أننا التقينا من قبل. كانت تلك فرصتي كي أنقذ رقبتي. قلت له: كيف لا أعرفك يا سيدي واسمك على كل لسان في القرية؟ قرفص جالسا أمامي، وكان يلهث كالكلب وفمه أشبه بفتحة كهف في بطن جبل صخري، لكنه ظل هائلا يسلب الأنفاس من صدور القريبين منه. سألني وهو ينظر في عيني مباشرة: وماذا يقولون عني أهل قريتك؟ بدأت عندها أسترجع شيئا من أنفاسي. أجبته بصوت واثق رنان: كل خير يا سيدي. كل خير. يقولون دائما بأنه لولاك لضعنا منذ زمن بعيد، فأنت بحق حارسنا وحامينا ضد الأعداء الطامعين فينا. استدار بوجهه بعيدا عني وهو يهرش رأسه بأصابعه متأملا ومتفكرا على ما يبدو بكلامي. قال أخيرا بنبرة فيها شيء من العتاب: ما دمت حارسكم وحاميكم، ألا يجدر بكم أن تبنوا لي مقاما يليق بي ويصير مزارا لكم؟ فاجأني طلبه، لكنني سارعت إلى القول بأن هذا الأمر كان غائبا عنا ونعتذر على ذلك ولكنه سيكون من دواعي سرورنا جميعا ومن دون استثناء أن نعمل على تحقيق رغبته في أقرب وقت، ثم سألته عن المكان الذي يرغب أن نبني له فيه المقام، فأشار بذراعه إلى مكان غير بعيد عنه وقال: حيث أرقد. ونهض فاختفى في الهواء ثم عاد وظهر ثانية وهو يحمل هذا الصندوق. قال: خذ هذا الصندوق واحمله معك. لا تفارقه مادمت على قيد الحياة، ولا تفتحه أبدا، وأنت منذ هذه اللحظة خادمنا وخادم المقام الذي ستعملون على بنائه لنا. وإذا ما انتهت حياتك في هذه الدنيا، فمن يخلفك في خدمتنا يرث عنك الصندوق وتشدد عليه كما يشدد هو على من سيخلفه بألا يفتحه مهما كانت الأسباب.
ويسكت. لكني ما زلت في شك من أمر هذا السيد المتربع على قمة التل معزولا عن الدنيا وعازلا هذه القرية عن كل الدنيا. وكنا في هذه الأثناء قد صرنا في قلب القرية حيث تنتصب بضع محال ومقهى. توقفت الحركة من حولنا واشرأبت الرؤوس، وعندما تفحصت الوجوه وجدت العيون جاحظة رعبا واستغرابا. تعثرت قدماي وركبني الارتباك وربما شيء من الخوف. لكن أحدا منهم لم يدنو مني. حتى الأطفال الذين تجمعوا خلفنا ظلوا بعيدين عنا بمسافة معينة لم يجرؤوا على كسرها، فكلما توقفت كي أتفحص شيئا ما كانوا هم أيضا يتوقفون.
صاح أحد الجالسين في المقهى، عندما توقفنا أمامها، مخاطبا رفيقي:
- مَنْ الضيف سيدنا ؟
دار الشيخ حول نفسه رافعا ذراعيه كأنه يشير على الجميع أن يستمعوا إليه ثم قال:
- هو ضيفنا جميعا، والعشاء في داري والجميع مدعوون.
ولم يجادلوه، لكني سمعت أحدهم يهمس في أذن صاحبه:
- هل هو إنس أم جن ؟
عندما ابتعدنا عن مركز القرية حيث تجمع الناس وسلكنا دربا يتجه إلى النهر ويخلو تماما من المارة سألت مضيفي:
- لماذا كان الناس خائفين؟
هش الشيخ بذراعه كأنه يطرد أفكاري من رأسي وقال
- هم دائما هكذا مع الأغراب. لا تأبه لهم.
في الدار المبنية من الطابوق ذات الفناء الواسع حيث يتقافز أطفال هنا وهناك، ونسوة يتخاطفن مسرعات من طرف لآخر، قام أحد أبناء الشيخ وهو شاب في العشرين مديد القامة اسمر اللون على خدمتي بصب الماء لي وأنا أغسل وجهي ويدي، ثم قادني بعدها إلى الديوان المفروش بالبسط والفرش والوسائد وأشار علي بالجلوس.
ولم يتركني. قرفص قبالتي جالسا على ركبتيه وراح يحدق بي بتمعن دقيق كأنه مقبل على ممارسة عملية تفكيك وإعادة تشكيل كياني القائم بين يديه.
وأنا بدوري لم أتكلم، منتظرا منه أن يبادر إلى طرح أسئلته كي أرد عليها، لكنه لم يتخل عن صمته وظل غارقا في حالة الذهول التي نزلت عليه فجأة. أدركت في تلك اللحظة ما كان يدور في خلد الشاب. قلت له متبسما رغما عني:
- لا تخف. لست غولا أو عفريتا. أنا إنسان مثلك.
ونطق الساكت أخيرا بحشرجة لم ترق إلى صوت البشر معززا إياها برمية هوجاء من ذراعه في فضاء الغرفة
- لكنك أتيت من هناك... من التل...
قلت مصححا ومؤكدا
- لم آت من التل، بل أتيت عبر التل. أنا من المدينة. الم تسمع بها؟
ولم يكن لكلامي صدى لدى الشاب الذي قال معبرا عن قناعة راسخة ومتأصلة
- ما تقوله مستحيل. ما من أحد جرب عبور التل إلا وتحوَّل إلى حجارة.
فكأنه حقا ضربني بحجر على أم رأسي وأنا أستمع لكلماته. قلت له وأنا أدرك عدم جدوى التشكيك في قناعاته
- فكيف تراني إذن؟
ورأيته يرتعش رغم تمالكه لنفسه. قال بصوت يتهدج
- لا أدري، ولكنهم....
وتكسر الصوت في بلعومه
- ...دائما يظهرون مثلنا.
قلت وأنا أجاريه
- إذن أنت تعتقد بأنني واحد منهم؟
ظل ينظر في وجهي دون أن يتكلم. تبسمت له بود، فتأوه أخيرا وهو يقول:
- لا أدري...
سألته همسا والفكرة تولد في رأسي:
- ما رأيك لو تأتي معي؟
رفع رأسه مفزوعا
- إلى أين يا ساتر؟
أطلقتُ عندها ضحكة رنانة. في لحظة عابرة شعرت بسعادة غامرة لتحولي المفاجئ وغير المتوقع إلى غول مرعب يزرع الخوف والفزع في نفوس الناس.
- حيث أعيش. ألا ترغب في رؤية المدينة؟
رأيته يدخل حالة استغراق عميق، وكان ذلك واضحا في تحجر عينيه. كنت على يقين بأنه لم يكن خائفا قدر رغبته العارمة للكشف عن المستور.
تسرد إحدى الروايات التي قرأتها في كتاب متهرئ الصفحات، واختفى عدد غير قليل من أوراقه تفاصيل الحملة التي قادها (سادوم) للقضاء على القرية التي أقضت مضجعه، خاصة بعد أن تأكد له بأن الأمير (رافوستي) لم يقتل كما أدعى أعوانه بل موجود في تلك القرية يدعو ويخطط ويبني لمجتمع (الحب والسلام) كما يذكر الكتاب.
جن جنون (سادوم) وهو يرى الناس فرادى وجماعات يهجرون بابل هاربين عبر البساتين نحو قرية الأحلام.
_ سأمسحها من الوجود وأهلها.
لكن التل الحجري يقف بينه وبين القرية وأهلها، ومجموعة الأوراق التي سقطت من الكتاب تحتفظ بسر ذلك التل الذي ظهر فجأة حول القرية فحماها من سادوم وشروره.
تسترسل الرواية فتقول بأن (سادوم) جرب كل الوسائل للصعود إلى قمة التل فلم يفلح وكانت الأرض تنهار تحت أقدام جنده والحجارة تنهار عليهم من السماء كأنها مطر بينما التل يزداد ارتفاعا.
تعب الجند وانهارت معنوياتهم ولم يتمكن (سادوم) من دحر تلك الحجارة العجيبة. عندها بادر مستشاروه إلى إنقاذ الموقف فاقترحوا على قائدهم أن يضع نقاط تفتيش حول التل تقوم بعزل القرية وأهلها عن العالم الخارجي تماما.
رضي (سادوم) بمقترحهم وعاد إلى بابل يجر وراءه أذيال الخيبة ولغز حكاية لم يتمكن أحد أن يفك طلاسمها..
ولم يرد الشاب إذ دخل علينا أبوه في تلك اللحظة ونهره طالبا منه أن ينضم إلى الآخرين في إعداد مستلزمات العشاء.
قال (سادوم) لأعوانه وهو يتميز من الغيظ: اجمعوا عددا من الشبان في ساحة المدينة واقطعوا رؤوسهم وقولوا للناس بأن هذا هو جزاء من يحاول الهروب للانضمام إلى قرية المتمردين.
وكان له ما أراد، لكن الناس لم يتوقفوا عن البحث عن سبل للخروج من بابل وجحيمها.
على العشاء حضر عدد من رجال القرية قاموا بالترحيب بي بانحناءة في الرأس وغمغمة غير مفهومة، وكانوا جميعهم متوجسين من شيء ما غير معلن كنت أراه واضحا في عيونهم. وكانوا عندما يأكلون يزدردون الطعام دون أن يمضغوه كما تفعل الكلاب.
رحت ألملم شتات أفكاري جامعا أطراف الحكاية في رأسي لعلني أصل إلى قرار حاسم بشأن الوضع الشائك والغريب الذي وجدت نفسي فيه فجأة أمام هؤلاء الأغراب. فقررت أن أتكلم وأطرح أسئلتي عسى أن يدفعهم ذلك إلى إخراج ما في جوفهم من هواجس وأفكار.
_ جئت لزيارتكم بعد أن قرأت عنكم.
رفعوا رؤوسهم عن الطعام ونظروا إلي بعيون فارغة. كان واضحا بأنهم لم يفهموا شيئا من كلامي. قلت محاولا تفسير ما لبس عليهم
_ ورثت مؤخرا عن جدي مجموعة من الكتب القيمة، وجدت بينها كتابا متهرئا، صفحاته حائلة اللون منزوع الجلد وعدد كبير من صفحاته حتى أني لم أعرف لهذا الكتاب عنوانا أو مؤلفا أو مكان وسنة طباعته. هذا الكتاب يتحدث عنكم وعن قريتكم ويسرد شيئا من تأريخكم، وهذا بالتأكيد هو السبب الذي دفعني للمجيء إليكم والتعرف عليكم.
كانوا يلوكون الطعام وهم في حالة فصام تام عما يجري حولهم كأنهم صمٌ عميٌ ولا يتكلمون إلا كي يطرحوا سؤالا جاهزا
- ماذا يقول سيدنا؟
ثم يهزون رؤوسهم تأييدا وإيجابا حتى قبل أن يسمعوا الجواب. وسيدهم كما يبدو هو الشيخ مضيفي الذي يرفع رأسه عن الطعام ليلوك الكلمات مع قطعة اللحم التي تملأ فمه.
- لن نأتي ما لا يرضيه. أنتم تعرفون بأن رضاه أولا ورضاه آخرا.
أدركت عندها عدم جدوى المحاولة معهم، فالتفت ناحية الشيخ الذي ظل يماطلني طول اليوم.
- لماذا تركتهم يعتقدون بأني قادم من التل؟
نظر ناحيتي متأملا ثم غمغم بكلمات غير مفهومة. لكني بقيت مصرا على موقفي
- أنا ضيفك على ما أعتقد، ويحق لي أن أطالب بتفسير.
عندها صاح الشيخ بأعلى صوته:
- أنت ضيف القرية وسيدها.
اشرأبت رقاب الجميع وقاماتهم وهم مقرفصون على ركبهم، وكاد البعض أن يغص أو غص فعلا بالطعام المتوقف عند البلعوم، لكن أحدا منهم لم يشهق أو يبحث عن الهواء الذي ضاع عنه في تلك اللحظة، ووضع الجميع أكفهم الملوثة بالمرق والدهن على رؤوسهم، وانطلقت الأصوات من حناجر البعض ملعلعة:
- ضيفنا وسيدنا.
أردت أن أضحك، لكني تماسكت أو مسكني الذهول أو عدم التصديق مما يجري حولي، وتلعثمت الكلمات في فمي.
- أش..كر..كم..على..
صرخ الشيخ بصوت حماسي وهو ينتفض في الهواء
- سيدنا يأمرنا وإنْ شكرَنا فهذا كثير علينا.
رفع الجميع أذرعهم في الهواء وفتحوا أعينهم وأفواههم وصاحوا في إيقاع واحد:
- لبيك سيدنا، لبيك..لبيك..
عاد بعدها الجميع إلى الطعام. قلت للشيخ وأنا أداعب قطعة لحم بين أصابعي:
- صار واضحا الآن أنك تخطط لشيء ما....
وكانت في رأسي كلمات وتفاصيل أخرى وددت لو أسارع فأكشف عنها قبل أن أسقط تماما في مصيدة العنكبوت.
رمقني الشيخ بنظرة فيها الكثير من الاستغراب، ولم يقل شيئا حتى رحل الجميع وبقينا بمفردنا في الديوان الفسيح. جاء ابنه بالشاي وجلس بعيدا عنا. أشار الشيخ إلى ابنه ثم قال وهو يأخذ رشفة من شايه:
- هو من سيرث الصندوق الخشبي عني.
كنت متحفزا كي أقول أمورا كثيرة.
_ يا سيدي أود حقا أن أشكرك، فقد كنتَ كريما جدا معي، ولكن...
وكان الشيخ منشغلا في تلك اللحظة بلف سيجارة لنفسه. أضفت قائلا:
- لماذا تعمدتَ، أجل تعمدتَ..أن توحي للناس بأني........
ظل الشيخ ينظر في وجهي من خلال سحابة الدخان التي كانت تلف رأسينا منتظرا مني أن أكمل جملتي التي ماتت نهايتها بين شفتي. عندما أدرك بأني لا أملكها قال:
- كان والدي شيخا وكنت أنا غلاما أصغر سنا من ولدي هذا عندما زارنا ضيفنا الأول قادما من التل برفقة أبي ، وكانت ليلة كهذه الليلة، وأذكر أنني قمت على خدمته فحدثني عن نفسه وأنكر تماما علاقته بالسيد وقال أنه من المدينة وطلب مني مرافقته. وعندما كاشفت أبي بالأمر قال لي بأنهم يختبروننا ويريدون التأكد من إخلاصنا لهم.
سألته من دون أن يخرج الصوت من حنجرتي:
- وماذا جرى بعد ذلك؟
متكئا بكلتا ذراعيه على الأرض دفع نفسه إلى الأعلى لينهض واقفا. قال وهو يعب الهواء بعمق في صدره:
- ستعرف دون شك بقية الحكاية غدا.
واستدار مبتعدا. قبل أن يعبر الباب إلى الخارج توقف ليقول:
- سيقوم الفتى على خدمتك.
واختفى في العتمة.
دنا الولد مني بهدوء متوجس، وكان يحدق مباشرة في وجهي. سألني بنبرة شك:
- هل ستنام الآن؟
أجبته ساخرا:
- لكن العفاريت والجان لا تنام في الليل.
كأنه لم يسمعني. كانت عيناه منشغلتين مع أصابعه في رسم حروف وتشكيلات مبهمة على سطح السجادة. عندما عاد ليسألني ثانية بدا أكثر ثقة بنفسه.
- ماذا ستطلب منا أو مني بالتحديد غدا؟
ولم يكن لسؤاله من جواب عندي غير الحيرة. كان غامضا مثل كل الأشياء التي أحاطت بي منذ أرتقيت التل الحجري الأكثر غموضا. أجبته بحزم مفاجيء:
- غدا سوف أغادركم ولن أطلب منك شيئا. أظن أن كلامي واضح تماما.
لكنه هز رأسه بمرارة كانت بادية على وجهه وأجابني قائلا:
- هذا ما قاله الضيف الأول لجدي، ولكن ما حدث بعد ذلك كان مغايرا تماما.
أثارت كلماته الفضول في نفسي. سألته:
- هل تحكي لي عن جدك وهذا الضيف الأول.
اتسعت عيناه دهشة وأضاءت وجهه ابتسامة خجلى.
- لا يجوز أن أحكي لك عن شيء تعرفه بل تعرفونه أفضل مني.
سألته بغضب مكتوم يوشك أن ينفجر:
- وهذا بالتأكيد ما قاله الضيف الأول لجدك؟
- لن أجادلك في هذا.
ولم أعد أطيق صبرا.
- دعني أقول لك شيئا. أنتم تعيشون داخل وهم كبير اسمه التل والسيد وعفاريته وسطوتهم عليكم.
كان ينظر لي بذات النظرة البليدة. عدت أساله:
- الم يحن الوقت كي تخرجوا من هذا الوهم الكبير؟ أو دعني اسألك، ألا تحب أن تتمرد على ما جاء به أجدادك وآباؤك؟
هز رأسه تعبيرا عن حالة يأس شديد.
- لماذا تدفعوننا دائما الى العصيان؟ لماذا نحن موضع اختبار دائم؟ ولماذا تشكون في اخلاصنا لكم؟
أطلقت تنهيدة اختلطت بضحكة يائسة.
- حالة ميئوس منها تماما.
قلتها دون أن أتوقف عن الضحك.لكنه لم يتوقف. قال مدافعا:
- كنا وما زلنا أتباعا أوفياء ومخلصين للسيد.
- لا بأس أن تكونوا أو بالأحرى نكون أوفياء لفكرة أو مبدأ ما، ولكن مطلوب منا أن ننظر حولنا....
وتوقفت. كنت على وشك أن أدخل في دوامة أفكار وآراء لن يفقه منها شيئا، وكنت محقا في ذلك، إذ راح يبحلق في وجهي في انتظار تفسير ما لكلماتي الأخيرة. قلت له وأنا أحاول أن أضع حدا لكل شيء
- حسنا، لا عليك من هذا. قل لي، ألم يحن وقت النوم؟
سألني مستغربا:
- هل تريد أن تنام؟
- وماذا عنك، ألا تريد أن تنام؟
كانت عيناه وأصابعه منشغلة بتخطيطاته على السجادة. أجابني دون أن يرفع رأسه نحوي:
- لا لست مستعدا أن أضحي بلقاء عمري من أجل سويعات أقضيها في النوم، ويمكن التعويض عنها فيما بعد.
في تلك اللحظة بالذات غمرتني مشاعر حب جارف ناحية القتى. قلت له بنبرة تغمرها العاطفة
- أعدك بأننا في الغد سنجلس ونتحدث في كل شيء.
رفع وجهه وذراعه في وجهي باستنكار وقال:
- ما سيحدث في الغد هو أمر آخر. إنني أتحدث عن الليلة.
عادت الحيرة تحيط بي من جديد. فكلما حاولت أن أدنو منه كان ينأى عني. مرة أخرى حاولت أن أختصر الطريق، وقد بدأ التعب يسري في أطرافي، وكنت بحاجة شديدة الى الاستلقاء على ظهري وإغماض عيني. سألته:
- وماذا تريد مني؟ أعني ماذا تتوقع من هذا اللقاء؟
فتح ذراعيه وعينيه وفمه كأنه يريد أن يأخذني في حضنه وقال:
- أولا، أن أسمع لك، وهذا غاية المنى، أما إذا كشفت لي عن أمور أخرى تتعلق بالمستقبل فسوف اكون في غاية السعادة.
خيل لي أنني أمسكت بالخيط الذي سيوصلني الى النهاية مع هذا الفتى العنيد.
- باختصار شديد، الصدفة المحضة هي التي قادتني اليكم. قرأت عنكم فدفعني فضولي لمعرفة حقيقتكم. وهكذا جئت اليكم وجرى ما جرى منذ التقيت أبيك في أعلى التل فحشرتموني في تفاصيل صورة لا أنتمي اليها على الاطلاق. والآن، أريدك أن تصدقني، ليس عندي شيء آخر أقوله لك.
لكن سؤاله التالي احبط محاولاتي لانهاء الحديث.
- وماذا تقول الكتب عنا؟
حكيت له على عجل القصة منذ دخول الأمير رافوستي القرية حتى انكسار جيش رافوستي عند التل الحجري، ولم أسهب كثيرا. لكنه بدا مسرورا وهو يستمع للحكاية.
كنت برما جدا، وكنت اريد أن أنام. رفع يده مثل تلميذ في فصل دراسي وقال:
- شيء واحد فقط.
لم أتكلم، وانتظرته متجهم الوجه كي يسأل وأنا أتثاءب بعنف. قال بحذر وبنبرة تقرب من الهمس:
- ما سر الصندوق الخشبي؟
فتحت عيني رغما عني وقد فاجأني السؤال الغريب. كررت كلماته دون ادراك مني وأنا أرفع كتفي.
- ما سر الصندوق الخشبي؟
دخل المدينة مع غبش الفجر. كان فتى في ريعان الشباب ، منفوش الشعر، ممزق الملابس، خائر القوى تماما، تهاوى أمام إحدى الحانات، فحملوه الى الداخل وأطعموه ووضعوا عليه ملابس نظيفة وتركوه كي يسترجع شيئا من قواه الخائرة.
وعندما تحلقوا حوله بعد حين، سألهم:
- أين أنا؟
فاجابوه:
- أنت الآن في بابل.
طلب منهم أن يأخذوه الى مليكهم، فكان له ما أراد. قال للملك:
- عبرت صحراء الموت أحمل رسالة من ملك الجان الى ملك بابل. تقول الرسالة: حيث يوجد صندوق حديدي (وليس خشبي) مدفون تحت الأرض في مكان ما من أرض بابل يبنى معبد لانليل العظيم رب الآلهة.
عاد يسألني:
- هل لديك ما تقوله لي؟
كنت مضطرا الى مجاراته وقد هدني الإعياء.
- قال جدك الأكبر بالتحريم على الجميع ماذا لو تستثني أنت حامله؟
كان سعيدا بذلك على ما يبدو، فنهض ليجلب لي الأغطية. وكنت بدوري سعيدا أيضا لأنني سأستلقي أخيرا على ظهري وأغمض عيني وأغرق في النوم.
كانت الشمس تتمدد على الأرض عند المدخل عندما فتحت عيني، وكان رأسي ما يزال ثقيلا. كانت هنالك جلبة أصوات وأقداما تجري، ثم دخل الفتى وكان متشحا بالسواد. بادرت إلى سؤاله:
- ماذا جرى؟
لم يتقدم نحوي كثيرا. ظل واقفا حيث تغطي الشمس ساقيه، وقد بدا مختلفا عن ليلة أمس. قال بنبرة هادئة وواثقة:
- ما كنا نتوقعه. مات ابي هذا الصباح، فتحقق الهدف من زيارتك.
كان لكلماته صدى راح يتردد في رأسي الخاوية والمثقلة بالتعب والنعاس، لتسري في أطراف جسدي قشعريرة فزع بارد.
واصل الفتى كلامه قائلا:
- ستشاركنا في مراسيم الجنازة والدفن وإعلان الولاية للخلف، بعدها يمكنك الرحيل مصحوبا بالسلامة.
كنت ثقيلا جدا، وكنت عاجزا عن النهوض.
أبو ظبي تشرين أول (أكتوبر) 2005 – صوفيا كانون ثاني (يناير) 2006
|