|
«بغداد - باريس»:معرض بانورامي للفن العراقي المعاصر في العاصمة الفرنسية
|
|
|
أسعد عرابي
تستقبل العاصمة الفرنسية للمرة الأولى معرضاً استعادياً يكشف– بنسبة كبيرة – «بانوراما» إضاءات الفن العراقي المعاصر خلال القرن العشرين، هو الذي نُهب متحفه عن بكرة أبيه بما فيه هذا القسم، حتى لم يبق أي رسم ورقي لجواد سليم، تماماً كما جرى في مخطوطات العصر العباسي عندما اجتاحت مكتباتها سنابك هولاكو عام 1258 حتى تلوّن دجلة بلون المداد والدم. ما أشبه مصاب اليوم باستباحة تلك العصور الكابوسية.افتتح المعرض في مونبارناس في الثالث والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) 2005 وسيستمر حتى نهاية شباط (فبراير) 2006، بعد ان تحدد عرضه شهراً، ثم مدد بسبب حصاره في البداية وتأخر المعرفة بأهميته. يزداد أهمية بخروجه للمرة الاولى من ربقة الوصاية البعثية أو المؤسساتية الرسمية سواء في الداخل أم الخارج. ذلك ان فضل المبادرة فيه يرجع الى صاحب مجموعات ومدير صالة بغدادية باسم «أثر». هو محمد زناد، ويأتي المعرض بتعاونه المباشر مع وزارة الخارجية الفرنسية. خطّ المبدع غني العاني عنوان المعرض: «بغداد – باريس: فنانون من العراق» ليشاع مع الاعلانات وسماه زناد: «إنعاش زهرة في رماد». متضمناً مختارات من التصوير والنحت والسيراميك لأكثر من أربعين فناناً رسموا محطات مئة عام من النهضة التشكيلية العراقية الزاهية. من المعروف ان النهضة التشكيلية في المحترفات العربية استهلتها مصر (تأسس معهدها الفني العام 1908) ولبنان، ثم العراق وسورية. يبتدئ اذاً المعرض كما هي بواكير الفن العراقي منذ أوائل القرن العشرين وبالتحديد مع عبدالقادر الشهير بالرسام (المولود عام 1882 والمتوفى عام 1952)، والمتخصص في المناظر الواقعية لبيئة نهر دجلة على طريقة معاصريه في اسطنبول، قبل ان تتجه دراسة الرموز الرائدة الى معاهد باريس وروما، مع المؤسسين: جواد سليم وفائق حسن. يعتبر الاول المؤسس الحقيقي الأصيل لحداثة المحترف، كان مصوراً ونحاتاً صمّم قبل وفاته الملحمية عام 1961 «نصب الحرية» الشهير الذي قاوم محنة تاريخ بغداد وظل راسخاً في قلب المدينة، لو رفعنا من تاريخ الفن المعاصر تراثه لخسر الكثير، فقد توهجت عبقريته خلال سنوات معدودة ما بين باريس وبغداد، ما بين اكتشافه لبيكاسو وماتيس في الأولى واكتشافه للرؤوس السومرية وأحداقها الساهمة في الأبدية ورسوم «الواسطي» في العصر العباسي، أما توأمه فائق حسن فقد شارك في التأسيس المبكر لخصائص التعبيرية التراجيدية العراقية، في حين شرد بها العملاق الثالث الاصغر سناً وهو شاكر حسن آل سعيد في اتجاه تصوفي بلغ بها حدود استثمار الحرف على الجدران المتهالكة المعاصرة لتابييس الاسباني. وصلت الحركة المحلية أسلوبياً ذروتها مع تلامذة هؤلاء ما بين النحاتين: خالد الرحال ومحمد غتي قبل تقدمه على يد اسماعيل فتاح الترك ومصمم السيراميك العربي الأول طارق ابراهيم، والمصورين البارزين في ستينات وسبعينات ما بعد الهزيمة، من أمثال ضياء العزاوي وعليّ طالب ومهر الدين وسعاد العطار مروراً بكاظم حيدر واسماعيل الشيخلي. تبدو الحلقة المفقودة في هذا التمفصل في المعرض: الحركة الانطباعية (ورمزها الدروبي)، هي التي تزامنت مع «جماعة بغداد للفن الحديث». ولكننا نعثر مع ذلك على واحد من متقدميها وهو خالد الجادر. كما غاب عن المعرض مفصل أساسي هو علي طالب وجماعته (للفن المعاصر) النظيرة لجماعة «الرؤيا الجديدة»، وغاب عن الثانية ضياء العزاوي ورافع الناصري. قد تكون من أبرز جماعات رفض هزيمتي 1967 و1973. كما غاب ابرز تلاميذ شاكر حسن وهو مهدي مطشر (المقيم في باريس)، والكردي العراقي هيمت، والكاكي (اسبانيا)، وسليم عبدالله (سويسرا). لا يتسع المجال لذكر كل الاسماء الحاضرة والغائبة، وقد يكون الجانب الأكثر أهمية في المعرض هو عرض فناني المحنة العراقية الذين تشكلوا من زلازل الحروب والحصار والاحتلال، هم من مواليد الستينات، أما البرزخ المتوسط الذي تقدمهم فيمثله عدد من مواهب أمثال فاخر محمد ومرتضى والسامرائي وبخاصة هاشم حنون الذي أقام توليفاً أصيلاً بين موروث جواد سليم وفاتح المدرس (سورية). أما نجوم الستينات من الشباب المذكورين فنكتشف مع كل معرض عراقي مواهبهم الفذة، وذلك ما بين مبدعين اثنين: الأول من الداخل وهو كريم رسن، الذي نما في حاضنة تراث جداريات شاكر حسن، ولكنه تفوق على معلمه في اشاراته الذاكراتية البليغة، وهو نموذج الطابع الغرافيكي الذي غلب على خصائص المعاصرة التشكيلية المحلية، أما الثاني من الخارج فهو محمود العبيدي الذي انحاز تصويره في السنوات الاخيرة الى التعبيرية المحدثة التي ترفع الحدود بين التشخيص والتجريد، ضمن فراغ حافل بالتداعيات الحدسية، ينتسب الى عصر باسكيا وكومباس وبازلتز. بقي ان نذكر ان المهرجان ترافق معه عرض فيلم «زمان» لعامر علوان.
|