|
وائل عبد الفتاح

انفجرت
فجأة فتنة جديدة بسبب فيلم... لكن هذه المرة المسألة وصلت إلى
الكوميديا.
هى كوميديا سوداء لانها تكشف عن مأساة حقيقية.
فيلم من 9 دقائق اسمه "الأسانسير" عن فتاة محبوسة فى أسانسير تعطل
فجأة. تأتيها مكالمة عبر الموبايل طرفها الآخر شاب.. ترتبك وسط عزلتها
فى علبة الأسانسير. وتصبح المكالمة هي طريقها للاتصال بالعالم (انتهى
رصيد كارت تليفونها)... الحوارات تتطور إلى محاولة للتعرف على شخصيتها.
وتشعر هي فجأة انها وحدها ولا يراها أحد.. فى عالم ملكها وحدها. تتحقق
خصوصيتها بعيدا عن رقابة الشارع (شباب يطاردونها وهى عائدة من العمل)..
وفى البيت لا تعثر على خصوصيتها الا بعد ان ينام الجميع فتخرج إلى
الشرفة وتستمع إلى الموسيقى وهي تشرب الشاي.. تترك نفسها قليلا وتخرج
محتويات حقيبتها وتفك الإيشارب الذى تلبسه على رأسها.. وتنظر إلى نفسها
فى المرآة. لحظة مسروقة يشاركها فيها صوت لشاب لا تعرف ملامحه. وتترك
لنفسها تخيل صورة اخرى لها. وتسأله عن ملامحه. ينتهي الفيلم بعودة
الكهرباء. وبمشهد تنظر فيه إلى العالم من وراء قضبان حديد.
ـ 1 ـ
الفيلم عن لحظة خصوصية فى ظل رقابة المجتمع، لحظة حرية فى علبة معزولة.
وفتاة مطاردة بكل ما يمنع حريتها فى المشاعر او الازياء أو المشي
بحرية.. تمشى كأنها تجري.. فهي تحت نظر الجميع. وشباب النواصي يجعلون
الشارع مصيدة لأى فتاة عابرة. يفقدونها الامان ... والخصوصية.. وتصبح
الاماكن المغلقة فقط هى جزيرة الامان الشخصى..لهذا تبدوالفتيات بكامل
حريتهن فى البيت والحجرات المغلقة.. حرية لا تعنى الاباحية... لكنها
تتيح للبنت ان تترك جسدها يسترخي.. وتنسى لفترة انها تحت رقابة دائمة.
لحظة الاسترخاء المسروقة اصبحت فيلما قصيرا... وضعت عليه هديل نظمي
اسمها كمخرجة اول مرة. هي كانت من بين مجموعة هواة سينما اشتركوا فى
ورشة اقامها مركز الجيزويت الثقافي بالاسكندرية بالتعاون مع شركة
"سمات".
هديل حصلت على ماجستير فنون جميلة... و"الأسانسير" أولى تجاربها فى
السينما... وهونتاج ثورة فجرها انتشار كاميرا الديجيتال التي تتيح لغير
المحترفين ان يصنعوا سينما خاصة.. تجدد حيوية الفن الذي تجاوز عمره
الآن 200 سنة.
التجارب الجديدة.. اضافت إلى السينما حرية تناول موضوعات صغيرة وشخصية.
وفتحت نوافذ على حكايات كانت بعيدة عن السينما. ومن هنا بالضبط بدات
الكوميديا الفاقعة.
ـ 2 ـ
صحافي بالتأكيد لم ير الفيلم لأنه رأى فيه اشياء لم تحدث. قال في خبر
نشر على موقع "المصريون" القريب سياسيا من مجموعة حزب العمل ان الفيلم
يتضمن لقاء جنسيا بين شاب وفتاة محجبة فى الأسانسير. وان الفتاة تخلع
ملابسها. وانها تبادلت مع الشاب حواراً إباحيا.
وهي أحداث ليست موجودة بالفيلم تماما (الفيلم تمثيل ممثلة واحدة اي
مونودراما بالتعبيرات الدرامية). من اين اتى الصحافي بما كتبه عن
الفيلم... هل سمع ؟! ام ان خيالاته الجنسية عرضت له فيلما من تأليفه
واخراجه..؟! المثير للدهشة ان الصحافي لم يحك الفيلم الذى اخترعه
لأصدقاء فى جلسة نميمة.. لكنه نشر الخبر ومعه البهارات اللازمة: فيلم
"يسيء إلى الإسلام" و"يثير الفتنة".
كيف امتلك الصحافى قوة الكلام عن فيلم لم يشاهده او سمع عنه.. ويتهمه
باتهامات مرعبة بدون ان يراجع نفسه ويقول: كيف اكذب.. وانا اتحدث عن
الدين الذى اؤمن به؟ ونشر الموقع الخبر مع بهارات اكبر (هناك رغبة فى
نشر مناخ يقول بان الاسلام غريب فى مصر ويتعرض لحملات تشويه ومؤمرات من
جهات محلية واجنبية) ومن ضمن البهارات اشارة إلى ان المخرجة والممثلة
من المؤمنين بالمسيحية (ساعد على ذلك ان المخرجة اسمها: هديل نظمي..
والممثلة اسمها "ليلى سامى " وكلاهما اسم لا يحسم ديانة صاحبته ويوحي
بأنهما شريكتان فى مؤامرة طائفية برعاية المركز الثقافي الفرنسي (الذى
ليس له علاقة بالفيلم الا انه كان مكان العرض).
الموقع نشر الخبر والصحافي شعر براحة ضمير هائلة فقد دافع عن الاسلام
واطلق صيحة من صيحات الحرب.. ورفع سيفه فى مواجهة الاعداء. وفقط. لم
يهتم بأبسط واجبات المهنة. ولا حتى بمراعاة آداب الاختلاف والتأني فى
اطلاق تهمة الاساءة إلى الاسلام بهذا الاستهتار بحثاً عن موقع للنشر او
رغبة فى دغدغة مشاعر هستيرية لجمهور مهووس.
ـ 3 ـ
الصحافى اصطاد الخبر. وكانت فى انتظاره صحف اخرى تبحث عن مانشيت مثير
لنفس الجماهير المهووسة بفكرة اهانة الاسلام والاساءة إلى سمعة مصر.
فنشرت صحف "الخميس" و"الميدان ".. ثم "حديث المدينة" على التوالى الخبر
كل على طريقتها وكلها صب فى اتجاه واحد: الإساءة إلى الإسلام. والإساءة
إلى المحجبات و... إلى آخر القائمة الجاهزة. لم ير أحد فى هذه الصحف
الفيلم. ولم يداروا حتى الكسل المهني وعدم الكفاءة الصحفية... بمحاولة
البحث عن الحقيقة. العناوين كانت ملتهبة: الاساءة إلى الاسلام. فيلم
اباحى... وهي عناوين رائجة هذه الايام. هذا هوموسمها والسوق التى تنتعش
فيه بضاعة الكلام عن الاسلام او اتهام اي شيء بالاباحية. وكلها اتهامات
واشاعات من الصعب اثباتها... لكنها تحقق اثرها فى مجتمع يشعر بالهزيمة.
مجتمع مجروح يعاني من الاحساس بالدونية... يستمتع بتعذيب الذات ( كأن
الغضب من الاهانة.. . يعوضه عن فعل شيء حقيقى فى مواجهة حالة الواقع
المتردية). من هذه التجارة السهلة ينتشر شطار "الجهل النشيط "...
يشعلون حرائق الفتنة على طريقة شربة العطار التى تعالج كل شيء.. وعلى
طريقة اللعب على الضعف الجنسي ببيع عقار الذكورة الجبارة. وهذه الايام
يمكن ان تبيع اى صحيفة اذا نشرت خبرا مثيرا يتعلق بالاسلام اوالقرآن او
إسلام المسيحيات. هذا هوالهوس الجديد.
وهذا هو ما جعل اجهزة الامن تتحرك بعد مانشيتات الصحافة بشكل غريب.
ضابط استدعى المخرجة التى اصيبت بالرعب طبعا من استدعاء الامن لها....
رعب اضيف إلى احساسها بتهديد امنها الشخصي بعد نشر الخبر.. خاصة ان
المناخ فى كلية الفنون الجميلة بالاسكندرية اقرب إلى المحافظة
والاصولية (فى واحدة من عجائب مصر فى القرن الواحد والعشرين). المخرجة
اتصلت بالضابط الذى سألها: انت مسلمة والا مسيحية... ؟! وعرفت منه انه
كان يظن ان الممثلة ايضا مسيحية وان الفيلم تشارك فى انتاجه فرنسا.
المدهش اكثر.. ان مباحث الآداب زارت المركز الثقافي الفرنسي وسألته عن
برامجه والانشطة التى يهتم بها. لماذا هذه الضجة على فيلم عادي.. ولم
يشاهده أحد من الذين صنعوا الضجة حوله. لا الصحافي ولا الموقع الذى نشر
الخبر... ولا الصحف التى نقلت عنه ولا الامن الذى تحرك بشكل مرتبك...
ولا أحد من مشعلى الفتن ومثيري الرعب والفزع.
ـ4 ـ
الغريب ان الموقع حين قرر نشر رد شركة "سمات"..لم يهدأ بالاً لان
الفيلم لا يتضمن اساءة إلى الاسلام. ولم يشعر بالراحة لان المؤامرة ليس
لها وجود بل زايد واصر على المؤامرة وسأل: لماذا كانت البطلة محجبة..؟
وإلى ماذا يمرمز خلعها للحجاب قى الأسانسير... ؟!
وهوتصور عجيب جدا... لان فكرة الربط بين ان المحجبة هى رمز المحجبات..
والاصرار على ان خلع الحجاب رمز خفي للإساءة إلى الاسلام.. فكرة مهينة
للإسلام.. وللمسلمين. والدفاع عن اي عقيدة بهذه الطريقة يؤدي فى
النهاية إلى نوع من الابتذال.
ربما يكون سفير فرنسا احتج بشكل رسمى على تحويل قضية تافهة إلى مؤامرة
قومية. وربما يكون مؤثرا احتجاج لجنة السينما فى المجلس الاعلى للثقافة
بالإجماع على ما حدث مع فيلم "الأسانسير". لكن المهم ان ما يحدث مؤشر
خطير على درجة من التردى لم يكن اكثر المتشائمين يتوقعها.
انها حالة بلاهة ممتدة من السياسة إلى ابسط قواعد المهنة. فالمتعصب
للاسلام لا يعرف كيف يدافع عنه واجهزة أمن وحماية المجتمع عشوائية.
والجميع فى حالة اهتزاز كأننا فى مجتمع لم يعرف الحضارة ولا التفكير.
لم يعرف السينما من اكثر من 100 سنة.
|