|
جواد الأسدي يقدّم قراءته لمأساة عراق ما بعد صدام مسرحياً «حمّام بغدادي» يسلق الأحياء ويسخر من الموتى
|
|
|
مناضل داود
مسرحيّة «حمّام بغدادي» التي أنهت عروضها، على مسرح الحمراء في دمشق، تريد أن تنتقل بالجمهور إلى جوهر الجحيم في بغداد، عبر نصٍّ بسيط، ومشاكس، اتقن لعبة الغواية، خصوصاً البصرية منها، بتفاصيل مثيرة ملتبسة، تضرب في أسئلة حيوية لعراق يترمّد يومياً بفوضى السياسة والأيديولوجيا. سائقان في باص ينقل المسافرين من عمّان الى بغداد، مجيد (الأخ الأكبر) انتهازي، صيّاد فرص، يتعاون مع الشيطان من اجل كسب رزقه، عمل مع النظام السابق ويعمل الآن مع الأميركان، واضعاً سيارته في خدمة نقل المؤن والعتاد من والى السجون. الأخ الصغير (حميد) مستلب، مسحوق، مشوّش الرأس، جراء ما وقع عليه من هول في العهد الفاشي، متورّط في العمل مع أخيه من دون ان يكسب منه شيئا بسبب مكر الأخير. نبش وتعرية، ونزاعات أخويّة، تحوّل الحمّام الى مرتع شبهات واختلافات، وتجعل الأداء المسرحي مشحوناّ وكأنه استقى حرارته من نار الحمّام وبخاره. هول الانفجارات التي تدوّي في المسرح تجعل المشاهد اكثر التحاماً وقرباً من روح العرض، بحيث يتحوّل المكان، المنصّة وصالة العرض الى شحنة متشابكة، إذ يقوم الاسدي باستدراج جمهوره الى طقوسيّة ضوئيّة، صوتيّة، وادائيّة. همس لي غسان مسعود الذي كان يجلس بجانبي بأن جواد يصرّ على اشراكي في لعبة العرض رغم جلوسي في الصالة، هكذا جعل المخرج من المشاهد ممثلا ثانياً. صحيح أن المسرحيّة اكتسبت اهميّتها من خلال جماليات العرض الثريّة، التي خلقها المخرج، خاصّة ذلك الحس السينمائي المشهدي، المدعّم بإضاءة مركّبة اوحت في كثير من الاحيان بأننا أمام سينما واقعيّة ايطاليّة، وهي المنطقة التي عوّدنا الاسدي الاشتغال عليها، بعناية فائقة في اغلب عروضه. نضال سيجري (حميد) تحرّك على الخشبة بخفّة وخبرة الممثل المدرك لعمله وثقافة جسده التلقائيّة، في اداء عفوي موجع، حتّى ان تمثيله لدور حميد، تجلّى بحرارة عالية خلال سرده قصّته مع رجل المخابرات، في العهد البائد الذي طلب منه نقل المساجين من مكان لآخر بهدف اعدامهم، خلال ادائه لذلك المشهد صرنا نسمع لهاثه، همسه، خفقات قلبه، واهتزاز جسده، هكذا وبلغة التعبيرات الجسديّة الصارمة والقاسية، قدّم الاسدي صدماته، الواحدة تلوى الأخرى، عبر منطقة التمثيل التي نحت من خلالها جسد فايز قزق (مجيد)، الممثل الاشدّ احترافاً، وتجسيداً لدور سائق الباص العراقي الذي ظل يحلم بنقل احد المرشّحين الاغنياء الذين يتوقون للعب دور سياسي في بغداد؟ اشتغل الأسدي المؤلف والمخرج لحمّام بغدادي على نقيضين في فوضى الحياة وقهرها الاجتماعي والسياسي، فعاقب السياسة بفضاء الجمال وارتقى بالمسرح، الذي هو الحقيفة الوحيدة المتبقية لديه. المسرح ذلك المعبد الذي يجيد انتهاك القوانين الوثنيّة، ليعيد صياغتها ويبث الروح فيها من جديد، لاعادة تشكيل الشخصيّات وتغيير مصائرها. يخرج الأسدي من فضاء الحمّام، الى الحدود بين عمّان وبغداد، بعدما اقنع الأخ الأكبر (مجيد) أخيه الأصغر(حميد) بوجود صفقة مربحة، وهي اصطحاب رجل (ملياردير) ينوي ترشيح نفسه للانتخابات، لكنّه يموت على الحدود العراقيّة لتتحول هذه الجثّة الى كابوس تقزّز حميد وتثير اعصاب مجيد، الذي يسعى لإدخاله بشتّى الطرق الى العراق. يغلق الأسدي كل المنافذ ليتحوّل بخار الحمّام في عمق المسرح، الى دخان ينبعث من حرائق الانفجارات، ويتركنا نراقب بصبرٍ عبث انتظار الاخوين للعبور بالجثّة الى بغداد رغم وجود طوابير من الشاحنات والباصات التي تنتظر اشارة المرور من المجنّدة الاميركيّة. ـ مجيد: اذهب الى المجنّدة واقنعها بأنّنا نحمل جثّة مرموقة، مرشّحة بقوّة للانتخابات... يعلن حميد رفضه الفكرة وتقزّزه من المجنّدة، بعد نزاع عنيف بين الاخوين يقرّر الاخ الأصغر العودة الى عمّان، بينما الاكبر يهمّ بنبش الجثّة التي تنفجر فيه. ماذا يريد أن يقول لنا الأسدي؟؟ في بغداد مفخّخات وانفجارات، وعلى الحدود جثّة الثري المرشّح للانتخابات!! كيف إذاً يعيش البغداديّون في ظل هذه الظروف القاهرة، كيف تسير الامور؟ لم يعطنا العرض اجوبة جاهزة تريحنا، بل وضع امامنا كومة من الاسئلة الملتبسة، فهو لم يقدّم عرضاً مسرحيّاً مسالماً، بل كان مشاكساً كعادته، وكأنه يقول للمشاهد «اذهب واستنبط من الحقائق ما شئت». اشتغل الاسدي على عري الجسد وعري اللغة دون تحفّظ، ليقدّم لنا جحيماً خالياً من الرتوش. جماليات العرض الذي شاهدنا في «مسرح الحمراء»، تسهم في محو غبار الاذن والعين، خصوصاً مع لوحة الفنّان جبر علوان، التي تحوّلت مع الضوء والضباب الى عمقٍ شفّاف يزيح عنا قسوة الواقع، لينتهي العرض بموسيقى رعد خلف الدراميّة المؤثرة.
|