مساء الاحتراقات

 

نصوص عراقية

 

 

 

العدد 28 -- شباط  2006

 

تصدر عن موقع الكاتب العراقي

 

 تحت اشراف القاص  سلام إبراهيم

 

يرجى ارسال المواد الى

salam54@maktoob.com

 

شروط النشر: لم يسبق نشر المادة في المواقع الألكترونية ويجب الالتزام بعدم نشرها على النت الا بعد نفاد مفعول العدد (شهر واحد).

 

يجب أن تكون المادة مكتوبة ببرنامج الوورد ومصححة لغويآ ومرفقة كملف

 

الأفتتاحية

من أجل تحرر النص المكتوب في الداخل: سلام إبراهييم

 

مقالات ودراسات

أسماعيل الشيخلي في ذكراه الرابعة: خالص عزمي
أديب كمال الدين: د. عدنان الظاهر
الأسلام السياسي والعلمانية: محمد الحنفي
مديح السلطة والتضخم الأيدلوجي: نزار آغاي
العراق عند مفترق طرق: شاكر الأنباري
أطوار بغداد:  شاكر الأنباري
عودة إلى "مالك بن الريب": محمد شمس الدين

 

شعر


نصوص شعرية: حسين الهاشمي
معرة الاكراد .. حلبجه: عبداللطيف الحرز
من بقايا الوجع الممتد: آزاد أسكندر
خمس زهرات من جنائن شتى:  د. حسن البياتي
قصيدتان: مجيد الأسدي

العذابات المجهولة لزينة الغريبة: محمد الكاظم

قصيدتان:  وفاء عبد الرزاق
العودة إلى جهنم:  باسم عواد
مع ذاتي بالذات:  سامي العامري
العلية أزرا باوند: ترجمة آزاد أسكندر

بيني وبينك زهر أيلول: إبراهيم القهوايجي

قصائد عن النمساوية  هيبيك: ترجمة بدل ! رفو المزوري
قصائد عن السويدية بوكار ربلان: ترجمة محسن عواد
قصائد عن الكردية دلشا يوسف: ترجمة صلاح برواري

قصص

حب ورعب: كليزار أنور
كابوس الظهيرة: حسين عبد الخضر
لا شيء: فاطمة المزروعي
مساء الأحتراقات: زيد الشهيد
أستغاثة: صبيحة شبر
أعتذر لفقدك: أحمد مطير عباس
من أوراق يزيد بن مفرغ الحميري: د. ماجد الحيدر
قصص قصيرة جدا: نواف خلف السنجاري
أنا والسيد وقرية تَبيغة: رافع  الصفار

إجترار: خالد صبيح
أزقة الروح: سلام إبراهيم
الكاتب والمومس: سلام كاظم فرج آلياسر  
قصص في دقيقة واحدة للكاتب المجري إشتفان أوركين: اعتقال الطائي

رواية


تاريخ العائلة ـ رواية كاملة:  حسين عبد خضر
مهرة بلا فارس ـ القسم الثاني:  وفاء نصر شهاب الدين
فصل من رواية ـ سواقي القلوب:  إنعام كجه جي
فصل من رواية ـ كتابة على التراب: عبد الجبار ناصر

متابعات

سواقي القلوب: هدى إبراهيم

حوارات

حوار مع جواد الأسدي عبثية الحالة العراقية: أنور بدر
حوار مع سلام إبراهيم: علي الشباني
حوار مع أتوري سكولا:  ترجمة بسام حجّار

يوميات

يوم من حياة الطاهر بن جلون

 

مدن وجوه أرياف

 

الزبير فردوس نجد والبصره المفقود: رزاق عبود


مسرح

 رواد تجريب في الكتابة المسرحية : د. محمد المديوني
جواد الأسدي يقدم قراءته لمأساة العراق: مناضل داوود
نص موجز للحرب ـ مسرحية : هادي المهدي

سينما

الطبول: فلم جديد للمخرج الكردي هونر سليم  خليفة
فيلم  يثير الرعب ويهدد بفتنه طائفية: وائل عبد الفتاح

فن تشكيلي

معرض في العاصمة الفرنسية: أسعد عرابي

مقالات قصيرة

ثلاث مقالات:  لكاظم الحجاج

كتاب الشهر

رؤيا اليقين: راسم المدهون
 


البرمجة الالكترونية الشاعر آزاد اسكندر

 

 

www.iraqiwriter.com

عودة الى موقع الكاتب العراقي

الرجاء زيارة موقعنا الثاني

موقع الفنان العراقي والمتخصص بفنون التشكيل

www.iraqiartist.com

 

زيد الشهيد

                                                                           

كأنَّ أعواماً عّدت …

كأنّما الليالي حبّات مسبحة سوداء تتوالى …

كأنّي شاعرٌ قديم أرخى ذاكرته واستدعى احتراقاته وتأوهاته وأمانيه على طلول عافها أهلُها ورحلوا ، تاركين آثار خطاهم على الدروب والجنبات والأفياء . أقفُ عند مصاطب لقاءاتنا الجرداء . " حدائق السبعين " أتبينها بيداء موحشة . رمال تمتد عطشى يعمُّها سرابٌ زحيم . تغريني لحظات الشرود باللهاث صوبه فتنبثق من بين لئلائه صورةٌ لوجهٍ موشوم بالوله ، ينده بي صوت أثير تعوّدتُ سماع نبراته المنغَّمة فأصرخ كعابثٍ مجنون : " منى !! .. منى !!  ها أنتِ تعودين متراجعة ؛ كاسرةً قرارً الرحيل ؟ انتظري ! ها أنا قادمٌ إليك . سنعيش صباحات الفناءات المشمسة ، ونعيد لسحر ليالينا الساعات الجذلى التي تعوَّدنا اختتامها على محفّات ابيضاض الأفق . " … أهمُّ بالنهوض وأخطو على فيض رغبة وليدة فيقطع شرودي الجميل نفيرٌ متواتر لعربات أعاقها حادث مرور عابر .

   المصاطب فارغة / الطيور هاربة / الشجيرات ظمأى تشاركني محنتي وافتقاد مرفأي . تشاركني بهتان الحلم الذي لا أدري كيف تبددَّ بهذا الخطف الفائق ، وتلك النهاية المتهالكة ، وذلك المشهد الرمادي .. الكلمات الخضر التي نطقناها في كرنفالات العشق استحضرها مبعثرةً على حجر الممرّات الأسود صفراً أحرقها الجفاف ,. ضحكات منى تتناهى ترددّات ساخرة ، وذبذبات تفتقد توازنها تتبدّى دويّاً مدوّماً .. آ .. لماذا تنفث هذي الشمس التي اعتادت احاطتنا بتحنانها فحيحاً حارقاً يلفح وجهي ويلهبه ؟ .. لماذا تُنبت نصال جمرها اللاهبة في يافوخي ؟! .. ما للهواء يستحيل سهاماً حارقة تمحق بشرتي ومساماتي مخلِّفةً القسمات موحلة يحسبني الرائي مخلوقاً لا ظلأً يأوي إليه ، ولا كياناً يحتمي به من قيض هذا الصيف الطويل ؟! ..

   ويأتيني الصوت الكمين حاملاً التساؤلات والدهش ، والاستغراب : هل حقّاً ذهبت منى ؟ ..  هل انقضت تلك الأيام التي كانت تأتيني لتفعم القلب شهدَ الرواء ، وتغذّي الروح بترانيم صوتها الملائكي ، الموشّى بزقزقات عندليب وسط بحيرة زهور أرى لقاحها يتطاير رحيقاً فائحاً أنتشي لفعله المؤثر فأعوم مدفوعاً برغبة طاغية في الغرق العذب والموت المستديم  !.. وحين أستدير متلفتاً لمرّاتٍ ، متوقِّعاً مشاهدتها ألفي نظرات المارّة ترنو تلاحقني ، ماطرة سيلاً من شفقةٍ وعطفٍ لحركات غريبة تبدر منّي .

    أتحرَّك لأستعيد ذلك المساء الرطيب عند " ساحة التحرير " والخطى تقودني  نحو دائرة البريد لأدفع برسالةٍ إلى صديق حميم غيَّبته المدن المتلاحقة وألقت به مغترباً بين أحياء " امستردام " يعتاش من رسائلي بأخبار الوطن ليغذي جوعَهُ بذكريات مدينته / مدينتنا المسترخية لصق الفرات ، وذلك الزقاق خزين أحلامنا الطفولية  المستحمَّة بالنقاء  ، مكمن عبثنا وألغازنا الصبيانية ، وتفتّح عشقنا البريء الذي اجحافاً بتنا نطلق عليه

( حب المراهقة العابث )  . صالة البريد تعجّ بالمراجعين المغتربين جاءوا ليتواصلوا مع أحبّاء لهم يقطنون مدناً نائية ، ممنّين النفس بوصول ألأخبار والأشواق والأماني . أبتاع طابعاً وأتحرك لاحدى المناضد المستديرة وسط الصالة  ؛ ألصقه في زاوية المظروف ملقياً آخر نظرةٍ للتأكد من ضبط العنوان قبل تمرير الرسالة في فم أحد الصناديق المعلقة على الجدار . حولي أناس يفعلون مثل ما أفعل  . وإذْ أنتهي من مهمّتي وأرفع الرأس تسقط عيناي على فتاةٍ تطالعني باهتمام . وجهها القمحي يهبني ابتسامة لا أعرف كيف أجبيتُ عليها لأسمع بعدها الشفتين المطليتين بأحمر شفاه فائح : " مساء الخير ! " فيرد لساني المتلعثم ردَّ الود . لحظةً وتدور لتقترب منّي ، تسألني :

_  " كأننا التقينا قبلاً ! " ..

_ "وأنا كذلك .. إنني أعرفك ! " ..

  تكمل الصاق الطابع على مظروف بيدها ، ثم تزجه في جوف الصندوق :

_ " إلى عدن ! " ..

 وأرفع مظروفي ؛ أدفعه :

_ " إلى امستردام ! " .

   من جيبي أستل مفتاحاً ، وإلى الصناديق المقفلة أرنو . أفتح رقماً يخصّني علّي أجد من تذكّرني ورمى لي حقائب الشوق الملأى بأخبار الأهل ولهفاتهم .

   نتحرك منفضّينَ من الزحام . نطأ الدرجات الهابطة لنلفي أنفسنا نسير على الرصيف سويّةً . لم أسألها الدرب ، ولم تسألني ! .. نتخذ الطريق يساراً فندخل  شارع " جمال " حيث المعارض ضاحكة تعرض مقتنياتها .. أتحسَّس لذّة اللقاء الأول وعبقه ، وأنتشي وأحسب منى ( منى والسحاب .. هكذا قدَّمت نفسها ضاحكةً ) هبةً تسللَّت من السماء فأمطرت القلب برذاذ الوجد وسط بهاء صنعاء الواهبة كلَّ شيء إلاّ عاطفتها الحبيسة بين أهرامات سود تتحرك بآلية وحذر ، واستحياء .

تسحبني مُنى من يدي لتدخلني مغارة أشذاء جدرانها مرايا وقوارير عطور شرقية قرأتُ على إحدها " خدمات معرض رياحين " .. أغرقني سديم أرائج مخدِّرة تتهافت باجنحة رحيقية . أشارت إلى عطرٍ همدي كحلي اللون . نقَّطَ البائع على ظهرِ كفِّها بضع قطرات فغمر الجو أريجٌ عميم ، حفَّ بنا إلى فضاءات ألف ليلة وليلة حيث شهرزاد تصحب شهريار المدهوش بسيولة الكلمات وسحرها ، على غيمة مخملية من أخيلةٍ تطوف به عوالم بعيدة : غابات أماني محتشدة / جزر ربيعية لا تتوقَّع نذر أعاصير ولا رياح ولا تهجسات / محفّات نفوس غائرة ومشاعر خبيئة / ألوان لا تأتي بها سوى سهوب الحلم ... ومن هناك تعود بي مغسولاً بروائح غابات فيضية . يخاطبنا البائع مبتسماً : " إنها محببّة لدى المتزوجين روّاد معرضي _ خمَّنا هكذا _ لم أستفهم منى عند خروجنا إنْ كانت أسيرة ذلك القفص السحري أم لا .

يستوقفني الوصول لمطعم " النورس " فأتسمّر وأنتصب قبالة واجهاته الزجاجية _ خلفها أبصر مناضده وكراسيّه تزدحم بالرواد .. وأرفع بصري لأرى منى تتخذ مكاننا المعهود . تبتسم / ترفع كفّاً ريشية تومىء لي كدعوة لارتقاء صالة العوائل . هناك اعتدنا الجلوس عند منضدتنا الأثيرة . أدهش لوجودها وحيدةً . أتساءل كيف جاءت ؛ هي التي غادرت صنعاء نافرة منكسرة ! . تلقّفتُ الممر  وارتقيت درجات السلم . وأمام المنضدة المحببة استقبلني الفراغ فيما رائحة منى تضوع مفعمةً المكان . أدرتُ وجهي أطالع جلوس عائلتين أفرادهما يرتشفون هناءة اللقاء ... ومثل حالم تكشَّف له زيف الآمال تهالكتُ خائباً على كرسي أطلب قدحين من عصير المانجا ، اجتراراً للذكرى . يتأملني النادل باستغراب . وإذْ يلمح بوادر  أمتعاض تفضح شرر حدقتي يتحرك مسرعاً . بلحظات يعود ؛ يضعهما أمامي . . متقابلين جاسنا . هذه أول مرّة أدعوها لتناول وجبة خفيفة على مناضد مُعدَّة بجاذبية واتساق ... وجه منى يزدهي وضاءً . شفتاها كفلقتي كرز محمرتين تتباعدان قليلاً لترسمان ابتسامة طائرة وبهجة تتنامى ، تفيض بهما بحيرتا العينين حتى تنضحان بهاءً وتوهجات بدء ثائر . أحدّق فيها حاصداً سعادةً من رياض وجهها الوديع فتشيح به وقد تبرعمت مسحة هناء تجلل بستان الأهداب السود ... تتشاغل بالنظر إلى صحيفة جلبتها معي . ترفعها ؛ تروح تفردها متابعةً العنوانات المتناثرة ، حتى إذا أدركت الصفحة الثقافية لمحتها تطلق شهقةً مختزلة ؛ ثم تنطُّ يرأسها : _ مفارقة ! " عبير الحلم " قصة كاتبها يحمل أسمك .

ببرودٍ مقصود أتفوَّه :

_ وما المفارقة ؟ .. القصةُ لي والكاتب أنا .

تحدّق بي .. تتفرَّس يعيني إن كانت تشيان بشيء من المزاح . وحين وجدتني صارم القول هتفت :

_ هذا يعني أنك قاص ولم أعرف ؟

نهَضَت ؛ وأراني مضموماً بذراعيها ، وخدي الأيمن يتلقة قبلةً وسط دهشة شاب وشابة اتخذا مكاناً لائذاً .

_ إذاً ستكتب قصةً تحكي حبنا الوليد .

_ هذا يعتمد على تفاعل الاحداث التي سنخلقها بمحضِ رؤيتنا ، أو تلك التي نواجهها بغير ذلك .

كلامٌ أقرب إلى النصيحة أو أدنى من الاحتجاج هو ما سمعته :

_ دعكَ من قصص الأفلام التي لا تنتهي إلا بالرسو علند تخوم الموت أو مرفأ الزواج ، واكتب عملاً متواصلاً تبدأهُ أنتَ وتترك للقراء مهمة رسم الخاتمة عبر مخيلتهم الخاصة .

   على رفيف انطفاء الشمس ؛ بعد التهام شرائح " الكنتاكي " وارتشاف عصير البرتقال ؛ خلل أنغام موسيقى غربية هادئة نهضنا منطلقين كبجعتين يحلقان في فيض فضاءٍ ثر . بين لحظ’ٍ وأختها تلتفت منى زارعة نظراتها تتحرى قسمات وجهي كأنها لم تصدق كوني قاصّاً له قدرة التخيل وصناعة الأحداث ثم سكبها على ورق الكتابة سعياً لخلق عالمٍ يٌلهب مخيلة المتلقّي ويأخذ به إلى دُنى المتعة والخيال حيث الزرع الناجز والحصاد المُنتظَر ... سألتني عن فحوى القصة فأدليت اختصاراً عن علاقة ود بين بائعة عطور ورجل قادته اللحظة غير المحسوبة للوقوف إزاءها متسمراً مذهولاً بفتنتها ونضارتها فيتفجَّر اللقاء حبّاً ناريّاً من جانبها ينتهي بتركها العمل والتواري ، واندفاع الآخر  جاهداً للبحث عنها دونما أمل .

   سألتني إن كان المكان حقيقياً فأتاها الرد ايجاباً , " في لقائنا القادم سنذهب إليه " .

جاء اللقاء ووجدتني منى أصحبها لأضعها وسط " بوتيكات " أصباغ وعطور ومستحضرات تجميل مستوردة . غرقت أنظاهرها في يم الانبهار متمليّةً الاصناف الراقية المشتعلة باشتهاء يصل حد هوس ابتياعها جميعاً . اقتربت البائعة الشابة من خلف معرض زجاجي . فرشت ابتسامة ناضجة وتحية استقبال أطلقتها طريةً يلفها الود . استقرأتُها تغمرني باتسامة تمتزج بنظرة طويلة وغامضة . لا أدري لماذا فعلت ذلك ، ما أثار خشية اكتشافها من قبل منى . بيد أنَّ منى كانت غارقة بتفحص ومتابعة أقلام " روج " تتفاوت ألوانها ، ثم تتحوَّل لمطالعة صف علب كريمات مُرطِّبة . رفعت رأسها مشيرةً للبائعة التي ما زالت تطيل النظر بي .

_ سجّلي لنا أصابع " الروج " الأحمر والكستنائي والماروني ، وأضيفي إلى القائمة هاتين القارورتين من سائل الشامبو .

تناولت مُنى الفاتورة وتحرّكت لدفع الحساب .. دار حديثٌ عابر كانت البائعة خلاله وجهٌ مؤتَلِق . أبديت اعجابي باسلوب العرض ونجاح الدعايات عبر الصور المبثوثة داخل المعرض ... عندما التفتُّ لمحتُ منى تلتفت هي الأخرى تصمّغ عينيها على البائعة وبواعث شك أو استنكار يتنامى فوق مشارف الحدقتين .

   أنفاس الغروب تتكاثف فيقترب الليل  بينما أقتربٌ أنا من مجمع " الكميم " . وبالمباشر أذهب إلى مكتبة " الشهداء " أتأملها من على الرصيف . أستدعي منى فتأتيني أنفاسها حميمية تمس وجهي وصوت رجائها لي بالانتظار . تدخل المكتبة . تشتري ثلاث نسخ من الصحيفة الناشرة للقصّة . أسألها مستغرباً : ولماذا ثلاث ؟! .. يجيبني صوتها النغِم :

_ واحدة سأقرأها كقارئة لا تعرف كاتبها . وثانية كقارئة تعيش التفاصيل مع الكاتب . وثالثة أتقمَّص شخصية بطلة القصة لأسبر صدى الانفعالات والاحتراقات التي تراودها .

أتوقّف محدِّقاً بها باندهاش :

_ انكِ تعرضين نظرية نقدية تكاد تكون غائبة عن النقاد ومتابعي الأدب .

_ لا تبالغ . ما أنا سوى قارئة . يوم ستكتب قصّتنا وأقرأها أعاهدك سأكون ناقدة لا تسلم من عنفي وتقريعي .

   تطوي النسخ الثلاث ؛ تدفعها في جوف جقيبتها ... حولي أتشمم رائحتها التي كثيراً ما دعوتها أن لا تعكّرها بالمعطّرات المصطنعة . تضحك ! دوماً تتّهمني بغرابة أطواري . وعن رجائي بعدم استخدامها العطور ترد محتّجة : الناس يستهلكون تلال المال لأجل عطور تبدّل روائح أجسادهم ويأتي رأيك ليهمّش مجهوداتهم .

_ ربّما أشذُّ عنهم ؛ لكن اعلمي أنني  لا أشتهي إلا عطر أنفاسك . ولا أبغي ملأ صدري بغير عبير جسدك ، فعندي هو الأشهى والأعذب أبداً .

تقهقه ثم تطأطىء رأسها فتتحرر خصلةً حبيسة من حقلِ شعرها الكلبدوني المأسور بشال يعيق انطلاقته . تهبط الخصلة على عينيها فتقبضها السبابة والابهام . وبحركةٍ رهيفة تزجّها إلى اضمامتها الكامنة .

آ.. لقد ذهبت منى !..

آ.. مَن مثلها يخلع عليَّ هناءة العيش ويدثرني برداء رموشها الدفيئة ؟.. مَن مثل قلبها يدخلني بستان البهجة ويغدق أبهاءه ولئلاءه وأمانيه ؟

   في واحدة من لقاءاتنا المتكررة داخل حديقة السبعين جالسين كنّا تضمّنا مصطبة تنتصب تحت شجرة كالبتوس معرّشة تطلّعتُ إلى شفتيها المتبرعمتين ؛ وفي أذنها سكبتُ همسي : موفّقة زيارتنا لـ " عبير الحلم " . انها تقدّم لي الآن ثمرة كستناء شهية .

كركرت مُنى ! .. كركرت مثل تلميذة يثني عليها معلمها . قرّبت وجهها من وجهي لترد على همسي . تحسست أنفاسها العابقة . دنوت منها . وكان علّيَ أن أقضم الثمرة الناضجة المتأهبة للقطاف باشتهاء جنوني عابث عندما انسحبت لتدرس تأثير اللحظة على صفحة تأججّي وتوهجي ولظاي . سمعتُ عينيها تنطقان : " ليس الآن ! اتركها لوقتٍ آخر . " . تفجّرت مراجلُ الشوق داخلي . ارتفعت حمّى صاخبة . لمحَت منى ضجيج الاعتلاج والتشظّي عبر شاشة عينيَّ فقفزت هاربة . رحت أتبعها / راحت تعدو ؛ تختفي وراء أجمّة خضراء لتجد ذراعيَّ يحتويانها من الخلف ، حتّى إذا استدارت انقضضتُ على الثمرة أمتصُ شهدَها الجنائني ثم ألتهمها وسط استرخاء ظبيتي واستسلامها . يصدمني شخصٌ بغفلةٍ . أواجَه بصديقٍ يعيب عليَّ انقطاعي عن لقائي به والأصدقاء ، يستنكر عليَّ مظهري ، مُذكِّراً إيّاي بترافة ملبسي وذوقي اللذين كانا محط إطراء أقراني .

   أخطو عبر دروب الروح فألمح ذلك الشاب الذي أهرقَ سنيّه بين خوالجِ الكتب ودهاليزِ المكتبات ويافطاتِ معارض الفنون وقاعاتِ المسارح المنبثّة في اختلافات المدن . ألمحهُ في جانب آخر يتنقّل من فتاة لأخرى : فتاة مراهقة لعوب / فتاة تجهل فنون الحب / فتاة قررت إحراق نفسها إنْ لم يرد على رسالةٍ كتبتها إليه ؛ وحين لم يفعل أبصرها في اليوم التالي تُسلِّم رسالةً لغيره / فتاة تركت آخرَ ليقطف بكارتها وجاءته هو ليرمِّم حُطام السفينة / فتاة بكت على تجاهلِه لها وانكفأت حاسرةً ، منهزمةً تقترن برجلٍ آخر لا تحبُّه / فتاة عاشرته لأشهرٍ طوال ثم فضَّلت سيارةَ السوبر على السير خطواً / فتاة قال لها أحبّك فاعتذرت ساخرةً ؛ إذْ علَّمتها التجارب أنَّ الحبَّ مفردةٌ أستُهلِكَت نغمتها / وأخيراً وجدَ مُنى واحدة من اللائي ستُضاف لقائمة الأسماء ، لهذا قررَّ أن يعيش الساعة ؛ يعبُّ نشوتَها وينهل بكل اندفاع من فيضِ غدائرها غير عابىء بادراك المرافىء ... تكررت زيارتنا لعبير الحلم ؛ ومعها رحتُ ألمس امتعاض منى كلّما اقترحتُ رغبةً لشراء بعض الهدايا .. وأخيراً جاء الانفجار : " لماذا تُصِر على ارتياد هذا المعرض كلَّ مرّة ؛ يمكننا زيارةَ معارضَ أخرى تبيع أشياءَ أجملَ وأفخر فصنعاء مدينةٌ زاهية تستطيب العطور وتستعذبها ؟! " . تحدِّجُني بنظرةِ استفهامٍ وعتب : "  أيكون لهذا المكان سحر مهيمن عليكَ إلى درجة لا تستطيع إزالة مؤثراته عن نفسِك ؟ " .. أقول محاولاً إظهار استنكاري : " لِمَ يملأ الغيضُ وجهَكِ ، ويطفح بمجرد ذكرِ هذا المكان ؟ " .. تصمت / تُطأطىء رأسها تاركةً أناملها تعبث بابزيم حقيبتها ، تفتحه ثم تغلقة .. تفتحه وتغلقه . ترفع رأسها فتصدمني سيول الدمع الهادئة تنساب على صفاء الوجنتين السمراوين .. أصرخ بها : " منى ! ألهذا الحد تتألمين وتزعجُكِ زيارة المكان ؟! لماذا تبدين عاطفيةً بهذا الشكل المدَّمِر ؟ لماذا تضخّمين الأمر جاعلةً منه هولاً لا تطيقينه ؟ لماذا تعتبرين قصةً جٌلها خيال صادقة بأحداثها ؟  ما عبير سوى شخصية وهمية ارتأيتُها بطلةَ قصةٍ ليس غير .. مُنى ، أنا لكِ وحدك بكل صدقي ورغبتي ، وعبثي وانسحاقي ووجدي . أنتِ البهاء الوضّاء الذي أرشق وجودي على أمواه فيضه . أريدك عالمي المكتشَف لا تكوني كَوني المفقود وانسانيتي المُستلَبة ، بل صيري شِعريَ العذب الذي أطلقهُ في وِهاد الروح كيما أحيله أفقاً من فاكهة وخضار ومنبع خِصب وماء عذب .. آ .. لأولَّ مرّة تُفصِح منى عن جانبها المُحاط بالظل . تُضيئه / تفتح لي أبوابَ ألمها دونما سيطرة أو استحواذ يكبح عواطفها المتهالكة ... عبرَ نافذة روحها التي واربتها شاهدتٌ أقبيةً دفينة وأبصرتُ ممرات زاخرة وفضاءات متقاطعة ‘، جدرانها تُعلِّق لوحات تُغرقها الكآبة ويفعمها اليأس _ جهِدَ آلهةُ السريالية ومبتكروها بعرضها انموذجاً للانسان المُرهَق المتعب المغدور ، المغلوب على ذاكرته ، المأسور بهواجسه الفضيعة مُحتشِدة _ حاجبةً عيون الشمس .. آ .. منى إنَي أقفُ عند " سوبر ماركت الهدى " . ألجُّه وحيداً وأخرُج معكِ بعدما ابتعتِ قارورةَ عسلٍٍ قُلتِ أنكِ تفضّلين ثلاث ملاعق منها كوجبة عشاء تمنحكِ صفاء الذهن مُبعِدةً عن لياليك هجوم الأفكار الرمادية ودنو الكوابيس قبل رحيلك الليلكي فوق محفا الوسن . أنا أصغي طافياً مع مدِّ السعادة ، مبثوثاً مع موج الإلفة أستدعي الكلمات تتوالى شعراً تضمخها موسيقى روحية شفيفة تنبثق من بؤر الرغبة ، ساريةً خلل الأوصال التي أحسُّها طافيةً وسط اصرار مُنى بأنها ستحرص على حبّنا  باقيةً لي أبداً ، أبداً . لن يمنعها عائق .. حدّثتني برموزٍ وكلمات عن غيوم داكنة طردَتها ، وأخرى عنيدة تشاهدها تتقدَّم شطرها حاملةً نُذر أعاصير تتنبأ بتدمير حياتها وتهرس وردة الجذل النديّة ، ماحيةً فنارات الحلم / اللذة التي شيَّدتها بدءاً من أول لقاء لها بي ... أطمئِنُها : أوهام ! .. ما يعتريكِ محضُ أوهام ، تداهمُكِ مثلما تتلبّس الكثيرين من حَمَلَة تراكمات العواطف وجيشان الأحاسيس المُرهَفة ، القلِقة ( لكنها كما يبدو سليلة أولئكَ المتنبئين بالكوارث قبل استحالتها واقعاً .! ) ..

   جاء اليوم الذي لم أُبصر منى تجلس على مصطبةٍ اتخذناها موقعاً للقاء عند أحد أركان حديقة " السبعين " حسبما الاتّفاق  . انتظرتها حتى أهرقت الشمس بهاءها الذهبي وتسربلت بلون الزعفران . ثم جاء اليوم التالي وأعقبه اثنان .. هل مرِضَت منى ؟ هل تعرضت لحادثٍ ألزمها دخول المستشفى ؛ وأي سرير يضمها الآن ؟ هل ولَّد دمعها الذي سكبته آخر لقاءِ لنا كآبةً أقعدتها منكمشة لصيقة أثاث غرفتها ؟! ..

    تذكّرت أننا اتفقنا أنها ستخبرني عن طريق صندوق البريد لو حدثَ طارىءٌ يعيق اللقاء .. حثثتٌ الخطى إلى بريد التحرير ؛ وبكفٍّ مرتعشة فتحتُ الصندوق . تشبَّثت أصابعي بمظروفٍ لا يحمل طابعاً ، ميّزتُ كلمات منى سريعاً ... فضضته ُ :

    العزيز مُراد :

    اذا كانَ لكلِّ قصّة _ كما علَّمتني _ بداية يتخللها حدث وشخصية فإنَّ لها نهاية حتماً . وها هي قصة حبِّنا تدرك كلماتها الختامية . ودخولاً إلى الفحوى أقول : لم أعُد أُطيق متابعة قصة " عبير الحلم " وهي تنتفض على الورق لتستحيل قبالتي حقيقةً ناجزة .. لم تكن عبير شخصية مُختلَقة كما ادَّعيت .. كلاّ . رأيتُكَ  في عديد زياراتنا للمكان تغرز عينيك في عينيها كأنها صومعتك الروحية ، وتتملّى خارطة وجهها كأنها ربوعَك المبتغاة بينما هي تبعث إليك ابتسامةً خفية من وراء حجب عينيها كأنها تتقصَّد العبث بأعصابي .. تتبادلان رسائلَ ورموزاً لا تخفى على امرأةٍ طُعِنت يوماً من زوجٍ كان يمارس فعلَ ارسال شفرات الوله لفتاةٍ كانت تعمل معه في أحد أقسام عمله .. رأيتُكَ تُعيد خطيئة زوجي لترسم لوحةًَ تتنافر ألوانُها وتسيل لتفتح نافذةً قاتمة تقتل بؤرَ الضوء المنبعثة من حبِّ زرعته لكَ على تخوم القلب ؛ تُعتِم الطرقات التي ارتأيت لها النور الدائم . لقد أوصلتني مُجبَرةً إلى نهايةٍ لم أكن أتوقّعها .. أدري أنكَ ستكتب قصّةَ حبّنا ومساءات احتراقاتنا ، وستنهيها بهذه النهاية التراجيدية بينما تمنّيتها مفتوحةً بهيجة . وبهذا أثبتت الأيام خطأ نظرتي .. أدري أنكَ ستعود إلى أماكن حلمنا الجميل تبكي أطلاله ، معيداً حوارات قلناها ونحن عائمان بزورق الرفاه والثَمَل .

   إذا شئت البقاء داخل حلبة ذلك السِفر المنتهي _ وهذا ما لا أتمنّاه لكّ كي تتعذَّب ولكن مع ذلك _ عُد إلى أغانٍ رددّناها ، وأماكن زرناها . وسأعود أنا لإحيا بين تفاصيل حياة زوجٍ لا يكف عن ارتكاب الأخطاء وصورة حبيب اغتال سعادة حبيبته ليلة كرنفال حبِّهما الجميل .. ستبقى تعيش لذّة الذكرى وعذوبتها . أمّا أنا فسأبقى أتلظّى فوق جمر الخيبة والألم صاغرةً خاسرة ... إنني عائدة إليه !  إلى عدن اضطراراً .. وداعاً ! .. وداعاً !

 

                           منى

       صنعاء _ يونيو / 1996